حرية التجارة والتغير المناخي نقطتا الخلاف في اجتماع «العشرين»

المفوض الأوروبي: التجارة بشكل متكافئ أفضل من الحمائية

قادة {العشرين} وحكام المصارف خلال الاجتماع في بادن بادن بألمانيا أمس (رويترز)
قادة {العشرين} وحكام المصارف خلال الاجتماع في بادن بادن بألمانيا أمس (رويترز)
TT

حرية التجارة والتغير المناخي نقطتا الخلاف في اجتماع «العشرين»

قادة {العشرين} وحكام المصارف خلال الاجتماع في بادن بادن بألمانيا أمس (رويترز)
قادة {العشرين} وحكام المصارف خلال الاجتماع في بادن بادن بألمانيا أمس (رويترز)

يعقد وزراء مالية دول مجموعة العشرين اجتماعات تستمرّ على مدار يومين تنتهي، اليوم (السبت)، في بادن بادن بألمانيا، وسط مخاوف من حرب تجارية نتيجة سياسة «أميركا أولا» التي تنادي بها الإدارة الأميركية الجديدة.
ومنذ تولي الرئيس الأميركي دونالد ترمب الحكم في يناير (كانون الثاني) الماضي، لم تحتَكّ مواقفه، المعارضة للتقاليد السائدة على صعيد التجارة الدولية أو معدلات الفائدة، فعلياً بالواقع الجيوسياسي والدبلوماسي، ولكن الوقت حان لاختبار هذه المواقف خلال اجتماع لوزراء مالية وحكام المصارف المركزية لمجموعة الدول العشرين الأكثر ثراء في العالم، في منتجع بادن بادن بألمانيا.
ويشارك وزير الخزانة الأميركية ستيفن منوتشين في أول اجتماع متعدد الأطراف سيحاول أن يعرض خلاله توجهات رئيسه المخالفة لعقيدة مجموعة العشرين القائمة على مبدأ التبادل الحر.
وفي تحرُّك غير معتاد يشير إلى التوتر القائم حيال هذه المسألة، أعادت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والرئيس الصيني شي جين بينغ التأكيد خلال محادثة هاتفية على «التبادل الحر»، بحسب بيان صدر من مكتب ميركل.
كما لَمّحت وزيرة الاقتصاد الألمانية بريجيت تسيبريس إلى إمكان التقدم بشكوى أمام منظمة التجارة العالمية، في حال نفَّذَ ترمب وعود حملته الانتخابية وفرض رسوماً جمركية على الواردات.
في هذا السياق من التوتر، أمام وزراء المالية مهلة يومين من أجل الاتفاق على بيان ختامي. وتشمل العقيدة الليبرالية للمجموعة عدة مبادئ، كما أن عليها دفعَ عدة ملفات طويلة الأمد قدماً، مثل مكافحة التهرب الضريبي والضوابط المالية.
ستكون كل كلمة في البيان الختامي موضوع نقاش ومقترحات مضادة، وسيتم اعتبار أي تعديل لمصطلحات عقيدة مجموعة العشرين بعد انتهاء القمة بعد ظهر اليوم (السبت) «تأثير دونالد ترمب».
وصرح المفوض الأوروبي بيار موسكوفيسي قبل دخوله إلى مقر الاجتماع: «سندرس ملف المصطلحات بشكل دقيق جداً»، وأضاف: «علينا الاتفاق حول أن التجارة إذا تمّت بشكل متكافئ فهي إيجابية بالنسبة إلى الاقتصاد وأن الحمائية لا يمكن أن تكون الحل أبداً».
وقالت مصادر إن «البيان أنجز تقريباً... هناك موضوعان لم يتمّ الاتفاق بشأنهما بعد: التجارة و(تمويل مكافحة) التغير المناخي».
