مدنيو غرب الموصل يسقطون في غارات التحالف وقصف «داعش»

جثث متحللة متروكة في حدائق المنازل... وأخرى تحت الأنقاض

مدنيون نزحوا جراء المعارك في أحد أحياء غرب الموصل أمس (رويترز)
مدنيون نزحوا جراء المعارك في أحد أحياء غرب الموصل أمس (رويترز)
TT

مدنيو غرب الموصل يسقطون في غارات التحالف وقصف «داعش»

مدنيون نزحوا جراء المعارك في أحد أحياء غرب الموصل أمس (رويترز)
مدنيون نزحوا جراء المعارك في أحد أحياء غرب الموصل أمس (رويترز)

عبرت الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية عن قلقها البالغ حيال تصاعد عدد القتلى في صفوف المدنيين، جراء المعارك مع تنظيم داعش في الجانب الأيمن من الموصل التي يخرج فيها السكان جثث قتلاهم في عربات إلى القرى القريبة من المدينة لدفنها.
وقبل أيام، شوهد شهاب عايد وعدد آخر من الرجال وهم يدفعون عربة تحمل جثتي ابنه وزوجته الملفوفتين في بطانية، عبر خندق موحل على بعد 3 كيلومترات من بيت الأسرة المتهدم في الموصل. وخلفهم، جاءت 4 عربات أخرى محملة بجثث قضى أصحابها نحبهم قبل أيام، في غارات جوية قال الرجال إنها أسفرت عن سقوط 21 قتيلاً من أقاربهم وجيرانهم، في منطقة يسيطر عليها مقاتلو «داعش»، في وقت سابق من الأسبوع.
وسحب عايد، العامل البالغ من العمر 40 عاماً، البطانية، فظهر ابنه الوحيد أحمد الذي مات وعمره 3 أعوام ونصف العام جثة هامدة مغمضة العينين، وبالخد الأيمن فتحة كبيرة. وقال عايد: «الغارات دمرت 3 بيوت».
وأضاف: «مقاتلو (داعش) كانوا يطلقون النار من بيتنا، ومن الطريق في الخارج، وكنا نختبئ في الداخل. وبعد 15 دقيقة، وقعت الغارات». ونقلت عنه وكالة «رويترز» قوله والدموع تطفر من عينيه: «أخرجنا الجثث من وسط الركام. والآن، سندفنها ثم أعود لبناتي الثلاث الباقيات»، وتابع أن روائح تحلل الجثث بدأت تفوح، لكن الوضع لم يصبح آمناً بما يكفي لمغادرة الحي سوى الآن، بعد اختفاء مقاتلي التنظيم منه، ودفع العربات إلى مطار الموصل، حيث يمكن لحافلة نقل الجثث إلى أقرب قرية لدفنها.
وأبدت جماعات حقوقية قلقها لتصاعد أعداد القتلى في صفوف المدنيين، إذ يقاتل مسلحو التنظيم من البيوت والمناطق ذات الكثافة السكانية العالية، ويرد الجيش العراقي والتحالف الذي تدعمه الولايات المتحدة على هذا التهديد باستخدام أسلحة ثقيلة لدعم القوات على الأرض. وتحدثت أسر هاربة من الموصل في الأسابيع الأخيرة عن ارتفاع أعداد القتلى من المدنيين في الغارات الجوية، وقالت إن مقاتلي التنظيم يفرون في كثير من الحالات قبل أن تسقط القنابل. وقال محمد محمود، ضابط الشرطة السابق البالغ من العمر 40 عاماً في منطقة أخرى من الموصل: «عندما يرى التحالف قناصاً على بيت تمر 5 أو 10 دقائق قبل قصف البيت»، وأضاف: «لكنهم لا يقتلون مسلحي (داعش)، فالمسلحون ينسحبون والغارات تقتل المدنيين؛ أسر بأكملها».
ومن الأساليب التي لجأ إليها التنظيم منذ بدء الهجوم على الموصل في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، استخدام السيارات الملغومة والقناصة، وإمطار القوات والسكان على السواء بالقذائف، والاحتماء بين السكان المدنيين.
وأول من أمس، وفي حين كان عايد ومن معه يدفعون عربات الموتى، كانت طائرات الهليكوبتر تقصف مواقع في الموصل، كما أطلقت قوات صواريخ جراد من منطقة بعيدة على المدينة.
