فيراباند... طفل الإبستمولوجيا المشاغب

بلور رؤية ثارت على كل الأنماط والتنظيرات في حقلي العلم وفلسفته

فيراباند
فيراباند
TT

فيراباند... طفل الإبستمولوجيا المشاغب

فيراباند
فيراباند

يوصَف التصور الذي قدمه بول فيراباند (1924 - 1994) عن العلم، بكونه من أجرأ التنظيرات الإبستمولوجية التي عرفها القرن العشرون. والحق يجوز لهؤلاء الواصفين إطلاق هذا النعت، لكن الجرأة لم تكن ولن تكون ضمانة معرفية لصدقية نتاجها، فإذا كانت الجرأة النقدية شرطاً من شروط الإبداع، بما هو خرق للمألوف، فإنها ليست معياراً للصدقية والصواب. لكن الجرأة التي يمتاز بها فيراباند، تستحق أن نقف لنعاين ما الذي جعلها كذلك.
تكمن فرادة تصور فيراباند وجُرأَتُه، في بلورته لرؤيةٍ فوضويةٍ تثور على كل الأنماط والتنظيرات المعروفة في حقل العلم وفلسفته، حتى وصل الأمر بالبعض، إلى نعته بـ«طفل فلسفة العلوم المشاغب»، لشدة ثورته وشمولها الجميع. إن هذا «الطفل المشاغب»، المعجب أشد الإعجاب بتيار الدادائية في الفن، نراه استصحب معه حسّ الدادائي إلى مختبر العلم، وقلب كل الأنساق الإبستمولوجية المتداولة، إذ لا يثور فقط على التجريبيين الساقطين في تقديس النموذج الاستقرائي، بل حتى على الثائرين على هؤلاء. إنه يكاد يقف وحيداً ضد الجميع، ضد كارناب، وكارل بوبر، وناجل وهامبل، وتوماس كون... رافضاً كل محاولة إبستمولوجية تسعى إلى بناء نظرية تستهدف عقلنة الممارسة العلمية، لأنه يرى هذه الممارسة، محكومة على نحو جدّ معقد، بخليط من الأحكام المعرفية والجمالية، مع تصَوُّرات مسبقة ميتافيزيقية، ورغبات ذاتية.
كما شدَّد في نقد المؤسسات الجامعية، منتقداً المناهج التعليمية، ومنبهاً إلى خطورة الطريقة السائدة في تدريس العلوم في المدارس والجامعات، حيث يشير إلى أن هذا التدريس يتم على نحو مناقض لواقع الإبداع العلمي، إذ تسعى تلك المؤسسات التعليمية إلى إدخال عقول الطلاب في قوالب منهجية جاهزة، مع تحسيسهم بأنهم إذا ما فكروا وفق هذا القالب فهم على صواب، وإذا ما حافظوا عليه فسيصيرون علماء وسيبدعون ويضيفون! بينما لا إبداع إذا بقينا ضمن القوالب السائدة. فتطور العلم لا يجري أبداً بامتثال قواعد منهجية مسبقة، والدليل على ذلك، أن أغلب الكشوفات والاختراعات العلمية وأهمها، كان نتاج حدوس إبداعية خارقة لكل نمذجة منهجية جاهزة.
لذا يطالب فيراباند المؤسسات والجامعات بمراجعة نظمها التعليمية، حيث يشير إلى أن الأعراف والقواعد المنهجية المعتمدة داخلها، هي، في الغالب، موانع تحبس انطلاق العلم، بينما تظن أنها تساعده على الانطلاق والإبداع.
كما ينتقد فيراباند الإبستمولوجيات المتداولة، على اختلافها، بسبب انشغالها بالتأسيس المنهجي، حيث يسخر في كتابه «ضد المنهج» (Against Method)، الصادر سنة 1975، من ذلك الاعتقاد الشائع الذي يتصور العلم مجموعة قواعد منهجية محددة، مثلما يسخر من تلك المحاولات الفلسفية والعلمية التي أنتجها مختلف المفكرين الذين قصدوا إلى تحديد مفهوم العلم ومنهجه. ذلك لأن هذه التحديدات، لا تطابق واقع الممارسة العلمية كما يباشرها العلماء، لذا تبقى مجرد تنظيرات سطحية مخالفة للممارسة التي تتسم بتعقيد كبير.
هذا ما جعل فيراباند يعنون كتابه بـ«ضد المنهج»، مسطِّراً تحته عنواناً أكثر دلالة على فلسفته، وهو «مشروع نظرية فوضوية في المعرفة»، ناقداً بذلك، كل نمذجة وتنميطٍ للعلم، ومؤكداً ضرورة الانتقال من البناءات الميثودولوجية الجاهزة إلى قراءة العلم كما يمارَس.