فيما يتعلق بالتغير المناخي، يقوم الخلاف على أن المفاوضين الأميركيين لا يزالون ينتظرون الحصول على تعليمات واضحة من واشنطن، في المقابل، فيما يتعلق بالتجارة والتبادل الحر والحمائية فالموقف الأميركي صارم.
وأوضح المصدر: «لا يريدون ذكر (رفض الحمائية) في النصّ»، كما جَرَت العادة طيلة سنوات في البيان الختامي لمجموعة العشرين، وقال مصدر آخر قريب من المفاوضات: «لا يزال هناك إمكان لإجراء تعديلات».
وتم التباحث في إمكانية عدم قيام الوزراء بحسم مسالة التبادل الحر، وترك هذه المهمة لاجتماع قادة دول المجموعة المقرر في هامبورغ في يوليو (تموز) المقبل، وهو ما يشير إلى وجود خلاف كبير بين الولايات المتحدة وشركائها.
وصرح وزير المالية الفرنسي ميشال سابان بعد وصوله إلى بادن بادن: «أعتقد أنه من الممكن ألا تكون الولايات المتحدة قادرةً اليوم على توضيح ما تريده فيما عدا تصريحات بسيطة على (تويتر)»، في إشارة إلى عادة ترمب في التعبير عن مواقفه عبر التغريدات.
وأعرب وزير المالية الألماني فولفغانغ شويبله عن تفاؤله إزاء التوصل لاتفاق مع الولايات المتحدة في الخلاف حول العلاقات التجارية الدولية المستقبلية، وقال شويبله قبل بدء المشاورات الرسمية لوزراء مالية ومحافظي البنوك المركزية لمجموعة العشرين: «أنا متفائل إزاء إمكانية توصلنا إلى نتيجة جديدة في نقاش غير سهل مع شركاء جدد»، مضيفاً أن القناعة المشتركة ترتكز على التمكُّن بهذه الطريقة من القيام بإسهامنا في استقرار الاقتصاد العالمي إلى حد ما.
وتجدر الإشارة إلى أنه من المعتاد أن تعلن مجموعة الدول الصناعية والصاعدة الكبرى العشرين في بيانها الختامي المشترك عن تمسكها بالتجارة الحرة، ورفضها للانغلاق الاقتصادي، إلا أن مسودة البيان الختامي لهذا الاجتماع تخلو من الفقرة الخاصة بموضوع «الحمائية»، وقبيل الاجتماع في ألمانيا الذي تستمر فعاليته حتى اليوم (السبت)، تم الكشف عن رفض الإدارة الأميركية لإلغاء واضح للحمائية.
ويُذكر أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أعلن أكثر من مرة أنه سيركز على المصالح الأميركية على وجه الخصوص في سياسته التجارية والضريبية المستقبلية.
وقال شويبله عقب لقاء نظيره الأميركي الجديد ونظيره الصيني: «أشعر بالتفاؤل إزاء قدرتنا على المضي قدماً بالأمور في الأوقات الصعبة أيضاً، الأمر يدور حول انتقاء الصياغة السليمة للتعبير عن انفتاح التجارة الدولية في البيان، إذ إن هناك بعضَ المواقف الحساسة لدى مشاركين مختلفين».
وكان شويبله ذكر في وقت سابق، أمس، أن وزير الخزانة الأميركي ستيفن منوتشين، الذي التقي به قال (بوضوح): «بالطبع إنهم (إدارة ترمب) مع التجارة الحرة، ويؤيدون للغاية أن نؤكد على ذلك معاً في بادن بادن».
وأضاف شويبله أن الآن يدور نقاش حول ما إذا كنا سنتبنى صياغة اجتماعات سابقة أم سنجري تغييراً طفيفاً عليها: «آمل حقاً أن يكون منطلقاً نستطيع أن نتفق منه مع الآخرين».
