«سحر الموضة الإيطالية: 1945 ـ 2014».. الخمسينات حقبة الانتعاش الإبداعي

معرض يتتبع الصراع على الصدارة بين روما وميلانو وفلورنسا

ازدهار الحركة السينمائية أنعشت قطاعات إبداعية أخرى على رأسها الموضة
ازدهار الحركة السينمائية أنعشت قطاعات إبداعية أخرى على رأسها الموضة
TT

«سحر الموضة الإيطالية: 1945 ـ 2014».. الخمسينات حقبة الانتعاش الإبداعي

ازدهار الحركة السينمائية أنعشت قطاعات إبداعية أخرى على رأسها الموضة
ازدهار الحركة السينمائية أنعشت قطاعات إبداعية أخرى على رأسها الموضة

صفوف من الفساتين الفخمة والأزياء المطرزة بدقة وبألوان متوهجة كل ما فيها يصرخ بالغنى والجمال، بينما يتردد على الخلفية صوت خفيف، وكأنه دقات عقارب ساعة، تبين فيما بعد أنه صوت ماكينة حياكة قديمة، الغرض منه التذكير بالحرفية والتقاليد العريقة التي تفخر بها إيطاليا.
هذا أول انطباع سيتكون لديك من اللحظة التي ستدخل فيها متحف «فيكتوريا أند ألبرت» بلندن هذه الأيام لحضور معرض «سحر الموضة الإيطالية: 1945-2014». معرض سيمتد حتى الـ27 من شهر يوليو (تموز) المقبل، ويسلط الضوء على صناعة الموضة في إيطاليا منذ كانت تصنع باليد إلى أن دخلت مجال التكنولوجيا. وحتى لا تضيع القصة ويتوه الزائر بين أروقة التاريخ، جرى التركيز عليها بعد الحرب العالمية الثانية إلى يومنا. تقول أمينة المعرض، سونيت ستانفيل إنه كان من السهل والممكن أن تملأ المتحف كله، بأزياء من بداية القرن إلى الآن، كما كان بإمكانها أن تركز فقط على الثمانينات أو اختيار فساتين ظهرت في مناسبات السجاد الأحمر، إلا أنها فضلت أن تركز على مسيرة الموضة الإيطالية بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية إلى اليوم. وتضيف أن ما سهل مهمتها أيضا، أن الفكرة غير مسبوقة، مما فتح أمامها المجال لاختيار أي زاوية تشاء. اختيارها وقع على هذه الفترة التي تتبعتها بترتيب زمني وأمثلة محددة عوض تتبع مسيرة مصمم واحد. وتشير إلى أن أكثر ما أثارها في هذه المسيرة صمود التقنيات التقليدية القديمة رغم غزو المعامل الصينية للمنتجات المترفة.
الحكاية المعروفة عن الموضة الإيطالية أنها بدأت تكتسب قوة وزخما، بعد الحرب العالمية الثانية، وتحديدا بعد الخمسينات. قبل ذلك كانت إيطاليا الحلقة الأضعف في أوروبا، حيث كانت فقيرة وأغلب سكانها يعملون في الزراعة، لكنهم أيضا كانوا مرنين ويحبون كل ما يتعلق بالإبداع. بفضل هذه المرونة والرغبة في تحسين أوضاعهم، نجحوا تدريجيا في تغيير الصورة النمطية التي كونها العالم عنهم منذ الحرب العالمية الأولى. في الخمسينات، تحديدا، خضعت هذه الصورة لعملية تلميع شاملة، بعد أن شهدت إيطاليا ما يشبه النهضة الفنية، أو ما أصبح يعرف بـ«لادولتشي فيتا». فقد استقطب طقسها الدافئ وحرارة سكانها الأميركيين، الذين وجدوا فيها كل ما يتوقون إليه، من حياة رغيدة وأكل شهي ومآثر تاريخية. وهكذا بدأ يتوافد عليها أدباء وفنانون من أمثال ترومان كابوت وغور فيدال وغيرهما. لكن الفضل الأكبر يعود إلى روما التي نجحت في جذب نجوم هوليوود، خصوصا مع ظهور مخرجين مثل فيليني ونجمات مثل صوفيا لورين، جينا لولو بريجيدا وكلوديا كاردينالي. كل