كمال جنبلاط لحافظ الأسد: دخولك لبنان سيكون مبرراً لتدخل إسرائيل

توفيق سلطان القيادي السابق في الحركة الوطنية اللبنانية يروي لـ «الشرق الأوسط» تفاصيل اللقاء

توفيق سلطان في منزله بطرابلس (خاص بـ«الشرق الأوسط»)
توفيق سلطان في منزله بطرابلس (خاص بـ«الشرق الأوسط»)
TT

كمال جنبلاط لحافظ الأسد: دخولك لبنان سيكون مبرراً لتدخل إسرائيل

توفيق سلطان في منزله بطرابلس (خاص بـ«الشرق الأوسط»)
توفيق سلطان في منزله بطرابلس (خاص بـ«الشرق الأوسط»)

يسند توفيق سلطان وجهه بيده، متذكراً وقائع لقاء الزعيم اللبناني الراحل كمال جنبلاط بحافظ الأسد، محاولاً استجماع سائر تفاصيل اللقاء. لا يغيب عن باله كيف تحدى جنبلاط الأسد، برفضه مشروع الكونفدرالية التي تجمع الأردن وسوريا ولبنان، ذلك أن المشروع «كان يهدف لإنهاء الثورة الفلسطينية»، وهو الموقف الذي أدى لاغتيال جنبلاط، في 16 مارس (آذار) 1977، واتهم النظام السوري باغتياله.
سلطان لم يتسلم أي منصب في الحزب التقدمي الاشتراكي منذ العام 1982، كان في بدايات حقبة الحرب اللبنانية نائباً لرئيس الحركة الوطنية التي ضمت «أحزابا وطنية لبنانية وفلسطينية» وكانت داعمة للثورة الفلسطينية. ويؤكد لـ«الشرق الأوسط»، عشية الذكرى الـ40 لاغتيال جنبلاط، أن جنبلاط «استشهد من أجل سيادة لبنان والقرار الفلسطيني المستقل، وكان له هاجس دائم بأنه لا يساوم على سيادة لبنان لا استراتيجيا ولا تكتيكيا. كان زعيماً عربياً بوصفه رئيس الجبهة العربية المشاركة للثورة الفلسطينية، ومع ذلك لم يقبل أن تُمسّ السيادة اللبنانية».
وهنا نص الحوار...
* كيف تبلغتم نبأ اغتيال كمال جنبلاط؟
- بلغنا نعي كمال جنبلاط أثناء وجودنا في القاهرة. كنا نستعدّ لحضور اجتماع «المجلس الوطني الفلسطيني». حضر ياسر عرفات إلى مكان كنت موجودا فيه مع بعض الرفاق، وطلب النزول إلى الجامعة العربية، قائلا: إن جلسة «المجلس الوطني الفلسطيني» ستكون احتفالاً تأبينياً لكمال جنبلاط، وذلك بعد ساعتين أو ثلاث من مقتله.
* ماذا قلت حينها؟
- جرت محاولات للحيلولة دون أن أتحدث، خوفاً من ردود فعل. أصريت على الكلام، كوني كنت نائب رئيس الحركة الوطنية، وممثل الحزب التقدمي الاشتراكي في المجلس الوطني الفلسطيني، ورئيس وفد الحركة الوطنية إلى الاجتماع. بادرت للكلام بالقول: «قتلوك لأنك فلسطيني». أنا على يقين أن أسباب اغتياله تعود لأنه فلسطيني.
* ما هو سبب اليقين لديك؟
- في العام 1970، بدأت محاولات ضرب الثورة الفلسطينية في الأردن. لم تنجح كلياً. وهجرت الثورة الفلسطينية من الأردن إلى لبنان. تغيّر اللاعبون وتبدل السيناريو. صار المطلوب ضرب الثورة الفلسطينية في لبنان، مستغلين ظروف لبنان وصراعاته السياسية والطائفية والمناطقية والعشائرية، والهدف واحد، هو ضرب الثورة. هنا، أُنجز الترتيب الأكبر، أن هناك فريقاً جاهزاً ليتقبل ضرب الثورة الفلسطينية، (في إشارة إلى اليمين المسيحي الذي تكتل من عدة أحزاب يمينية في العام 1976 تحت اسم الجبهة اللبنانية). وحتى يكتمل المشروع، يحتاج إلى ثمن. والثمن هو إنشاء اتحاد كونفدرالي بين الأردن وسوريا ولبنان.