لكن ماذا يجد فيراباند في تأمُّله بالممارسة العلمية؟
يلاحظ أنه لا توجد صيرورة فكرية منتظمة في صيغة منهجية محددة، كما يزعم علماء مناهج العلوم، فالعلماء في ممارساتهم الإجرائية، لا يبدعون العلم بناء على اتباع مبادئ وقواعد منهجية سابقة، بل إن الإبداع العلمي لا يتحقق إلا بمقدار الابتعاد عما هو سائد ومألوف. فالإسهامات العلمية التي جاء بها كبلر وغاليلي... هي نتاج الخيال لا نتاج امتثال لقوالب منهجية محددة. ومن ثم من العبث السعي إلى بناء نظرية حول العلم، فمثل هذا التأسيس والبناء أمر مستحيل، لأن العلم كما يتجلى في تاريخه، هو مجموعة ممارسات وطرق في التفكير ونتائج غير متجانسة، لذا يستحيل أن نخرج من هذا التعدد واللاتجانس ببنية منهجية متماثلة نؤسس بها نظرية للعلم. ولهذا فكل المحاولات التي أنجزها علماء الميثودولوجيا والإبستمولوجيا، أمثال رايشنباخ، وكارل بوبر، وتوماس كون، وحتى لاكاتوس أيضاً، الذين قصدوا تحديد ماهية العلم وتسطير منهجيته، هي محاولات فاشلة تقوم على اختزال التاريخ العلمي وإفقار تعدده، بإرجاعه إلى تصور نمطي أحادي.
وهنا لا بد من القول: لا يجب أن يُفهم رفض فيراباند للمنهج بكونه اعتقاداً بعدم وجود منهج في العلم، بل هو يرى أن في العلم مناهج متعددة لا منهج واحد، وحتى داخل حقل تخصصي محدد، ثمة تعددية منهجية. لكن هناك من يريد التغطية على هذا التعدد المنهجي، أو اختزاله في قواعد محددة استقرائية أو استنباطية، بينما ثمة حدوس ودوافع وتصورات كثيرة توجه البحث العلمي يجري إغفالها.
لكن ما الجديد في هذا؟ ألا نجد الكثير من علماء الإبستمولوجيا يشيرون إلى وجود تعدد منهجي؟
أجل، لكن فيراباند يختلف معهم من جهة، برفضه للمفاضلة بين المناهج، حيث يرى أن كل منهج جائز. لذا يدعو إلى عدم تقديس أي نموذج منهجي، ويختلف معهم من جهة ثانية، بتأكيده على أن الحقل العلمي تسوده موجهات ذاتية وميتافيزيقية ومصلحية أيضاً، لكن يتم التغطية عليها من أجل تقديم العلم بوصفه منتجاً للحقائق الموضوعية.
وهذا ما يرفضه فيراباند. فالتصور الشائع القائل إن العلم مسلك منهجي صارم له قواعده وخطواته الإجرائية التي تضمن الموضوعية بالفصل بين الذات والموضوع، تصور خاطئ، لأن الممارسة العلمية صيرورة معقدة ومتشابكة، تتعدد فيها المناهج، ويُمارَس فيها الخيال والحدس، وتتدخل الرغبات الذاتية، والشروط الثقافية والمجتمعية، في توجيه التفكير وتسييره.
من العبث أن نطلب من فيراباند، وهو الذي يدعو إلى نظرية فوضوية في المعرفة، بديلاً نقدياً لما يرفضه ويقوضه. فليس عنده بديل جاهز ومحدد يمكن معاينة قواعده، بل إن مشروع فيراباند هو نقد لكل جاهزية أو نمذجة نمطية محددة، ودعوة مفتوحة لفوضوية منهجية مطلقة. إنها ما يمكن أن نلخصه بقول فيراباند نفسه «كل شيء جائز»! فكل المناهج على اختلافها وتباينها يمكن أن تثمر في الممارسة العلمية، ولا مجال للمفاضلة بينها من أجل تثبيت منهجية محددة.
وخلاصة القول، يبقى فيراباند في نظري، إبستمولوجياً غارقاً في نسبوية مطلقة، فهو يقرأ العلم بمنظور دادائي رافض لكل نمطية وتقعيد. لكن على الرغم من مشاغباته أو لعله بفضلها - استطاع أن يفضح زيف لبوس الموضوعية الذي تتخفى وراءه المعرفة العلمية.