أظهرت مسوَّدَة الاجتماع أن كبار المسؤولين الماليين في العالم المجتمعين في ألمانيا سينبذون التخفيضات التنافسية لقيمة العملة، ويحذرون من تقلبات أسعار الصرف، لكنهم لم يتوصلوا بعد لموقف مشترك بخصوص التجارة والحماية التجارية.
وقد يواجِه وزراء المالية ومحافظو البنوك المركزية لأكبر 20 اقتصاداً عالمياً صعوبة في تبني موقف موحّد بخصوص الحمائية التجارية، بعد أن بدأت الإدارة الجديدة للرئيس الأميركي دونالد ترمب النظر في فرض ضريبة حدودية من شأنها أن ترفع تكلفة الواردات.
وذَكَرت مسودة البيان الختامي لمجموعة العشرين أن السياسة النقدية ستواصل دعم النمو واستقرار الأسعار، لكنها لا تكفي وحدها لتحقيق نمو اقتصادي متوازن. وتظل المسودة عرضة للتعديل ومن المقرر نشر البيان الختامي، اليوم (السبت).
وأفادت مسودة البيان بأن التقلبات المفرطة والتحركات غير المنتظمة في أسعار الصرف قد يكون لها تداعيات سلبية على الاستقرار الاقتصادي والمالي، «سنتشاور عن كَثَب بشأن أسواق الصرف، ونؤكد من جديد على التزاماتنا السابقة المتعلقة بأسعار الصرف، بما في ذلك امتناعنا عن التخفيضات التنافسية لقيمة العملة ولن نستهدف أسعاراً للصرف لأغراض تنافسية»، وفقاً لما ذكرته المسودة.
وخلَتْ مسودة البيان من هذه العبارات، لكن جرى تضمينها مرة أخرى بعد إلحاح عدد من حكومات ومؤسسات مجموعة العشرين، تجنباً لإثارة قلق الأسواق من الإعداد لتغير السياسات، وقالت المسودة مكرِّرةً موقفَ مجموعة العشرين، العام الماضي: «السياسة النقدية ستستمر في دعم النشاط الاقتصادي وضمان استقرار الأسعار بما يتسق مع سياسة البنوك المركزية، لكن السياسة النقدية وحدها لا يمكن أن تؤدي إلى نمو متوازن».
غير أن المسوّدة تخلو حتى الآن من أي إشارة إلى قضايا التجارة والحماية التجارية، مخالفةً بذلك أحد التقاليد التي اعتادته البيانات الختامية لمجموعة العشرين خلال عشر سنوات، إذا استخدمت هذه البيانات على مدى أعوام صياغات متنوعة للتأكيد على حرية التجارة ورفض الحماية التجارية.
وكان وزير الخزانة الأميركي ستيفن منوتشين، قال، يوم الخميس الماضي، في برلين، إنه لا رغبة لدى إدارة ترمب في خوض حروب تجارية، لكن يجب إعادة النظر في بعض العلاقات التجارية كي تصبح أكثر إنصافاً للعاملين الأميركيين.
وقال وزير المالية الألماني الذي تتولى بلاده الرئاسة الدورية لمجموعة العشرين هذا العام، إن موقف الحماية التجارية الذي تتبناه الولايات المتحدة قد يجبر المجموعة على إغفال التجارة كلية من البيان.
وقال شويبله في إشارة إلى شعار «أميركا أولاً» الذي يتبناه ترمب وغيره من المسؤولين الحكوميين: «هناك خلاف في وجهات النظر حول هذا الموضوع»، وأضاف: «من الممكن أن نستبعد بوضوح موضوع التجارة في بادن بادن، ونقول إنه لا يمكن حله إلا في قمة قادة الدول والحكومات».



