الترجمة حين تصيب النصّ بكارثة

عدنان العوامي يتتبع أخطاء المترجمين في رحلة «سادلير» عبر الجزيرة العربية

عدنان العوامي  -  غلاف الكتاب
عدنان العوامي - غلاف الكتاب
TT

الترجمة حين تصيب النصّ بكارثة

عدنان العوامي  -  غلاف الكتاب
عدنان العوامي - غلاف الكتاب

يسلط المترجم، عدنان العوامي في تحقيقه كتاب الرحالة البريطاني النقيب جورج فوستر سادلير عن رحلته عبر الجزيرة العربية، الضوء على قضية الأخطاء الكبيرة التي يقع فيها المؤلفون الأجانب، من مستشرقين ورحالة، ويقع فيها المترجمون، بل وحتى المحققون الذين لا يتقنون التعامل مع النصّ الأجنبي، ولا يفترضون إمكانية ورود الأخطاء في النطق والتدوين. الكتاب الذي بين أيدينا لم يتعرض فقط لتلك المآسي الهائلة في التدوين الخاطئ لأسماء الأمكنة والمعالم الجغرافية، بل يذهب إلى وثائق الكتاب الأصلي تعرضت للنهب والسرقة، ثم أعيد تدوين الرحلة من جديد اعتماداً على الذاكرة.
الكتاب الصادر عن مؤسسة «الانتشار العربي»، والواقع في 230 صفحة من الحجم المتوسط، يحمل عنوان: «يوميات رحلة عبر الجزيرة العربية: من القطيف في الخليج إلى ينبع في البحر الأحمر خلال عام 1819م»، وهو من تأليف النقيب جورج فوستر سادلير، وتولى المحقق والشاعر السعودي عدنان السيد محمد العوامي ترجمته وتحقيقه، كما راجع الترجمة عبد المجيد الحامد.
يسرد الكتاب وصفاً موجزاً لرحلة الكابتن جورج فورستر سادلير، وهو ضابط من الفيلق الملكي البريطاني الـ47، في رحلته التي قام بها عام 1819م من القطيف على ساحل الخليج العربي، إلى ينبع على البحر الأحمر. وجاءت الرحلة بتكليف من قبل «حكومة بومباي» في الهند، حين كُلف النقيب البريطاني التوجُّه إلى معسكر إبراهيم باشا، الذي كان منهمكاً– آنذاك- في تدمير الدرعيَّة عاصمة الدولة السعودية الأولى، بهدف الاتصال بإبراهيم باشا وتقديم عرض باسم حكومة بريطانيا عليه للتعاون.
بدأ سادلير رحلته من القطيف، بعد محاولات متكررة بدأها من مسقط في عُمان، لكنه أخفق في إقناع السلطان توفير مساعدين وأدلاّء له. ومن القطيف بدأ رحلته مخترقاً الصحراء في رحلة طولها 1200 كيلومتر. يقول العوامي في مقدمته: «أقلع سادلير من بومباي في السادس عشر من أبريل (نيسان) 1819م، في رحلة شاقَّة زار فيها (سلطنة عُمان)، ثم (أبو شهر)، ومنها كرَّ راجعاً إلى الجزيرة العربية عَبر القطيف، ثم الأحساء حيث توجَّه إلى نجد، وهناك علم بأن إبراهيم باشا غادرها إلى المدينة المنورة، فتبعه إليها، وتمكن من لقائه في (أبيار علي)، ومن ينبع توجَّه إلى جدة حيث قابل الباشا بها مرة ثانية، ومنها غادر إلى (المخا) في اليمن، بطريق البحر، عائداً إلى الهند».
ويلاحظ العوامي، أن سادلير دوَّن رحلته هذه في هيئة مذكرات، لكن استولى عليها البدو من كاتبه الإيراني، بما فيها تلك التي دوَّن فيها أسماء المواضع التي مرَّ بها، وهو أشار إلى ذلك في كتاب (ترجمة الرفاعي الطبعة 1 ص: 154. والطبعة 2 ص: 158)، ويبدو أنه قام بتدوينها ثانية، بعد عودته معتمداً على ذاكرته، وعلى ما توافر له من خرائط ومراجع عن الجزيرة العربية، حسب ما يفهم من مقدمته «ترجمة الرفاعي المذكورة»... ليس هذا وحسب؛ بل إن البوصلة التي اعتمد عليها في تحديد مساره تعطلت، ولم يشعر بعطلها إلا بعد مغادرته مدينة «الحناكية» وسط السعودية؛ لذلك ساد وصفه خط رحلته التشويش والاضطراب بصورة عامة، ومن أبرز معالم الاضطراب أن ترى بعض مذكراته مؤرخة في اليوم السابق على الأحداث التي تتحدث عنها، ناهيك عن الاضطراب في خط سيره، واعتذاراته الكثيرة عن مواضع نسي أسماءها، ومن أمثلة ذلك استدراكه بعبارات اعتذارية، مثل: «لم أذكر اسم هذه القرية ضمن ملاحظاتي، وأخشى ألا أقدر على معالجة هذا الإهمال».
