بلمختار يحشد المتطرفين ضد حفتر... والأطماع تفرقهم

خلافات بين «داعش» و«القاعدة» و«الإخوان» بعد «غزوة الموانئ النفطية»

مقاتلون موالون لتنظيم داعش من منطقة جنوب ليبيا - القيادي الجزائري في «القاعدة بشمال أفريقيا» مختار بلمختار («الشرق الأوسط»)
مقاتلون موالون لتنظيم داعش من منطقة جنوب ليبيا - القيادي الجزائري في «القاعدة بشمال أفريقيا» مختار بلمختار («الشرق الأوسط»)
TT

بلمختار يحشد المتطرفين ضد حفتر... والأطماع تفرقهم

مقاتلون موالون لتنظيم داعش من منطقة جنوب ليبيا - القيادي الجزائري في «القاعدة بشمال أفريقيا» مختار بلمختار («الشرق الأوسط»)
مقاتلون موالون لتنظيم داعش من منطقة جنوب ليبيا - القيادي الجزائري في «القاعدة بشمال أفريقيا» مختار بلمختار («الشرق الأوسط»)

تمكن القيادي الجزائري في تنظيم القاعدة في شمال أفريقيا، مختار بلمختار، الملقب بـ«الأعور»، من المشاركة في حشد ميليشيات من المتطرفين ضد الجيش الوطني الليبي، الذي يقوده المشير خليفة حفتر، والهجوم عليه في منطقة الموانئ النفطية في الشمال الأوسط من البلاد، الأسبوع الماضي، لكن، وبحسب مصادر قريبة من التنظيمات المتشددة، تسببت الأطماع في تفريق قوات المتطرفين، عقب خلافات على الجبهة نشبت بين «داعش» و«القاعدة» و«الإخوان»، وذلك في غضون أيام مما يطلقون عليه «غزوة الموانئ النفطية». وعاد القيادي الجزائري النحيف مختار بلمختار، البالغ من العمر 45 عاما، في محاولة على ما يبدو للعب دور لتغيير اتجاهات الريح في بلدان شمال أفريقيا، مثلما فعل في أواخر تسعينات القرن الماضي. لكن يبدو أن المهمة ليست سهلة. فبعد يومين من طرد الجيش الليبي من الموانئ النفطية، رفع «داعش»، الذي كان متحالفا في «الغزوة»، لأول مرة، مع كل من «الإخوان» و«القاعدة»، راياته السوداء، واستحوذ على بلدة «رأس الأنوف» لنفسه. وهذا أغضب الباقين. ووفقا لمن التقوا بهذا الجزائري، الذي فقد إحدى عينيه أثناء مشاركته، قديما، في القتال في أفغانستان، فقد أصبح أكثر مرونة في تقبل «إخوة» الأمس الذين كانوا يحاربون معه في الجبال الآسيوية الباردة، البعيدة. كانوا في ذلك الوقت في منتصف العشرينات من العمر. أما هو، فكان آنذاك من أصغرهم سنا وأكثرهم صمتا.
حين بدأ يتوافد على ليبيا المقاتلون السابقون في أفغانستان، منذ مطلع هذا العام، كان من اللافت للنظر أن غالبيتهم مرهق لأسباب تتعلق بالكبر وكثرة المطاردات... معظمهم يتأثر سلبا بالأجواء المتقلبة للصحراء، ما بين حر النهار وزمهرير الليل. هناك من تجاوز الخمسين، وهناك من تجاوز الستين، وهناك من يعاني آثار إصابات قديمة من الحرب مع الروس. في هذه الأجواء بدأ بلمختار، أمام كثيرين من «إخوة الأمس»، بمثابة «الشاب الذي يمتلك خبرة وعزيمة».
ففي فترة من الفترات التي عصفت بالجماعات في شمال أفريقيا وغربها، وبخاصة في أواخر تسعينات القرن الماضي، لعب بلمختار، على صغر سنه، وقتها، دورا مهما في توحيد الجماعات المتطرفة بامتداد المنطقة. واليوم يبدو أنه يكرر التجربة نفسها انطلاقا من ليبيا التي تعاني الفوضى.
نجا بلمختار من كثير المحاولات الدولية لاصطياده أو اغتياله في شمال مالي وفي الصحراء الليبية، كان آخرها في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي. ويقول قيادي ميليشياوي ليبي، على صلة بالجماعات المتطرفة، إن بلمختار أصبح أكثر ميلا للتعاون مع «داعش»، واستغلال إمكانات جماعة الإخوان، بعد أن كان ولاؤه المطلق لزعيم تنظيم القاعدة، المصري، أيمن الظواهري... «نتيجة ذلك، كما أرى، ظهرت أخيرا في الحرب ضد حفتر».
ويضيف: «ربما هذا لم يأت من فراغ، فلا يمكن لبلمختار أن يبادر بنفسه ويفتح آفاقا للتعاون بين مقاتلي (داعش) و(القاعدة)، والاستفادة من نشاط (الإخوان) في أفريقيا. أعتقد أن هذا ربما جاء بسبب تقارب بين زعيم «داعش»، العراقي، أبو بكر البغدادي، والظواهري. المعلومات التي لدينا أن البغدادي نفسه يبحث عن حلفاء وعن أرض بديلة، وهو يتعرض لحرب ضروس ضد تنظيمه في العراق وسوريا».
زار بلمختار منطقة الجفرة التي انطلقت منها ميليشيات لاحتلال الموانئ النفطية في ليبيا الأسبوع الماضي. ووفقا لشهادة من قيادي على صلة بالجماعات المتشددة، بدا بلمختار أكثر نشاطا وطموحا في جمع شتات الجماعات التي تعرضت للتفتت وضربتها الانقسامات بسبب المنافسة على النفوذ والسلطة فيما بينها داخل ليبيا. ويحاول بلمختار أن يرسخ صورته باعتباره قائدا عابرا للحدود.
ويقول المصدر: محاولاته أصبحت عرضة للانتكاسة... فبعد دخول قوات من مختلف التوجهات المعادية لحفتر، بدأت الخلافات على الزعامة فيما بينها. أعتقد أن قلة تحركات بلمختار لأسباب أمنية، قد لا تسعفه لمعالجة الانشقاقات في جبهة الموانئ النفطية.
وبحسب تقارير أمنية، فقد حاول الرجل خلال السنتين الماضيتين النأي بنفسه عن تنظيم داعش، والبقاء داخل حدود تنظيم القاعدة، والابتعاد عن خطوط التماس الوعرة بينهما، إضافة إلى كراهيته القديمة لجماعة الإخوان؛ لأسباب تتعلق بمشاركة الجماعة في الانتخابات: «وهو أمر يمقته ويعده من علامات التشبه بالكفار»، وفقا لمقربين منه.
ودخل بلمختار في سبيل تمسكه بـ«القاعدة» في خلافات قبل عام، مع أصدقاء قدامى، من تونس والجزائر وليبيا ومالي... وهذه الأخيرة كان له فيها نشاط كبير، وبخاصة على حدودها الشمالية مع بلده الأصلي. وكان يتعاون هناك مع زعيم تنظيم «أنصار الحق» المالي المتطرف، حيث بادر التنظيم الأخير، منذ وقت مبكر بمبايعة «داعش»، والانسلاخ عن «القاعدة»، وهو أمر لم يعجب بلمختار وقتها.
رغم الخلافات حول مسألة الولاء للبغدادي أو البقاء على الولاء للظواهري، ظلت أبواب بلمختار مفتوحة للجميع. وحصل على علاج من «إخوانه القدامى» في مستشفيات في مدن بنغازي وصبراتة وسرت، عقب إصابته في إحدى الغارات الغربية داخل ليبيا.
استمر موقف بلمختار المتمسك بتنظيم القاعدة، منذ أواخر عام 2015، حتى شهور قليلة مضت. فقد تغيرت المعادلات بسبب مأزق مشترك يبدو أنه أصبح سمة عامة لدى جماعات تحمل السلاح وتحاول تطبيق رؤيتها لـ«دولة الخلافة الإسلامية»، وفقا للمصدر نفسه.