هذا زاد من جاذبية إيطاليا في الخارج وثقة سكانها في الداخل. هذه الثقة انعكست على ازدهار قطاعات إبداعية أخرى، وعلى رأسها الموضة. فإلى جانب النجمات الإيطاليات اللواتي تحولن إلى سفيرات عالميات، كانت نجمات هوليوود، مثل أودري هيبورن، إليزابيث تايلور وغيرهما يحتجن إلى خياطات يجرين تغييرات على أزيائهن خلال التصوير، حتى تبدو مفصلة على المقاس. ولم تمر سوى فترة قصيرة حتى بدأن يظهرن اهتماما بالمصممين المحليين أيضا، لتبدأ الأزياء الإيطالية تحظى بجاذبية عالمية. ومما زاد من انجذاب الأميركيين إليها أن معظم الممولات أو العاملات في هذه الصناعة كن ينتمين إلى الطبقات الإيطالية الأرستقراطية.
في عام 1951، كانت النقلة النوعية، حين فتح الأرستقراطي جيوفاني باتيستا جيورجيني بيته لتجار ومشترين من محلات أميركية مثل بورغدوف غودمان، ليقدمهم لـ«دولتشي فيتا» روما من جهة، وأناقة المجتمع الإيطالي المخملي من جهة ثانية. كان هدفه أن يعرف بالموضة الإيطالية، من دافع قناعته بأن الحرفية الإيطالية لا يعلى عليها ويجب أن تأخذ حقها. استجاب الأميركيون للفكرة وتقبلوها بحرارة، لكن أوروبا، وتحديدا باريس، لم تأخذ المسألة بجدية. فقد كانت تعتبر نفسها معقل الموضة وحصنها الحصين ولا يمكن لأحد أن ينافسها، إلى حد أن المصمم بيير بالمان قال بسخرية: «ليلعب الأميركيون مع الأطفال في إيطاليا، فهم لا بد أن يلجأوا إلينا عندما يتعلق الأمر بشراء قطع لمناسباتهم المهمة». لكن ما لم يحسب له، وغيره من الفرنسيين، الحساب، حضور نجمات مثل إيفا غاردنر، أودري هيبورن، إليزابيث تايلور وغيرهن إلى روما للتصوير، مما زاد الحاجة إلى مصممين يلبون حاجتهن لأزياء أنيقة تناسب الحياة العصرية بسرعة وفي مواقع التصوير أو بالقرب منها. ولم تكن الحاجة ماسة إلى فساتين سهرة فخمة بأحجام ضخمة فحسب. ولم يقتصر الأمر هنا على الأزياء النسائية، فالرجل أيضا كان له نصيب كبير، بفضل مجموعة من المصممين التقليديين، الذين كان يطلق عليهم اسم «خياطون».
ويشير المعرض أيضا إلى فترة مهمة ألا وهي الفترة التي شهدت ولادة مصممي الموضة بالمعنى الحديث، مثل دار كريتزيا، تروساردي، روميو جيلي، موسكينو، فرساتشي وطبعا برادا. عهد كان يغلي، وصفته الراحلة أنا بياجي بأنه أشبه بـ«مجتمع سري، يقوده رياديون، ومجموعة من المبتكرين والشعراء والفنانين.. إنهم الظاهرة الجديدة والصفوة القادمة».
تجول وتدور بين أروقة المعرض، تستمتع بكل غرزة وكل نقشة مطرزة بحرفية عالية، أو بدلة مفصلة بالأسلوب الإيطالي أو كنزة مغزولة من أجود أنواع الكشمير، لتستوقفك خريطة تسلط الضوء على أهم أماكن الإنتاج: الحرير في كومو، الصوف في بييللا، الجلد في تاسكاني. ثم تكتشف أنه إذا كانت روما عاصمة السينما الإيطالية، فإن فلورنسا كانت عاصمة الأناقة والحرفية. فرغم الخراب الذي خلفته الحرب العالمية الثانية، أنتج المصممون في تلك الفترة، في ورشات خلفية وصغيرة وظروف قاسية، تصاميم تليق بدوقات وكونتيسات وأميرات. ميلانو في المقابل، بدأت في تلك الفترة تحتضن نوعا آخر من المصممين، أغلبهم من الطبقات المتوسطة، لكن تربطهم إما علاقة دم أو صداقة بالحرفيين. ومع أن أغلبهم لم