إلى ذلك، قالت منظمة هيومن رايتس ووتش الحقوقية إن المعركة التي تستهدف السيطرة على الشطر الغربي من الموصل «أقذر وأشد فتكاً بالمدنيين» من معركة استعادة الشطر الشرقي التي اكتملت فصولها في يناير (كانون الثاني) الماضي. وقالت المنظمة إن وحدات وزارة الداخلية العراقية استخدمت في الآونة الأخير صواريخ غير موجهة في غرب الموصل، وأضافت في بيان أن «طبيعتها العشوائية تجعل استخدامها في المناطق المأهولة بالمدنيين انتهاكاً خطيراً لقوانين الحرب».
من ناحية أخرى، تقول الأمم المتحدة إنها تلقت تقارير كثيرة عن مقتل مدنيين في الغارات الجوية. ولم يتضح عدد القتلى من المدنيين في حملة الموصل، سواء على أيدي التنظيم، بما في ذلك الإعدامات، أو بنيران القوات العراقية والتحالف. وتباينت تقديرات السكان ومؤسسات الرقابة والجيش. ويعترف التحالف الذي يدعم القوات العراقية بالقوة الجوية والمستشارين العسكريين بالتسبب في وفيات غير مقصودة بين المدنيين.
وهذا الشهر، قال الجيش الأميركي إن العدد الإجمالي من المدنيين الذي قتلته نيران التحالف منذ بداية العمليات ضد التنظيم عام 2014 في العراق وسوريا يبلغ 220 فرداً. ويقل هذا التقدير عن تقديرات بعض جماعات المراقبة.
وتقول جماعة «ايروورز» التي يديرها صحافيون لمراقبة الخسائر البشرية في صفوف المدنيين، إن ما لا يقل عن 2590 مدنياً قتلوا على الأرجح بنيران التحالف منذ عام 2014، من بينهم عشرات في الموصل، في الأسبوع الأول من الشهر الحالي وحده. وقال مسؤولون عسكريون إن قوات التحالف والقوات العراقية حرصت في الغالب على تحاشي سقوط قتلى بين المدنيين، وهو ما كان سبباً في إبطاء تقدم بعض العمليات الهجومية في شرق الموصل العام الماضي.
لكن معركة الشطر الغربي التي توجد فيها المدينة القديمة أصعب، وقد استطاع مقاتلو التنظيم تثبيت القوات العراقية أياماً في بعض المناطق دون تحقيق أي تقدم يذكر. وتبين الشواهد أن مستوى التدمير أكبر، حيث سويت عشرات المنازل بالأرض، وامتلأت طرق بالحفر الكبيرة، من جراء الضربات الجوية.
وفي حي المأمون، حيث كان الدمار واسعاً، كان أحد الرجال يسير بتثاقل، الثلاثاء الماضي، في طريق يغطيه الوحل، بحثاً عن أكياس للجثث. وقال الرجل، ويدعى فيصل، بلهجة أقرب إلى تقرير الواقع: «عندي 18 جثة أحتاج لدفنها؛ عائلة أخي». وأضاف أن الجثث ملقاة في الحديقة الآن.
إلى ذلك، رسم المرصد العراقي لحقوق الإنسان صورة قاتمة لأوضاع السكان في مدينة الموصل، وقال إن «أكثر من نصف مليون مدني يواجهون خطر الموت» في الجانب الأيمن. وأكد، في بيان، أن القوات الأمنية العراقية والتحالف الدولي ما زالا يستخدمان «القصف المفرط على الأحياء السكنية في مدينة الموصل»، الأمر الذي يُزيد من أعداد الضحايا المدنيين.
وسألت «الشرق الأوسط» رئيس المرصد العراقي لحقوق الإنسان مصطفى سعدون بشأن الطريقة التي يحصل من خلالها مرصده على المعلومات، فقال: «لدينا شبكة رصد توسعت مع الأحداث، تتألف من 7 أفراد، يرتبط كل واحد مهم بـ10 أشخاص غيرهم، إضافة إلى مصادر خاصة أخرى، يزودونا يومياً بمعلومات عن أوضاع الناس في الموصل».
وينقل تقرير المرصد العراقي لحقوق الإنسان عن مصدر طبي ما زال يعيش في منطقة الموصل القديمة قوله إن المدنيين داخل المناطق التي تشهد قتالاً شرساً يعيشون في أوضاع نفسية صعبة، وتعرض كثير منهم للصدمات بسبب اشتداد المعارك، أو رؤية الجثث المنتشرة، أو الخوف من سقوط المنازل عليهم، وهناك حالات انتحار حدثت الشهر الماضي في مدينة الموصل القديمة.