أما في فترة العامين السابقين، فقد سيطرت حالة من الغرور على الكثير من الجماعات، بما فيها «داعش» والجماعة المقاتلة (فرع القاعدة في ليبيا) و«الإخوان». وخلال ذلك كانت تحركات بلمختار خافتة وبعيدة، ولا تظهر إلا في بعض الأحيان لأجهزة المخابرات الدولية. ظل يقود مجموعته الخاصة في قافلة من سيارات الدفع الرباعي ويتنقل بها عبر دورب صحراوية قرب الحدود الجنوبية الغربية من ليبيا.
ويضيف المصدر: «كان محبطا وحزينا، وهو يرى اقتتال الإخوة في درنة وسرت وطرابلس.. لقد تعرض ثلاثة تونسيين حاربوا معه، فيما مضى، في أفغانستان، للقتل في مواجهات في أواخر 2016 في طرابلس»، مشيرا إلى أن الخلافات خلال تلك الفترة كانت على أشدها بين «داعش»، وفريق من الجماعة المقاتلة، و«الإخوان».
ومنذ هزيمته في سرت في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، تأثر كل من «داعش» و«القاعدة في ليبيا»، وما حولها، بشح الأموال والتضييقات الأمنية. وخسرت جماعة الإخوان معاقلها في بنغازي؛ وذلك بعد أن خسرت الحكم في مصر وتونس وليبيا. ألقت مثل هذه الظروف بظلالها على فرص «القاعدة» في شمال أفريقيا وغربها، في الصمود أمام صعود تيارات معادية لها توصف بـ«العلمانية» أو «القومية» أو «الجهوية».
في ليبيا، أدى تقدم كل من قوات الجيش الوطني، بقيادة حفتر، و«قوات البنيان المرصوص»، بقيادة رئيس المجلس الرئاسي فايز السراج، إلى ارتباك في جبهة المتطرفين المحليين، بالتزامن مع وصول أكثر من ألفي مقاتل غير ليبي من تنظيمات تدور في فلك «داعش» و«القاعدة»، من العراق وسوريا ومصر وتونس، وغيرها.
ومن بين من جاؤوا إلى هنا عناصر من جماعة «أنصار بيت المقدس» التي تنشط في سيناء بمصر، وجماعة «أنصار الشريعة» النشطة في منطقتي القصرين والشعانبي بتونس، وجماعة جزائرية تنسب إلى رجل يلقب بـ«الأخضر» ولها تواجد قرب بلدة غدامس على حدود ليبيا الغربية.
مصدر قريب من الجماعات المتشددة في ليبيا يكشف عن أن الأعور، ما زال مواليا مخلصا للظواهري، لكن بطريقته الخاصة... أي أنه في بعض الأحيان لا يكون الظواهري، المقيم في مكان ما بين الجبال الأفغانية الباكستانية، راضيا عما يطرحه بلمختار من مبادرات، إلا أنه يترك له حرية التصرف.
وعلى سبيل المثال، لم تكن عناصر تنظيم القاعدة في منطقتي القصرين والشعابني بتونس، مُقنعة للظواهري. لقد أرسل الظواهري أحد مندوبيه، وهو مصري يدعى مكاوي، إلى تونس من أجل بحث مؤازرته مقاتلي «القاعدة» هناك، وأغلبهم من الجيل الجديد، وتراوح أعمارهم بين الثلاثينات والأربعينات، فيما عدا رجلين مخضرمين تجاوزا الستين من العمر، كانا يقاتلان، قديما، في أفغانستان.
وبحسب رواية من مصدر على صلة بالجماعات المتطرفة في شمال أفريقيا، فقد تسلل مكاوي إلى تونس في الشهر الأول من هذا العام، والتقى في جبل الشعانبي عددا من قادة الجماعات التي تحارب الدولة التونسية، لكن تقريره عن هؤلاء كان مخيبا للآمال. ويضيف المصدر، أن مكاوي أخطر الظواهري بأن مجموعة القصرين والشعانبي، تميل إلى «داعش».
وذكر مكاوي في تقريره، بحسب المصدر، أن المجموعة، التي تتعرض لحملة من الجيش التونسي، أصبحت تعتمد في عملها على فرع لتنظيم داعش الليبي، اسمه «جند الخلافة». ويضيف أن تنظيم «جند الخلافة» يتكون من عناصر تونسية ومصرية وليبية ومن جنسيات أخرى، وأنه منبثق عن تنظيم «جند الحق» الذي ينشط قرب حدود البلدين.
وتابع قائلا، إن قائد هذا التنظيم ليبي الجنسية يدعى رشيد، وعلى اتصال مباشر بمكتب البغدادي في العراق... «لم يحدث لقاء بين مكاوي ورشيد. وعاد مندوب الظواهري من حيث أتى، دون أن يحقق نتائج»، وهنا، كما يذكر المصدر، تدخل بلمختار لدى الظواهري، وأقنعه أن ولاء التونسيين ما زال لـ«القاعدة»، وأن مسألة تعاونهم مع «جند الخلافة» فرضته ظروف الحرب التي تشنها السلطات التونسية.
واللافت للنظر، وفقا للمصدر نفسه، أن «جند الحق» أو «جند الخلافة»، وبعد أن كان مواليا لـ«داعش» فقط، أصبح يتعاون مع مجاميع موالية لتنظيم القاعدة أيضا، مثل «كتيبة عقبة بن نافع» في تونس، و«ميليشيات الدفاع عن بنغازي» في ليبيا. ويضيف: هاجم الجيش التونسي «كتيبة عقبة بن نافع»، فتدخل تنظيم جند الخلافة لمؤازرتها، كما أن التنظيم نفسه أرسل مقاتلين للمشاركة في محاربة الجيش الليبي في الهلال النفطي أخيرا.
وتعد هذه هي المرة الأولى التي يظهر فيها اشتراك علني، في القتال على الأرض، بين تنظيمات موالية لـ«القاعدة»، وأخرى موالية لـ«داعش»، رغم أنهما كانا يتعاونان في الكثير من المواقف، مثل تهريب الأسلحة وتمرير الصفقات والمقاتلين. ويقول أحد قادة الميليشيات الليبية، إن هذا التحول ربما يؤشر إلى وجود تقارب بين الظواهري، والبغدادي. إلى جانب محاولة استفادة هذين التنظيمين من حرية الحركة الآمنة عبر الحدود التي يتمتع بها قادة في جماعة الإخوان.
وبالتزامن مع ذلك، وعلى غير العادة أيضا، أصبح اسم بلمختار يتردد في الكثير من المواقع المهمة التي تديرها جماعات تتمركز في ليبيا، ولها تواجد في دول مجاورة. ومع ذلك، لا تتوقف الخلافات التي تقع بين حين وآخر بين أسراب المتطرفين القادمين من مشارب مختلفة. فقد جرى فصل مجموعة قادمة من الجزائر، تنتمي إلى تنظيم القاعدة، عن مجموعة مصرية تابعة لليبي يدعى المهاجر، تابعة لـ«داعش»: «بسبب الاختلاف في نمط الالتزام الديني»، كما يقول المصدر.
وجرى تخصيص معسكر في منطقة «صلاح الدين» في طرابلس للمجموعة الأولى، وتخصيص معسكر في «القرة بولي» للمجموعة الثانية، قبل البدء في إشراكهما معا في محاربة كل من الجيش الليبي في الموانئ النفطية، والقوات التابعة للسراج في طرابلس، كان آخرها إطلاق النار على مقر المجلس الرئاسي في العاصمة الليبية.