«بترورابغ» تكسر حاجز الخسائر المتراكمة... وتقفز بأرباحها إلى 391 مليون دولار

مرافق تابعة لـ«بترورابغ» (صفحة الشركة على «إكس»)
مرافق تابعة لـ«بترورابغ» (صفحة الشركة على «إكس»)
TT

«بترورابغ» تكسر حاجز الخسائر المتراكمة... وتقفز بأرباحها إلى 391 مليون دولار

مرافق تابعة لـ«بترورابغ» (صفحة الشركة على «إكس»)
مرافق تابعة لـ«بترورابغ» (صفحة الشركة على «إكس»)

أعلنت شركة «رابغ للتكرير والبتروكيماويات (بترورابغ)» تحولاً استراتيجياً في مركزها المالي، حيث نجحت في خفض خسائرها المتراكمة لتستقر عند 658.4 مليون دولار (2.469 مليار ريال)، ما يمثل 14.77 في المائة فقط من رأسمالها الجديد. وبهذه الخطوة، تخرج الشركة رسمياً من نطاق تطبيق تعليمات هيئة السوق المالية الخاصة بالشركات التي تبلغ خسائرها 20 في المائة فأكثر.

هيكلة رأس المال: الأداة الحاسمة

وجاء هذا الانخفاض الملحوظ نتيجة تفعيل قرار الجمعية العامة غير العادية المنعقدة في أواخر مارس (آذار) 2026، حيث أتمت الشركة عملية تخفيض رأسمالها من 5.86 مليار دولار (21.9 مليار ريال) إلى 4.45 مليار دولار (16.7 مليار ريال). وتمَّت هذه العملية عبر إطفاء خسائر بقيمة 1.4 مليار دولار (5.2 مليار ريال) من خلال شطب جزء من القيمة الاسمية لأسهم الفئة «أ».

أداء تشغيلي قوي... وأرباح قياسية

بالتوازي مع إعادة الهيكلة المالية، حقَّقت «بترورابغ» أداءً تشغيلياً لافتاً خلال الرُّبع المنتهي في 31 مارس 2026، حيث سجَّلت صافي ربح قدره 390.9 مليون دولار (1.466 مليار ريال). وعزت الشركة هذا النمو القوي إلى 3 عوامل رئيسية:

  • تحسن الأسواق: ارتفاع أسعار المنتجات المكررة عالمياً؛ مما انعكس إيجاباً على هوامش الربح.
  • الكفاءة التشغيلية: تعزيز موثوقية المصانع والأداء الإنتاجي.
  • التحرُّر من عبء الديون: انخفاض تكاليف التمويل بفضل السداد المبكر لقروض طويلة الأجل، والالتزام بجدولة المديونية، تزامناً مع بيئة أسعار فائدة منخفضة.

الخروج من «نطاق الرصد»

وأكدت الشركة، في بيانها، أنَّ المركز المالي الجديد، المدعوم بتقرير مراجع الحسابات الخارجي، يعفيها من المتطلبات النظامية الصارمة التي تفرضها المادة 132 من نظام الشركات على المنشآت ذات الخسائر المرتفعة. ويمثل هذا الإعلان نقطة تحول جوهرية للمستثمرين، حيث يعكس قدرة الشركة على استعادة توازنها المالي والتشغيلي في آن واحد، مستفيدةً من تحسُّن ظروف قطاع الطاقة العالمي، وكفاءة إدارتها الداخلية للموارد والديون.


«رؤية 2030»: حكاية التحول من الإدارة التقليدية إلى الريادة الرقمية العالمية

«رؤية 2030»: حكاية التحول من الإدارة التقليدية إلى الريادة الرقمية العالمية
TT

«رؤية 2030»: حكاية التحول من الإدارة التقليدية إلى الريادة الرقمية العالمية

«رؤية 2030»: حكاية التحول من الإدارة التقليدية إلى الريادة الرقمية العالمية

انطلقت السعودية في مسار التحوُّل الرقمي والاقتصاد المعرفي ضمن «رؤية 2030»، مستندةً إلى بنية تحتية رقمية مُتقدِّمة وبناء معرفي تراكم عبر سنوات طويلة، ما عزَّز قدرتها على المنافسة في اقتصادات المستقبل. وقد جاء هذا التحوُّل مدفوعاً بطموح وطني يستهدف تنويع الاقتصاد، وخلق فرص عمل جديدة، وتمكين الشباب، عبر بناء منظومة متكاملة تدعم الابتكار والبحث والتقنية.

حكومة بلا ورق

وفي إطار هذا التحوُّل، تبنَّت المملكة سياسة «حكومة بلا ورق»، التي هدفت إلى تسهيل وصول المستفيدين إلى الخدمات الحكومية من خلال منصات رقمية مُوحَّدة تغطي مختلف القطاعات مثل العدل، والصحة، والسياحة، والاستثمار، والإسكان، والخدمات اللوجستية، والعقار وغيرها. وأسهم هذا التوجه في تقليص زمن الإجراءات وتبسيطها، وتمكين المستفيدين من إنجاز معاملاتهم دون الحاجة للحضور الشخصي، سواء أكانوا مواطنين، أم مقيمين، أم مستثمرين، أم زواراً، وفق ما جاء في التقرير السنوي لـ«رؤية 2030» لعام 2025.