ويكشف المرصد العراقي عن شهود عيان أبلغوه بسقوط العشرات من المنازل في مناطق الفاروق والسرجخانة، وقال إن تنظيم داعش «أعدم الأسبوع الماضي عائلة كاملة في حي الرسالة، كانت تنوي الهرب باتجاه المناطق التي تسيطر عليها القوات الأمنية العراقية». وذكروا أيضا أن «تنظيم داعش يعتلي أسطح المنازل، ويرتدي الأزياء العسكرية التي ترتديها القوات الحكومية العراقية، لعدم لفت الانتباه، لكن بعد أن تعلم القوات الأمنية بذلك، فإن المنزل بأكمله يُستهدف».
ورغم هذه الأوضاع، قرر نازحون العودة إلى منازلهم في الأحياء المحررة، وأحدهم سمير حميد و33 من أفراد عائلته. وقال حميد، وهو أب لخمسة أطفال، برفقة أفراد من عائلته الكبيرة، قادماً من أحد المخيمات خارج الموصل :«بقينا مع أقاربنا لمدة أسبوع، والآن نعود إلى البيت».
وقرر حميد وأشقاؤه الخمسة وأفراد عائلاتهم، ومجموعهم 34 شخصاً، العودة إلى منزلهم في وادي حجر، بغرب المدينة، بعد فشلهم في العثور على مكان في مخيم حمام العليل، إلى الجنوب من الموصل، حسب تقرير لوكالة الصحافة الفرنسية. وقال حميد وهو يرتدي ملابس سوداء وقد لطخ الطين حذاءه: «لم نجد أي خيمة في المخيم. هناك عدد كبير من الناس، 3 أو 4 عائلات في كل خيمة».
ومع اقتراب عائلة حميد التي تستخدم عربات حديدية من تلة تؤدي إلى أحياء الجانب الغربي، التقت مدنيين آخرين يحملون حقائب ممتلئة بأغراضهم، ويسيرون بالاتجاه المعاكس مغادرين المدينة. إحدى نساء العائلة تضع حجاباً، وتسير بصعوبة وهي تحمل غطاء نوم ثقيلاً ملطخاً بالتراب، الأمر الذي أجبرها على رفع الحجاب.
وقال حميد الذي كان يحمل أكياس بسكويت وحليباً وزبدة: «ستكون حالنا أفضل في البيت». ووصف الوضع الذي كانوا فيه قبل مغادرتهم المدينة بأنه «جحيم لا يطاق»، وأضاف: «كنا معلقين بين الموت والحياة، لم يكن لدينا ما نأكله ونشربه. كنت أنظر إلى أطفالي وأتساءل: أي منهم سيقتل أو سيصاب».
في هذه الأثناء، كان ابنه الأكبر (12 عاماً) يقف خلفه واضعاً قبعة. وتابع حميد: «نحن عائدون بعدما أخبرونا بأن الوضع بات أفضل بكثير، ولم يعد هناك قتال». ويبدو ما قاله حلماً يراود كثيرين من أهالي الموصل، ليعودوا مجدداً إلى حياتهم الطبيعية. وفي الجوسق، أحد أحياء غرب الموصل، علق الأهالي رايات بيضاء على مداخل منازل صغيرة وسط شوارع تناثرت فيها الأنقاض.
من جانبه، أعاد لؤي عدنان (34 عاماً) فتح متجره الصغير قبل 4 أيام. وقال متحدثاً من داخل متجره: «كنت (دائماً) في البيت، إذ لا مكان آخر أذهب إليه، وهذا المتجر موردنا الوحيد» للعيش، وأضاف: «فتحت (المتجر) لأسمح للناس بالتبضع، وهكذا قد تعود الحياة إلى طبيعتها». لكن غالبية رفوف المتجر خالية إلا من سلع قليلة جلبها عدنان من ناحية حمام العليل (جنوب الموصل)، بينها صلصة الطماطم وفاصوليا بيضاء وزيت طعام وبيض وشاي، وتابع: «هناك نقص كبير؛ المتجر فارغ، ليس لدينا دجاج ولا لحم ولا بطاقات شحن هواتف جوالة».
في غضون ذلك، وصل أحمد الذي يسكن في بيت مجاور لشراء مياه وبيض وبطاطس. وقف ابنه محمد (13 عاماً) ينظر بخجل، فيما غطى ضماد أبيض جبهته إثر إصابته بجروح جراء تعرضه لشظايا. وقال أحمد مرتدياً لباساً رمادياً تقليدياً: «قبل سيطرة المتطرفين على الموصل عام 2014، كان المتجر مليئاً، تجد فيه كل ما تريد».



الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
TT

الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)

بينما يحتفل العالم بيوم الصحة العالمي كمناسبة لتعزيز التقدم الصحي، يعاني اليمنيون من ضعف فاعلية النظم الصحية ومؤشرات التحسن والقدرة على تجنّب الانهيار، في بيئة تتكاثر فيها الأوبئة أكثر مما تنحسر.

وفي الوقت الذي تعلن منظمة الصحة العالمية عن مساعيها لجعل العلم خط الدفاع الأول عن الأرواح في اليمن، لا تتيح الصعوبات أكثر من إدارة الأزمات المتكررة، في نظام صحي مُنهك، يعتمد على الاستجابة الطارئة، ويعجز عن الاستقرار، وتفرض أوبئة كثيرة حضورها، مثل داء كلّابية الذنب (داء السوداء).

ويعكس أحدث اللقاءات، الذي جرى، الأحد، بين وزارة الصحة في الحكومة اليمنية ومنظمة الصحة العالمية هذا الواقع بوضوح؛ حيث جرى فيه التركيز على بذل الجهود لتعزيز الترصد الوبائي والاستجابة السريعة، إلى جانب تدشين حملة «رش ضبابي» لمكافحة نواقل الأمراض، في محاولة استباقية للحد من انتشار الملاريا وحمى الضنك مع اقتراب فصل الصيف الملائم لتكاثر البعوض.

وشدّد اللقاء الذي ضمّ علي أحمد الوليدي، وكيل الوزارة لقطاع الرعاية الصحية الأولية، وسيد جعفر، ممثل منظمة الصحة العالمية لدى اليمن، على أهمية تعزيز الشراكة بين الجانبين لرفع كفاءة الاستجابة الصحية، والتزام المنظمة الأممية بمواصلة تقديم الدعم اللازم للقطاع الصحي في اليمن بما يضمن استمرارية الخدمات الأساسية ومواجهة الفاشيات الوبائية، كما أورد الإعلام الرسمي.

لقاء بين مسؤولين يمنيين وأمميين لمناقشة ترتيبات حملات مكافحة نواقل الأمراض (سبأ)

لكن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تأتي في سياق أكثر تعقيداً، حيث تشير تقارير المنظمة إلى أن التحديات الصحية في اليمن لم تعد مرتبطة بمرض واحد أو تفشٍّ محدد، بل بمنظومة أزمات متداخلة مثل الصراع المستمر والكوارث المناخية وشح التمويل.

وذكرت مصادر صحية حكومية لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة اليمنية تراقب تداعيات الحرب الإقليمية وتأثيرها على القطاع الصحي، وتنوي التوجه إلى المانحين والمنظمات المعنية بالصحة بخطط وطلبات للحصول على مساعدات عاجلة لمواجهة الأوبئة المتوقع انتشارها خلال الأشهر المقبلة.

