«سحر الموضة الإيطالية: 1945 ـ 2014».. الخمسينات حقبة الانتعاش الإبداعي

معرض يتتبع الصراع على الصدارة بين روما وميلانو وفلورنسا

ازدهار الحركة السينمائية أنعشت قطاعات إبداعية أخرى على رأسها الموضة
ازدهار الحركة السينمائية أنعشت قطاعات إبداعية أخرى على رأسها الموضة
TT

«سحر الموضة الإيطالية: 1945 ـ 2014».. الخمسينات حقبة الانتعاش الإبداعي

ازدهار الحركة السينمائية أنعشت قطاعات إبداعية أخرى على رأسها الموضة
ازدهار الحركة السينمائية أنعشت قطاعات إبداعية أخرى على رأسها الموضة

صفوف من الفساتين الفخمة والأزياء المطرزة بدقة وبألوان متوهجة كل ما فيها يصرخ بالغنى والجمال، بينما يتردد على الخلفية صوت خفيف، وكأنه دقات عقارب ساعة، تبين فيما بعد أنه صوت ماكينة حياكة قديمة، الغرض منه التذكير بالحرفية والتقاليد العريقة التي تفخر بها إيطاليا.
هذا أول انطباع سيتكون لديك من اللحظة التي ستدخل فيها متحف «فيكتوريا أند ألبرت» بلندن هذه الأيام لحضور معرض «سحر الموضة الإيطالية: 1945-2014». معرض سيمتد حتى الـ27 من شهر يوليو (تموز) المقبل، ويسلط الضوء على صناعة الموضة في إيطاليا منذ كانت تصنع باليد إلى أن دخلت مجال التكنولوجيا. وحتى لا تضيع القصة ويتوه الزائر بين أروقة التاريخ، جرى التركيز عليها بعد الحرب العالمية الثانية إلى يومنا. تقول أمينة المعرض، سونيت ستانفيل إنه كان من السهل والممكن أن تملأ المتحف كله، بأزياء من بداية القرن إلى الآن، كما كان بإمكانها أن تركز فقط على الثمانينات أو اختيار فساتين ظهرت في مناسبات السجاد الأحمر، إلا أنها فضلت أن تركز على مسيرة الموضة الإيطالية بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية إلى اليوم. وتضيف أن ما سهل مهمتها أيضا، أن الفكرة غير مسبوقة، مما فتح أمامها المجال لاختيار أي زاوية تشاء. اختيارها وقع على هذه الفترة التي تتبعتها بترتيب زمني وأمثلة محددة عوض تتبع مسيرة مصمم واحد. وتشير إلى أن أكثر ما أثارها في هذه المسيرة صمود التقنيات التقليدية القديمة رغم غزو المعامل الصينية للمنتجات المترفة.
الحكاية المعروفة عن الموضة الإيطالية أنها بدأت تكتسب قوة وزخما، بعد الحرب العالمية الثانية، وتحديدا بعد الخمسينات. قبل ذلك كانت إيطاليا الحلقة الأضعف في أوروبا، حيث كانت فقيرة وأغلب سكانها يعملون في الزراعة، لكنهم أيضا كانوا مرنين ويحبون كل ما يتعلق بالإبداع. بفضل هذه المرونة والرغبة في تحسين أوضاعهم، نجحوا تدريجيا في تغيير الصورة النمطية التي كونها العالم عنهم منذ الحرب العالمية الأولى. في الخمسينات، تحديدا، خضعت هذه الصورة لعملية تلميع شاملة، بعد أن شهدت إيطاليا ما يشبه النهضة الفنية، أو ما أصبح يعرف بـ«لادولتشي فيتا». فقد استقطب طقسها الدافئ وحرارة سكانها الأميركيين، الذين وجدوا فيها كل ما يتوقون إليه، من حياة رغيدة وأكل شهي ومآثر تاريخية. وهكذا بدأ يتوافد عليها أدباء وفنانون من أمثال ترومان كابوت وغور فيدال وغيرهما. لكن الفضل الأكبر يعود إلى روما التي نجحت في جذب نجوم هوليوود، خصوصا مع ظهور مخرجين مثل فيليني ونجمات مثل صوفيا لورين، جينا لولو بريجيدا وكلوديا كاردينالي. كل