عرض تطبيق «بيم» الحكومي في «ملتقى الحكومة الرقمية» (الحكومة الرقمية)

برنامج «الحكومة الشاملة»

كما أطلقت هيئة الحكومة الرقمية في عام 2022 برنامج «الحكومة الشاملة»، الذي جاء بهدف تسريع التحوُّل الرقمي ورفع مستوى التكامل بين الجهات الحكومية، وتقديم تجربة رقمية متكاملة تُبسّط رحلة المستفيد وترفع كفاءة استخدام الموارد الحكومية في الفضاء الرقمي.

وقد انعكس ذلك على عدد من النجاحات النوعية، من أبرزها منصة «بلدي» التي أسهمت في إغلاق 37 منصة حكومية بنسبة إنجاز تجاوزت 80 في المائة، إضافة إلى منصة «لوجستي» التي تُقدِّم أكثر من 200 خدمة، ومنصة «صحتي» التي تخدم أكثر من 30 مليون مستفيد.

مركز عالمي للذكاء الاصطناعي

وفي مجال الذكاء الاصطناعي، رسَّخت المملكة مكانتها مركزاً عالمياً متقدماً، مستفيدةً من توفر الطاقة والبنية التحتية الرقمية ومراكز البيانات، ما جعلها وجهةً جاذبةً لتقنيات الذكاء الاصطناعي.

وقد تمَّ إطلاق شركة «هيوماين» بوصفه مشروعاً وطنياً متكاملاً يهدف إلى توطين تقنيات الذكاء الاصطناعي، وتطوير نماذج لغوية كبيرة تدعم المحتوى العربي، إلى جانب تشغيل تطبيقات متقدمة في مراكز البيانات؛ ومنها تقنيات الذكاء الاصطناعي في الدمام.

كما يجري الاستثمار في بناء القدرات البشرية عبر إدخال الذكاء الاصطناعي في المناهج التعليمية، وإطلاق برامج تدريبية تستهدف الطلاب والمواهب الوطنية، بما يعزِّز جاهزية الأجيال القادمة.

يقف زوار عند جناح شركة الذكاء الاصطناعي السعودية «هيوماين» خلال «مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار» في الرياض (أ.ف.ب)

شركة هيوماين

وكان قد تمَّ إطلاق «هيوماين» في عام 2025 وهي تعمل على تطوير حلول ذكاء اصطناعي متقدمة تشمل مساعداً عربياً ذكياً، ونماذج لغوية رائدة، ونظام تشغيل يعمل بالذكاء الاصطناعي بالكامل، إضافة إلى أجهزة وتقنيات مُطوَّرة داخل المملكة، تخدم مئات الآلاف من المستخدمين، حيث يتجاوز عدد المستخدمين النشطين 300 ألف مستخدم، وتمتد خدماتها إلى 5 أسواق مختلفة، مع دعم أكثر من 150 تطبيقاً وخدمة رقمية.

تحول القطاع العدلي الرقمي

وفي القطاع العدلي، شهدت الخدمات الرقمية نقلةً نوعيةً عبر تقديم أكثر من 160 خدمة إلكترونية وفَّرت نحو 90 مليون ورقة سنوياً، وأسهمت في الاستغناء عن 65 مليون زيارة، إلى جانب رقمنة أكثر من 200 مليون وثيقة عقارية، وتطبيق التقاضي الإلكتروني الذي أدى إلى خفض عُمر القضايا بنسبة 79 في المائة، مع إطلاق «المحكمة الافتراضية» و«كتابة العدل الافتراضية».

وزير العدل الدكتور وليد الصمعاني خلال كلمته في الجلسة الوزارية بـ«ملتقى الحكومة الرقمية» (واس)

ويستند هذا التطوُّر إلى بنية تحتية رقمية متقدمة وفضاء رقمي آمن وموثوق؛ ما جعل المملكة تتجه نحو مرحلة أكثر تقدماً تتجاوز تقديم الخدمات إلى تحسين تجربة المستخدم وإزالة التعقيد منها.

الاقتصاد الرقمي والمعرفي

وعلى صعيد الاقتصاد الرقمي والمعرفي، رسَّخت المملكة مكانتها بوصفها أحد الاقتصادات الصاعدة بقوة في اقتصادات المستقبل، من خلال تطوير منظومة تشريعية ومؤسسية متكاملة، شملت تأسيس الهيئة السعودية للملكية الفكرية، وهيئة تنمية البحث والتطوير والابتكار، ووكالة الفضاء السعودية، إلى جانب إعادة تنظيم هيئة الاتصالات والفضاء والتقنية، وإنشاء البرنامج الوطني لتنمية تقنية المعلومات، وتعزيز دور مراكز البحث والابتكار؛ مثل جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست)، ومدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية (كاكست).