واللافت في الأمر، أن قياديين من جماعة الإخوان الليبية هم من قاموا بتدبير مقر «القرة بولي» للمجموعة المصرية، وهو معسكر يقع وسط غابة شجرية مخصص للتدريب. كما جرى تخصيص معسكر آخر، على يد قياديين في الجماعة نفسها، للتجميع والتدريب قرب الحدود مع الجزائر في منطقة تسمى «الهروج». وكان يجري التمهيد لنقل كل هؤلاء المقاتلين المنتمين لتنظيمات مختلفة لغزو منطقة الموانئ النفطية لطرد قوات الجيش منها، وهو ما حدث فيما بعد.
ويقول مصدر في المخابرات الليبية، إن بلمختار شارك في اجتماعات عدة تخص وضع خطة «غزوة الموانئ»، حيث كان يتردد على بلدة الجفرة التي تجمعت فيها ميليشيات المتطرفين، قبيل انطلاقها لاحتلال منطقة الموانئ النفطية الأسبوع الماضي. ويضيف، أن كل طرف من هذه الأطراف أسهم في جلب مئات عدة من المقاتلين من دول أفريقية مختلفة، بفضل عملية التنسيق التي قام بها بلمختار مع قادة من «القاعدة» و«داعش» و«الإخوان».
وتابع موضحا، أن مئات عدة من المقاتلين السودانيين دخلوا بسيارات الدفع الرباعي إلى ليبيا عبر ممرات معروفة بأسماء «الربدة» و«بو دحيوة» و«جبل عبد المالك»، وكلها قريبة من الحدود الشرقية الجنوبية لليبيا. ومن هناك اتجهوا من ممر «طريق الميتين» الذي كان يخص شركات النفط، وصولا إلى الجفرة. ووصل الجفرة أيضا، من ممرات أخرى في الجنوب، أكثر من 150 من المقاتلين التشاديين في يوم واحد.
ومنذ بداية الأسبوع الماضي رصدت الأجهزة الأمنية في طرابلس تعاونا غير مسبوق بين مجاميع تابعة لقيادي في «داعش» من الجنوب الليبي، ومجاميع تابعة لبلمختار من تنظيم «المرابطون»، من بينهم شخصيات معروفة في أوساط المتشددين، منذ أيام «الجهاد في أفغانستان».
وفي يوم الثالث من الشهر الحالي بدأت تظهر نتائج الحرب الميليشياوية في الموانئ النفطية. لقد فاجأت القوات التي انطلقت من الجفرة الجيش، واجتاحت المنطقة التي تحوي نحو 60 في المائة من مخزون ليبيا من النفط. وارتفعت صيحات التكبير في مكاتب تقع في طرابلس ومصراتة تابعة لكل من «القاعدة» و«الإخوان» و«داعش»، احتفالا بالنصر، بينما كان بلمختار يحاول تجنب أي صدام بين هذا الخليط على الجبهة، وهو يعد بمزيد من التقدم ليس للوصول إلى بنغازي فقط، ولكن لمحاصرة ما يسميه «أنظمة تحارب الإسلام» مجاورة لليبيا.
من بين الشخصيات الميدانية التي قادت الهجوم على حفتر، زعيم لـ«داعش»، وآخر لـ«القاعدة»، وثالث موالٍ لـ«الإخوان». وبعد طرد قوات الجيش الليبي من منطقة رأس لانوف النفطية، بدأت تجري أحداث من تلك التي كان يخشاها بلمختار؛ نزاع مبكر على من يتولى قيادة القوات. وتعجل الدواعش في رفع الرايات السوداء في ميادين بلدة «رأس لانوف» وشوارعها، ووزعوا في البلدة منشورات تزعم أن المنطقة «إمارة تتبع الدولة الإسلامية». وبدأوا ينازعون على الحق في تولي قيادة العمليات.
ورد أنصار «القاعدة» في الموانئ النفطية على محاولة استحواذ «داعش» على «رأس لانوف»، بتوجيه اتهامات للتنظيم بأنه استعان بمقاتلين غير مسلمين، من نيجيريا، للمشاركة في «غزوة الموانئ النفطية»، وأن هذا يعد خطرا على الجميع فيما بعد. ويقول المصدر: بدأ بلمختار اتصالات لمعالجة الموقف، لكن الخلافات ما زالت مستمرة، حيث أبلغه الدواعش أنهم لن يستطيعوا الاستمرار في قتال الجيش الليبي إلا تحت رايتهم الخاصة.
وتجدر الإشارة إلى أن قصة الاستعانة بالمقاتلين غير المسلمين في صفوف التنظيمات المتطرفة، في ليبيا، تعود إلى عصابة تتبع رجلا نيجيريا ضبطت وهي تقوم بسرقة مولدات كهرباء في مدينة سبها العام الماضي. واضطر الرجل النيجيري إلى القدوم بنفسه لتخليص جماعته. ويقول المصدر: تظاهر بأنه اعتنق الإسلام، وأنه يريد أن يقنع أتباعه بالدين الإسلامي. وترتب عليه إطلاق سراحهم. ومنذ ذلك الوقت أصبح يتعامل مع التنظيمات داخل ليبيا باعتباره من «الإخوة الذين دخلوا الإسلام»، إلا أن مجموعته ما زالت تعرف باسم «جماعة المسيحيين».
وعلى كل حال، تأزم الموقف بين «داعش» و«القاعدة» في «رأس لانوف» في اليوم التالي، وجرى اقتراح بأن يترك قادة «القاعدة» «رأس لانوف» لـ«داعش»، مقابل تحكمهم في باقي البلدات الموجودة في منطقة الموانئ النفطية. وشعر أنصار «داعش» بالقوة في محيط «رأس لانوف» أيضا، بعد أن انضمت إليهم عناصر من جماعة «المسحيين النيجريين»، و«أنصار بيت المقدس» المصرية. وبدأ بلمختار التواصل لحل الأزمة.
وحاول إقناع زعيم في جماعة الإخوان بالعمل على سحب مقاتلي «بيت المقدس» من «رأس لانوف»، باعتباره هو الذي جلبهم وأشركهم في الحرب ضد الجيش الليبي في منطقة الموانئ. لكنه رد قائلا، وفقا لمصدر على صلة بالمتشددين في منطقة المعارك: «اتفاقنا مع هؤلاء المقاتلين أن مهمتهم تنتهي بعد التخلص من حفتر. لن يبقوا في ليبيا... أما الرايات التي رفعوها في رأس لانوف فهي نفسها التي يرفعونها في كل مكان يحاربون فيه؛ لأنهم يعدونها مصدرا للثبات والإقدام في المعارك، وبالنسبة للمنشورات التي طبعوها فهي مجرد تشجيع لهم، بعد أن خسروا الكثير من إخوانهم في هذه المعركة».
ويضيف المصدر، أن موقف «داعش» لم يعجب بلمختار، ورأى فيه استغلالا للإمكانات التي شارك تنظيم القاعدة وجماعة الإخوان بقوة في توفيرها لشن الحرب في الموانئ النفطية، ومن بين هذه الإمكانات توفير شحنات كبيرة من الأسلحة الحديثة، وتركيب منصات صواريخ مضادة للطائرات، وجلب أكثر من 300 شاحنة عسكرية مصفحة لاستخدامها في الهجوم.
وأمام غضب قيادات «القاعدة» في شمال أفريقيا مما قامت به «داعش» في «رأس لانوف»، جرى فتح الموضوع على مستوى أعلى، مع شخصية في التنظيم الدولي لـ«الإخوان». وأجرت هذه الشخصية التي تقيم في الخارج، اتصالا بقادتها الميدانيين الذين يتعاونون مع «داعش» و«القاعدة» في منطقة الموانئ النفطية.
ويضيف المصدر، أن الشخصية الإخوانية أقرت بأن رفع رايات «داعش» السوداء على مباني البلدة، كان خطأ، وقال إن هذا يخدم حفتر، وأمر بسحب عناصر بيت المقدس من «رأس لانوف». بيد أن هذا يبدو أنه جاء بعد فوات الأوان. فحتى إعداد هذا التقرير، لم تتمكن محاولات بلمختار ومن يتعامل معهم في إقناع دواعش «رأس لانوف» بالانسحاب، ما يلقي بظلال جديدة على مستقبل التعاون بين مثل هذه التنظيمات مستقبلا، ليس في ليبيا فقط، ولكن في عموم المنطقة.