هذا زاد من جاذبية إيطاليا في الخارج وثقة سكانها في الداخل. هذه الثقة انعكست على ازدهار قطاعات إبداعية أخرى، وعلى رأسها الموضة. فإلى جانب النجمات الإيطاليات اللواتي تحولن إلى سفيرات عالميات، كانت نجمات هوليوود، مثل أودري هيبورن، إليزابيث تايلور وغيرهما يحتجن إلى خياطات يجرين تغييرات على أزيائهن خلال التصوير، حتى تبدو مفصلة على المقاس. ولم تمر سوى فترة قصيرة حتى بدأن يظهرن اهتماما بالمصممين المحليين أيضا، لتبدأ الأزياء الإيطالية تحظى بجاذبية عالمية. ومما زاد من انجذاب الأميركيين إليها أن معظم الممولات أو العاملات في هذه الصناعة كن ينتمين إلى الطبقات الإيطالية الأرستقراطية.
في عام 1951، كانت النقلة النوعية، حين فتح الأرستقراطي جيوفاني باتيستا جيورجيني بيته لتجار ومشترين من محلات أميركية مثل بورغدوف غودمان، ليقدمهم لـ«دولتشي فيتا» روما من جهة، وأناقة المجتمع الإيطالي المخملي من جهة ثانية. كان هدفه أن يعرف بالموضة الإيطالية، من دافع قناعته بأن الحرفية الإيطالية لا يعلى عليها ويجب أن تأخذ حقها. استجاب الأميركيون للفكرة وتقبلوها بحرارة، لكن أوروبا، وتحديدا باريس، لم تأخذ المسألة بجدية. فقد كانت تعتبر نفسها معقل الموضة وحصنها الحصين ولا يمكن لأحد أن ينافسها، إلى حد أن المصمم بيير بالمان قال بسخرية: «ليلعب الأميركيون مع الأطفال في إيطاليا، فهم لا بد أن يلجأوا إلينا عندما يتعلق الأمر بشراء قطع لمناسباتهم المهمة». لكن ما لم يحسب له، وغيره من الفرنسيين، الحساب، حضور نجمات مثل إيفا غاردنر، أودري هيبورن، إليزابيث تايلور وغيرهن إلى روما للتصوير، مما زاد الحاجة إلى مصممين يلبون حاجتهن لأزياء أنيقة تناسب الحياة العصرية بسرعة وفي مواقع التصوير أو بالقرب منها. ولم تكن الحاجة ماسة إلى فساتين سهرة فخمة بأحجام ضخمة فحسب. ولم يقتصر الأمر هنا على الأزياء النسائية، فالرجل أيضا كان له نصيب كبير، بفضل مجموعة من المصممين التقليديين، الذين كان يطلق عليهم اسم «خياطون».
ويشير المعرض أيضا إلى فترة مهمة ألا وهي الفترة التي شهدت ولادة مصممي الموضة بالمعنى الحديث، مثل دار كريتزيا، تروساردي، روميو جيلي، موسكينو، فرساتشي وطبعا برادا. عهد كان يغلي، وصفته الراحلة أنا بياجي بأنه أشبه بـ«مجتمع سري، يقوده رياديون، ومجموعة من المبتكرين والشعراء والفنانين.. إنهم الظاهرة الجديدة والصفوة القادمة».
تجول وتدور بين أروقة المعرض، تستمتع بكل غرزة وكل نقشة مطرزة بحرفية عالية، أو بدلة مفصلة بالأسلوب الإيطالي أو كنزة مغزولة من أجود أنواع الكشمير، لتستوقفك خريطة تسلط الضوء على أهم أماكن الإنتاج: الحرير في كومو، الصوف في بييللا، الجلد في تاسكاني. ثم تكتشف أنه إذا كانت روما عاصمة السينما الإيطالية، فإن فلورنسا كانت عاصمة الأناقة والحرفية. فرغم الخراب الذي خلفته الحرب العالمية الثانية، أنتج المصممون في تلك الفترة، في ورشات خلفية وصغيرة وظروف قاسية، تصاميم تليق بدوقات وكونتيسات وأميرات. ميلانو في المقابل، بدأت في تلك الفترة تحتضن نوعا آخر من المصممين، أغلبهم من الطبقات المتوسطة، لكن تربطهم إما علاقة دم أو صداقة بالحرفيين. ومع أن أغلبهم لم