وحذرت المصادر من تفشٍّ واسع لمرضى الكوليرا والحصبة في عدد من مديريات محافظة الحديدة غربي البلاد، مع ازدياد أعداد المصابين خلال الأيام الماضية، وتسجيل عشرات الحالات يومياً، مع مخاوف من زيادة كبيرة فيها خلال الأيام المقبلة.

المخاوف تزداد من تفشي الأوبئة الموسمية في ظل ضعف القطاع الصحي اليمني (أ.ب)

ووفقاً للمصادر، فإن هناك حالة ترقب شديدة لعودة انتشار الملاريا وحمى الضنك في محافظة ومدينة تعز، بعد هطول الأمطار الغزيرة هناك، والتي تتسبب في تكون المستنقعات والأوحال التي تمثل البيئة الملائمة لتكاثر النواقل.

ضغوط الصراع والمُناخ

واجه اليمن، خلال العام الماضي، موجات متكررة من الأمراض الوبائية، من بينها الكوليرا، والحصبة، إلى جانب الأمراض المنقولة بالنواقل، في ظل هشاشة القدرة على الاحتواء.

ورغم ذلك أظهر تقرير منظمة الصحة العالمية أن التدخلات المبنية على الأدلة أسهمت في الحد من الأضرار، حيث تم تشغيل 27 مركزاً لمعالجة الإسهالات، وأكثر من 56 ألف حالة كوليرا شديدة، إضافةً إلى تنفيذ حملات تطعيم فموية وصلت إلى أكثر من 3 ملايين شخص.

وجرى تعزيز أنظمة الترصد الوبائي من خلال دعم فرق الاستجابة السريعة وتدريب أكثر من 1500 عامل صحي، مما ساعد على الكشف المبكر عن الفاشيات وتقليل زمن الاستجابة، وهو عامل حاسم في الحد من انتشار الأمراض في بيئات هشة.

مياه المستنقعات شكلت خطراً صحياً على المجتمعات المتضررة من الفيضانات في اليمن (الأمم المتحدة)

وواجهت المستشفيات خلال فترات التصعيد التي شهدها عدد من المحافظات العام الماضي، تدفقاً كبيراً لحالات الإصابات، في ظل نقص حاد في المعدات والأدوية، وتعطل خدمات الإحالة الطارئة، كما ورد في التقرير الصادر بمناسبة يوم الصحة العالمي.

واستجابةً لذلك، قدمت المنظمة أكثر من 3200 طن من الإمدادات الطبية، ودعمت 12 فريقاً جراحياً، إلى جانب تشغيل سيارات إسعاف وتمويل خدمات الطوارئ، مما أسهم في استمرار إجراء العمليات الجراحية وتقديم الرعاية الحرجة.

وتقول المصادر الصحية إن هذه الجهود لا يمكن أن تزيد على كونها «إدارة أزمة» أكثر من كونها حلاً مستداماً، إذ يظل النظام الصحي معتمداً بشكل كبير على الدعم الخارجي، في وقت تتسع فيه فجوة التمويل، خصوصاً بعد تراجع مساهمات بعض المانحين.

جهود أممية للوقاية من داء كلابية الذنب (داء السوداء) للمجتمعات النائية في اليمن (الأمم المتحدة)

وإلى جانب الحرب، تلعب الكوارث المناخية دوراً متزايداً في تعقيد المشهد الصحي. فقد تسببت الفيضانات التي ضربت عدة محافظات في تدمير البنية التحتية ونزوح آلاف الأسر، وخلقت بيئة مثالية لانتشار الأمراض، مما استدعى تزويد المنظمة للمرافق الصحية بأطنان من الأدوية والمستلزمات، وتقديم خدمات علاجية لعشرات الآلاف من المرضى، إلى جانب تعزيز حملات مكافحة النواقل وتوفير أدوات التشخيص السريع.

إنجازات تحت الضغط

يشير التقرير إلى أهمية نهج «الصحة الواحدة»، الذي يربط بين صحة الإنسان والبيئة، خصوصاً في بلد تتقاطع فيه مخاطر المناخ مع هشاشة الخدمات الأساسية.