* كتاب الرحلة
تولت الحكومة البريطانية طباعة تلك المذكرات بعد 47 عاماً من تلك الرحلة، أي في عام 1866م، وطبعتها في بومباي، بالهند، وصدرت أول ترجمة عربية لها محققة لسعود بن غانم الجمران العجمي، الذي أفاد بأنه حصل على نسخة منها من المتحف البريطاني بلندن، فكلف مترجماً هو أنس الرفاعي ترجمتها إلى العربية «ترجمة صحيحة وسليمة»، وتولى هو تحقيقها، والتعليق عليها، ثم نشرها، لأول مرة، بعنوان: «رحلة عبر الجزيرة العربية»، (صدرت عن دار الفكر بدمشق، 1983م)، كما صدرت لها طبعة ثانية في الكويت سنة 2005.
يلاحظ العوامي، أن النسخة المحققة تلك حملت عدداً من الأخطاء في الترجمة، ويقول: «من حقنا أن نعاتبه– المحقق- على تسامحه في تلك التحريفات والتصحيفات الفاحشة التي وقعت في الكتاب، وأخَصُّها تلك المتصلة بالمواضع والقرى والبلدات، والأعيان، ولا سيما أنه وضع للكتاب ملاحق للاستدراكات والتعليقات، إلا أنه لم يتعرض لأخطاء الترجمة، بل إنه أكَّد صحة بعضها في تعليقاته».
من الأمثلة التي يوردها العوامي، تعليق المحقق على تسمية «القواسم» بالجواسميين، حيث قال بالنص: «وتسمية سادلير لهم بالجواسميين يتطابق مع لفظ أهل الخليج لهذا الاسم حتى اليوم، وهو نسبة إلى جدهم الأعلى جاسم، وصحته قاسم»، يضيف العوامي: هذا القول ملتبس بالصواب والاشتباه؛ فبعض أهل الخليج ينطقون القاف في (قاسم) جيماً، فيقولون: (جاسم)، فإذا نسبوه قالوا: «جاسمي»، ويَجمَعونه جمعَ تكسير: «جواسم»، لكن الأغلب يتبع الفصحى فيقول: «القواسم»، كما كتبها، هو نفسه، بعفويته الفطرية في مقدمته.
لكن المحقق العجمي، التفت إلى وجود أخطاء في الطبعة الأولى قام بتصويبها في الطبعة الثانية، وهي قليلة، مثل: «عنجير» التي صوَّب بعضها إلى «العجير»، في بعض الصفحات، وترك بعضها الآخر على حاله، كما صحح «الشارقة» و«هجر»، و«أوال»، «لكننا نأخذ عليه إبقاء مسردي الأعلام والأماكن والبلدان كما هما في الطبعة السابقة، فلم يُجرِ أي تعديل عليهما».
ثمة ترجمة أخرى لرحلة سادلير، وضعها الدكتور عيسى محمد أمين، رئيس «جمعية تاريخ وتراث البحرين»، ونشرت برعاية وزارة الإعلام والثقافة والتراث الوطني بمملكة البحرين ضمن سلسلة «كتاب البحرين الثقافية»، بعنوان «رحلة إلى الجزيرة العربية»، وطبعت بالمطابع المركزية، في عَمَّان، بالأردن، عام 2005، ونشرتها المؤسسة العربية للدراسات والنشر ببيروت، يقول العوامي: «هذه الترجمة لا تختلف عن أختها إلا في كثرة الأخطاء والتصحيفات، والحذف، فمع أنها تفادت بعض ما وقعت فيه ترجمة الرفاعي، مما يتصل بالتعريف والتنكير في أسماء البلدان والمواضع، إلا أنها وقعت في شبيهها مثل: (السدير، ص: 17)، وصوابها: (سدير) غير معرفة».
ويضيف: «لعل أغرب ما يلاحظ على هذه الترجمة، الغفلة المفرطة، حتى في الأسماء المعروفة الشائعة، مثل: (بتال) الذي ترجمه إلى (بطال)، والأكثر من هذا تردده في هذا الاسم فيترجمه حيناً: (بطل الوهابي)، ثم يستدرك فيبدله إلى (بطال الوهابي)».
* أخطاء الترجمات