يتخرجوا من معاهد موضة، باستثناء والتر ألبيني، الذي لا يتذكر أحد اسمه الآن، لكنه في الحقيقة كان أول مصمم إيطالي بالمعنى الحديث، فإنهم برهنوا على قدرة عالية على الإبهار. مؤسسة كريتزيا، ماريوشا مانديلي مثلا، كانت معلمة أطفال، وجيانفرانكو فيري كان مهندسا، بينما درس جيورجيو أرماني الطب. أما جياني فرساتشي فتعلم أصول التصميم والحياكة من والدته وليس في أي مدرسة. والملاحظ أن هذا التنوع هو الذي يطبع موضة إيطاليا لحد الآن ويعطيها نكهتها الخاصة.
ما إن تستوعب ما رأيته وقرأته، حتى تجد نفسك في ركن يظهر كيف يجري استغلال الخامات من كل أنحاء إيطاليا وتحويلها إلى أزياء أنثوية ومثيرة مثل تلك التي أبدعها توم فورد، في الفترة التي عمل فيها في دار غوتشي، أو إكسسوارات مثل تلك التي تطرحها برادا وتثير الرغبة المحمومة فيها، إضافة إلى الفرو الذي تتخصص فيه دار فندي. قبل انتهاء الجولة، يذكرك المعرض ثانية أن الموضة الإيطالية الرفيعة بدأت في روما وليس في ميلانو، وأن هذه الأخيرة سحبت السجاد من الأولى بعد أن استقطبت المجلات وشركات الإعلانات ودور النشر، مما دفع المصورين وغيرهم من العاملين في صناعة الموضة، إلى أن يشدوا الرحال إليها ويستقروا فيها. وهو ما تجسده أعمال مصوري الموضة باولو روفيرسي، وجيان باولو باربيري، وغيرهما. لكن رغم التذكير بهذا الفصل المهم في تاريخ الموضة الإيطالية وتغير خريطتها، يطفو سؤال على السطح عما إذا كانت ميلانو بدأت تفقد وهجها مؤخرا. الإجابة على هذا السؤال تأتي على شكل نقاش مصور وتفاعلي بين انجيلا ميسوني، ومصممي دار فالنتينو، بيير باولو بيكيولي وماريا غراتزيا، وفرانكا سوزاني رئيسة تحرير مجلة «فوغ» النسخة الإيطالية، حول مكانة ميلانو حاليا وأهميتها.
من بين القصص المثيرة التي يتطرق لها المعرض أيضا، الأزياء الرجالية. من الرئيس الأميركي الراحل، جون كنيدي الذي اختار بدلة مفصلة بتوقيع المصمم الروماني، أنجيلو ليتريكو، إلى ريتشارد غير الذي ظهر عدة مرات في بدلات بتوقيع جيورجيو أرماني. فهذا الأخير أطلق في الثمانينات، موجة جديدة من التفصيل الرجالي الخفيف والمنطلق. وهو أسلوب لمس الجانب النرجسي بداخل العديد من الشباب، كما مثله ريتشارد غير في فيلم «ذي أميركان جيغولو»، الذي لم ير أن الانتباه إلى مظهره يتعارض مع رجولته في زمن أصبح فيه للأزياء لغة تغني عن الكلام. كان الأميركيون أول من أعجبوا بالأسلوب الإيطالي لأنه يناسب الأجواء الحارة وفي الوقت ذاته مصنوع من أجود أنواع الأقمشة والخامات.
خفة التصاميم لم تقتصر على جيورجيو أرماني فحسب، لأنها تاريخيا جزء من الأسلوب الإيطالي، حيث ظهرت في نابولي، مثلا، على شكل سترات دون كتافات تثقل الأكتاف أو تزيدها صرامة، ودون تبطين يزيد من عرض الجسم، لتكون النتيجة بدلات خفيفة على العين والجسم وتوحي بالانطلاق والتحرر. راقت هذه الخلطة للأميركيين تحديدا، وشجعتهم على دعم صناعة الموضة الإيطالية بعد الحرب العالمية الثانية، ومع الوقت كبرت قصة الحب وتجسدت في الكثير من الأفلام الناجحة والتعاون مع المصممين.
فإيطاليا كانت ولا تزال تمثل «لادولتشي فيتا» بالنسبة لهم، والأزياء جزء لا يتجزأ من ثقافة البلد.



ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
TT

ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)

هناك كثير ممّا يمكن قوله عن ميغان ماركل، وحتى انتقادها عليه؛ بدءاً من جموح قراراتها، إلى جرأة تصريحاتها. يمكن القول أيضاً إنها لم تأخذ خلال الفترة التي قضتها مع العائلة المالكة البريطانية حكمَتهم في أن «لا تشك ولا تُفسِّر». بيد أنها في المقابل، تعلمت منهم لغة الموضة الصامتة. باتت تستعملها بطلاقة لإيصال رسائل مبطنة في الأوقات التي تعلم فيها أن أنظار العالم بأسره ستكون مسلّطة عليها، وأن كل تفصيلة مما قد ترتديه أو تتخلى عنه ستخضع للتدقيق والتحليل. لا توفَّق دائماً في اختيار ما يناسب مقاييسها، لكنها تنجح في إثارة الاهتمام ومحركات البحث.

كل ما في هذه الإطلالة كان مثيرا ويبدو أن الدوقة اختارته بدقة لتخطف الأضواء (أ.ف.ب)

في لقاء لها مع صحيفة «نيويورك تايمز» قالت: «حين أعلم أن هناك تركيزاً عالمياً، وأن الاهتمام سينصب على كل تفصيلة في إطلالتي، أحرص على دعم مصممين تربطني بهم صداقات، أو علامات صغيرة ناشئة تستحق تسليط الضوء عليها». وأضافت: «هذا أقل ما يمكنني فعله وأقواه في الوقت ذاته». قوة تأثيرها تجعل مؤسسات خيرية تتمنى حضورها لتسليط الضوء عليها. فأي دعاية، وإن كانت نقداً، أفضل من لا دعاية.

ظهرت مؤخراً في حفل «فيفتين برسينت بليدج (Fifteen Per Cent Pledge)» الخيري في لوس أنجليس، بفستان مستوحى من عصر «هوليوود» الذهبي من «هاربيسن استوديو (Harbison Studio)». علامة لم يسمع بها كثيرون من قبل، لكن بمجرد ظهور الدوقة بها، اشتعلت محركات البحث طيلة الأيام الأخيرة. تميز الفستان بدرجة لونية تميل إليها ميغان، وهي الأبيض العاجي المائل إلى الوردي من دون حمالات.

تألقت ميغان ماركل بإطلالة كلاسيكية بفضل الرداء الملكي الطويل (إ.ب.أ)

تميز بقصة مستقيمة تعانق القوام، بينما ظهر عند الصدر خط أسود ناعم لعب دور الرابط بين الفستان والرداء المخملي الحريري الطويل الذي زاد الإطلالة إبهاراً. انسدل على كتفيها كذيل ملكي تطلّب أن تكون له مساعدة خاصة لترتيبه وإبراز طوله أمام المصورين. فتحة الفستان الخلفية أسهمت في جعل الحركة أسهل، وأيضاً في منح لمحة على صندل أسود من علامة «ستيوارت وايزمان» ظهرت به ماركل في مناسبات عدة سابقة.

تردّد أن الفستان صمم خصيصاً لها وعلى مقاسها، لكن التدقيق فيه يطرح السؤال عما إذا كان يرقى إلى مستوى الـ«هوت كوتور» الباريسي؟ ربما يكون الجواب بالنفي، لكن ما يشفع له أنه بتصميم أنيق وقماش ساتاني سميك ناسب الدوقة، وتناسق مع الرداء ومع الإطلالة عموماً، بما فيها الماكياج.

تسريحة الشعر المشدودة إلى الوراء أتاحت الفرصة لإبراز قِرطَيْ أذنين متدليين من حجر الأونيكس الأسود المرصع بالألماس. يعتقد أن هذه الأقراط تعود إلى السبعينات، ومن مجموعة «فينتاج» من علامة «ميزون ميرينور (Maison Mernor)» الموجود مقرها في «بيفرلي هيلز» لمؤسستها آمي ساتشو، التي تعشق جمع القطع الأثرية.

كان اختيارها قرطين من حجر الأونيكس مثيراً لما يحمله هذا الحجر الكريم من دلالات رمزية متناقضة (إ.ب.أ)

اختيار الأونيكس يبدو مثيراً للدهشة؛ فرغم أنه من الأحجار الكريمة ذات الرمزية العميقة، فإنها رمزية متناقضة لا تتفق عليها كل الثقافات؛ ففيما يعدّه بعض الحضارات القديمة حجراً يحمل طاقة ثقيلة وسلبية تجلب الحزن، رأت فيه ثقافات أخرى رمزاً للقوة الداخلية والثبات والصبر والحماية، وبالتالي كانت تستخدمه تميمة لدرء الشرور وما تُعرف بـ«الهجمات النفسية» و«الطاقات السيئة». ويبدو واضحاً أنه في عالم ميغان ماركل ينتمي إلى هذه الفئة. كما قد يكون اختيارها أيضاً من باب الأناقة أولاً وأخيراً، بما أن لونه الأسود يتناغم والرداء والفستان، وكفيل بأن يزيدها ألَقَاً.


كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
TT

كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)

أصبحت المهرجانات السينمائية منصة لاستعراض الإبداعات الفنية كما لآخِر خطوط الموضة. فصُناع الموضة يتنافسون مع صناع السينما لجذب الأنظار والبريق بشتى الطرق. لكن المُخرجة جناي بولس، الحاصلة على «جائزة لجنة التحكيم» الخاصة بالتأثير الصحافي عن فيلمها الوثائقي «عصافير الحرب»، قررت أن تحضر مهرجان «صاندانس» السينمائي وهي تحمل هويتها اللبنانية، اختارت قفطاناً مطرّزاً من تصميم ابنة بلدها المصممة حنان فقيه، كل تطريزة فيه تحمل ألف رسالة حب.

ترى جناي الأمر طبيعياً: «كان لا بد أن اختار إطلالة صُممت وصُنعت في لبنان أولاً، وأن تكون مُستوحاة من تفاصيل الحياة اليومية والذاكرة والحنين ثانياً. فهذا القفطان لم يكن مجرد زي أنيق أردتُ من خلاله التألق في المهرجان، بل كان رسالة حملتها معي إلى الساحة السينمائية العالمية للتعبير عن الهوية والانتماء والفخر».

المخرجة جناي بولس (خاص)

عن هذا التعاون تشرح المصممة حنان فقيه: «لم أتردد حين اتصلت بي جناي طالبةً قفطاناً يحمل الهوية اللبنانية، لترتديه خلال عرض فيلمها الوثائقي (عصافير الحرب) في مهرجان صاندانس الأميركي».

وجرى الاتفاق على أن يُصنع القفطان من المخمل الحريري الأسود، مع بطانة من الساتان؛ «لمنحِه تماسكاً وأناقة في الحركة». وطبعاً كان لا بد أن يُطرَز برسومات بألوان الأخضر والأحمر والأزرق، عبارة عن رموز ترتبط ارتباطاً وثيقاً بلبنان، مثل الأرزة الخضراء، والقلب الأحمر، والطربوش، وشمس لبنان، وفنجان القهوة العربية الملوّن. كما يتضمن رسومات لهياكل بعلبك، إلى جانب أسماء مناطق لبنانية مثل بيروت وجبيل.

تعاونت المصممة والمخرجة على تصميم القفطان حتى يعبر عن الهوية والانتماء بشكل مبتكر (خاص)

وتُعلق المصممة أن جناي حرصت على اختيار هذه الرموز اللبنانية بنفسها، «وبما أنها من مدينة جبيل، أضفت اسمها إلى باقي التطريزات حتى أمنحه خصوصية أكبر».

أما جناي فتقول عن هذا التعاون بينها وبين المصممة إنه في غاية الأهمية، ولا سيما «في زمنٍ تختزل فيه القصة اللبنانية غالباً في خطاب الأزمات، في حين شكَّل هذا القفطان بالنسبة لي تأكيداً بالاستمرارية الثقافية والحرفة والخيال». أما اختيارها للمصممة فيعود إلى أنها تتمتع بأسلوب مميز تبرز فيه «رموز وتقاليد تنبع من روح بلدي لبنان، حتى تتمتع كل قطعة بهوية واضحة يمكن تمييزها بسرعة عن أي تصميم آخر».

حنان فقيه... المصممة

حنان فقيه، عملت في مجال الاقتصاد، في البداية، لكنها ومنذ خمس سنوات، تفرغت لتحقيق حلمها بأن دخلت عالم التصميم والخياطة والتطريز، وهي تشير إلى أن هذا الشغف لم يأت صدفة، فهي، وفق ما تقوله لـ«الشرق الأوسط»، اكتسبت خبرتها في هذا المجال من والديها اللذين يملكان مصنع أقمشة في بيروت. تقول: «كنت أرافقهما دائماً في اختيار أنواع النسيج والقماش. ومع الوقت أصبحت هذه التفاصيل جزءاً من عالمي». شعورها بأن عملها في تصميم الأزياء يشكّل امتداداً لإرث عائلي يزيدها فخراً ومسؤولية.

