المالكي خاض صراعا على البقاء.. ومسؤولون أميركيون لا يتمنون فوزه

تقييمات استخباراتية في واشنطن تحذر من أن نجاحه سيعمق الطائفية ويعزز احتمالات الحرب الأهلية

رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي يدلي بصوته في مركز اقتراع بالمنطقة الخضراء في بغداد أمس (رويترز)
رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي يدلي بصوته في مركز اقتراع بالمنطقة الخضراء في بغداد أمس (رويترز)
TT

المالكي خاض صراعا على البقاء.. ومسؤولون أميركيون لا يتمنون فوزه

رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي يدلي بصوته في مركز اقتراع بالمنطقة الخضراء في بغداد أمس (رويترز)
رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي يدلي بصوته في مركز اقتراع بالمنطقة الخضراء في بغداد أمس (رويترز)

عندما قتل صحافي معروف في نقطة تفتيش هنا (في بغداد) الشهر الماضي، سارع رئيس الوزراء المالكي إلى موقع الحادث، وتحدث أمام كاميرا التلفزيون متوعدا «بالدم مقابل الدم».
بيد أنه في مدينة يلقى فيها المئات حتفهم كل شهر نتيجة التفجيرات أو إطلاق الرصاص، كان غريبا أن يركز رئيس الوزراء على حادث قتل فردي. لكن هذا المشهد، الذي يأتي مطابقا لآخر مماثل وقع قبل الانتخابات السابقة، كان دليلا واضحا على ما قال عنه الدبلوماسيون والمحللون إنه أفضل وآخر آمال المالكي للفوز برئاسة الوزراء لفترة ثالثة.
حاول المالكي لعب دور الرجل القوي، وهو الأمر الذي اعتاد العراقيون، أيا كانت الأوضاع، أن يروا عليه قادتهم. ويقول صلاح الربيعي، 46 عاما أستاذ جامعي في بغداد، الذي وصف المالكي بالرجل الحكيم والقوي والقائد العظيم: «المالكي رجل قوي».
وقد تمنح استراتيجية إظهار القوة المالكي أصوات الناخبين الشيعة، لكن الشكوك تحوم حول قدرته على الفوز بفارق يمكنه من الحصول على ولاية أخرى.
هزيمة المالكي ستلقى ترحيبا كبيرا من المسؤولين الأميركيين؛ إذ وجدت تقييمات الاستخبارات الأميركية أن إعادة انتخاب المالكي ستزيد من حدة التوترات الطائفية وترفع في الوقت ذاته من مخاطر وقوع حرب أهلية، مستدلين على ذلك بتركيزه السلطة في يده وفشله في المصالحة مع الفصائل العراقية - سنة أو أكرادا - وإخفاقه العسكري ضد المتشددين المسلحين. وخلال عمله، اتهم الجيش، الذي تلقى تدريبه على يد القوات الأميركية، من قبل مجموعات حقوق الإنسان باتهامات جدية خلال عملياتها ضد المسلحين ومعارضي حكومة المالكي، التي كان من بينها التعذيب وعمليات الاعتقال العشوائي للسنة، وطلب الرشى لإطلاق سراح المعتقلين.
وتصمم قائمة طويلة من المنافسين السياسيين على الإطاحة به. وإذا حكمنا من خلال المطالبات الرقيقة من أجل «التغيير»، فقد يفقد دعم السلطات الدينية الشيعية في النجف الذين يتمتعون بسلطة روحية كبيرة على الأغلبية الشيعية في العراق. ورغم اعتراف كثير من العراقيين، برغبتهم في قيادة قوية، فإنهم قالوا أيضا إنهم سئموا من العنف والجمود السياسي في ظل حكم المالكي.
لكن آمال المالكي تحسنت قبل ستة أشهر، عندما حقق عددا محدودا من الإنجازات الملموسة التي يمكنه الاتكاء عليها. فقد مكنه القتال العنيف ضد المسلحين في محافظة الأنبار ومناطق أخرى من البلاد من لعب دور قائد الحرب وتقديم نفسه إلى الأغلبية الشيعية قائدا لمعركة وجودية التي وصفها بعبارات طائفية صارخة.
ويقول عزت الشابندر، سياسي شيعي كان متحالفا في السابق مع المالكي لكنه خاض الانتخابات مستقلا: «كل العوامل تعمل لصالحه».
وفي إشارة إلى الأزمة في الأنبار، التي فشلت فيها حملة المالكي العسكرية، قال دبلوماسيون غربيون: «من الواضح أنها سترفع حظوظه الانتخابية».
وسيواجه المالكي معارضة قوية خلال صراعه للبقاء في السلطة. ويتوقع خبراء سياسيون أن يحصل على غالبية المقاعد، لكنه لن يتمكن من الحصول على الأغلبية التي تضمن له الحصول على فترة ثالثة. وستبدأ بعد الانتخابات مفاوضات الغرف المغلقة، التي ستكون بالأساس بين المالكي ومنافسيه الشيعة، وستشهد مشاركة من قادة السنة والأكراد أيضا. ويتوقع أن تكون فترة ما بعد الانتخابات طويلة وحافلة بالكثير من الفوضى وطويلة، وغير نمطية في العراق، ويتوقع الخبراء هذه المرة أن تكون أطول من سابقتها، وربما تمتد لعام.