عكف العوامي على دراسة الأخطاء التي وقع فيها الكتاب أولاً، والمترجمون ثانياً، يقول «الأدهى أنه كثيراً ما يُخطئ في رسم الأسماء مثل (الحجاز) و(ضريبة الجهاد) و(العقير) و(قلعة الهفوف) وكملة (الوالي) و(جبل ماوان) و(جبل شمّر) و(خور كلبا) و(باب المندب) وغيرها».
كما لا يخلو الأمر أيضاً– بحسب العوامي– من أخطاء جوهرية في رسم الاسم؛ مما يقلب المعنى أو يحرفه، مثل «منفواح والصحيح: منفوحة»، (البركاس المترجمة من اللفظ الإنجليزي Al - Birkas لكنه في الاسم العربي «البرك» جمع بركة وهي علم على موضع في المدينة المنورة).. وغيرها الكثير.
ويكشف المحقق عدنان العوامي الأخطاء التي تضمنتها النسخة الأصلية لرحلة سادلير، وكذلك أخطاء مترجِمي رحلته، مبتدأً بالخريطة التي رُسم بها خط الرحلة من القطيف إلى ينبع، فهذه الخريطة لم يضعها سادلير بنفسه، وإنما وضعها شخص اسمه (M. G. M Souythton، H.) اعتماداً على مدونات سادلير، وجاءت الخريطة في ترجمة الرفاعي، وترجمة عيسى أمين.
أما أخطاء تلك الخريطة، فهي لا تتعلق فقط باسقطات الخريطة التي تمثل خط بداية وسير الرحلة فقط، بل بالنسبة للتسميات التي تقع فوقها... تشير الخريطة إلى «الشمال من هذا الموقع تأتي (الدمام)، وشماليها (طاروط) - كذا بطاء في أولها وأخرى في آخرها، والمقصود بها: (تاروت)».
أمثلة أخرى على أماكن وآبار مياه، من بينها «الإشارة على ذات الخريطة إلى الشمال بميل قليل إلى الغرب مساحة كبيرة جرداء عُنوِنَت باسم: (مقاطعة دحينة)، وقد تقرأ: (مقاطعة رحينة).. فنعت الاسم بالمقاطعة يوحي بأن المراد بادية (الدهناء). غير أن موقع هذه في الغرب من الأحساء، وليس كما ذكر في الخريطة. أما في الجهة التي تشير إليها الخريطة فليس فيها إلا (الدهينة)، وهي مورد ماء تابع للنعيرية، ولا يصح نعتها بالمقاطعة». يتتبع العوامي أسماء عشرات المواقع على امتداد الرحلة التي قام بها سادلير تم تسجيلها بطريقة خاطئة؛ مما أفقد الرحلة توثيقها الجغرافي والتاريخي، بل إن الكتاب فقد معناه في التعبير عن الأماكن التي مرّ بها الرحالة البريطاني، وعلاقتها بخطوط التجارة مثلاً، أو مصادر المياه، أو ممرات رحلات التجارة والحج.
ويعقد العوامي عدداً من المقارنات بين ترجمتي الرفاعي والترجمة التي أصدرها عيسى أمين للكتاب:
«على الصفحة 114 من ترجمة الرفاعي لمذكرة الحادي عشر من أيلول (سبتمبر (أيلول)» نقرأ الفقرة التالية: «حدث بعد ظهر هذا اليوم حادث يؤسف له، فقد وصلت حامية عسكرية في طريقها من ينبع نحو المدينة إلى نقطة تبعد ثلاثة أميال عن (أبيار علي) عندما انفصل أحد الضباط الأساسيين عن الحرس، وهو ابن الوزير بسبب شوقه للوصول إلى المدينة في أبكر وقت ممكن، واندفع إلى الأمام بحماية خمسة رجال خيالة، وفي طريق ضيق بين الجبال هاجمتهم مجموعة من قطاع الطرق التي تغزو هذه الجبال باستمرار وبأعداد كبيرة، فجرح ابن الوزير جرحاً بليغاً في ركبته ورمي أحد الخيالة في صدره، وهرب الخيالة الباقون».
أما ترجمة الدكتور عيسى لهذه الفقرة من المذكرة نفسها ص 109 تقول: «حدثت حادثة مؤلمة اليوم فقد أصيب أحد الضباط المرافقين لقافلة الحج، وذلك عندما انفصل عنها متقدماً إلى المدينة، ووقع في كمين لقطاع الطرق. كانت إصابة الضابط في ركبته بينما أصيب أحد المرافقين في صدره، وهرب إلى (بير علي)». فالحامية العسكرية في ترجمة تتحول إلى قافلة حجاج في الترجمة الأخرى، وكأن لا فرق بين الحجاج والعسكر؟!