* ألم يكن مشروعاً متخيلاً؟
- هذا المشروع له وثائق، ولم يكن نظرياً. كان هناك توافق من أكثر من طرف دولي على تحقيقه. ففي اجتماع بين كمال جنبلاط وحافظ الأسد، كنت أحضره، طرح الأسد على جنبلاط فكرة إنشاء اتحاد كونفدرالي، فأجابه جنبلاط بالرفض. وسأله لماذا؟ فقال له جنبلاط: أنت لا حريات لديك، وأنا لا يمكنني أن أعيش في بلد لا تتوفر فيه مناخات الحرية. وأكمل جنبلاط للأسد مؤكداً: «لن أدخل قفصك الذهبي الكبير».
* ماذا كان جواب الأسد؟
- قال لجنبلاط: الفريق الآخر وافق على هذا الطرح، (في إشارة إلى الجبهة اللبنانية). فردّ جنبلاط: يكذبون عليك ويخدعونك. عندها، أشار الأسد لعبد الحليم خدام بإطلاعي على المشروع. طلب خدام من مدير مكتبه آنذاك مصطفى الحاج علي إحضار الملف الخاص بلبنان، وعليه أوراق رسمية باسم كاظم الخليل، محام بالاستئناف، وكان آنذاك نائب رئيس حزب الوطنيين الأحرار كميل شمعون. وفي الورقة كان مدوناً: «بعد التشاور الشفهي مع شمعون خلال رحلة صيد (كان خدام قد دعاه إليها) نعرض لكم تصورنا للاتحاد الكونفدرالي بين الأردن وسوريا ولبنان».
كمال جنبلاط وقف حجر عثرة أمام المشروع. عمل الأسد على الفريق الثاني على أساس أن موافقة الفريق الأول (الحركة الوطنية) كان مضموناً. فتبين أن الفريق الذي يمثله جنبلاط كان يعارض.
* ماذا تضمن اللقاء بين جنبلاط والأسد أيضا؟
- في الجلسة نفسها مع الأسد، حذره جنبلاط من دخول لبنان. قال له إن دخول دمشق إلى بيروت سيكون مبرراً لأن تدخل إسرائيل إلى لبنان. ودخول إسرائيل سيجلب ويلات كبيرة علينا. وقال للأسد: «خلافاتنا نستطيع أن نجد حلاً داخلياً لها، لكن دخول إسرائيل سيدخلنا في نفق مظلم». كان جنبلاط يدرك أن محور الدخول السوري إلى لبنان لم يكن لوضع اليد على لبنان، بل لإلغاء القرار الوطني الفلسطيني المستقل وضرب الثورة الفلسطينية.
* هل صحّت مقولة جنبلاط بأن الجبهة اللبنانية كانت تخدعه؟
- بعد 13 عاماً على مقتل كمال جنبلاط، وإثر اجتماع أول حكومة لبنانية بعد الطائف مع الأسد في دمشق، قال الأسد إن بيار الجميل خدعه. فأشار محسن دلول إلى إيلي حبيقة وقال للأسد إن حبيقة تلميذ الجميّل، لكن حبيقة أنكر علاقته بالجميل. الجبهة اللبنانية كانت تناور مع السوريين. والسوريون اعتبروا تلك المرحلة فرصتهم الذهبية الكبيرة لوضع يدهم على لبنان.
ومن بقي يقاتل لأجل سيادة لبنان، كان كمال جنبلاط. وحين بدأ الدخول السوري، كان في بحمدون أمام الناس للوقوف أمام الدبابات السورية.