ورغم الصورة القاتمة، لا تخلو التقارير من مؤشرات على قدرة النظام الصحي على الصمود. فقد تم تزويد عشرات المرافق بالأكسجين الطبي والوقود والمياه، مما أتاح استمرار تقديم ملايين الخدمات الصحية، وإجراء مئات الآلاف من العمليات الجراحية، وتأمين ولادات آمنة لعشرات الآلاف من النساء.

وشهدت بعض البرامج النوعية تقدماً لافتاً، مثل حملات مكافحة الأمراض المدارية، التي وصلت إلى مناطق نائية عبر استراتيجيات «من منزل إلى منزل»، محققةً نسب تغطية تجاوزت المعايير الدولية.

ورشة توعية ضمن أنشطة منظمة الصحة العالمية لتعزيز الوقاية من الأمراض (الأمم المتحدة)

ونفذت وزارة الصحة العامة والسكان بدعم فني وتشغيلي من منظمة الصحة العالمية، واحدة من أكثر حملات المعالجة الجماعية طموحاً ضد داء كلّابية الذنب (داء السوداء)، حيث تم الوصول إلى السكان الذين كانوا خارج نطاق الحملات الصحية.

ويعدّ كلّابية الذنب (المعروف عادة باسم «العمى النهري»)، والذي يسبب مرضاً جلدياً منهكاً ووصمة اجتماعية ومعاناة طويلة الأمد، من أخطر الأوبئة التي غزت اليمن في سنوات الصراع، وأسهمت التضاريس الوعرة ونقص التمويل المُزمن في ترك عديد من الأسر من دون إمكانية الوصول إلى العلاج.

وحسبما تنقل المنظمة عن المسؤولين الصحيين اليمنيين، فإن عائلات كاملة عاشت مع هذا الداء دون أن تتلقى أي علاج، قبل أن تغير هذه الحملة هذا الواقع بشكلٍ أساسي، حيث عبرت الفرق الصحية الجبال، وواجهت انعدام الأمن والعزلة، للوصول إلى كل منزل، مما يؤكد أنه يمكن الوصول إلى كل المجتمعات في اليمن.

وطبقاً للمنظمة، أصبح المتطوعون المحليون، خصوصاً النساء، هم العمود الفقري للتنفيذ، حيث قاموا ببناء الثقة والدخول إلى المنازل التي لم يتم الوصول إليها من قبل وضمان الاستخدام الأمثل لكل جرعة لحماية السكان.

Your Premium trial has ended


تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
TT

تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)

دقّت نقابة المعلمين اليمنيين ناقوس الخطر إزاء ما وصفته بتصاعد الاستهداف المنهجي لقطاع التعليم في البلاد من قبل الجماعة الحوثية، عبر توظيف المراكز الصيفية أداةً لإعادة تشكيل وعي الأجيال الناشئة، بالتوازي مع استمرار قطع مرتبات المعلمين منذ سنوات.

وعدّت النقابة أن هذا النهج يمثل «هجوماً مزدوجاً» يهدد مستقبل التعليم والهوية الوطنية في آن معاً، في ظل ظروف اقتصادية ومعيشية متدهورة تعانيها الكوادر التربوية.

وفي بيان لها، أوضحت النقابة أن اليمن يواجه مسارين متوازيين من الاستهداف؛ الأول يتمثل في «تجريف الوعي والهوية الوطنية عبر أدوات فكرية وطائفية ممنهجة»، والثاني في «استهداف الكرامة المعيشية للمعلم من خلال قطع المرتبات منذ عام 2016».

وأكدت أن تزامن هذين المسارين يفاقم من هشاشة العملية التعليمية، ويفتح المجال أمام مزيد من التدهور في بنية التعليم ومخرجاته.