قفطان مطرّز بلوحة من الطبيعة اللبنانية (إنستغرام)

وتتابع: «خلال فترة قصيرة، أصبحت تصاميمي تلقى رواجاً واسعاً في لبنان؛ لما تحمله من رموز خاصة»، هذه الرموز هي التي أثارت المخرجة جناي بولس إليها عندما فكرت في حضور مهرجان «صاندانس» الأخير.

اللافت أن ارتداء هذا الزي في «صاندانس» كان أيضاً امتداداً طبيعياً للفيلم نفسه «وتذكيراً بأن التمثيل لا يقتصر على ما نرويه على الشاشة، بل يشمل أيضاً كيف نختار لغة بصرية وثقافية للتعريف بأنفسنا»، وفق قول المخرجة.

تحرص حنان على تصميمات أزياء بنكهة شرقية دافئة تناسب المرأة في كل زمان أو مكان (إنستغرام)

أما المصممة فوجهت كثيراً من الاهتمام أيضاً إلى إبراز تفاصيل القفطان، آخذة في الحسبان مقاييس جناي بولس، حتى تبرز كل حركة بشكل صحيح وتظهر التطريزات بصورة لائقة: «كنت أريدها أن تبدو تلقائية في أي لقطة فوتوغرافية تُلتقط خلال المناسبة».

تجدر الإشارة إلى أن تصاميم الفقيه تتنوع بين عباءات وقفاطين وجاكيتات وفساتين بنكهة شرقية دافئة أصبحت لصيقة بها. رغم انتمائها للشرق فإنها قابلة لأن تجد لها مكاناً مناسباً في كل زمان ومكان، فهي بقصات كلاسيكية وأقمشة غنية مثل الكريب، ولا سيما اللمّاع منه، واستخدام خيوط ذهبية وأخرى من القصب اللمّاع والفيروزي.

من تصميمات حنان فقيه التي تحمل تطريزات دقيقة (إنستغرام)

ونظراً لتاريخ العائلة في صناعة الأقمشة، كان لا بد أن تتوفر لديها كل الأنواع، لكنها لا تكتفي بذلك، بل تمنحها لمسات خاصة بطباعتها في مصنع النسيج الذي يملكه والدها، مع إضافة رسومات تحاكي لوحات تشكيلية «تتضمن الورود، نقدّمها أحياناً منمنمة، وأحياناً أخرى نافرة ولافتة للنظر»، وفق قولها. «فأنا أحرص على أن تتمتع كل قطعة بالتفرد من حيث التصميم، وكذلك من خلال الأقمشة المبتكرة التي أطوعها لتخدم التصميم».


«ديور» وبيوت عالمية أخرى تدخل سباق رمضان بروح مختلفة وألوان جديدة

«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)
«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)
TT

«ديور» وبيوت عالمية أخرى تدخل سباق رمضان بروح مختلفة وألوان جديدة

«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)
«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)

مع اقتراب شهر رمضان الكريم، يكشف كثير من دور الأزياء العالمية عن مجموعات خاصة وحصرية بمناسبة هذا الشهر الفضيل، فيما أصبح يُعرف بـ«سباق رمضان». هذا السباق؛ الذي كان إلى عهد قريباً سباقاً تجارياً بحتاً يتودد إلى زبونة لا تبخل على نفسها وأحبتها بالغالي والرخيص في هذه المناسبة، أصبح مع الوقت سباقاً على كسبها بما يُرضيها. لم يعد من الأولويات طرحُ إكسسوارات جلدية فاخرة بلمسات لامعة وزخرفات غنية، وأزياء بتصاميم طويلة تطبعها ألوان مستوحاة من رمال الصحراء الذهبية أو من الأخضر الزمردي الذي تربطه بالمنطقة حالة عشق ممتدة.

ألوان هادئة وتصاميم راقية تهمس أكثر مما تصرخ (برونيلو كوتشينيلّي)

فهذه الزبونة باتت تُدقق في كل شيء، ولم يعد همّها الصرعات التي تنتهي بانتهاء موسم واحد. أصبحت أعمق وعياً بأهمية الاستدامة من خلال الاستثمار في قطع بجودة عالية تغذي الرغبة في التألق والتميز، وفي الوقت ذاته تستمر مدة أطول.