* ألم يكن الأسد من المؤيدين للثورة الفلسطينية حين نقل الثوار من الأردن إلى لبنان؟
- نقل وتحويل الأمور إلى لبنان كان نتيجة اتفاق أطراف دولية متعددة، وأوكلت المهمة للسوريين. حتى أن الدخول السوري إلى لبنان، لم يكن بمطلب من الجبهة اللبنانية أو الرئيس فرنجية، بل إن المهمة والدخول والعدد والتسليح جاء ضمن برنامج خاضع لاتفاقات دولية، قضت بعدم عبور جسر الأولي (شمال صيدا) ونوع السلاح الذي سيستخدم.
* ماذا كان دور كمال جنبلاط؟
- اضطلع بدور التصدي للمخطط. وكان كمال جنبلاط اسما كبيراً ليس محلياً فحسب، بل عربيا ودوليا وله علاقات ووجود سياسي كبير. هو نشط، وبقي يصارع المشروع حتى قبيل اغتياله بفترة وجيزة.
* ما هي تفاصيل هذا الحراك؟
- كنت آنذاك موكلا مسؤولية العمل الخارجي في الحركة الوطنية. توجه جنبلاط إلى القاهرة حيث كنت أقيم عبر قبرص بحراً، وقابل الرئيس أنور السادات.
* ماذا كان يريد السادات؟
- تجنيب كمال جنبلاط الأذية، لكنه كان متعاطفاً مع مشروع إلغاء الثورة الفلسطينية.
بدأ جنبلاط مشواره في مصر، وقدم له السادات طائرته وانتقلنا إلى السعودية حيث التقينا الملك خالد بن عبد العزيز في مدينة الطائف، وبعدها انتقلنا إلى العراق حيث لم نستطع لقاء صدام حسين لأنه كان خارج البلاد، فالتقينا طه ياسين رمضان.
* ماذا كان الهدف من زيارة العراق؟
- هدف الجولة العربية هو منع تحقيق تصفية الثورة الفلسطينية. العراق كان مهووساً بمقاتلة سوريا، لكن جنبلاط أكد لرمضان أنه ليس من مهامه قتال السوريين، بل منع الضرر الناتج عن تصفية الثورة الفلسطينية. بعدها انتقل إلى باريس، حيث أجرى اتصالات في فرنسا مع الإدارة الفرنسية وأحزاب، لكنها لم تكن ناجحة. ثم أرسل مبعوثاً إلى موسكو، علما بأن جنبلاط كان يحمل وسام لينين وهو أرفع وسام سوفياتي لم يحمله من العرب إلا جنبلاط وجمال عبد الناصر. فكان جواب الاتحاد السوفياتي لمبعوث جنبلاط الذي عاد خلال 24 ساعة: نعرف رأيه، ويعرف رأينا... لا لزوم لزيارته.
* حتى الاتحاد السوفياتي كان موافقاً على تصفية الثورة؟
- إنها حبكة دولية. بعدها زرنا الجزائر، ومنها إلى ليبيا ثم إلى مصر. هناك، قلت له: «إن عدت فسيقتلونك». قال: «أعرف». قلت له: «ألا يمكنك أن تبتعد قليلاً ريثما تأتي متغيرات ولا يعود هذا المطلب قائماً؟» لكن أبى إلا أن يعود إلى لبنان.
* ياسر عرفات ماذا كان رأيه؟
- كان مغلوباً على أمره. لا يملك أرضاً، وهو مطوق في لبنان بالحرب. أصلاً عانى مع بعض العرب، كما عانى مع الإسرائيليين.
* وكيف انتهى مشروع الكونفدرالية بين الأردن وسوريا ولبنان؟
- حين زار السادات القدس، عندها تغيرت المعادلة، واستعادت الثورة الفلسطينية روحاً جديدة، كونها بدأت تتنفس في سوريا التي أعطتها روحاً جديدة بسبب المناكفة بين مصر وسوريا على ضوء توقيع مصر اتفاقية سلام مع إسرائيل.