استغلال المساعدات لإجبار العائلات على إرسال أبنائها إلى مراكز الحوثيين (إعلام محلي)

وأشارت النقابة إلى أن المراكز الصيفية التي تنظمها الجماعة لم تعد أنشطة موسمية تعليمية، بل تحولت إلى منصات للتعبئة الفكرية والعقائدية تستهدف الأطفال والشباب، وتسعى - وفق البيان - إلى «طمس الهوية الوطنية، وتعزيز مفاهيم تتعارض مع القيم المجتمعية اليمنية». ولفتت إلى أن أعداد الملتحقين بهذه المراكز تجاوزت نصف مليون طالب وطالبة خلال العام الماضي، في مؤشر على التوسع المتسارع لهذه الأنشطة.

أدوات التأثير الفكري

ترى نقابة المعلمين اليمنيين أن هذه المراكز تمثل إحدى أبرز أدوات التأثير الفكري التي تعتمدها الجماعة، حيث تُعاد من خلالها صياغة وعي الطلاب، عبر برامج مكثفة تتضمن خطابات تعبئة دينية وسياسية، وتفسيرات انتقائية للنصوص الدينية، بما يخدم أهدافاً محددة. وتؤكد أن «هذه الأنشطة لا تقتصر على التعليم النظري، بل تمتد إلى أنشطة عملية تعزز مفاهيم الولاء والانتماء الضيق.

ووفق تقارير محلية، فإن وسائل ضغط مختلفة تُستخدم لدفع الأسر إلى إلحاق أبنائهم بهذه المراكز، من بينها ربط الحصول على بعض المساعدات الإنسانية بالمشاركة، أو التأثير على نتائج الطلاب الدراسية؛ مما يثير مخاوف واسعة لدى أولياء الأمور من تعرض أبنائهم للاستغلال الفكري.

وفي هذا السياق، شددت النقابة على أن استمرار هذا النهج يسهم في خلق فجوة معرفية وقيمية بين الأجيال، ويؤسس لبيئة تعليمية غير متوازنة؛ مما قد ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي مستقبلاً.

بالتوازي مع ذلك، جددت النقابة مطالبتها بصرف مرتبات المعلمين المتوقفة منذ سبتمبر (أيلول) 2016 في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكدة أن هذا الانقطاع تسبب في معاناة إنسانية واسعة، وأجبر آلاف المعلمين على البحث عن مصادر دخل بديلة أو النزوح مع أسرهم.

استنساخ حوثي لتجربة «الحرس الثوري» الإيراني في تجنيد الأطفال (إعلام محلي)

وأوضحت أن «غياب الاستقرار المالي للمعلم أدى إلى إضعاف دوره داخل العملية التعليمية، وفتح المجال أمام إدخال عناصر غير مؤهلة تحت اسم (متطوعين)، أوكلت إليهم مهام التدريس». وأشارت إلى أن هذه الخطوة أسهمت في تراجع جودة التعليم، خصوصاً مع اتهامات بتوظيف هؤلاء لنشر أفكار مؤدلجة داخل المدارس، في ظل تغييرات طالت المناهج الدراسية.

وأكدت النقابة أن حرمان المعلمين من حقوقهم لا يمثل مجرد أزمة معيشية، بل يعدّ «عاملاً رئيسياً في تقويض أسس التعليم، وبيئة خصبة لانتشار الجهل والتطرف الفكري»، داعية إلى «إعادة الاعتبار للمعلم بوصفه حجر الزاوية في بناء المجتمع».

دعوة للتحرك المحلي والدولي

ودعت النقابة المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات المعنية بالتعليم والطفولة إلى التدخل العاجل لوقف ما وصفته بـ«تسييس التعليم»، و«منع استغلال الأطفال في أنشطة ذات طابع آيديولوجي، والضغط من أجل صرف المرتبات وفق القوانين والأعراف الدولية».

كما شددت على أهمية اتخاذ إجراءات داخلية في المحافظات المحررة، تشمل انتظام صرف المرتبات ورفعها بما يتناسب مع غلاء المعيشة، وصرف العلاوات المتأخرة، وتسوية أوضاع المعلمين، خصوصاً النازحين منهم، بما يسهم في تعزيز استقرار العملية التعليمية.