«حزب الله» العراق... صورة حول الفرات بأهداف تتجاوز الأصل اللبناني

أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)
أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)
TT

«حزب الله» العراق... صورة حول الفرات بأهداف تتجاوز الأصل اللبناني

أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)
أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)

ارتبط مسمى «حزب الله» بنوعين؛ أعلام صفراء في لبنان، وحسن نصر الله أمين عام حزب الله، لبنان، لكن النوع العقائدي الأكبر خطورة يسير في دماء العراق، حزب هو بذات الاسم، عقائديون أكبر أثراً في سفك الدماء، حيث يرعون الأمر أكبر من مجرد حزب أصفر له الضاحية الجنوبية في لبنان؛ مسكن ومقر ومشيعون.
بين دجلة والفرات، حزب يسمى كتائب «حزب الله العراق»، له أكثر من 13 عاماً وهو في تشكيله الحالي، ليس بالهين عوضاً عن ميليشيات «الحشد الشعبي» التي أخذت كل الوهج الإعلامي كونها مرتبطة بنظام إيران، لكن «حزب الله العراق» وكتائبه تمر في أزقة السواد وبأخطر من دور ميداني تمارسه «الحشد الشعبي»، لأن العقائدية ونشرها أشد خطورة من ميدان يتقهقر فيه الأضعف، نظراً للضربات الآمنة التي يقودها الحلفاء أولو القوة من غرب الأرض لوقف تمدد النزيف، دائماً ما يكون مصنع الوباء يمر بحزب الله العراق.

قبل أشهر، كان الحزب تعرض لواحدة من أعنف الغارات على مواقعه، بعد هجوم صاروخي استهدف قاعدة التاجي في العراق، وقتل فيها جنديين أميركيين وبريطانياً، وجاء الرد خلال ساعات قليلة بفعل غارات أميركية - بريطانية مشتركة، ضد منشآت لميليشيات حزب الله العراقي في محافظتي بابل وواسط ومنطقة سورية محاذية للحدود العراقية.
نظرة سريعة على حزب الله العراق، من التاريخ، كان عماد مغنية (قتل في 2008 بغارة إسرائيلية في دمشق) الإرهابي اللبناني التابع لإيران، وحزب الله لبنان، كان أحد صنّاع هيكل هذا الحزب في العراق، حيث بدأ في العمل وفقاً لتوجيهات وأوامر نظام الملالي في تكوين حزب يشبه حزب الله اللبناني، وهو ما يبدو أن الأوامر جاءته في تجويد هذا الحزب ليكون بذراعين: عسكرية وعقائدية، ويبدو أن مغنية تجاوز أخطاء عديدة في تشكيل ووهج حزبه اللبناني، فصنع بهدوء هيكلة مختلفة للحزب، جعلت كل المساجد والحسينيات وقوداً يضخ فيها البذور التي يرغبها أولو العمائم.
ظهر الحزب بحضوره الأول بقوام تجاوز 4 آلاف شخص، منتمين بعضويات عدة داخله، وتنامى العدد حتى قبل تصنيف الولايات المتحدة له كـ«تنظيم إرهابي»، لكنه جعل دوره التسويقي للحشد والتنظيم أكبر من مجرد عسكرة، بل فكرة أكثر ارتباطاً في نشر آيديولوجيا عبر مواقع عدة، ومنها تفريخ عناصر في قطاعات مهمة داخل العراق؛ منها وزارة التعليم ووضع لبنات التعاون مع أحزاب دينية؛ منها «الحزب الإسلامي» الذي يتغذى بمنهج الإخوان المسلمين.
ربما ما يدور أن الحزب هو جزء في تكوين «الحشد الشعبي» لكن ذلك يمر بتقاطعات، حيث يشير عبد القادر ماهين، المتخصص في شؤون التنظيمات الإرهابية، إلى أن الحزب يظهر كونها جزءاً من تكوين الحشد، لكنه جزء يصنع الكعكة الميليشياوية ويشارك في تسميمها ويعمل على توزيعها في المناطق المجاورة.
يشير ماهين في اتصال هاتفي مع «الشرق الأوسط» إلى أنه لا أمين عاماً للحزب أسوة بحزب الله اللبناني، حيث يظهر فيه حسن نصر الله، مبرراً ذلك أن الفرق بين تكوين الحزبين هو الحاجة والدور، حيث يتمركز في جنوب العراق بعتاد عسكري، له هدف في وضع حضور طاغٍ يحاول تفخيخ الحدود، لأن الهدف يرتبط مع إمبراطورية إيران الكبرى الممتدة، ولا يظهر له الأثر السياسي كممثلين له كما هو الحزب اللبناني ليكون أثره في تشكيل الحكومات والبرلمانات.