يتخرجوا من معاهد موضة، باستثناء والتر ألبيني، الذي لا يتذكر أحد اسمه الآن، لكنه في الحقيقة كان أول مصمم إيطالي بالمعنى الحديث، فإنهم برهنوا على قدرة عالية على الإبهار. مؤسسة كريتزيا، ماريوشا مانديلي مثلا، كانت معلمة أطفال، وجيانفرانكو فيري كان مهندسا، بينما درس جيورجيو أرماني الطب. أما جياني فرساتشي فتعلم أصول التصميم والحياكة من والدته وليس في أي مدرسة. والملاحظ أن هذا التنوع هو الذي يطبع موضة إيطاليا لحد الآن ويعطيها نكهتها الخاصة.
ما إن تستوعب ما رأيته وقرأته، حتى تجد نفسك في ركن يظهر كيف يجري استغلال الخامات من كل أنحاء إيطاليا وتحويلها إلى أزياء أنثوية ومثيرة مثل تلك التي أبدعها توم فورد، في الفترة التي عمل فيها في دار غوتشي، أو إكسسوارات مثل تلك التي تطرحها برادا وتثير الرغبة المحمومة فيها، إضافة إلى الفرو الذي تتخصص فيه دار فندي. قبل انتهاء الجولة، يذكرك المعرض ثانية أن الموضة الإيطالية الرفيعة بدأت في روما وليس في ميلانو، وأن هذه الأخيرة سحبت السجاد من الأولى بعد أن استقطبت المجلات وشركات الإعلانات ودور النشر، مما دفع المصورين وغيرهم من العاملين في صناعة الموضة، إلى أن يشدوا الرحال إليها ويستقروا فيها. وهو ما تجسده أعمال مصوري الموضة باولو روفيرسي، وجيان باولو باربيري، وغيرهما. لكن رغم التذكير بهذا الفصل المهم في تاريخ الموضة الإيطالية وتغير خريطتها، يطفو سؤال على السطح عما إذا كانت ميلانو بدأت تفقد وهجها مؤخرا. الإجابة على هذا السؤال تأتي على شكل نقاش مصور وتفاعلي بين انجيلا ميسوني، ومصممي دار فالنتينو، بيير باولو بيكيولي وماريا غراتزيا، وفرانكا سوزاني رئيسة تحرير مجلة «فوغ» النسخة الإيطالية، حول مكانة ميلانو حاليا وأهميتها.
من بين القصص المثيرة التي يتطرق لها المعرض أيضا، الأزياء الرجالية. من الرئيس الأميركي الراحل، جون كنيدي الذي اختار بدلة مفصلة بتوقيع المصمم الروماني، أنجيلو ليتريكو، إلى ريتشارد غير الذي ظهر عدة مرات في بدلات بتوقيع جيورجيو أرماني. فهذا الأخير أطلق في الثمانينات، موجة جديدة من التفصيل الرجالي الخفيف والمنطلق. وهو أسلوب لمس الجانب النرجسي بداخل العديد من الشباب، كما مثله ريتشارد غير في فيلم «ذي أميركان جيغولو»، الذي لم ير أن الانتباه إلى مظهره يتعارض مع رجولته في زمن أصبح فيه للأزياء لغة تغني عن الكلام. كان الأميركيون أول من أعجبوا بالأسلوب الإيطالي لأنه يناسب الأجواء الحارة وفي الوقت ذاته مصنوع من أجود أنواع الأقمشة والخامات.
خفة التصاميم لم تقتصر على جيورجيو أرماني فحسب، لأنها تاريخيا جزء من الأسلوب الإيطالي، حيث ظهرت في نابولي، مثلا، على شكل سترات دون كتافات تثقل الأكتاف أو تزيدها صرامة، ودون تبطين يزيد من عرض الجسم، لتكون النتيجة بدلات خفيفة على العين والجسم وتوحي بالانطلاق والتحرر. راقت هذه الخلطة للأميركيين تحديدا، وشجعتهم على دعم صناعة الموضة الإيطالية بعد الحرب العالمية الثانية، ومع الوقت كبرت قصة الحب وتجسدت في الكثير من الأفلام الناجحة والتعاون مع المصممين.
فإيطاليا كانت ولا تزال تمثل «لادولتشي فيتا» بالنسبة لهم، والأزياء جزء لا يتجزأ من ثقافة البلد.



أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟
TT

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

في ظل إيقاع الحياة المتسارع، وتبدّل الفصول، تجد كثيرٌ من النساء أنفسهنّ أمام سؤال يتكرر كل صباح: ماذا أرتدي اليوم؟ وتزيد الحيرة في ظل ضغوطات العمل وما يحتاجه من أزياء، وإكسسوارات تُوازن العملي بالأنيق. ورغم أن هذه الأسئلة تبدو بسيطة، فإنها تختصر حالة من الحيرة تتكرر كل يوم، وتزيد تعقيداً في المواسم الانتقالية. أي حين يتقلب الطقس بين برودة الشتاء واعتدال الربيع.

تحتاج المرأة بعد الأربعين للتعبير عن ثقتها ونجاحها من خلال أزياء متوازنة (هوكرتي)

كل هذا يجعل الحاجة إلى خزانة تجمع بين الأناقة والراحة من دون عناء أمراً مهماً في الحياة المعاصرة. وربما تكون المرأة الأربعينية أكثر ما يحتاج إلى هذه الخزانة. فبعد الأربعين تتغير متطلباتها كما تتغيَر نظرة الناس إليها، وبالتالي تحتاج إلى مظهرٍ متوازنٍ يجمع بين النضج والأناقة المعاصرة، وفي الوقت نفسه يعكس الثقة التي اكتسبتها، وتريد التعبير عنها من خلال إطلالاتها.

الخبراء حلّوا هذه الحيرة ولخصوها لها في قطع أساسية يمكنها تنسيقها مع بعض بسهولة. في هذا السياق، تشير خبيرة تنسيق الأزياء جيما روز بريجر إلى أن التحضير المسبق هو الخطوة الأولى لصباحٍ هادئٍ ومنظم، موضحةً أن ترك الأمور للحظات الأخيرة غالباً ما يخلق توتراً، وتأخيراً.

بعد الأربعين تحتاج المرأة إلى خلق توازن بين الأناقة المعاصرة والراحة (هوكرتي-زارا-ماسيمو دوتي)

وتنصح بريجر بتخصيص وقتٍ لتنظيم خزانة الملابس، إذ إن الاكتظاظ يُعيق رؤية الخيارات المتاحة. وتشير إلى أن القاعدة الأساسية بسيطة: الاحتفاظ فقط بما يُستخدم فعلاً، وما يمنح شعوراً بالثقة. كما تنصح بتقسيم الملابس إلى فئات واضحة، فساتين، سراويل، تنانير، وقطع محبوكة، ما يسهّل عملية الاختيار اليومي.

أما التخطيط المسبق للإطلالات، سواء لليوم التالي أو لأسبوعٍ كاملٍ، فيُعدّ، بحسبها، وسيلةً فعالةً للتخفيف من حيرة كل صباح، وذلك بتنسيق القطع مع الإكسسوارات، والأحذية، والحقائب مسبقاً، بما يتيح ارتداءها سريعاً عند ضيق الوقت.

تنسيق الألوان الداكنة مع ألوان صارخة في الإكسسوارات من النصائح التي أدلى بها الخبراء (فيرساتشي_نوماساي- ماسيمو دوتي)

التنسيق اللوني أيضاً يعد حلاً عملياً آخر يمنح الإطلالة تماسكاً وأناقةً؛ فاختيار درجات متقاربة من لونٍ واحد، كالبني والبيج والجملي، يخلق مظهراً متناغماً أقرب إلى الفخامة. أما في الحالات الطارئة، فالإطلالة السوداء تظل خياراً آمناً وسريعاً، يمكن إضافة بعض الحيوية على اللون بإكسسوارات ملونة، أو أحمر شفاه جريء.

راحة وأناقة... لمختلف البيئات والميزانيات

عند اختيار إطلالات العمل، لا تقل الراحة أهميةً عن المظهر. فالملابس الضيقة أو الأحذية غير المريحة لا مكان لها في يوم عمل طويل. لذلك تبرز السراويل الواسعة والأحذية ذات الكعب المتوسط كخياراتٍ عمليةٍ تجمع بين الأناقة والراحة.

كما أن تنوّع بيئات العمل بين مكاتب رسمية وأخرى مرنة يفرض تنوعاً في الخيارات، يجب أن يُناسب مختلف الأذواق. ويشمل ذلك أيضاً اختلاف الميزانيات؛ فبعض النساء يفضلن التسوق بأسلوبٍ اقتصاديٍ ذكي، فيما تميل أخريات إلى الاستثمار في قطعٍ عالية الجودة تدوم طويلاً.