الأمن الرقمي

كما أُنشئ إطار وطني لتعزيز أمن الفضاء الرقمي بوصفه جزءاً من الأمن الوطني، بما يسهم في دعم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وتمكين الشركات التقنية، وتعزيز نمو الخدمات الرقمية. وقد جاء ذلك مدعوماً بتأسيس الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، والهيئة الوطنية للأمن السيبراني، إلى جانب مبادرات دولية مثل مبادرة حماية الطفل في الفضاء السيبراني؛ ما أسهم في تعزيز ريادة المملكة عالمياً في مجالات التقنية والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

جناح «سدايا» في معرض «ليب» (واس)

سوق الاقتصاد الرقمي

وتُظهر المؤشرات الاقتصادية حجم هذا التحوُّل، إذ بلغ حجم سوق الاقتصاد الرقمي في المملكة 745.98 مليار ريال (198.9 مليار دولار)، بينما وصل حجم سوق الاتصالات وتقنية المعلومات إلى 199 مليار ريال، كما برزت شركات تقنية سعودية عدة لتصبح شركات مليارية، من بينها «نون»، و«برق»، و«جاهز»، و«نايس ون»، و«تمارا»، و«نينجا»، و«تابي»، في دلالة على نمو القطاع الرقمي وتسارع نضجه.

مراكز ريادية في المؤشرات العالمية

تعكس المؤشرات الدولية المُتقدِّمة المكانة التي حقَّقتها المملكة في المجال الرقمي والتقني، حيث جاءت الأولى عالمياً في مؤشر تنمية الاتصالات والتقنية، والأولى عالمياً في مؤشر الأمن السيبراني للعام الثاني على التوالي وفقاً لتقرير التنافسية العالمية، كما تصدَّرت عالمياً في تمكين المرأة في مجال الذكاء الاصطناعي بحسب مؤشر «ستانفورد».

امرأة تقف أمام شاشة معلومات في معرض «ليب» (واس)

وحلَّت السعودية الأولى عالمياً في مؤشر الجاهزية الرقمية 2025، الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات.

وعلى المستوى الإقليمي، جاءت المملكة في المرتبة الأولى في مؤشر سلامة الذكاء الاصطناعي مع تحقيقها المركز الـ11 عالمياً، كما تصدَّرت إقليمياً في الحاسوب العملاق «شاهين 3» محتلة المرتبة الـ18 عالمياً.

وحلَّت المملكة الأولى إقليمياً في جاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعي، وفق تقرير «أوكسفورد إنسايتس».

وعلى صعيد المؤشرات العالمية، حقَّقت المملكة المرتبة الثانية عالمياً في مؤشر نضج الحكومة الرقمية، والثالثة عالمياً في نسبة نمو وظائف الذكاء الاصطناعي، وكذلك الثالثة عالمياً في عدد نماذج الذكاء الاصطناعي الرائدة، وفقاً لمؤشر ستانفورد، إلى جانب كونها ضمن 7 دول عالمياً نشرت نماذج ذكاء اصطناعي رائدة.

كما جاءت في المرتبة الثانية بين دول مجموعة العشرين في مؤشر تطور تنظيمات قطاع الاتصالات والتقنية، والسادسة عالمياً في مؤشر تطور الحكومة الإلكترونية، في حين حلَّت في المرتبة الـ20 عالمياً في مؤشر البنية التحتية للجودة للتنمية المستدامة.