إذن ما الدور الذي يلعبه الحزب؟

الحزب كما يرى ماهين، أنه ذو دور عسكري في الأصل، لكن الترتيبات ما بعد 2009 جعلته أكثر قدرة في تكوين فريق احتياط عسكري ليس أكثر وفق الحاجة، يدعم التوجهات والسياسات الإيرانية، لكن ما أخل بتلك القاعدة مشاركته المباشرة في دعم نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وأصبح أكثر من 4 أو 5 آلاف جندي مشاركين في السيطرة على مدن سورية تحت إمرة إيران في سوريا التي تتشكل من 4 فصائل مسلحة.
الحزب ليس عسكرياً فقط؛ كان ولا يزال صاحب دور في الترويج العقائدي، وتصوير الحضور الإيراني بشكل إيجابي مزعوم، إضافة إلى عمله الاقتصادي، حيث يدخل عناصره الكبرى في مفاصل مهمة في الاقتصاد العراقي، من شركات اتصالات وشركات نفطية، وأخرى ذات علاقة بقطاع الطيران، وإدارة المطارات والمنافذ، وبعض الأشخاص أبرزهم هادي العامري الذي كان صاحب صولات وجولات حين حمل حقيبة وزارة النقل العراقية في وقت سابق، وكان أبرز مهددي الاستمرار الكويتي في بناء ميناء مبارك الكبير، حيث هددت كتائب الحزب الشركات من الاستمرار بالعمل، وحينها ظهر العامري بأن ذلك المشروع «يغلق القناة الملاحية لموانئ العراق».
مرحلة مختلفة ظهرت، حين عاودت الآلة العسكرية الحزبية لكتائب حزب الله العراق، بالعمل من خلف الصفوف، حيث كانت أبرز مهددي السفارات وأكثر ملغمي مسارات الحلول السياسية، بل ومن رمى بقادة العراق اليوم في تحدي أن يرضخوا أمام شعب بدأ في كراهية الحضور الإيراني، وكان الحزب أبرز علامات استهداف المتظاهرين في العراق في كل البلاد، بغية كسر حدة السيوف الشعبية لتصبح مجرد مقبض دون رأس حربة كي يحافظ الحزب على الوجود الإيراني، خصوصاً أنه أبرز متلقٍ للأموال من نظام إيران وأكثرها غناءً.
الدور الاقتصادي لكتائب حزب الله العراق أصبح أكثر وضوحاً، حيث كان أكبر المنتفعين في عام 2015، من «الفدية القطرية» التي وصلت إلى أكثر من مليار دولار، مقابل إطلاق سراح قطريين كانوا يقضون وقتهم في الصيد جنوب العراق، ورغم أن الأنباء قالت إن الخاطفين لعدد من أبناء الأسرة الحاكمة القطرية ومعاونيهم الذي بلغ 28 شخصاً، كانوا من تنظيم «داعش»، لكن التقارير المسربة لاحقاً في بدايات 2016 حيث جرى تخليصهم وعودتهم إلى قطر، كانوا يتبعون لكتائب حزب الله العراق، وهو ما ينافي الرواية الرسمية القطرية التي تقول إنها دفعت المبلغ للحكومة العراقية.
الدور المستقبلي لن ينفك عن منهجية تتقاطع مع حزب الله اللبناني، حيث لدى الحزب اليوم الرؤى ذاتها، خصوصاً في اعتماد سياسة «افتعال الأزمات»، كي لا ينكسر الحضور الإيراني ونفوذه في المؤسسات الدينية وبعض السياسية، التي يجد فيها بعضاً من رجاله الذين يقبعون في سياسة تخفيف الضغط على النظام السياسي ومحاصصته التي تستفيد منها ميليشيات إيران في العراق، وما بعد مقتل قاسم سليماني، غربلة يعيشها الحزب الذي يجرب يوماً بعد آخر أسلوب التقدم خطوة بخطوة، مستفيداً من تكتيك الفأر في نشر طاعون على أرض هي الأهم لإيران.


«داعش» يسعى بقوة إلى {إثبات وجوده} في 2020

تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)
تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)
TT

«داعش» يسعى بقوة إلى {إثبات وجوده} في 2020

تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)
تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)