خزانة مصغّرة... فكرة رائجة لتنظيم الخيارات

أسلوب الطبقات مناسب لكل الأعمار (مانغو)

ومن بين الأفكار التي لاقت رواجاً واسعاً أخيراً، تبرز قاعدة 3-3-3 لخزانة عمل مصغّرة يُمكن ارتداؤها على مدى ثلاثة أشهر. وتهدف هذه القاعدة إلى تبسيط القرارات اليومية، وتعزيز الاستدامة، وتشجيع اعتماد أسلوبٍ أكثر وعياً في اختيار الملابس.

وقد انتشرت هذه الفكرة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث وجدت صدىً لدى كثيرٍ من النساء الباحثات عن حلولٍ عمليةٍ تُخفف عبء الاختيار اليومي.

التصاميم الكلاسيكية أصبحت عصرية تناسب كل الأعمار (هوكرتي)

في نهاية المطاف، تبقى الأناقة الحقيقية في البساطة، والقدرة على اختيار ما يعكس الشخصية دون تكلّف. فسواء كانت بيئة العمل رسميةً أو مرنةً، يمكن لكل امرأة أن تبني خزانةً ذكيةً تمنحها إطلالاتٍ متجددةً، وتبدأ يومها بثقةٍ وهدوءٍ، وهو ما يُعد، في حد ذاته، استثماراً يومياً في الراحة النفسية قبل المظهر الخارجي.


نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
TT

نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)

شوارع الموضة والمحال في كل أنحاء العالم تصرخ هذه الأيام بأن طبول الغابة تدق عالياً. فطبعات الفهد والنمر وخطوط الحمار الوحشي وجلود الثعابين، تتصدر المشهد. نقوش قوية وجريئة، لافتة ومثيرة، لكنها في الوقت ذاته امتحان دقيق للذوق العام، فبين الأناقة والابتذال خيط رفيع، وبيدك أنت أن تخلقي المعادلة الصعبة بين إثارتها ورسالتها، من خلال طريقة تنسيقك، ونوعية الأقمشة التي تختارينها بما يتناغم مع أسلوبك الشخصي.

كل المحال تقريباً توفر تصاميم متنوعة من هذه النقشات يمكن تنسيقها حسب أسلوبك بسهولة (موقعا «مانغو» و«زارا»)

المهم أن تنتبهي؛ فطريقة تنسيقها سيف ذو حدين. فبينما تضفي هذه النقشات طاقة وقوة، هناك أيضاً اعتقاد قديم بأنها تنقل شيئاً من خصائص الحيوان الذي تُمثِّله إلى من ترتديها. وربما هنا تكمن جاذبيتها التي تلمس شيئاً بدائياً بداخلنا.

تطورها الفني والجمالي

رغم إجماع الأغلبية على أن هذه النقشات واحدة من أهم توجهات الموضة لهذا الموسم، فإنها لم تغب عن الرادار منذ أكثر من قرن، بل إن جذورها بالنسبة للبعض، ومنهم الكاتبة جو ويلدون، مؤلفة كتاب بعنوان Fierce: The History of Leopard Print تمتد إلى العصر الفرعوني؛ حيث تستشهد الكاتبة برسمة على جدران المعابد لـ«سشات»، إلهة الحكمة والمعرفة والكتابة في مصر القديمة، وهي ترتدي ثوباً بنقوش النمر في دلالة مبكرة على ارتباط القوة بالأنوثة.

وفي القرن الثامن عشر ظهرت في ملابس الطبقات الأرستقراطية رمزاً للفخامة، وأيضاً السلطة، قبل أن تنتعش أكثر في عشرينات القرن الماضي. أما حضورها الرسمي على منصات عروض الأزياء فجاء في عام 1947 في مجموعة المصمم كريستيان ديور لربيع وصيف ذلك العام. كان من خلال فستان سهرة وحيد إلا أنه كان مفعماً بالأنوثة والترف. فالطريف أن السيد ديور كان يرى أن نقشة النمر تتمتع بجاذبية حسية لا تقاوم، وبالتالي لا يناسب امرأة تتسم بالهدوء والنعومة، حسب ما كتبه في «القاموس الصغير للموضة» الذي أصدره عام 1954.