أفضل قصائد الشعر الأميركي لعام 2025

أفضل قصائد الشعر الأميركي لعام 2025
TT

أفضل قصائد الشعر الأميركي لعام 2025

أفضل قصائد الشعر الأميركي لعام 2025

بعد أن انغمستُ في قراءة مجلدات «أفضل قصائد الشعر الأميركي» في وقت سابق من العام الجاري، تعهدت بألا أبدأ أبداً أياً من مقالاتي بالتساؤل عن معنى كلمة «الأفضل»، وهي كلمة أزعجت محرري تلك السلسلة أكثر بكثير من كلمتي «أميركي» أو «شعر». كنت أرغب في الابتعاد عن ذلك أيضاً، ما أسمته لويز غلوك «استبداد صناعة الذوق». أنا أكتب هذه القوائم لصحيفة «التايمز» منذ خمس سنوات الآن؛ وأنا على ثقة من أن قرائي يعرفون أن كل ما تعنيه كلمة «الأفضل» في عالم الفنون هو ما تحبه فئة بعينها من الناس.

قصيدة «إنقاذ» هيدجي تشوي

بعض القصائد التي أثَّرت فيَّ بشدة هذا العام تعكس قسوة معينة. خذ على سبيل المثال الأسطر الأولى من قصيدة تشوي «الهلع»: «أعلم أن الآخرين حقيقيون، لا تُذكرني بذلك». أنا نفسي نطقت عبارة «الآخرون حقيقيون»، لذا شعرت أنها بمنزلة مواجهة مباشرة معهم. وضحكت بصوت مرتفع مرات عدة في أثناء قراءة قصيدة «إنقاذ»، أول عمل لتشوي، وهو عمل مفعم بالحقد والسخرية القاسية -بل ربما هو أقرب إلى الوحشية!

ينمُّ صوت تشوي عن ثقة الشباب المتحدية، التي نحتاج جميعاً إلى التعرض لها. القصائد مسيئة بعض الشيء («ألا يمكن أن تكون، مثل مملكة السماء، فالصور/ للخاسرين والمختلين؟») بطريقة جذابة للغاية، مثل جدال يُغير رأيك بالفعل. «هل من المهم معرفة الحقائق؟»، تسأل قصيدة «مراحل»؛ «لأنني بدأت أعتقد/ ربما لا». لا يمكن للقصائد أن تؤذيني إلا قليلاً، ويمكن أن تبدو قسوتها حقيقية للغاية: «في النهاية/ أنا/ شخص جاد للغاية/ لكننا لم نصل إلى النهاية بعد».

«أعرف بعض الأشياء» لريتشارد سايكن

كان هذا كتاباً آخر منحني متعة شبه مازوخية. في خروج رسمي عن مجموعة سايكن بعنوان «صراع الثعالب» (2015)، ومجموعته الأولى المؤثرة بعنوان «انكسار» (2005)، تأتي هذه القصائد في صورة نثرية. كُتبت جميع القصائد الـ77 (والرقم تكريم، على ما أعتقد، لمؤلفة بيريمان «أغاني الحلم 77») بعد إصابة سايكن بالسكتة الدماغية وخلالها، وتُشكل في حد ذاتها سيرة ذاتية موجزة: «إنها نافذة صغيرة، تلك الفترة الزمنية التي نستطيع فيها أن نقول ما نعرفه».

هذا عمل قاسٍ، ومخيف أحياناً في تعامله مع الشيخوخة والموت -الحياة بوصفها ضرراً- والصراع من أجل استعادة الجسد والعقل والذات بعد الأزمة. كما يستجوب سايكن أيضاً مفهوم الذاتية بوصفها مشروعاً طويلاً، وطريقة للدفاع، وفعلاً من أفعال المخاتلة: «قلت كذبة وتحولت إلى حقيقة». تَظهر كلمة «يحدث» كعبارة مخفَّفة مخيفة؛ ما يحدث قد يحطم حياتك: «كان من الواضح أن شيئاً ما قد حدث ولن يتراجع» («الرصيف»). «أنا أنتظر أن يخبرني أن هذا لن يحدث مرة أخرى. إنه لا يقول ذلك» («خريطة حرارية»). «عليك أن تكون حذراً، فالأشياء ترغب أن تحدث» («غابة ديفون»).

قد يكون هذا الكتاب قاتماً، ولكنه ساحر أيضاً («تحت السرير الأرضية، ثم الأرض، ثم الجانب الآخر والنجوم. سقطت في كل الاتجاهات») ومضحك بطريقة غريبة -ضحكة من مقطع واحد في وجه الشيطان، يكتب قائلاً: «إذا كان في ذلك أي عزاء، فلن أسامحك أبداً».

قصيدة «رحمة الدم» لآي. إس. جونز

تُعيد هذه القصائد في هذا العمل الأول المثير للإعجاب، تفسير قصة قابيل وهابيل على أنهما أختان، وهي تتمتع بقوة الأسطورة المخيفة والعنيفة والموسيقية. «معظم الألم منعدم الفائدة»، كما تكتب جونز في القصيدة الافتتاحية، «لكنه أقدم أغنية للجسد». تشكل هذه القصائد سلسلة من التفاعل المستمر مع فكرة القوة -القوة التي نستسلم لها والقوة التي نطالب بها- وتجسد نوعاً من الفضاء الهجين الحقيقي والرمزي، والحاضر والأبديّ في آن واحد.

تكتب جونز في قصيدة «قابيل»: «كنتُ أسطورة ذات يوم، وأنا الآن فتاة». وفي قصيدة «حواء ليليث» تكتب: «يكسر/ السماء فوق جمجمتي ويُظلم العالم. أختي، يستمر الأمر هكذا/ .../ الأيام لا تُعدّ».