«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
TT

«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)

أقرّ مجلس إدارة البنك المركزي اليمني، في اجتماعه المنعقد بالعاصمة المؤقتة عدن برئاسة المحافظ أحمد غالب، حزمة من الإجراءات النقدية والتنظيمية للتعامل مع ظاهرة شح السيولة من العملة الوطنية في الأسواق، في خطوة تعكس سعي السلطات المالية إلى احتواء الضغوط المتزايدة على الاقتصاد في ظل ظروف داخلية وخارجية معقدة.

وجاءت هذه القرارات بعد تقييم شامل للتدخلات السابقة التي نفذها البنك لضخ السيولة، والتي تمت وفق معايير اقتصادية تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار النقدي دون التسبب في اختلالات إضافية، خصوصاً في ظل استمرار فجوة السيولة وتأثيرها على الأنشطة التجارية والمعيشية.

وبحسب الإعلام الرسمي، ناقش المجلس جملة من الخيارات المتاحة لمعالجة أزمة السيولة، وأقر حزمة إجراءات موزعة بين تدابير فورية وأخرى قصيرة ومتوسطة الأجل، مع تكليف الإدارة التنفيذية بتنفيذها ومتابعة نتائجها بشكل مستمر. كما شدد على أهمية التقييم الدوري للأوضاع النقدية واتخاذ خطوات تصحيحية بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة.

جانب من اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني في عدن (إعلام حكومي)

وأكد المجلس التزام البنك المركزي بمواصلة تبني سياسات نقدية احترازية متحفظة، تستهدف الحفاظ على استقرار سعر صرف العملة الوطنية وكبح الضغوط التضخمية، مع تجنب الاستجابة لتوقعات غير مبنية على أسس اقتصادية، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية ودولية غير مستقرة.

وأشار إلى عزمه استخدام كل الأدوات المتاحة، بما في ذلك السياسات النقدية والإجراءات الإدارية والوسائل القانونية، لضمان تحقيق أهداف الاستقرار المالي والنقدي، وهو ما يعكس توجهاً أكثر تشدداً في إدارة السياسة النقدية خلال المرحلة المقبلة.

تحديات اقتصادية

واستعرض مجلس إدارة البنك المركزي اليمني خلال الاجتماع، مؤشرات الأداء المالي والاقتصادي الأولية للربع الأول من العام الحالي، بما في ذلك وضع الموازنة العامة ومستوى الاحتياطيات الخارجية والالتزامات المالية، إلى جانب تقييم آفاق الاقتصاد الوطني في ضوء التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة.

وأورد الإعلام الرسمي أن النقاش سلط الضوء على التداعيات الاقتصادية للتوترات الإقليمية، التي أسهمت في رفع تكاليف النقل والتأمين وأسعار الطاقة، إضافة إلى اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، وهي عوامل تضغط بشكل مباشر على الاقتصادات الهشة، ومنها الاقتصاد اليمني الذي يعاني أساساً من اختلالات هيكلية وعجز مزمن في الموارد.

طفل يمني يحمل ورقة نقدية من فئة 500 ريال في مأرب (أ.ب)

وفي هذا السياق، اطلع المجلس على الجهود الحكومية الرامية إلى التخفيف من آثار هذه التحديات، بدعم من القيادة السياسية، بما في ذلك التنسيق مع الشركاء الدوليين لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والحد من تداعيات الأزمات الخارجية.

وضمن مساعي تحديث البنية التحتية المالية، أقر المجلس عدداً من القرارات التنظيمية؛ أبرزها اعتماد معيار وطني موحد لخدمة رمز الاستجابة السريع لجميع المؤسسات المالية، بما يسهم في تسهيل المعاملات وتعزيز الشمول المالي.

كما أقر ربط المحافظ الإلكترونية ضمن منظومة موحدة ترفع كفاءة التشغيل، إلى جانب مساهمة البنك المركزي بوصفه مسهماً رئيسياً في شركة تشغيل نظام المدفوعات الفورية، في خطوة تهدف إلى تسريع التحول نحو الاقتصاد الرقمي وتقليل الاعتماد على النقد.

وفد من البنك الدولي

ورحب مجلس الإدارة بالتطورات الإيجابية في علاقات اليمن مع المؤسسات المالية الدولية، مشيراً إلى زيارة وفد البنك الدولي رفيع المستوى إلى عدن، وإلى عرض تقرير مشاورات المادة الرابعة مع اليمن على مجلس إدارة صندوق النقد الدولي، وهو ما يعكس تنامي الانخراط الدولي في دعم الاقتصاد اليمني.

وفي السياق ذاته، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي، أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات التعافي، مع التركيز على تحسين الخدمات الأساسية والبنية التحتية وبناء القدرات المؤسسية.

اجتماع يمني في عدن مع وفد من البنك الدولي (إعلام حكومي)

وأكدت الزوبة أهمية مواءمة برامج الدعم مع أولويات الحكومة لعام 2026، داعية إلى زيادة التمويلات المخصصة لليمن، خصوصاً في قطاعات الصحة والتعليم والمياه وخلق فرص العمل، إلى جانب تمكين النساء اقتصادياً.

وشدد الجانبان على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع استمرار دعم الفئات الأكثر احتياجاً، والتركيز على القطاعات الحيوية كالكهرباء والبنية التحتية والتعليم، بما يضمن تحقيق أثر طويل الأمد على الاقتصاد والمجتمع.


مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
TT

مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)

مع إعلان الجماعة الحوثية انخراطها في الحرب دفاعاً عن النظام الإيراني، دخلت العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرتها مرحلة جديدة من التوتر والقلق، انعكست مباشرةً على الحياة اليومية لملايين السكان، الذين يواجهون اليوم سيناريوهات مفتوحة على احتمالات أمنية واقتصادية معقدة.

ففي صنعاء، تتجلَّى ملامح القلق في تفاصيل الحياة اليومية. الشوارع أقل ازدحاماً في ساعات النهار، وحركة الأسواق تشهد تراجعاً ملحوظاً، فيما يفضِّل كثير من السكان البقاء قرب منازلهم.

وبالرغم من غياب أي موجة نزوح واسعة حتى الآن في صنعاء، فإنَّ شهادات محلية تشير إلى تحركات فردية لعائلات بدأت بمغادرة أحياء ومناطق قريبة من مواقع حساسة. في المقابل، يلجأ كثيرون إلى ما يمكن وصفه بـ«الاستعداد الصامت» يتضمن تخزين بعض الغذاء وتوفير كميات إضافية من المياه، وتجهيز خطط بديلة في حال تدهور من الأوضاع.

مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)

ويخشى السكان في صنعاء من أن يؤدي انضمام الحوثيين للدفاع عن إيران إلى مزيد من المعاناة، خصوصاً وأن الملايين من اليمنيين يعيشون منذ سنوات ظروفاً متدهورة جرَّاء الانقلاب والحرب واستمرار سياسات الفساد والنهب والتجويع الحوثية.

وأبدى سكان العاصمة المختطفة رفضهم لهذه التحركات التي قد تستدعي، بحسبهم، ضربات عسكرية جديدة تطال ما تبقى من البُنى الحيوية دون اكتراث للمعاناة.

توقع ردود انتقامية

ويُحذِّر مراقبون من أن انخراط الحوثيين في الحرب قد يضع صنعاء وبقية مدن سيطرتهم ضمن بنك أهداف مُحتمل لقوى مثل الولايات المتحدة أو إسرائيل، خاصة إذا استمرت وتيرة ارتباط عمليات الجماعة بتطورات ميدانية في الصراع الإقليمي.

ويقول مراد، وهو مواطن يعيش في شمال صنعاء لـ«الشرق الأوسط»: «نحن لا نعرف حجم ما سيحدث، لكننا متأكدون أن الأمور لن تبقى كما هي. كل الاحتمالات واردة».

ويضيف: «إن القلق لا يرتبط حالياً بالخوف من ردة فعل أمريكية - إسرائيلية انتقامية ومُحتملة، بل أيضاً بانعدام وضوح المستقبل، في ظل تصاعد الخطاب العسكري للجماعة باستمرار شن مزيد من الهجمات باتجاه إسرائيل، وصولاً إلى معاودة استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر وباب المندب».

الحوثيون رفعوا صوراً لخامنئي في شوارع صنعاء (إ.ب.أ)

أما أم محمد، وهي ربه منزل تقطن حي قريب من موقع عسكري غرب صنعاء، فتقول: «فكرت مع عائلتي بترك منزلنا بعد دخول الحوثيين في الحرب، لكن إلى أين نذهب؟ الإيجارات مرتفعة، والوضع صعب. وإن بقينا فالخوف لن يُفارقنا، خصوصاً على الأطفال».

وتشير إلى أن أطفالها أصبحوا أكثر توتراً، خصوصاً مع تداول أخبار التصعيد الحوثي عبر الهواتف ووسائل التواصل.

ولا تقتصر هذه الحالة على صنعاء، بل تمتد إلى مدن عدة خاضعة تحت سيطرة الحوثيين، حيث يُبدي كثير من السكان مخاوف مُشابهة، وإن كانت أقل حدة.

تصعيد تدريجي

ويرى محللون أن المرحلة المقبلة قد تشهد نمطاً من «التصعيد التدريجي»، الذي يسمح للجماعة بالمشاركة دون الانجرار إلى مواجهة شاملة، غير أن هذا التوازن يبقى، حسبهم، هشاً وقابلاً للانهيار.

وبحسب هذه التقديرات فإنَّ الحوثيين وضعوا أنفسهم جرَّاء هذا التحرك أمام معادلة صعبة، حيث أنهم يسعون لتعزيز موقعهم ضمن محور تقوده إيران، لكنهم يدركون في الوقت نفسه أن التصعيد المفرط قد يستجلب ردوداً عسكرية قاسية.