ارت طموحات تنظيم «داعش» الإرهابي للتمدد مجدداً تساؤلات كثيرة تتعلق بطبيعة «مساعيه» في الدول خلال العام الجاري. واعتبر مراقبون أن «(أزمة كورونا) جددت طموحات التنظيم للقيام بعمليات إرهابية، واستقطاب (إرهابيين) عقب هزائم السنوات الماضية ومقتل زعيمه السابق أبو بكر البغدادي». ووفق خبراء ومتخصصين في الشأن الأصولي بمصر، فإن «التنظيم يبحث عن أي فرصة لإثبات الوجود»، مشيرين إلى «مساعي التنظيم في أفريقيا عبر (الذئاب المنفردة)، ومحاولاته لعودة نشاطه السابق في العراق وسوريا عبر تبني عمليات القتل»، موضحين أن «المخاوف من العناصر (الانفرادية) التي تنتشر في أوروبا وأميركا تتزايد، خاصة وأنها تتحرك بانسيابية شديدة داخل محيطهم الجغرافي».
وقال أحمد بان، الخبير في شؤون الحركات الأصولية، إن «(داعش) مثل تنظيمات الإرهاب تبحث عن فرصة مُناسبة للوجود، ومن الفُرص المُناسبة، وجود أي شكل من أشكال الفوضى أو الارتباك، وعندما تكون جهود الدول موجهة لمحاربة (كورونا المستجد)، فيبقى من الطبيعي أن يسعى التنظيم للحركة من جديد، وانتظار فرصة مناسبة لتنفيذ أهدافه، خاصة أن (داعش) في تعامله مع الفيروس روج لفكرة (أن كورونا عقاب إلهي لأعدائه، على حد زعم التنظيم)، خصوصاً أن (كورونا) كبد أوروبا خسائر كبيرة، وأوروبا في الدعايا الداعشية (هذا الغرب الذي يحارب الإسلام، على حد تصور الداعشيين)، لذا فـ(داعش) يستغل هذا، في مواجهة بعض الارتكازات الأمنية، أو الأكمنة، أو الاستهدافات بالشوارع، لإثارة فازعات، ومن الوارد تنفيذ بعض العمليات الإرهابية».
وأكد عمرو عبد المنعم، الباحث في شؤون الحركات الأصولية، أن «(داعش) استغل (أزمة الفيروس) بالادعاء في بيان له مارس (آذار) الماضي، بأن الفيروس (عذاب مؤلم من الله للغرب، خاصة للدول المشاركة في العمليات العسكرية ضده، على حد زعمه)، ويحاول التنظيم نشر الخوف من الوباء، والبحث عن إيجاد مصارف لتمويل العمليات الإرهابية».
ووفق تقرير سابق لمجموعة «الأزمات الدولية» في نهاية مارس الماضي، أشار إلى أن «التنظيم أبدى مع ظهور الفيروس (نبرة شماتة)، وأخبر عناصره عبر افتتاحية جريدة (النبأ) التابعة له في نهاية مارس الماضي، بضرورة استمرار حربهم عبر أرجاء العالم حتى مع تفشي الوباء... وادعى أن الأنظمة الأمنية والدولية التي تسهم في كبح جماح التنظيم على وشك الغرق، على حد قول التنظيم».
ويشير عبد المنعم في هذا الصدد، إلى أنه «بالعودة لزاوية (حصاد الأجناد) في عدد (النبأ) الأخير، زعم التنظيم أنه شن 86 هجمة إرهابية في شهر واحد، هو مارس الماضي، وهو أعلى رقم منذ نهاية نوفمبر (تشرين ثاني) الماضي، الذي سجل 109 هجمات، فيما عُرف بـ(غزوة الثأر) للبغدادي وأبو الحسن المهاجر اللذين قُتلا في أكتوبر (تشرين أول) الماضي في غارة جوية».
ووفق تقارير إخبارية محلية ودولية فإن «(داعش) يسعى لاستعادة سيطرته على عدد من المناطق في سوريا والعراق من جديد، وأنه يحتفظ بنحو من 20 إلى 30 ألف عضو نشط، ولا ينقصه سوى توفر المال والسلاح». وأشارت التقارير ذاتها إلى أن «التنظيم يحاول استغلال انشغال سوريا والعراق بمكافحة الفيروس، لاستعادة سيطرته على مناطق من الصحراء السورية في الغرب، إلى وادي نهر الفرات شرقاً، مروراً بمحافظة دير الزور والمناطق ذات الأغلبية السنية في العراق، والتي لا يزال يوجد فيها بعض عناصره».
ويشار أنه في أبريل (نيسان) الماضي، هاجم التنظيم بلدة السخنة في صحراء حمص، وأسفر عن مقتل 18. وفي دير الزور أعلن التنظيم مقتل اثنين... وفي العراق، قتل ضابط شرطة عند نقطة تفتيش في الحويجة غرب كركوك على يد التنظيم، كما قتل اثنان من مقاتلي البيشمركة الكردية في هجوم للتنظيم أبريل الماضي، كما أسفر هجوم للتنظيم على مطار الصادق العسكري عن مقتل اثنين.
وفي هذا الصدد، قال عمرو عبد المنعم، إن «أكثر هجمات (داعش) كانت في العراق أخيراً، وشهد التنظيم نشاطاً مكثفاً هناك»، مضيفاً: «في نفس السياق دعت فتوى نشرها التنظيم على (تلغرام) للهروب من السجون السورية، وهذا ما حدث، فقد هرب 4 نهاية مارس الماضي، من سجن تديره قوات سوريا الديمقراطية، وفقاً لتقارير إخبارية».
وسبق أن طالب أبو حمزة القرشي، متحدث «داعش» في سبتمبر (أيلول) الماضي، «بتحرير أنصار التنظيم من السجون ...»، وسبقه البغدادي «وقد حرض بشكل مُباشر على مهاجمة السجون في سوريا والعراق».
وبحسب المراقبين «حاول (داعش) أخيراً زيادة حضوره الإعلامي على منصات التواصل الاجتماعي مجدداً، بعد انهيار إعلامه العام الماضي». ورصدت دراسة أخيرة لمرصد الأزهر لمكافحة التطرف في القاهرة «تداول التنظيم تعليمات لعناصره عبر شبكات التواصل الاجتماعي، بالادعاء بأن الفيروس يمثل (عقاباً من الله، ويحتم اتخاذ خطوات لتكفير الذنوب)، وجعل التنظيم الإرهابي - على حد زعمه - السبيل الوحيد للخلاص من الفيروس، والقضاء عليه، هو (تنفيذ العمليات الإرهابية)، ولو بأبسط الوسائل المتاحة». اتسق الكلام السابق مع تقارير محلية ودولية أكدت «تنامي أعداد حسابات أعضاء التنظيم وأنصاره على مواقع التواصل خصوصاً (فيسبوك)، حيث تمكن التنظيم مجدداً من تصوير وإخراج مقاطع فيديو صغيرة الحجم حتى يسهل تحميلها، كما كثف من نشر أخباره الخاصة باستهداف المناطق التي طرد منها في العراق وسوريا، وتضمين رسائل بأبعاد عالمية، بما يتوافق مع أهداف وأفكار التنظيم».
ووفق عبد المنعم فإن «(داعش) يستغل التطبيقات الإلكترونية التي تم تطويرها في الفترة الأخيرة في المجتمع الأوروبي، والتي قدمتها شركات التكنولوجيا والذكاء الصناعي في أوروبا مثل تطبيق Corona-tracker لجمع البيانات عن المصابين، وتوجيه بعض الأسئلة لتحديد نسبة الخطورة، وفرض التنظيم على الأطباء والممرضين في الرقة الحضور اليومي الإجباري، ومن خالف تعرض لعقوبات شديدة».
وعن الواجهة التي يسعى «داعش» التمدد فيها خلال الفترة المقبلة. أكد الخبير أحمد بان، أن «أفريقيا هي الواجهة المفضلة لتنظيمي (داعش) و(القاعدة)، والفترة الأخيرة شهدت تصاعدا لعمليات في الغرب الأفريقي وداخل الساحل، وعمليات داخل موزمبيق، فـ(داعش) في حالة سباق لتصدر المشهد هناك، مع توفر آليات تساعده على ذلك من بينها، تهريب السلاح، وحركة العصابات». فيما أبدى عمرو عبد المنعم، تصوراً يتعلق بـ«زيادة العمليات الإرهابية في نيجيريا، وأنه طبقاً لبيانات صدرت أخيراً عما يُعرف باسم (ولاية غرب أفريقيا) أفادت بوجود أكثر من مائة مقاتل هاجروا لنيجيريا من سوريا والعراق».
وتجدد الحديث في فبراير (شباط) الماضي، عن مساعي «داعش» للوجود في شرق أفريقيا أيضاً، بعدما أظهرت صوراً نشرها التنظيم عبر إحدى منصاته تتعلق بتدريبات على أسلحة تلقاها عناصره في مرتفعات «غل غلا» الوعرة بولاية بونتلاند الواقعة شمال شرقي الصومال.
تعليقاً، على ذلك أكد أحمد زغلول، الباحث في شؤون الحركات الأصولية، أن «(داعش) يهدف إلى السعي لمناطق بالقارة السمراء، بعيداً عن سوريا والعراق، لـ(تفريغ قدرات عناصره القتالية)، فضلاً عن تأكيد عبارة (أنه ما زال باقياً)».
تقديرات سابقة لمراكز بحثية غربية أشارت أيضاً إلى أن «عدد الذين انضموا لـ(داعش) من أفريقيا منذ عام 2014 في سوريا والعراق يزيد على 6 آلاف مقاتل». وقال المراقبون إن «عودة هؤلاء أو ما تبقى منهم إلى أفريقيا، ما زالت إشكالية كبيرة على أمن القارة، خصوصاً أن كثيراً منهم شباب صغير السن، وأغلبهم تم استقطابه عبر مواقع التواصل الاجتماعي».
فيما قال خالد الزعفراني، الباحث في شؤون الحركات الأصولية، إن «مساعي التنظيم للتمدد داخل أفريقيا سوف تتواصل عبر (الذئاب المنفردة)»، مضيفاً أن «ما يقوم به التنظيم في أفريقيا، والعراق وسوريا أخيراً، لإثبات أن لديه قدرة على تحقيق إنجازات، وأنه (عابر للحدود)، وأنه غير مُتأثر بهزائم سوريا والعراق».
وكان أبو محمد العدناني، الناطق الأسبق باسم «داعش» قد دعا في تسجيل صوتي عام 2014 المتعاطفين مع التنظيم، إلى القتل باستخدام أي سلاح متاح، حتى سكين المطبخ من دون العودة إلى قيادة «داعش»... ومن بعده دعا البغدادي إلى «استهداف المواطنين». وتوعد التنظيم عبر مؤسسة الإعلامية «دابق» بحرب تحت عنوان «الذئاب المنفردة».
في ذات السياق، لفت أحمد بان، إلى أن «التنظيم يسعى لاكتشاف أي ثغرة لإثبات الوجود أو تجنيد عناصر جُدد، خاصة وأن هناك عناصر (متشوقة للإرهاب)، وعندما يُنفذ (داعش) أي عمليات إرهابية، تبحث هذه العناصر عن التنظيم، نتيجة الانبهار».
من جانبه، قال الخبير الأمني اللواء فاروق المقرحي، مساعد وزير الداخلية المصري الأسبق، إن «تنظيمات الإرهاب خاصة (داعش) و(القاعدة) لن تتوانى عن سياسة التجنيد، ومن هنا تنبع فكرة الاعتماد على (الذئاب المنفردة) أو (العائدين) بشكل كبير».
وبينما رجح زغلول «حدوث بعض التغيرات داخل (داعش) عام 2020». قال اللواء المقرحي: «لا أظن عودة (داعش) بفائق قوته في 2020 والتي كان عليها خلال عامي 2014 و2015 نتيجة للحصار المتناهي؛ لكن الخوف من (حرب العصابات) التي قد يشنها التنظيم، لاستنزاف القوى الكبرى»، لافتاً إلى أن «كثيرا من العناصر (الانفرادية) تتحرك في أوروبا وأميركا بانسيابية داخل الدول، وهذا هو الخطر».