يتحقق تماسك مذهل بصفة جزئية من خلال تكرار رمزيات الدم والشفرات والماعز القربانية والشمس: «أنا الفأس التي تحلم بشق طريقها عبر حلق آدم». وفي قصيدة «تاريخ موجز للعالم حسب الماعز»، تكتب جونز: «يولد الماعز برؤية بانورامية ليرى الموت/ الماعز يخطط للحرب مثل أي حيوان آخر/ هذه قصيدة عن التعفن». وفي النهاية الرائعة لقصيدة «قطعة موسيقية حالمة»: «تجسيد حُلم معاناتي/ الشمس تجر جسدها مقطوعة الرأس عبر السماء كنصب تذكاري/ للحرب».

قصيدة «غزة: القصيدة قالت ما لديها» لناصر رباح

يعلق مترجمو كتاب «غزة»، الذي يضم مختارات من قصائد الشاعر الفلسطيني ناصر رباح، في خاتمة الكتاب على الصعوبات التي واجهتهم في نقل هذه القصائد إلى الإنجليزية الأميركية، التي تلعب دوراً في تمكين الكثير من التشويهات في طريقة تصوير فلسطين على الساحة العالمية. وسعى المترجمون إلى تجنب «الإفراط في الترجمة»، مُفسحين النطاق لقَدرٍ من الغرابة و«الغموض وحتى عدم الفهم». أدى ذلك إلى ظهور سطور تُسبب أحياناً ارتباكاً نحوياً، غير أن الاغتراب والغرابة أمران مألوفان في هذه المناطق السريالية الشبيهة بالأحلام، حيث يتصادم الرعب والدمار مع الجمال والموسيقى والجنس، وحيث تتعايش الروتينية اليومية والملل مع الجنون واللا معقول.

وفي حين أن الصوت قد لا يُترجم دائماً، فإن الصورة تُترجَم، وأعمال رباح مليئة بالصور التي لا تُنسى: «أنا لست جندياً، لكن/ في أثناء الحرب أرى نفسي شرفة معلَّقة في السماء/ بعد أن هدموا المبنى... أنا لست جندياً، لكنني أرى نفسي في أثناء الحرب أرتِّب/ مشهد الموت الأخير، لإرضاء الأحياء بموتي». في القصيدة الطويلة «ما لم أقله لنفسي»، يكتب رباح: «كن مملاً... كن توم هانكس وقل: يا إلهي! كل شيء رائع يا رفاق. كن أي شيء، فقط لوِّح لموتك الجميل في المرآة»، و«لمرة واحدة، كن برتقالياً يا بحر، وأنتِ يا سماء، أمطري لمرة واحدة في اتجاهك».

قصيدة «ابنة المينوتور» لإيفا لوكا

أحياناً بعد سطر أو سطرين فقط تعرف أن الشاعر يتحدث إليك -كما لو أن الحساسية تتبدى في أصغر الكلمات. كانت هذه تجربتي مع لوكا وقصيدة «ابنة المينوتور»، المترجَمة عن السلوفاكية بواسطة جيمس ساذرلاند-سميث. أحب هذه القصائد السحرية عن الأماكن الحدودية والمخلوقات الهجينة، والرجال-الوحوش والأسماك-الطيور والكائنات الحية-الميتة: «مكسوة-مكشوفة/ في فمها تبكي وتغني/ تعود إلى أسفل المنحدر/ إلى المنزل الذي ليس منزلاً»، تكتب لوكا في قصيدة «الأخت البرية». «لا ماشية على الأقدام ولا راكبة في عربة/ على كتفها بومة، في يدها/ تفاحة، في تفاحتها/ حب، في حبها/ سُمّ».

انجذبتُ بصورة خاصة إلى سلسلة القصائد المستوحاة من لوحات ليونورا كارينغتون، مثل «لوحة السيدة بارتردج الراحلة» (هذه المرأة تبدو كأنها تجسيد للبرق) و«دجاجة أختي غير الشقيقة»: «لكن الآن هو أوان التمرد. الدجاجة تكشر عن أنيابها/ .../ انتظري فقط، تقول الدجاجة/ يوماً ما ستقيَّدين في طوق، كما يحدث بين المالكين/ والمملوكين... يوماً ما سنتبادل الأدوار». هذا كتاب ينبض بظلامية حكايات القصص الخيالية القديمة.

قصيدة «نوبات غضب في الهواء» لإميلي سكيلينغز

بناءً على مجموعتها الثانية، «نوبات غضب في الهواء»، أرى أن سكيلينغز زميلة لي في محبة الفراغ -نحن الذين نحب أن نجمل الفراغ. عن «زهرة الجزرة، أو دانتيل الملكة آن»، تكتب سكيلينغز في إحدى قصائدها: «أحبها عندما تكون كبيرة/ وبيضاء مثل صحن خزفي/ النقطة في المنتصف/ إيماءة صغيرة للتركيز/ رشفة من الظلام، ثقب/ ينزلق فيه كل/ تطريز السماء».