«الشارقة الثقافية»... المسرح الشعري والمستقبل

«الشارقة الثقافية»... المسرح الشعري والمستقبل
TT

«الشارقة الثقافية»... المسرح الشعري والمستقبل

«الشارقة الثقافية»... المسرح الشعري والمستقبل

صدر العدد رقم 120 من مجلة «الشارقة الثقافية»، وقد تضمن مجموعة من الموضوعات والمقالات والحوارات، في الأدب والفن والفكر والسينما والتشكيل والمسرح والتراث.

وفي تفاصيل العدد، كتب د. أكرم قنبس عن الأديب إبراهيم عبد القادر المازني من رواد الثقافة العربية ومؤسسي مدرسة الديوان، وتوقف خلف أحمد أبو زيد عند ريادة ومكانة دنيس جونسون ديفز في ترجمة الأدب العربي الحديث إلى الإنجليزية، أما د. أميمة أحمد فكتبت عن مدينة سطيف، التي يزينها عبق التاريخ وسحر «عين الفوارة»، وجال نور سليمان أحمد في ربوع مدينة إهناسيا، حيث روح الريف وملامح المدينة.

أمّا في باب «أدب وأدباء»، فشارك إسماعيل عبدة بمداخلة حول مكانة نجيب محفوظ في الرواية والسينما، وقدم مالك صقور قراءة في رواية «الشيخ الأبيض» لسلطان القاسمي، حيث الحقيقة تبحث عن وثيقة، وتناول صالح لبريني أحد أعمدة القصيدة المغربية المعاصرة، وهو محمد السرغيني، الذي جمع بين الإبداع الشعري والنقد الأكاديمي، واستعرض محمد الأرناؤوط مسيرة إسماعيل أبو البندورة الذي حمل لقب السفير الثقافي وأغنى المكتبة العربية بالأدب البوسني، وبحثت وفاق سلمان في رواية «أن تعشق الحياة» لعلوية صبح (تجربة استثنائية وشغف البقاء)، وتابع محمد يوسف أبولوز فعاليات ملتقى الشارقة للتكريم الثقافي ومتوالية العطاء والاحتفاء بالمبدعين العرب.

ومن المقالات الأخرى، كتب أحمد فرحات عن صاحب مجلة «الآداب» الروائي سهيل إدريس بمناسبة مرور قرن وعام واحد على ميلاده، وألقى د. مجد حيدر الضوء على «عراف الأدغال والعبقرية» الأكثر اكتمالاً، (روديارد كيبلينغ) أول بريطاني يفوز بجائزة نوبل للآداب، وتناولت نسرين أنطونيوس رواية «الدقلة في عراجينها» للبشير خريف الذي يصور علاقة الإنسان بالأرض والهوية، وحاور هشام أزكيض الدكتورة خديجة السعيدي التي يتجاور في كتاباتها الشعر والسرد والنقد، ورصدت رؤى جوني التحولات النفسية لأبطال الكاتب ربيع جابر، الذي يجمع بين متعة الخيال والقيمة التاريخية، وتوقف جمال الشرقي عند المقاهي الثقافية في بغداد التي تحولت إلى مجالس للأدب والفن.