من جهته، حذر الخبير التربوي ناجي الزياد بأن المراكز الصيفية في مناطق سيطرة الحوثيين تجاوزت دورها التقليدي، وأضحت «معسكرات مغلقة» تستهدف «تشكيل وعي يخدم أجندات سياسية ضيقة». وأشار إلى أن «هذه المراكز تعتمد على إعادة تفسير النصوص الدينية وتوظيفها في سياق التحريض على العنف والكراهية، بما يعزز الانقسام داخل المجتمع».

تحويل المساجد إلى مواقع حوثية لتدريب الأطفال على العنف (إعلام محلي)

وأكد أن الجماعة تستهدف الفئات العمرية الأعلى قابلية للتأثر، مستغلة الظروف الاقتصادية الصعبة للأسر، حيث تمارس - وفق قوله - ضغوطاً متعددة «تشمل الحرمان من المساعدات أو التهديد بذلك؛ لدفع الأطفال إلى الالتحاق بهذه البرامج».

ودعا الزياد المؤسسات التعليمية في مناطق الشرعية إلى «تبني بدائل فعالة»، من بينها «توفير منح دراسية داخلية وخارجية لأبناء الأسر الموجودة في مناطق سيطرة الحوثيين، وإطلاق منصات تعليم إلكتروني تستهدف الأطفال، إلى جانب تصميم برامج توعوية حديثة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تسهم في رفع الوعي والكشف عن مخاطر هذه الأنشطة».

وأكدت نقابة المعلمين اليمنيين في ختام بيانها أنها ستواصل جهودها للدفاع عن حقوق المعلمين وحماية الهوية الوطنية، محذّرة بأن ما يواجهه التعليم في اليمن «ليس أزمة عابرة، بل صراع على الوعي والكرامة»، في إشارة إلى الأبعاد العميقة للأزمة التعليمية في البلاد.

Your Premium trial has ended


الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
TT

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)

قالت القيادة المركزية الأميركية، ​في إشعار للبحارة اطلعت عليه وكالة «رويترز»، اليوم الاثنين، إن الجيش الأميركي سيفرض سيطرة ‌بحرية في ‌خليج ​عُمان ‌وبحر ⁠العرب ​شرقي مضيق هرمز، ⁠وإن هذا الإجراء سيشمل جميع السفن بغض النظر عن العلم الذي ⁠ترفعه.

وأشارت المذكرة ‌إلى ‌أن السيطرة ​البحرية ‌سيبدأ سريانها ‌الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش اليوم.

وجاء في الإشعار: «أي سفينة ‌تدخل أو تغادر المنطقة المحاصرة دون تصريح ⁠ستكون ⁠معرضة للاعتراض أو تحويل المسار أو الاحتجاز». وقالت: «لن تعوق السيطرة حركة الملاحة المحايدة عبر مضيق هرمز من ​وإلى ​وجهات غير إيرانية».

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، أن الولايات المتحدة ستبدأ فرض حصار بحري على مضيق هرمز، بعد انهيار محادثات السلام مع إيران في إسلام آباد، مؤكداً أن المفاوضات حققت تقدماً في معظم الملفات، لكنها تعثرت بسبب رفض طهران التخلي عن برنامجها النووي.

وقال ترمب إن المحادثات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان كانت «ودية للغاية»، مشيراً إلى أن واشنطن حصلت «تقريباً على كل النقاط التي كانت تسعى إليها» خلال تلك الجولة.

وأضاف: «في المراحل الأخيرة أصبحت الأجواء ودية للغاية، وحصلنا تقريباً على كل ما كنا نريده، باستثناء أنهم يرفضون التخلي عن طموحهم النووي». وتابع: «وبصراحة، بالنسبة لي، كان ذلك النقطة الأهم على الإطلاق».

ودافع ترمب، عن تهديداته السابقة ضد إيران، قائلاً إن تحذيراته ساعدت في دفع طهران إلى طاولة المفاوضات. وأصدر في المقابلة نفسها تهديدات جديدة باستهداف البنية التحتية المدنية الإيرانية إذا لم توافق القيادة الإيرانية على التخلي عن برنامجها النووي. وقال: «في غضون نصف يوم، لن يبقى لديهم جسر واحد قائم، ولن تبقى لديهم محطة كهرباء واحدة، وسيعودون إلى العصر الحجري».