ألمانيا... صعود {اليمين المتطرف}

انتشار أمني عقب وقوع مجزرة في مقهيين لتدخين النارجيلة وسقوط 9 قتلى في مدينة هاناو الألمانية قبل بضعة أيام (إ.ب.أ)
انتشار أمني عقب وقوع مجزرة في مقهيين لتدخين النارجيلة وسقوط 9 قتلى في مدينة هاناو الألمانية قبل بضعة أيام (إ.ب.أ)
TT

ألمانيا... صعود {اليمين المتطرف}

انتشار أمني عقب وقوع مجزرة في مقهيين لتدخين النارجيلة وسقوط 9 قتلى في مدينة هاناو الألمانية قبل بضعة أيام (إ.ب.أ)
انتشار أمني عقب وقوع مجزرة في مقهيين لتدخين النارجيلة وسقوط 9 قتلى في مدينة هاناو الألمانية قبل بضعة أيام (إ.ب.أ)

عندما وصف رجل ألماني في شريط على «يوتيوب» سوسن شبلي، السياسية الألمانية الشابة من أصل فلسطيني، والتي تنتمي للحزب الاشتراكي الديمقراطي، بأنها: «دمية متحدثة باسم الإسلاميين»، ظنت أن محكمة ألمانية سترد لها حقها بعد «الإهانة» التي تعرضت لها، ولكنها فوجئت عندما حكمت المحكمة بأن هذه الصفة وغيرها من التي ألصقها بها الرجل، هي «ضمن حرية التعبير التي يصونها القانون الألماني»، وليست إهانة ولا تحريضاً على الكراهية.