كذلك كتبت روز مخلوف عن ألفة الإدلبي التي أضاءت الجوهر الإنساني لأبطال قصصها، فيما حاور ساسي جبيل أحد رواد القصة القصيرة في تونس هو صالح الدمس الذي رأى أن الحياة روايات وقصص، وبيّن د. أحمد عيطة كيف جمعت الرواية العربية بين المتعة والمعرفة والخيال والواقع، وقرأ زياد الريس رواية «الرجع البعيد» لفؤاد التكرلي الذي انشغل بالإنسان في قوته وضعفه، والتقى حسن م. يوسف الصحبي بن منصور الذي دعا إلى كتابة تاريخ أكثر إنصافاً، وأخيراً تناول د. عبداتي بوشعاب رواية «الدم الأزرق» لنجلاء الشامسي التي تصور الشتات وجدلية المكان.

من جهة ثانية، تضمّن العدد مجموعة من المقالات وهي: حوار الجمال والهوية (ذكاء ماردلي)، الحضارة والثقافة العربية (د. سعيد عبيدي)، انتصار البطل في الرواية العربية الحديثة (عمرو العنتبلي)، سحر الرواية.. رؤى ومتغيرات (رشيد الخديري)، صنع الله إبراهيم بين الرواية والواقع (اعتدال عثمان)، القصة القصيرة.. مقاربة نقدية في المنهج والتلقي (د. عبدالعزيز بودين)، أحمد الشايب ونقاد الأدب (مصطفى عبدالله)، العوالم السردية في نصوص باسم سليمان (انتصار عباس)، وغيرها.

وقد أفرد العدد مساحة لمجموعة من القصص القصيرة والترجمات، لمجموعة من الأدباء والمبدعين العرب.


70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس
TT

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس

بعد جيلين صنعا مجد «دار الآداب»، وبمناسبة الاحتفال بمرور 70 سنة على انطلاقتها، تتحدث مديرة الدار رنا إدريس لـ«الشرق الأوسط» عن تاريخ وكواليس واحدة من أعرق دور النشر العربية وأقدمها. وهنا نص الحوار...

وضع سهيل إدريس وشريكة حياته عايدة مطرجي النواة الأولى لـ«دار الآداب»، ثم لعب الأولاد رنا وسماح ورائدة، كل منهم دوره في تطوير العمل وتحديثه. أما الحفيدة تالا فهي جاهزة لأداء المهمة، حين يطلب منها ذلك. 7 عقود من النشر والأدب سيحتفى بها في «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» بدءاً من التاسع من الشهر الحالي، بالموسيقى والندوات والتواقيع. ويعقد حوار يوم الأحد المقبل، بين د. بلال الأرفه لي ورنا إدريس تتحدث فيه عن تجربتها.

تقول رنا لـ«الشرق الأوسط»: «الدار لم تستمر بالصدفة، كان ثمة تحضير مبكر لي ولإخوتي على العمل». وتكمل: «عشنا في الدار وكبرنا. شربنا الكتب مع الحليب. ولا أذكر أننا جلسنا على غداء، إلا وكان حديث عن كتاب أو ترجمة».

خلال حياته قسّم سهيل إدريس المسؤوليات. ابنته رنا تتسلم دار النشر، ابنه سماح يدير مجلة «الآداب»، زوجته الدكتورة عايدة لها الطباعة والمستودعات. وسهيل إدريس تفرغ بعد الأدب والترجمة، للقواميس حتى أنجز «المنهل» الفرنسي - العربي، بالتعاون مع جبور عبد النور.

سهيل إدريس

المجلة أولاً

«دار الآداب» ولدت من رحم مجلة «الآداب». عام 1953 أوكلت «دار العلم للملايين» إصدار المجلة إلى سهيل إدريس، وهو في أواخر عشريناته. بعد 3 سنوات تزوج ممن ستصبح شريكة حياته عايدة مطرجي. شعر أن طموحاته وجرأته تذهبان أبعد من الممولين، فشجّعته والدته وزوجته عايدة على شراء المجلة، ثم باعتا مصاغهما، واشتراها. هكذا صارت «الآداب تساوي ثقلها ذهباً». في السنة نفسها، أي 1956، ولدت «دار الآداب» للنشر. شعر سهيل إدريس أن المرحلة تحتاج نشر نصوص كبيرة، والرواية يجب أن تكون لها مكانتها، خاصة أنه أصدر روايته الأولى «الحي اللاتيني».