تُذكرنا قصائد سكيلينغز بمدرسة «غورلسك» (مصطلح أرييل غرينبرغ للإشارة إلى «دمج النسوية للغريب والقاسي مع البراق والحالم»)، قصائد سكيلينغز تبدو أشبه ما تكون بمسرح عبثي في بيت دمى مسكون. فكرة استعارتها من إيلين مايلز -أن الشعراء ليسوا أذكياء، بل «شيء آخر»- تتكرر طوال القصائد في شكل إصرار على نوع من الذكاء الخارجي، سبيل سلبي: «نصف تفكير، نصف لا شيء».

القصيدة الأخيرة آسرة، بسطورها الطويلة لدرجة أنها مطبوعة بشكل أفقي: «أوه، لقد لاحظت الفئران، لا تهتم بها/... / بدأت أعتقد أنها توسِّع الفجوات بين الأشياء: الكلمات، الأيام/.../ هذه مجرد غرفة واحدة في مؤامرة واسعة من الفضاء».

* تشمل مجموعات إليسا غابرت الشعرية والقصصية، في الآونة الأخيرة، «المسافة الطبيعية»، و«أي شخص هو النفس الوحيدة». تُنشر مقالاتها في دورية «حول الشعر» أربع مرات في السنة.

* خدمة: «نيويورك تايمز»


شهادات من نزلاء سجون الأسدين

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

شهادات من نزلاء سجون الأسدين

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

عن دار كنعان للنشر (دمشق - 2026) صدر كتاب «صيدنايا... من مدونة سجون الأسد - شهادات». وتكشف الشهادات مدى العنف والقسوة وانتهاك حقوق الإنسان في زمن نظام الأسد، الأب والابن...، على لسان بعض من عاش تلك التجربة، أي تجربة السجن السوري، سواء كان سجن صيدنايا أو غيره، «أولاً، للتذكُّر، لأن التذكُّر هو دليل عافية، وخطوة أولى للاعتراف بحق هؤلاء الذي اختبروا تلك التجربة الفظيعة، وكمساهمة في التأسيس للعدالة الانتقالية، وأيضاً التذكُّر للحؤول دون تكرار هذه التجربة الرهيبة».

وتضمن الكتاب شهادات لكل من: أميرة حويجة، وحسيبة عبد الرحمن، وعزة أبو ربعية، وأنور بدر، وبدر زكريا، ومحمد إبراهيم، ومحمد برّو، وكريم عكّاري، وعلي الكردي، ونصار يحيى، ومحمود عيسى، وبسام جوهر، وجورج ميخائيل، وحسام الدين كردية، الذين اختبروا سجون الأسد وعانوا أهوالها... وكذلك مساهمتين عن طبيعة سجن صيدنايا كتبهما: مي بركات، وبلال بيلغيلي...جاء في مقدمة الكتاب لماجد كيالي:

«السجن السوري يختلف عن أي سجن في العالم، إذ إن سجون نظام الأسد لا تنتزع من الإنسان حريته، وحقوقه القانونية، وخصوصيته الفردية، وكرامته، وأدميته، فقط، وإنما هو سجن يفقد فيه المعتقل ذاته وروحه، وحتى أحاسيسه. لا يقتصر الأمر على التعذيب المباشر، فالعيش في السجن هو بحدّ ذاته عذاب، ومعاناة لا يمكن تخيّلها، فكيف إذا كان هذا السجن مثل سجن صيدنايا، أو تدمر، أو قبو لجهاز مخابرات، وكلها أمكنة لا تمتُّ إلى الإنسانية بصلة، إذ هي مجرد لبشر منسيين، أو مقابر أحياء، بل وأكثر قسوة ووحشية من ذلك، فهذه أمكنة جهنمية، بكل معنى الكلمة.

متاهة الموت: 
السجن كهيكل كل شيء فيه حديد، وإسمنت مسلح، ويبدو كمبنى مسخ، أو مسلخ، وهو سُمي أخيراً كذلك. ومنذ البداية تجد نفسك في متاهة أو في سلسلة متوالية من بوابات حديدية، كل واحدة تفضي إلى أخرى، ثم تصل إلى (كريدور)، بنوافذ علوية ضيقة، يضم مهاجع عدة، تُغلق بباب حديدي ضخم، وللمهجع فتحات تهوية على الكريدور، من فوق الباب وتحته. علماً أن السجن محاط بأسوار عدة، وهو ممتد على مساحة كبيرة تضاهي مساحة بلدة كاملة، والمشكلة أن وراء كل جدار واحداً آخر، وثمة مع الجدران، حقول ألغام، وأسلاك شائكة، وحرّاس، بمعنى ألا أحد يستطيع الخلاص من هذا السجن.

أيضاً، في كل واحد من هذه المهاجع، كان يعيش عشرات من المعتقلين معاً، فيها يمضون أوقاتهم، وتضيع حياتهم، خارج العالم، وفي عزلة عنه، يعيشون كل نفس منهم، وكل مشاعرهم، جنباً إلى جنب، فهنا ينامون ويقومون ويتحدثون ويأكلون، ويمشون، ويقضون حاجاتهم في ركن في الزنزانة، في البرد وفي الحر، وفي اليأس وفي الأمل.