حفرة أحدثها سقوط صاروخ حوثي استهدف إسرائيل (أرشيفية - أ.ف.ب)

ويشير ناشطون يمنيون إلى أن المخاوف الحالية لا تقتصر على الجانب العسكري، مؤكدين أن سكان صنعاء وبقية المدن لا يخافون فقط من الضربات، بل أيضاً من أي إجَّراءات داخلية قد تشمل الاعتقالات أو التضييق، بتهم التخابر مع من تصفهم الجماعة بـ«الأعداء».

ويتخوف المراقبون من أنه في حال استمرار انخراط الحوثيين في الحرب بوتيرة عالية، قد تتجه الأوضاع في اليمن نحو مرحلة أكثر تعقيداً، فالخوف يتصاعد، والضغوط المعيشية والاقتصادية تتزايد، والسيناريوهات تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة.

وكانت الجماعة الحوثية أعلنت، السبت، إطلاق دفعتين من الصواريخ باتجاه إسرائيل، في إطار ما تسميه نصرة إيران، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخين أطلقا من اليمن، دون التسبب في أية أضرار.


هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

مع انقضاء الشهر الأول للحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

هذا التدخل الذي لم يكن مفاجئاً في سياق ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، يفتح الباب أمام تحولات ميدانية وسياسية عميقة داخل اليمن؛ إذ يرى محللون أنه قد يسرِّع إعادة تشكيل خريطة المواجهة، ويدفع نحو استئناف عمليات عسكرية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة على ساحل البحر الأحمر، وربما أبعد من ذلك.

ويأتي ذلك بالتزامن مع قرار الأمم المتحدة إنهاء مهمة بعثتها لدعم اتفاق الحديدة (أونمها) بنهاية مارس (آذار) الجاري، ما يعزز التقديرات بعودة جبهة الساحل الغربي إلى مربع الصراع المسلح، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتراجع مسارات التهدئة.

وتتصاعد المخاوف الإقليمية والدولية من احتمال إقدام جماعة الحوثي على إغلاق مضيق باب المندب، في خطوة قد تأتي امتداداً لتحركات طهران في مضيق هرمز، بما يعكس اتساع نطاق الضغط على الممرات البحرية الحيوية.

يقول عدنان الجبرني، المتخصص في الشؤون العسكرية، إن «مغادرة البعثة الأممية بالتزامن مع دخول الحوثيين في حرب جديدة لصالح إيران، وما قد يترتب على هذا الانخراط من تداعيات على مستقبل اليمن والمنطقة، يجعل جميع الاحتمالات مفتوحة».

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «انخراط الحوثيين يؤكد أن محركات الجماعة وأولوياتها مرتبطة بشكل أساسي بإيران ومحورها، وهو ما يشكل تحدياً خطيراً لليمنيين ومصالحهم ومستقبلهم، وكذلك للمنطقة عموماً، رغم حرص الجماعة على توظيف خطاب إسرائيل والقضية الفلسطينية».

انخراط الحوثيين في الحرب الإقليمية قد يؤدي لعملية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة (وكالات)

وحسب الجبرني، فإن «الحوثيين وصلوا داخلياً إلى حالة من الانسداد والانكشاف؛ حيث بلغ السخط الشعبي ضدهم وعزلتهم المجتمعية مستويات غير مسبوقة»، مضيفاً أن «ذلك يدفعهم نحو مزيد من الانخراط في معارك خارجية، وهو ما قد يرتد بتكلفة عالية على الجماعة ومستقبلها».

من جهتها، لم تستبعد المهمة الأوروبية (أسبيدس) استهداف الحوثيين السفن في البحر الأحمر وخليج عدن، داعية السفن العابرة في هذه المنطقة إلى توخي الحذر.

في المقابل، يرى مروان نعمان، الباحث في مركز واشنطن للدراسات اليمنية لدى الأمم المتحدة، أن «الأوان قد حان لتحرير مدينة الحديدة من الميليشيات الحوثية»، مشيراً إلى أن «قرار نقل السلطة في عام 2022، الذي تم بموجبه تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، أكد أن حل الأزمة في اليمن سيكون سلماً أو حرباً».