كان مركز الدار بناية درويش في «الخندق الغميق». في تلك المنطقة توجد غالبية دور النشر. انتقلت بعدها «الآداب» قرب الجامعة العربية حيث كان سهيل إدريس يدرّس الترجمة، ومن ثم إلى «طريق الجديدة»، منطقة منظمة التحرير الفلسطينية. تتذكر رنا كيف كان محمود درويش يسكن قريباً من هناك وليانة بدر ومثقفون فلسطينيون كثر يترددون على الدار.

سماح إدريس

الكتب وقود الحروب

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب». قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى على مكتبة سهيل إدريس. احترقت كتب حملت إهداءات سيمون دوبوفوار، جان بول سارتر، ريجيس دوبريه، نجيب محفوظ، يوسف السباعي. وكان قبلها جزء كبير من أرشيف «دار الآداب» قد فقد خلال ثورة 1958.

«حزن والدي كثيراً على ضياع مكتبته. وانتقلت الدار إلى ساقية الجنزير». عاشت العائلة في دار النشر، أو العكس: «في فترة ما كان المنزل ودار النشر متقابلان، ووالدتي تترجم في الدار وتذهب لترضع سماح في الشقة المقابلة. الشيء نفسه بالنسبة للطبخ. كم من مرة احترقت الطبخة، وهي مشغولة في الدار». رنا عاشت الظروف نفسها: «جاء ذات مرة نزار قباني، وحين طلب منه أن ينتظر انتهائي من إرضاع ابنتي، قال ممازحاً: وهل أنا في حضانة!».

تتذكر رنا: «لم نجلس مرة إلى الغداء إلا وأسمع أمي وأبي يتحدثان عن ترجماتهما. تناقشا ذات جلسة، كيف يترجمان عنوان (الغريب) لألبير كامو ويميزانه عن عنوان كتاب كولن ولسون. وقررا بعد أخذ وردّ أن يسميا مؤلف الأخير (اللامنتمي)».

في البداية، انكبت الدار على ترجمة كتب الوجوديين، من سارتر إلى كامو وكولن ولسون. عنيت بالفكر اليساري، وكتب ماركيز، وماركس، وماو تسي تونغ، ومذكرات بن بلة: «اهتموا بسارتر بسبب موقفه المؤيد لتحرير الجزائر، وبيانه (عارنا في الجزائر)». تقول رنا: «كان أبي مصرّاً على ترجمته وتسويقه، لا لفكرة الحرية فقط، بل لأنها عنده مقرونة بالمسؤولية وليست مطلقة».

هذا انعكس على طبيعة منشورات المجلة التي شجّعت القوالب الجديدة في شعر نازك الملائكة والسياب وأحمد عبد المعطي حجازي.

كان سهيل إدريس جريئاً، حماسياً، نهضوياً في عروبته، من هنا خلافه مع رواد مجلة «شعر»: «كان حريصاً على اللغة العربية. ولا يرى النجاة إلا عبر الوحدة. رأى أنه إذا تم الاستفراد بنا واحداً وراء آخر فسنؤكل، وإذا لم نقف مع الجزائر وفلسطين فسيأتي دورنا جميعاً»، تقول رنا. واللغة العربية هي القادرة على جمعنا. «لهذا لم يكن ينظر بارتياح إلى مجلة (شعر)، وانفتاحها على العامية. شعر أن ثمة أيادي غريبة وراءها. ليست ريبة اتجاه كل كتّابها، وإنما لم يرتح لتوجهها السياسي».

بعد ثورة شمعون

بعد عام 1958، اهتمت الدار بطباعة الرواية العربية. نشرت لأصوات جديدة، أبرزها نجيب محفوظ، وروايات لحنان الشيخ وغادة السمان التي بقيت مع «دار الآداب» حتى زواجها من صاحب «دار الطليعة» بشير الداعوق. «ثم جاءت موجة حنا مينة، الذي كنا نطبع له من الكتاب 5 آلاف نسخة، ومن ثم تتوالى الطبعات. كولن ولسون كنا نطبع له 10 آلاف. لقد كان من بين الأكثر مبيعاً».