من اقتراحات دار «سيلين» لخريف 2025 (سيلين)

بيد أنها وقبل أن تدخل عالم الموضة وعروض الأزياء الباريسية والإيطالية في منتصف القرن الماضي، حملت في طياتها كثيراً من الرموز في ثقافات بعيدة. في أفريقيا مثلاً، ارتبط جلد الفهد بالقوة والسلطة، وفي آسيا، كان الحمار الوحشي رمزاً للتفرد، أما في الموضة، فإن لكل نقشة حيوان تأثيرها، فخطوط الحمار الوحشي مثلاً أقل قوة وأسهل من ناحية تنسيقها من نقشات النمر أو الفهد، ربما لأنها غالباً بالأبيض والأسود.

الثمانينات... زمن الماكسيماليزم

الثمانينات كانت بلا شك العصر الذهبي لهذه النقشات. في هذه الحقبة وجدت مساحتها وفرصتها للتوسع مع تبني الموضة حينها شعار «الكثير قليل»، التي احتفت بكل ما هو صارخ وجريء. عشقها مصممون كبار مثل روبرتو كافالي، والثنائي دولتشي آند غابانا وجياني فيرساتشي وغيرهم، ممن قدموها بلمسات حسية وإثارة أنثوية. وكانت تلك الفترة ترجمة حرفية للجمال الوحشي بمعناه الإيجابي؛ حيث تلتقي الثقة بالإثارة في توازن دقيق. فتحت المجال للمرأة أيضاً أن تتعامل معها حسب ذوقها الخاص، وما تريد أن تعبر عنه من خلال إطلالاتها.

من عرض «فندي» لخريف وشتاء 2025 (فندي)

وكون ثقافة الموضة تقوم على مفهوم التغيير، جعل أسهم هذه النقشات تنخفض تارة وترتفع تارة أخرى. لكنها لم تختفِ تماماً في أي حقبة تلت الثمانينات، فحتى الآن لا تزال لصيقة بدار «روبرتو كافالي»، وتدخل في جيناتها مثلاً.

كانت دائماً تنتظر في الظل مَن يبث فيها الحياة من جديد لتعود أكثر قوة وجمالاً. في عروض الأزياء الأخيرة، ظهر هذا التوجه أكثر إثارة من الناحية البصرية، ولا سيما بعد أن نجح المصممون في تخليصها من أي إيحاءات سلبية يمكن أن ترتبط بها. استعملوها في الجلود كما في أقمشة خفيفة وناعمة مثل الموسلين والمخمل والحرير. كان طبيعياً أن تباركها نجمات وشخصيات لهن تأثير، اعتمدنها في حياتهن اليومية ومناسباتهن الخاصة، وفي كل إطلالة يقدمن لنا صورة معاصرة مفعمة بالجاذبية.

دار «سالفاتوري فيراغامو» خففت من صراخ هذه النقشات في أقمشة منسدلة في عرضها لخريف وشتاء 2025 (سالفاتوري فيراغامو)

ومع تصاعد الوعي البيئي وارتفاع أصوات المعارضين لاستخدام الجلود الطبيعية، اتجهت دور الأزياء العالمية نحو البدائل الصناعية وأبدعت في تصميمها، حتى باتت تتمتع بجاذبية لا تُقاوَم بسهولة. فهي اليوم تمثل موضةً وموقفاً أخلاقياً في آنٍ واحد، ما يؤكد أن المشكلة لا تكمن فيها بحد ذاتها، بل في ذلك الخيط الرفيع الذي يفصلها عن الابتذال، والذي يظهر جلياً في الأسواق الشعبية التي تطرحها بخامات رديئة وتصاميم متدنية لا تخدم الذوق العام بقدر ما تُؤذي العين.

كيف تحققين التناغم؟

من هذا المنظور، يبقى أهم عنصر يجب الانتباه له عند اختيارها، جودة خامتها قبل التصميم، فالقماش الرديء يعكس مظهراً رخيصاً، والعكس صحيح. بعد ذلك تأتي عملية التنسيق الذكي مع الألوان؛ إما لتُهدئها وتخفف من صراخها، وإما لتبث فيها الحياة، سواء جاءت في معطف أو حذاء أو حقيبة اليد، أو حتى فستان سهرة. يفضل دائماً تنسيقها مع ألوان حيادية وداكنة، وإن كان العديد من الخبراء يقولون إنها تتناغم أيضاً مع الأزرق والأحمر، لكن على شرط أن تكون بجرعات خفيفة.