في المهاجع كانت هناك ثياب متناثرة على الأرض، تلك التي كان المعتقلون يرتدونها داخل السجن قبل تحريرهم، وقد تركوها عندما خرجوا، عندما انهار نظام السجن السوري، مع الأسد الفار، كنت أرى كأن كل قطعة ثياب تحكي قصة عن فظائع هذا السجن».

وكانت لوحة الغلاف للفنانة عزة أبو ربعية.


كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو
TT

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً. وحظي الكتاب، الذي يضمّ مذكرات كامو بين عامي 1935 إلى 1942، بمراجعتين بارزتين باللغة الإنجليزية، من كاتبين مختلفين.

جاءت المراجعة الأولى بقلم إيه. جي. ليبينغ، الصحافي في مجلة «نيويوركر». وكان ليبينغ قد ربطته أواصر الصداقة بكامو، عندما زار الكاتب الفرنسي ـ الجزائري أميركا عام 1946. وأُعجب ليبينغ، المولع بالثقافة الفرنسية، بشكل خاص بأعمال كامو خلال الحرب العالمية الثانية، بصفته محرراً لمجلة المقاومة «كومبا». ووصف ليبينغ مذكرات كامو بأنها «ممتعة وعميقة»، و«كتاب يمكن للمرء أن يعود إليه، في أي صفحة تقريباً، وهو على يقين من أنه سيشعر بمتعة».

أما المراجعة الثانية، فجاءت بقلم سوزان سونتاغ، في دورية «نيويورك ريفيو أوف بوكس». استهلت سونتاغ مراجعتها بعبارة مثيرة للجدل: «الكتاب العظماء إما أزواجاً أو عشاقاً». وكان كامو، بفضل هدوئه وعقلانيته الظاهرية، كما أشارت سونتاغ، «الزوج المثالي بين الأدباء المعاصرين». (لم يكن بمقدور سونتاغ معرفة هذا على وجه اليقين، فحسب سيرته الذاتية اللاحقة، فإنه خان زوجتيه مراراً، الممثلة سيمون هييه وعازفة البيانو فرانسين فور).

أما بقية مراجعة سونتاغ، فحملت نقداً لاذعاً لكامو بصفته روائياً وفيلسوفاً. وكتبت سونتاغ: «هل كان كامو مفكراً ذا شأن؟» «الجواب: لا». وبعد ذلك، كالت مزيداً من الانتقادات اللاذعة إلى كتاب «الدفاتر الكاملة» نفسه، واصفةً إياه بالسطحية وافتقاره إلى الطابع الشخصي و«غير الجيد».

ظهرت مجلدات أخرى من دفاتر ملاحظات كامو على مرّ السنين، وجُمعت كاملةً للمرة الأولى في كتاب «الدفاتر الكاملة». عندما أمسكت بالكتاب، كانت أصوات ليبينغ وسونتاغ المتضاربة تتردد في ذهني. وبعد أن أنهيت قراءة صفحاته التي تقارب 700 صفحة، فوجئت بأنني، وأنا من أشدّ المعجبين بليبينغ، أميل إلى سونتاغ وأتفق معها.

ولكن ينبغي الخلط بين دفاتر كامو، التي امتدت من عام 1935 إلى 1959، وبين اليوميات، فهي تكاد تخلو تماماً من أي شيء يخص أصدقائه أو عائلته، أو تجاربه خلال الحرب، أو الكثير عن حياته الشخصية. بوجه عام، فقد كان كامو رجلاً شديد الخصوصية، ينفر من النميمة والاعترافات.

في الواقع، عندما نال جائزة نوبل في الأدب عام 1957، في الـ44 من عمره، وكان أحد أصغر الكتاب الذين حصلوا عليها، كتب في دفتر ملاحظاته: «خائف مما يحدث لي، مما لم أطلبه». وذكر أنه كان يعاني من نوبات هلع. وبعد بضعة أيام كتب: «لا تتحدث أبداً عن عملك» و«أولئك الذين لديهم حقاً ما يقولونه لا يتحدثون عنه أبداً».

تحتوي هذه المذكرات على ملاحظات فلسفية لرواياته المنشورة خلال حياته -«الغريب»، و«الطاعون»، و«السقوط». كتب تُعدّ استكشافات فريدة من نوعها، وهي لا تقتصر على عبثية الوجود فحسب، بل تتناول كذلك العزلة والشعور بالذنب والخلاص والصمود. وقد رُويت هذه الملاحظات بوضوح وعمق مؤثر.