ولفت نعمان -في تعليق لـ«الشرق الأوسط»- إلى أن «الرئيس رشاد العليمي دعا مؤخراً إلى تشكيل تحالف دولي لمواجهة التهديدات الحوثية في البحر الأحمر»، مضيفاً أن «التطورات الجديدة في المنطقة تجعل من تحرير مدينة الحديدة أمراً لازماً».

وأكد أن «انخراط الجماعة، بتوجيه من (الحرس الثوري) الإيراني، في خدمة أجندة إيران التوسعية الهادفة إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، يدق المسمار الأخير في نعشها».

الجماعة الحوثية تعيش أسوأ حالاتها حسب محللين (إ.ب.أ)

من جانبه، يتفق الكاتب السياسي اليمني همدان العليي على أن «انتهاء اتفاق استوكهولم، ومغادرة البعثة الأممية، يمثلان فرصة حقيقية لليمنيين والإقليم والمجتمع الدولي، لاستعادة مؤسسات الدولة في الحديدة، وصولاً إلى صنعاء».

ويرى العليي أن «أي عملية لتحرير الحديدة ومينائها ستسهم في حماية الممرات البحرية في باب المندب من الهجمات الحوثية، التي يُتوقع أن تتصاعد خلال الفترة المقبلة»، مضيفاً: «يبدو أننا أمام مواجهة جديدة (...) وأي خرق جديد من الحوثيين يعني الدخول في مرحلة مختلفة قد تقود إلى تحرير هذه المنطقة الجغرافية المهمة».

بدوره، يؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الله إسماعيل، أن «هناك كثيراً من المؤشرات التي تدل على أن معركة تحرير الحديدة واليمن قادمة»، ولكنه يرى أن الإشكالية تكمن في التوقيت. وقال: «في تقديري، فإن معركة تحرير الحديدة والمناطق الأخرى قادمة، ولكن تحديد موعدها يخضع لجملة من المعايير والترتيبات التي تحول دون استفادة الحوثيين من عمليات التحشيد أو استغلالها في تغرير اليمنيين».

وأضاف: «نحن أمام متغيرات واضحة، وربما تكون الانتفاضة من الداخل اليمني هي الحاسمة، بينما يرى كثيرون أن الجماعة تحفر قبرها بيدها».

من الناحية العسكرية، يرى العقيد محمد جابر، مستشار قائد العمليات اليمنية المشتركة، أن «المعطيات المحلية والإقليمية الحالية تشير إلى أننا مقبلون على معركة (كسر عظم) مع مشروع نظام الملالي».

وأشار -في تصريح لـ«الشرق الأوسط»- إلى أنه «بعد سقوط اتفاق استوكهولم سياسياً وعسكرياً، تبرز مؤشرات واضحة على فتح جبهة الحديدة والساحل الغربي، وتحولها إلى ساحة مواجهة مفتوحة خلال الأيام المقبلة».

قوات تابعة للمقاومة الوطنية في الساحل الغربي (الجيش اليمني)

وحذَّر جابر من أن «الحوثيين استبقوا هذا التحول بتحشيد عسكري غير مسبوق منذ بداية عام 2026، بهدف تحويل الساحل إلى قاعدة صاروخية تخدم النظام الإيراني في صراعه الإقليمي، واستخدام باب المندب كورقة للمقايضة السياسية».

ووفقاً لوزير الإعلام اليمني معمر الإرياني، فقد وصلت قيادات وخبراء إضافيون من «الحرس الثوري» إلى صنعاء خلال الأسبوع الماضي، بالتزامن مع التصعيد الأخير.

وأوضح جابر أن «التحركات الأخيرة للحكومة الشرعية واللجنة العسكرية، بإشراف المملكة العربية السعودية، تعكس وجود ترتيبات جادة لتوحيد الجبهات تحت قيادة مشتركة، والاستعداد لسيناريو ردع جماعة الحوثي واستعادة المواني».

وأضاف: «اختار الحوثيون الانخراط في المعركة الإقليمية بإرادتهم، وقدَّموا أنفسهم كأداة تنفيذية ضمن غرفة عمليات مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، مقدِّمين أولويات الصراع الإقليمي على حساب مصلحة اليمن واليمنيين، هذا القرار سيضعهم أمام مواجهة داخلية مع اليمنيين، ومواجهة مباشرة مع البيئة الإقليمية والدولية، بما قد يعجِّل بنهايتهم».