بلمختار يحشد المتطرفين ضد حفتر... والأطماع تفرقهم

بلمختار يحشد المتطرفين ضد حفتر... والأطماع تفرقهم

خلافات بين «داعش» و«القاعدة» و«الإخوان» بعد «غزوة الموانئ النفطية»
الاثنين - 15 جمادى الآخرة 1438 هـ - 13 مارس 2017 مـ
مقاتلون موالون لتنظيم داعش من منطقة جنوب ليبيا - القيادي الجزائري في «القاعدة بشمال أفريقيا» مختار بلمختار («الشرق الأوسط»)
بنغازي: عبد الستار حتيتة
تمكن القيادي الجزائري في تنظيم القاعدة في شمال أفريقيا، مختار بلمختار، الملقب بـ«الأعور»، من المشاركة في حشد ميليشيات من المتطرفين ضد الجيش الوطني الليبي، الذي يقوده المشير خليفة حفتر، والهجوم عليه في منطقة الموانئ النفطية في الشمال الأوسط من البلاد، الأسبوع الماضي، لكن، وبحسب مصادر قريبة من التنظيمات المتشددة، تسببت الأطماع في تفريق قوات المتطرفين، عقب خلافات على الجبهة نشبت بين «داعش» و«القاعدة» و«الإخوان»، وذلك في غضون أيام مما يطلقون عليه «غزوة الموانئ النفطية». وعاد القيادي الجزائري النحيف مختار بلمختار، البالغ من العمر 45 عاما، في محاولة على ما يبدو للعب دور لتغيير اتجاهات الريح في بلدان شمال أفريقيا، مثلما فعل في أواخر تسعينات القرن الماضي. لكن يبدو أن المهمة ليست سهلة. فبعد يومين من طرد الجيش الليبي من الموانئ النفطية، رفع «داعش»، الذي كان متحالفا في «الغزوة»، لأول مرة، مع كل من «الإخوان» و«القاعدة»، راياته السوداء، واستحوذ على بلدة «رأس الأنوف» لنفسه. وهذا أغضب الباقين. ووفقا لمن التقوا بهذا الجزائري، الذي فقد إحدى عينيه أثناء مشاركته، قديما، في القتال في أفغانستان، فقد أصبح أكثر مرونة في تقبل «إخوة» الأمس الذين كانوا يحاربون معه في الجبال الآسيوية الباردة، البعيدة. كانوا في ذلك الوقت في منتصف العشرينات من العمر. أما هو، فكان آنذاك من أصغرهم سنا وأكثرهم صمتا.
حين بدأ يتوافد على ليبيا المقاتلون السابقون في أفغانستان، منذ مطلع هذا العام، كان من اللافت للنظر أن غالبيتهم مرهق لأسباب تتعلق بالكبر وكثرة المطاردات... معظمهم يتأثر سلبا بالأجواء المتقلبة للصحراء، ما بين حر النهار وزمهرير الليل. هناك من تجاوز الخمسين، وهناك من تجاوز الستين، وهناك من يعاني آثار إصابات قديمة من الحرب مع الروس. في هذه الأجواء بدأ بلمختار، أمام كثيرين من «إخوة الأمس»، بمثابة «الشاب الذي يمتلك خبرة وعزيمة».
ففي فترة من الفترات التي عصفت بالجماعات في شمال أفريقيا وغربها، وبخاصة في أواخر تسعينات القرن الماضي، لعب بلمختار، على صغر سنه، وقتها، دورا مهما في توحيد الجماعات المتطرفة بامتداد المنطقة. واليوم يبدو أنه يكرر التجربة نفسها انطلاقا من ليبيا التي تعاني الفوضى.
نجا بلمختار من كثير المحاولات الدولية لاصطياده أو اغتياله في شمال مالي وفي الصحراء الليبية، كان آخرها في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي. ويقول قيادي ميليشياوي ليبي، على صلة بالجماعات المتطرفة، إن بلمختار أصبح أكثر ميلا للتعاون مع «داعش»، واستغلال إمكانات جماعة الإخوان، بعد أن كان ولاؤه المطلق لزعيم تنظيم القاعدة، المصري، أيمن الظواهري... «نتيجة ذلك، كما أرى، ظهرت أخيرا في الحرب ضد حفتر».