والنتيجة كانت أن بيوت الأزياء الكبيرة وسعت الخيارات، وكسرت المتوقع أو تلك الصورة النمطية التي رسموها في أذهانهم عن هذا الشهر ومتطلباته. تنوعت الألوان لتشمل كل ألوان الموضة، مثل الأبيض والعنابي، كما تخففت الإكسسوارات والأزياء المقترحة من التطريزات الكثيرة.

صورة رسمتها دار «برونيلو كوتشينيلّي» للمرأة العربية لا تحتاج إلى تسويق (برونيلو كوتشينيلّي)

في المقابل، قدم معظمهم تصاميم تهمس بالرقي بدل الصراخ، وليس أدلّ على هذا من دار «برونيلو كوتشينيلّي» التي قدمت تصاميم تنبض رقياً وأناقةً، من خلال عبايات تأخذ في كل تفاصيلها ثقافة المنطقة من جهة؛ وموسم الخريف والشتاء من جهة ثانية... معاطف وفساتين طويلة بأكمام وكنزات من الكشمير ناعمة، وبنطلونات مستوحاة من عالم الفروسية، وأوشحة رأس تحولت زينةً نظراً إلى جمالها وتناسقها مع البشرة العربية... كل ما في هذه التشكيلة مرسوم لامرأة تريد خيارات عملية وعقلانية تتعدى ما تتطلبه اللحظة أو المناسبة، بل تريدها استثماراً طويل المدى، أو على الأقل تستفيد منها سنوات بدل شهر واحد.

من مقترحات دار «بيربري» للشهر الفضيل (بيربري)

كذلك دار «بيربري» التي تقدم مجموعة رمضانية بأسلوب يعكس هويتها بشكل واضح، وذلك من خلال نقشات المربعات اللصيقة بها، وظهرت في معاطف واقية من المطر خفيفة تناسب أجواء المنطقة الدافئة، وأوشحة من الكشمير. وتتضمن التشكيلة أيضاً أحذية «سلون (Sloane)» المفتوحة من الخلف، وحقائب «برايدل (Bridle)» المطرزة بأحجار الراين الشفافة والمزينة بنقشة الدار الكلاسيكية المتقاطعة باللون البيج، بالإضافة إلى نظارات شمسية بمفصل معدني على شكل شعار الفارس «نايت (Knight)» الخاص بالعلامة؛ مزينٍ بأحجار الكريستال.

في أول تشكيلة رمضانية له وضع جوناثان آندرسون لمساته على حقيبة «لايدي ديور» بشكل زادها أناقة (ديور)

«ديور» لم تخرج من السباق، بل دخلته بقوة أكبر هذه المرة؛ فجوناثان آندرسون، الذي قدم أول مجموعة من خط الـ«هوت كوتور» منذ فترة قصيرة أبهر بها عالم الموضة، يقدم هنا أول مجموعة رمضانية له أيضاً. بحسه الفني، فتح فصلاً جديداً احترم فيه ذوق المرأة العربية، مدركاً أنها لا تريد تغيير رموز الدار الأساسية: فهي تعشقها.

«لايدي ديور» مطرزة بالورود (ديور)

حقيبة «لايدي ديور» مثلا عادت بلمسة مميزة عبارة عن عقدة أنيقة بتوقيع خاص من المصمم، وأخرى تكسوها زخارف زهرية دقيقة من مئات البتلات الوردية. لم يكن الغرض منها مخاطبة امرأة معروفة بحبها التطريز والبريق، بقدر ما كان احتراماً لإرث دار عشق مؤسسها الورود وزرعها بحب في حدائقه وأزيائه كما في عطوره وإكسسواراته.

لم تعد الألوان مقتصرة على ألوان الصحراء والذهبي... ودخل العنابي على الخط في كثير من الإكسسوارات (ديور)

في هذه المجموعة، لم يكتف آندرسون بالأزياء والإكسسوارات، مثل حقيبتَي «لايدي ديور» و«ديور بو» أو أحذية لكل المناسبات المهمة فقط، بل أبدع مجموعة من المجوهرات يمكن أن ترتقي بأي زيٍّ مهما كانت بساطته. لم يغب اللون الذهبي عن المجموعة، لكنه أضاف إليه مجموعة بألوان العنابي والوردي والأبيض ليخاطب كل المناسبات والأذواق.