كما نشرت الدار كتب جبرا إبراهيم جبرا، ولكتّاب آخرين، واستمرت الترجمات. قرّر سهيل إدريس التوقف عن طباعة كتب سارتر بسبب موقفه السلبي من فلسطين. وبقي كذلك حتى عودة رنا من أميركا، حيث تمت مراجعة كتبه وإصدارها.

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب»... فقد قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى

فلسطين أولاً

فلسطين بالنسبة للدار والمجلة قضية محورية. ومع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 وضياع المكتبة الشخصية، بدأ القلق يكبر والإنتاج يتراجع. صار الهمّ الأكبر لسهيل إدريس أن تبقى المجلة في بيروت. «نظراً لعنف الأحداث، وبطلب من أصدقائه، اقتنع بأن يصدر المجلة من بغداد. لكنه كان العدد الأول والأخير الذي يصدر خارج لبنان، بسبب ضغوطات الرقابة الكثيرة التي تعرضت لها».

وهي تتبع مسار «الآداب»، تتذكر رنا إدريس ظاهرة أحلام مستغانمي: «لا يوجد كاتب حقق مبيعات في العالم العربي كما أحلام. كانت ظاهرة كما نزار قباني. (ذاكرة الجسد) أحدث دوياً آخر الثمانينات. من وقتها لم نعد نرى اسماً واحداً يحلّق في المبيعات. يمكننا الحديث عن ظاهرة إليف شافاك، مؤخراً، خاصة كتابها (قواعد العشق الأربعون)، ولكن ليس عن كاتب عربي».

رنا إدريس: الدم الجديد

عادت رنا إدريس عام 1986 من أميركا، بطلب من والدها، بعد أن مضت 5 سنوات وهي تحضر للدكتوراه. قال لها إن الدار بحاجة إلى دم جديد، ويمكنها إكمال الدكتوراه من لبنان، خاصة أن شقيقها سماح يتحضّر للذهاب إلى جامعة كولومبيا، وشقيقتها رائدة تزوجت وسافرت إلى أميركا.

عادت رنا متحمسة للتجديد. كانت موضة اليابان قد بدأت في نيويورك: «قلت لوالدي: كل شيء هناك ياباني. ويجب أن نفهم كيف زاوجوا بين التقليد والحداثة». كانت قد قرأت كتباً يابانية، واقترحت إصدار سلسلة من الأدب الياباني في 15 رواية. وهكذا كان. ترجم سهيل إدريس رواية كواباتا «حزن وجمال»، وترجمت عايدة رواية يوكيو ميشيما «البحار الذي لفظه البحر»، ومن بعدها صدر بالعربية كثير من الأدب المترجم عن اليابانية.


«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي
TT

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» كتاب جديد يضاف إلى سلسلة المؤلفات للباحثة والناقدة الدكتورة نادية هناوي.

ويضم الكتاب الصادر مؤخراً عن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق مقالات غير موزعة بحسب تواريخ نشرها في الصحف والمجلات، ولكنها مرتبة بحسب ما تحويه من أفكار وآراء.

وهي تتوزع ما بين النقد الأدبي والبحث العلمي ومسائل النسوية والثقافة العربية والفكر والجمال. والغالب على المقالات أنها مخصوصة بالشأن العربي، كشفاً ومعالجة لظواهره الأدبية من شعر وسرد ونقد ونظرية أدبية وإبستمولوجيا، وما يتصل بذلك من موضوعات مجاورة للنقد الأدبي كالتاريخ والفلسفة والاجتماع والأنثروبولوجيا والفلسفة وعلم الجمال وتاريخ الأفكار. هذا فضلاً عن رصد الظواهر الثقافية المحلية خاصة، وظواهر الوضعين السياسي والحياتي في البلاد العربية بصفة عامة.

تقول المؤلفة في المقدمة: «درجتُ في كتبي السابقة على جعل كل واحد منها بوحدة موضوعية، تلتم فيها الأطراف، وتدار حولها الطروحات والأفكار. ولم ألجأ إلى جمع مقالاتي المتناثرة هنا وهناك ونشرها في كتاب مستقل كما يفعل بعض الزملاء النقاد.