وتشير تقارير الاستخبارات الأميركية إلى أن إيران، التي كانت أقوى داعم للمالكي في تعزيز سلطته في السنوات الأخيرة، ربما تدعم إعادة انتخابه بملايين الدولارات. لكن إيران دفعت أيضا أموالا لبعض منافسيه الشيعة في إظهار لهدف إيران الأكبر بالحفاظ على الهيمنة الشيعية وليس بالضرورة حكم المالكي.
وقد ميز المالكي، الذي نادرا ما يبتسم ويفتقر إلى أي ملامح ظاهرية للكاريزما، نفسه عن السياسيين العراقيين بالعمل لساعات طويلة، وفي كثير من الأحيان يترك مكتبه في الساعة الواحدة صباحا. كما أنه نادرا ما يغادر العراق حيث تقيم عائلته في الوقت الذي نقل فيه كثير من الساسة العراقيين عائلاتهم إلى الخارج.
ويقول السفير الأميركي السابق في بغداد، زلماي خليل زاد في مقابلة معه: «إنه لا يكترث لمسائل البروتوكول، وليست لديه مشكلة في الحضور إلى مقر إقامتي أو مكتبي». ويضيف خليل زاد إن المالكي على الرغم من ذلك، فإنه قلق بشأن احتمال قيام مسؤولي حزب البعث السابق بانقلاب.
وكان خليل زاد هو من شجع المالكي على الترشح لمنصب رئيس الوزراء في عام 2006، بعد التأكد من أن سلفه إبراهيم الجعفري، لا يتمتع بالكفاءة وطائفي بشكل مفرط. وفي عام 2010، فاز المالكي بولاية ثانية بدعم من المسؤولين الأميركيين، الذين اعتقدوا أنه سيفوز على أي حال، وبدا واضحا أنه المرشح الأكثر قبولا لدى الأغلبية الشيعية المنقسمة.
وفي محاولة لرأب الانقسام السياسي والطائفي في العراق وحمايته من استبداد المالكي المتزايد، سعت إدارة أوباما إلى إقناع المالكي بتقاسم السلطة مع منافسه اللدود إياد علاوي، الذي كان زعيم كتلة مدعومة من قطاع واسع من السنة. لكن المحاولة فشلت، ولم يتمكن المالكي مطلقا من تشكيل الحكومة الشاملة التي كان يأمل فيها البيت الأبيض.
وتحدد شخصية المالكي، التي تشكلت عبر عقود من العمل السياسي السري لإطاحة نظام صدام حسين، إلى حد كبير أسلوبه في الحكم. فقد تولى المالكي في المنفى، في إيران وسوريا، المسؤولية عن العمليات العسكرية لحزب الدعوة الإسلامي الشيعي داخل العراق، تلك التجربة التي غرست في نفسه الشعور الدائم بجنون العظمة الذي تعمق بسبب التهديد المستمر باغتياله.
وتقول ماريا فانتابي، محللة شؤون العراق في مجموعة الأزمات الدولية: «أعتقد أن لب مشكلته هو خوفه، فهو يرى أعداء في كل مكان، فربما يكونون الأكراد أو السنة أو حتى مستشاريه».
بدوره، يرى رمزي مارديني، خبير شؤون العراق في «المجلس الأطلسي» أن «المالكي ليس ديمقراطيا، وليس قوميا ولا آيديولوجيا طائفيا.. فعقيدته ترتكز على البقاء، وهو يتشابه مع كثير من القادة العرب في الشعور بالعظمة والتآمر».
وفي قرية الجناجح، مسقط رأس المالكي جنوب العراق، تتناثر القمامة عبر قناة الري التي تجري بالقرب من المنزل المتداعي الذي كان موطنا لطفولته. وتبدو القرية مثل أي قرية أخرى في العراق من حيث الفقر والبطالة، ومن دون وجود مؤشر واضح على استخدام الثروة النفطية الهائلة في البلاد.
ويقول شكور جبور، أحد أبناء أعمام المالكي: «لم يقدموا أي شيء.. انظر إلى القمامة». ويشير جبور إلى أن حالة القرية تظهر أن المالكي لديه مخاوف أضخم. وأضاف: «أقول لك، صراحة، عندما تنظر إلى هذا الحي، فأنت تنظر إلى أي مكان آخر في العراق».
ورغم انزعاج كثيرين مما وصفوه بمحاولة المالكي بناء سلالة العائلة، التي تذكر العراقيين لا محالة بتركة صدام حسين، فإنه أعطى ابنه، أحمد، صلاحيات واسعة، ومبهمة على الأمن داخل مكتب رئيس الوزراء وداخل المنطقة الخضراء. ويعمل زوجا ابنتيه في مكتبه، وهما مرشحان في الانتخابات.
ورغم كل هذا، فإن لطيف رشيد، مستشار بارز في مكتب الرئيس العراقي جلال طالباني، يقول إن كثيرين داخل العملية السياسية في العراق يعتقدون أن المالكي سيجد وسيلة للبقاء في السلطة لفترة أخرى. وقال رشيد إن المؤشرات - القولية، في أحسن الأحوال، ونظرا لعدم وجود بيانات موثوقة لعملية الاقتراع في العراق - تشير إلى أن المالكي يحظى بتأييد قوي بين العراقيين، وذلك جزئيا بسبب التردد في تغيير القادة في وقت تواجه فيه البلاد تمردا متصاعدا.
وبدا واضحا أن المالكي يتمتع بموقف قوي، على الرغم من أن وضع البلاد واحتشاد المنافسين ضده محير، بحسب رشيد. وقال: «هناك كثير من الأشياء التي لا أفهمها. هل تدركون السبب في تفجير هؤلاء الأشخاص أنفسهم؟ هل تدركون السبب في تفجير هؤلاء الأشخاص سيارة مفخخة في مدرسة؟».
* خدمة: «نيويورك تايمز»



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.