«السيادي» السعودي حجر الزاوية في بناء اقتصاد مستدام تحت مظلة «رؤية 2030»

برج «صندوق الاستثمارات العامة» في «مركز الملك عبد الله المالي» بالعاصمة السعودية الرياض (كافد)
برج «صندوق الاستثمارات العامة» في «مركز الملك عبد الله المالي» بالعاصمة السعودية الرياض (كافد)
TT

«السيادي» السعودي حجر الزاوية في بناء اقتصاد مستدام تحت مظلة «رؤية 2030»

برج «صندوق الاستثمارات العامة» في «مركز الملك عبد الله المالي» بالعاصمة السعودية الرياض (كافد)
برج «صندوق الاستثمارات العامة» في «مركز الملك عبد الله المالي» بالعاصمة السعودية الرياض (كافد)

بخطى واثقة ورؤية استباقية، يقود صندوق الاستثمارات العامة رحلة التنويع الاقتصادي الكبرى، ليكون صانعاً للفرص ومعيداً لرسم خريطة الاستثمار الوطني. ومن خلال استراتيجيته الطموحة التي دخلت مرحلتها الثالثة عام 2026، نجح الصندوق في تأسيس منظومة متكاملة من الشركات والمشاريع الكبرى التي تمثل حجر الزاوية في بناء اقتصاد مستدام. ولا يستهدف العمل الحالي النمو المالي فحسب، بل يسعى لتمكين القطاع الخاص وفتح آفاق غير مسبوقة للصناعات المتقدمة والبنية التحتية المتطورة.

الجذور والتحول التاريخي

منذ تأسيسه عام 1971، رسَّخ الصندوق مكانته كأحد أبرز المحركات الاستراتيجية في مسيرة التحول الاقتصادي في السعودية، عبر دعم التنمية الوطنية وتمويل المشروعات الكبرى وتأسيس شركات وطنية أسهمت في بناء قاعدة اقتصادية ممتدة لعقود.

ومع انطلاق «رؤية 2030»، انتقل دور الصندوق من كيان تمويلي تقليدي إلى ذراع استثماري يقود التنويع الاقتصادي، ويعزز نمو القطاعات غير النفطية، ويعيد تشكيل خريطة الاستثمار من خلال شراكات محلية ودولية نوعية، جعلت منه أحد أهم أدوات المملكة في استقطاب الفرص وترسيخ حضورها الاقتصادي على المستوى العالمي.

مراحل التحوُّل الاستراتيجي

جاء عمل الصندوق في إطار «رؤية 2030» عبر ثلاث مراحل متتابعة اتسمت بالتكامل والتطور. امتدت المرحلة الأولى حتى عام 2020، وركزت على إعادة الهيكلة المؤسسية، وإدراج الصندوق ضمن برامج تحقيق الرؤية، إلى جانب إطلاق استراتيجية طموحة استهدفت تطوير عشرة قطاعات استراتيجية، مع تحديث الأطر التنظيمية لتعزيز كفاءة الاستثمار.

أما المرحلة الثانية، الممتدة بين عامي 2021 و2025، فقد شهدت توسعاً كبيراً في نطاق عمل الصندوق، حيث استهدف الاستثمار في 13 قطاعاً استراتيجياً، مع تسريع تنفيذ المشروعات الكبرى. وخلال هذه المرحلة برزت مشروعات نوعية مثل الدرعية، ووجهة البحر الأحمر، والقدية، التي أسهمت في تعزيز مكانة المملكة كوجهة عالمية للسياحة والاستثمار.

ومع دخول المرحلة الثالثة عام 2026، أعاد الصندوق تركيز استراتيجيته لتشمل ست قطاعات رئيسية، تشمل السياحة والسفر والترفيه، ⁠والتطوير العمراني ​والتنمية الحضرية، والصناعات المتقدمة والابتكار، والصناعة والخدمات اللوجستية، والبنية التحتية ​للطاقة النظيفة والمتجددة والمياه، ونيوم.

مع تعزيز دور القطاع الخاص في تشغيل المشروعات الكبرى والاستفادة من الفرص الاستثمارية المتنامية، بما يعكس انتقالاً نحو نموذج اقتصادي أكثر نضجاً واستدامة.

نتائج اقتصادية ملموسة

أسفرت هذه المراحل عن نتائج اقتصادية بارزة، حيث تضاعف حجم الأصول تحت إدارة الصندوق بشكل كبير ليصل إلى 3.41 تريليون ريال (909.3 مليار دولار) في 2025، وارتفع الناتج المحلي غير النفطي إلى مستويات تاريخية، بلغت مساهمة الصندوق فيه نحو 10 في المائة. كما أسهم في توفير أكثر من مليون فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة منذ عام 2018، إلى جانب تمكين القطاع الخاص من المشاركة في مشروعات استراتيجية متنوعة.