في الواقع، لم تكن تلك المرة الأولى التي تتعرض لها شبلي لتوصيفات عنصرية كهذه. فهي وغيرها من السياسيين المسلمين القلائل في ألمانيا، والسياسي الأسود الوحيد كرامبا ديابي، معتادون على سماع كثير من الإهانات، بسبب ديانتهم ولونهم فقط؛ حتى أنهم يتلقون تهديدات عبر البريد الإلكتروني والاتصالات، تصل أحياناً لحد التهديد بالقتل.
ورغم أن هذه التهديدات التي يتعرض لها السياسيون المسلمون في ألمانيا تجلب لهم التضامن من بقية السياسيين الألمان، فإن أكثر من ذلك لا يُحدث الكثير.
في ألمانيا، تصنف السلطات ما يزيد على 12 ألف شخص على أنهم من اليمين المتطرف، ألف منهم عنيفون، وهناك خطر من أن ينفذوا اعتداءات داخل البلاد.
يشكل اليمينيون المتطرفون شبكات سرية، ويتواصلون عادة عبر الإنترنت، ويتبادلون الأحاديث داخل غرف الـ«تشات» الموجودة داخل الألعاب الإلكترونية، تفادياً للمراقبة.
وفي السنوات الماضية، ازداد عنف اليمين المتطرف في ألمانيا، وازداد معه عدد الجرائم التي يتهم أفراد متطرفون بارتكابها. وبحسب الاستخبارات الألمانية الداخلية، فإن اعتداءات اليمين المتطرف زادت خمسة أضعاف منذ عام 2012.
وفي دراسة لمعهد «البحث حول التطرف» في جامعة أوسلو، فإن ألمانيا على رأس لائحة الدول الأوروبية التي تشهد جرائم من اليمين المتطرف، وتتقدم على الدول الأخرى بفارق كبير جداً. فقد سجل المعهد حوالي 70 جريمة في هذا الإطار بين عامي 2016 و2018، بينما كانت اليونان الدولة الثانية بعدد جرائم يزيد بقليل عن العشرين في الفترة نفسها.
في الصيف الماضي، شكل اغتيال سياسي ألماني يدعى فالتر لوبكه، في حديقة منزله برصاصة أطلقت على رأسه من الخلف، صدمة في ألمانيا. كانت الصدمة مضاعفة عندما تبين أن القاتل هو يميني متطرف استهدف لوبكه بسبب سياسته المؤيدة للاجئين. وتحدث كثيرون حينها عن «صرخة يقظة» لأخذ خطر اليمين المتطرف بجدية. ودفن لوبكه ولم يحدث الكثير بعد ذلك.
فيما بعد اغتياله بأشهر، اعتقل رجل يميني متطرف في ولاية هسن، الولاية نفسها التي اغتيل فيها السياسي، بعد أن قتل شخصين وهو يحاول الدخول إلى معبد لليهود، أثناء وجود المصلين في الداخل بهدف ارتكاب مجزرة. أحدثت تلك المحاولة صرخة كبيرة من الجالية اليهودية، وعادت أصوات السياسيين لتعلو: «لن نسمح بحدوثها مطلقاً مرة أخرى»، في إشارة إلى ما تعرض له اليهود في ألمانيا أيام النازية. ولكن لم يحدث الكثير بعد ذلك.
وقبل بضعة أيام، وقعت مجزرة في مقهيين لتدخين النارجيلة في مدينة هاناو في الولاية نفسها، استهدفا من قبل يميني متطرف لأن من يرتادهما من المسلمين. أراد الرجل أن يقتل مسلمين بحسب رسالة وشريط فيديو خلَّفه وراءه بعد أن قتل 9 أشخاص، ثم توجه إلى منزله ليقتل والدته، ثم نفسه. أسوأ من ذلك، تبين أن الرجل كان يحمل سلاحاً مرخصاً، وينتمي لنادي الرماية المحلي.
بات واضحاً بعد استهداف هاناو، أن السلطات الألمانية لم تولِ اليمين المتطرف اهتماماً كافياً، وأنها لا تقدر حقيقة خطره على المجتمع، رغم أنها كشفت قبل أيام من جريمة هاناو عن شبكة يمينية متطرفة، كانت تعد لاعتداءات على مساجد في أنحاء البلاد، أسوة بما حصل في كرايستشيرش في نيوزيلندا.
وجاء الرد على اعتداء هاناو بتشديد منح رخص السلاح، وبات ضرورياً البحث في خلفية من يطلب ترخيصاً، على أن يرفض طلبه في حال ثبت أنه ينتمي لأي مجموعة متطرفة، ويمكن سحب الترخيص لاحقاً في حال ظهرت معلومات جديدة لم تكن متوفرة عند منحه. كما يبحث وزراء داخلية الولايات الألمانية تأمين حماية للمساجد وللتجمعات الدينية للمسلمين واليهود.
ولكن كل هذه الإجراءات يعتقد البعض أنها لا تعالج المشكلة الأساسية التي تدفع باليمين المتطرف لارتكاب أعمال عنف. وفي كل مرة تشهد ألمانيا اعتداءات، يوجه سياسيون من اليسار الاتهامات لحزب «البديل لألمانيا» اليميني المتطرف، بالمسؤولية عنها بشكل غير مباشر. ويواجه الحزب الذي دخل البرلمان الفيدرالي (البوندستاغ) للمرة الأولى عام 2018، وبات أكبر كتلة معارضة، اتهامات بأنه «يطبِّع سياسة الكراهية»، وبأنه يحرض على العنف ضد اللاجئين والمهاجرين، من خلال ترويجه لخطاب الكراهية. وحتى أن البعض ذهب أبعد من ذلك بالدعوة إلى حظر الحزب للتصدي للعنف المتزايد لليمين المتطرف.
والواقع أن مشكلة اليمين المتطرف تزداد منذ أن دخل «البديل لألمانيا» إلى «البوندستاغ». فهو - كما حملته الانتخابية - يركز خطابه على مواجهة سياسة اللاجئين التي اعتمدتها حكومة المستشارة أنجيلا ميركل. وكثير من الأسئلة التي يتقدم بها نوابه في البرلمان تهدف لإثبات خطأ هذه السياسة، وعدم قدرة اللاجئين على الاندماج. ورغم أن نوابه في البرلمان يحرصون على عدم تخطي القانون في خطاباتهم، فإن كثيراً من السياسيين المنتمين لهذا الحزب؛ خصوصاً في الولايات الشرقية، لا يترددون في الحديث بلغة لا يمكن تمييزها عن لغة النازيين. أبرز هؤلاء السياسيين بيورغ هوكيه الذي لم يستطع أعضاء في حزبه تمييز ما إذا كانت جمل قرأها صحافي لهم، هي مقتطفات من كتاب «كفاحي» لهتلر، أم أنها أقوال لهوكيه.
كل هذا خلق أجواء سلبية ضد المسلمين في ألمانيا، وحوَّل كثيرين من الذين ولدوا لأبوين مهاجرين إلى غرباء في بلدهم. في هاناو، يقول كثيرون من الذين فقدوا أصدقاءهم في المجزرة، بأنهم لم يعودوا يشعرون بالأمان، ولا بأنهم جزء مقبول من المجتمع. وبعضهم يرى أنه ما دام حزب «البديل لألمانيا» مقبولاً بين الأحزاب الأخرى، فإن خطاب الكراهية سيستمر، والجرائم كالتي حصلت في هاناو ستتكرر.
ما يزيد من هذه المخاوف ومن الشبهات، أن السلطات الألمانية لم تأخذ خطر اليمين المتطرف على محمل الجد طوال السنوات الماضية. وهناك فضائح متتالية داخل المؤسسات الأمنية تظهر أنها مليئة بمؤيدين أو متعاطفين مع اليمين المتطرف؛ خصوصاً داخل الشرطة والجيش. ويواجه رئيس المخابرات الداخلية السابق هانس يورغ ماسن اتهامات بأنه متعاطف مع اليمين المتطرف، وهو ما دفع جهازه لغض النظر عن تحركاتهم طوال السنوات الماضية، والتركيز عوضاً عن ذلك على خطر الإسلام المتطرف. ومنذ مغادرته المنصب، أصدرت المخابرات الداخلية تقييماً تقول فيه بأن خطر اليمين المتطرف بات أكبر من خطر الإسلام المتطرف في ألمانيا.
وطُرد ماسن الذي ينتمي للجناح المتطرف في حزب ميركل (الاتحاد المسيحي الديمقراطي) من منصبه، بعد اعتداءات كيمنتس في صيف عام 2018، بسبب رد فعله على التطورات هناك. وعارض ماسن ميركل في قولها بأن شريط فيديو من هناك أظهر ملاحقة نازيين جدد للاجئين، شتماً وضرباً. وخرج ماسن ليقول بأنه لم يتم التثبت من الشريط بعد، ويشكك في وجود نازيين جدد هناك. وكانت تظاهرات كبيرة قد خرجت ضد لاجئين في كيمنتس، بعد جريمة قتل ارتكبها لاجئان (عراقي وسوري) بحق أحد سكان البلدة.
وتعرض كذلك لانتقادات بعد جريمة هاناو لقوله بأن الرجل يعاني من اضطرابات عقلية، وهو الخط نفسه الذي اتخذه حزب «البديل لألمانيا» عندما رفض طبع المجرم بأنه يميني متطرف؛ خصوصاً أن الأخير تحدث في شريط الفيديو عن «التخلص» من جنسيات معينة من دول عربية ومسلمة.
ويعيد ماسن صعود عنف اليمين المتطرف لموجة اللجوء منذ عام 2015، إلا أن ألمانيا شهدت عمليات قتل وملاحقات عنصرية قبل موجة اللجوء تلك. ففي عام 2011 كشف عن شبكة من النازيين الجدد عملت بالسر طوال أكثر من 12 عاماً، من دون أن يكشف أمرها، ما سبب صدمة كبيرة في البلاد. ونجح أفراد هذه الشبكة في قتل تسعة مهاجرين لأسباب عنصرية بين عامي 2000 و2007، إضافة إلى تنفيذهم 43 محاولة قتل، و3 عمليات تفجير، و15 عملية سرقة.
وقبل اكتشاف الخلية، كانت الشرطة تستبعد أن تكون عمليات القتل ومحاولات القتل تلك تتم بدوافع عنصرية، رغم أن جميع المستهدفين هم من أصول مهاجرة. وعوضاً عن ذلك، كانت التخمينات بأن الاستهدافات تلك لها علاقة بالجريمة المنظمة والمافيات التركية.
ورغم أن الكشف عن ارتباط هذه الجرائم باليمين المتطرف زاد الوعي الألماني لخطر هذه الجماعات، وأطلق نقاشات في الصحافة والمجتمع والطبقة السياسية، فإن التعاطي مع الجرائم التي لحقت، والتي اشتبه بأن اليمين المتطرف وراءها، لم يكن تعاطياً يحمل كثيراً من الجدية.