مثل كثير من القراء، عدتُ إلى رواية «الطاعون» (عنوانها بالفرنسية «La Peste» أكثر رعباً وضوحاً) خلال جائحة كوفيد-19، فوجدتُ فيها بعضاً من العقلانية المرتبطة بالحياة الزوجية، التي وصفتها سونتاغ. على سبيل المثال، ينفي طبيب يعمل بشجاعة ودأب في البلدة الجزائرية التي تفشَّى فيها الطاعون، عن نفسه صفة البطولة. وقال بكلمات تعكس كذلك لحظة من تلك التي عشناها عام 2020: «الأمر برمته لا يتعلق بالبطولة. قد يبدو الأمر فكرة سخيفة، لكن السبيل الوحيد لمكافحة الطاعون هو التحلي بالأخلاق».

علاوة على ذلك، تحتوي دفاتر كامو على مقتطفات من قراءاته المتعمقة، لأعمال كتّابٍ من أمثال ميلتون وغوته إلى فوكنر وروزا لوكسمبورغ -اقتباسات تُشكّل دفتراً شخصياً للملاحظات. كان كامو في حالة بحث دائم عن جوهر الأشياء، وعاش في عالمه الداخلي أكثر من معظم الناس. وما يبرز بشكل خاص إحساسه بالرسالة الأدبية، فقد كان يُحفّز نفسه باستمرار. ومن بين المقولات النموذجية المعبرة عنه: «انعزل تماماً واركض في طريقك الخاص».

وتبدو هذه الدفاتر، في هذه الترجمة لريان بلوم، كثيفةً وتحمل منظوراً داخلياً، ولا يُفترض أنها مُعدّة للنشر العام. (مع أنه حرّر الدفاتر الأولى، فإنه من غير الواضح موقفه من نشر كل شيء دفعةً واحدة). إنها ليست مناسبةً للقارئ العادي.

مع ذلك، فقد سُرّ هذا القارئ العادي بالاطلاع عليها، حتى وإن كان البحث عن الأجزاء الأكثر وضوحاً وإثارةً للاهتمام أشبه بالتنقيب عن الذهب. ومن بعض أشهر ما ورد هنا، سرد لرحلات كامو في الولايات المتحدة عام 1946 وفي أميركا اللاتينية عام 1949، سبق نشره في كتب أخرى، أولها بعنوان «يوميات أميركية» (1987)، ثم في ترجمة جديدة بعنوان «رحلات في الأميركتين» (2023).

ثمة مواد أخرى جديرة بالثناء هنا. من حين لآخر، كان كامو يعلق بين الحين والآخر على منتقديه، فكتب عام 1942: «ثلاث سنوات لكتابة كتاب، وخمسة أسطر للسخرية منه - مع اقتباسات غير دقيقة». وكتب في وقت لاحق: «الحقد هو الصناعة الوحيدة في فرنسا التي لا تعاني من البطالة». أما عن السياسة، فقد قرر: «أُفضّل الأشخاص الملتزمين على الأدب الملتزم».

وجاءت بعض التعليقات ساخرة ومضحكة. مثلاً، كتب عام 1949: «أتساءل دائماً: لماذا أجذب النخبة الاجتماعية. كل تلك القبعات؟!».

أما البعض الآخر من الملاحظات فيُثير مشاعر جيّاشة: «متعة بناء روابط بين الرجال. متعة خفية تتمثل في إشعال سيجارة أو طلبها -نوع من التواطؤ، أشبه بجماعة سرّية حول السيجارة». كان كامو يبدو أكثر أناقةً وهو يدخن سيجارة من معظم رجال عصره. إلا أنه بسبب إصابته بمرض السل -خصوصاً أن الشعور بالمرض موضوع متكرر في هذه الدفاتر- كان من المفترض ألا يدخن على الإطلاق.

وتتجلى روح كامو المرتبطة بنشأته في إقليم حوض البحر المتوسط، خصوصاً في حبه للسباحة والشمس. كان يحب السفر، لكنه لم يكن يُحب الترف المُبهرج. وكتب في إحدى مذكراته المبكرة: «الخوف هو ما يجعل السفر ذا قيمة» -ينبغي أن يكون «تجربة زاهدة». كما كان يزدري المطاعم الفاخرة في الغالب، مشيداً بمدينة وهران الجزائرية، بوصفها مكاناً «لا يزال بإمكانك فيه العثور على مقاهٍ استثنائية ذات طاولات مطلية بطلاء مُتسخ، مُغطاة بأجزاء ذباب: ساق، جناح، حيث تُقدَّم لك المشروبات في أكواب مُتشققة».

وتشبه دفاتر كامو إلى حد ما تلك الطاولات. لم يتبقَّ لنا سوى الأغصان والبذور، كما كان يقول مدمنو الحشيش -أو كما فعل جيمس فنتون في قصيدته الرائعة التي تحمل نفس العنوان. إلا أنه حتى وإن كانت هذه الدفاتر فوضوية بعض الشيء، ثمة فكرة صادقة تظهر. وكتب كامو، بينما كان في الرابعة والعشرين، في إحدى أمسيات الربيع: «هناك أيام يكذب فيها العالم، وأيام أخرى يقول فيها الحقيقة».

* خدمة: «نيويورك تايمز»