مبادرة مستقبل الاستثمار

عزَّز صندوق الاستثمارات العامة حضوره على الساحة الدولية من خلال بناء شراكات استراتيجية واستقطاب رؤوس الأموال العالمية. كما أصبحت مبادرة مستقبل الاستثمار، التي أطلقها الصندوق، منصة دولية سنوية تجمع قادة الاقتصاد والمستثمرين والخبراء لمناقشة مستقبل الاستثمار والتحديات العالمية، مما جعلها أحد أبرز الأحداث الاقتصادية على مستوى العالم.

وقد ساهم هذا الحضور في ترسيخ مكانة المملكة كمركز مؤثِّر في الاقتصاد العالمي، إضافة إلى تعزيز قيمة العلامة التجارية للصندوق، التي أصبحت من بين الأسرع نمواً بين صناديق الثروة السيادية عالمياً، بفضل أدائه الاستثماري وتبنيه معايير الحوكمة والاستدامة.

افتتاح منتدى مبادرة مستقبل الاستثمار (واس)

تمكين القطاع الخاص

أولى الصندوق اهتماماً كبيراً بتمكين القطاع الخاص، حيث عمل على خلق فرص استثمارية واسعة للشركات المحلية، بما في ذلك المنشآت الصغيرة والمتوسطة، من خلال رفع نسبة المحتوى المحلي وتوسيع الشراكات الاقتصادية. وأسهم ذلك في رفع مساهمة القطاع الخاص في الاقتصاد إلى نحو 51 في المائة.

كما أطلق الصندوق مبادرات داعمة مثل منتدى القطاع الخاص، ومنصة القطاع الخاص، وبرامج تدريب وتأهيل مثل برنامج «مساهمة» ومسرعة الأعمال الصناعية وبرنامج «عزم»، مما ساعد في بناء بيئة أعمال أكثر تنافسية واستدامة.

حضور في إحدى جلسات منتدى صندوق الاستثمارات العامة مع القطاع الخاص (الصندوق)

الاستدامة والاقتصاد الأخضر

اتجه الصندوق إلى تعزيز الاستدامة كجزء من استراتيجيته الاستثمارية، ليصبح من أوائل صناديق الثروة السيادية في إصدار السندات الخضراء. وبدأ هذا المسار منذ عام 2022 بإصدار أول سند أخضر، تبعه إصدار ثانٍ في 2023، ثم إصدار جديد في 2025.

وقد بلغت حصيلة هذه الإصدارات نحو 9 مليارات دولار، وُجِّهت إلى 91 مشروعاً بيئياً في مجالات الطاقة المتجددة، وكفاءة الطاقة، والمباني الخضراء، وإدارة المياه، بما يسهم في خفض الانبعاثات بنحو 10.1 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون، دعماً لهدف الحياد الصفري.

البيئة الاستثمارية

شهدت البيئة الاستثمارية في المملكة تحوُّلاً جذرياً مع «رؤية 2030»، من خلال إصلاحات تنظيمية وتشريعية شملت نظام الاستثمار الجديد، ونظام الإفلاس، وبرنامج «تيسير»، وإنشاء المركز الوطني للتنافسية وهيئة المنشآت الصغيرة والمتوسطة.

وقد أسهم ذلك في تعزيز جاذبية المملكة الاستثمارية، وارتفاع قيمة الاستثمارات غير النفطية إلى نحو 797 مليار ريال (212.5 مليار دولار)، وزيادة مساهمة الاستثمار في الاقتصاد من 22 في المائة إلى 30 في المائة. كما ارتفعت مساهمة القطاع الخاص في إجمالي الاستثمارات إلى 76 في المائة، ليصبح المحرك الأكبر للنمو الاقتصادي.

يواصل صندوق الاستثمارات العامة أداء دوره كمحرك رئيسي لإعادة تشكيل الاقتصاد السعودي، عبر قيادة التحوُّل نحو التنويع والاستدامة، وتعزيز مكانة المملكة كوجهة استثمارية عالمية قادرة على المنافسة والتأثير في الاقتصاد الدولي.