أكسسوارات بهذه النقشات يمكن أن تكون الحل بالنسبة للمرأة المترددة من هذه الموضة (موقع «زارا»)

أما إذا كنت ما زلت مترددة وتخافين من قوتها، فإن الأكسسوارات قد تكون طريقك لمواكبة هذه الموضة من دون أن تغرقي فيها، وذلك بالاكتفاء بحزام أو إيشارب أو حذاء أو حقيبة يد.


جُرعة الجرأة تزيد في صيحات المجوهرات

أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
TT

جُرعة الجرأة تزيد في صيحات المجوهرات

أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)

في عالم الأناقة، ظلّت الإكسسوارات والمجوهرات تلعب دوراً أشبه بالكومبارس في مسرح الأزياء. لكن في عروض الأزياء الأخير، يبدو أنها اقتنصت لنفسها دوراً أكبر. لم تعد مجرد تفصيلة نهائية تضاف إلى الإطلالة، بل عنصر أساسي قادر على تغييرها بالكامل، سواء كانت من خلال قلادة أو أقراط أو أساور. المثير فيها أنها ازدادت جرأة ووضوحاً بفضل أحجامها الكبيرة وألوانها الزاهية. حتى إن بعضها بات يلامس الأكتاف أحياناً. فضل كبير في هذا التصدر يعود إلى دار «سكياباريلي» التي تواصل إتحافنا بأشكال مبتكرة منها، ليلتقط خيطها باقي المصممين من «برادا» و«ميوميو» إلى «فالنتينو» و«إيترو» وغيرهم.

ماكياج شاحب وشعر أبيض مع أقراط نابضة وغير متناظرة (أ.ف.ب)

وما يزيد من جاذبيتها أنها لم تعد حكراً على السهرات والمناسبات المسائية، فارتداؤها مع فستان بسيط، أو كنزة بياقة عالية أو مع قميص أبيض من القطن في النهار لا يجعلها تبدو نشازاً أو خارج إطار الأناقة المتعارف عليه. الشرط الوحيد أن تتم عملية التنسيق بقدر من الحذر، بحيث يُستغنى عن أي من التفاصيل الأخرى كالقلادة أو التطريزات المبالغ فيها، لتبقى هي المحور.

إلى جانب الأحجام الكبيرة، ظهرت على منصات العرض صيحات أخرى لا تقل إثارة، مثل الأقراط غير المتناظرة، أو الاكتفاء بقرط واحد يمنح الإطلالة طابعاً معاصراً وشبابياً.

يمكن لقلادة مبتكرة أن تُغني عن كل الإكسسوارات والارتقاء بأي إطلالة مهما كانت بساطتها (أ.ف.ب)

وينطبق الشيء نفسه على القلادات التي أخذت هذا الموسم أشكالاً هندسية ونحتية، من شأنها أن ترتقي بأبسط الأزياء إلى مستوى أكثر أناقة. ولم تقتصر هذه الموجة على بيوت الأزياء الكبيرة ودور المجوهرات الفاخرة، فقد سارعت العلامات التجارية المتوسطة والمحال الشعبية إلى تبنيها، مقدمة تصاميم مبتكرة بأسعار مُغرية تتيح لعدد أكبر من النساء مواكبة هذه الصيحة.

تباينت الإكسسوارات بين الطويلة والهندسية هذا الموسم (أ.ف.ب)

في نهاية المطاف، ورغم أن هذا الاتجاه يبدو جريئاً، فإن القاعدة التي يكررها الخبراء تقضي بالحفاظ على بساطة الأزياء، حتى تنال المجوهرات والإكسسوارات حقها من البروز. ويزداد هذا التأثير عندما تأتي الألوان نابضة بالحيوية، وكأنها تعويض عن سنوات طويلة من الدرجات الترابية التي سادت عالم الأزياء والمجوهرات على حد سواء. فألوان مثل الأخضر والأزرق والأصفر والأحمر وغيرها قادرة دائماً على ضخ المظهر بجرعة من الديناميكية. وعندما تتجسد هذه الألوان في أحجار كريمة مثل البيريدوت والياقوت والسفير والتوباز أو الزمرد، فإنها لا تكتفي بإضفاء الانتعاش على المظهر، بل تمنحه أيضًا قدراً من الرقي ونوعاً من الطاقة الإيجابية.