ويضيف: «ربما هذا لم يأت من فراغ، فلا يمكن لبلمختار أن يبادر بنفسه ويفتح آفاقا للتعاون بين مقاتلي (داعش) و(القاعدة)، والاستفادة من نشاط (الإخوان) في أفريقيا. أعتقد أن هذا ربما جاء بسبب تقارب بين زعيم «داعش»، العراقي، أبو بكر البغدادي، والظواهري. المعلومات التي لدينا أن البغدادي نفسه يبحث عن حلفاء وعن أرض بديلة، وهو يتعرض لحرب ضروس ضد تنظيمه في العراق وسوريا».
زار بلمختار منطقة الجفرة التي انطلقت منها ميليشيات لاحتلال الموانئ النفطية في ليبيا الأسبوع الماضي. ووفقا لشهادة من قيادي على صلة بالجماعات المتشددة، بدا بلمختار أكثر نشاطا وطموحا في جمع شتات الجماعات التي تعرضت للتفتت وضربتها الانقسامات بسبب المنافسة على النفوذ والسلطة فيما بينها داخل ليبيا. ويحاول بلمختار أن يرسخ صورته باعتباره قائدا عابرا للحدود.
ويقول المصدر: محاولاته أصبحت عرضة للانتكاسة... فبعد دخول قوات من مختلف التوجهات المعادية لحفتر، بدأت الخلافات على الزعامة فيما بينها. أعتقد أن قلة تحركات بلمختار لأسباب أمنية، قد لا تسعفه لمعالجة الانشقاقات في جبهة الموانئ النفطية.
وبحسب تقارير أمنية، فقد حاول الرجل خلال السنتين الماضيتين النأي بنفسه عن تنظيم داعش، والبقاء داخل حدود تنظيم القاعدة، والابتعاد عن خطوط التماس الوعرة بينهما، إضافة إلى كراهيته القديمة لجماعة الإخوان؛ لأسباب تتعلق بمشاركة الجماعة في الانتخابات: «وهو أمر يمقته ويعده من علامات التشبه بالكفار»، وفقا لمقربين منه.
ودخل بلمختار في سبيل تمسكه بـ«القاعدة» في خلافات قبل عام، مع أصدقاء قدامى، من تونس والجزائر وليبيا ومالي... وهذه الأخيرة كان له فيها نشاط كبير، وبخاصة على حدودها الشمالية مع بلده الأصلي. وكان يتعاون هناك مع زعيم تنظيم «أنصار الحق» المالي المتطرف، حيث بادر التنظيم الأخير، منذ وقت مبكر بمبايعة «داعش»، والانسلاخ عن «القاعدة»، وهو أمر لم يعجب بلمختار وقتها.
رغم الخلافات حول مسألة الولاء للبغدادي أو البقاء على الولاء للظواهري، ظلت أبواب بلمختار مفتوحة للجميع. وحصل على علاج من «إخوانه القدامى» في مستشفيات في مدن بنغازي وصبراتة وسرت، عقب إصابته في إحدى الغارات الغربية داخل ليبيا.
استمر موقف بلمختار المتمسك بتنظيم القاعدة، منذ أواخر عام 2015، حتى شهور قليلة مضت. فقد تغيرت المعادلات بسبب مأزق مشترك يبدو أنه أصبح سمة عامة لدى جماعات تحمل السلاح وتحاول تطبيق رؤيتها لـ«دولة الخلافة الإسلامية»، وفقا للمصدر نفسه.
أما في فترة العامين السابقين، فقد سيطرت حالة من الغرور على الكثير من الجماعات، بما فيها «داعش» والجماعة المقاتلة (فرع القاعدة في ليبيا) و«الإخوان». وخلال ذلك كانت تحركات بلمختار خافتة وبعيدة، ولا تظهر إلا في بعض الأحيان لأجهزة المخابرات الدولية. ظل يقود مجموعته الخاصة في قافلة من سيارات الدفع الرباعي ويتنقل بها عبر دورب صحراوية قرب الحدود الجنوبية الغربية من ليبيا.
ويضيف المصدر: «كان محبطا وحزينا، وهو يرى اقتتال الإخوة في درنة وسرت وطرابلس.. لقد تعرض ثلاثة تونسيين حاربوا معه، فيما مضى، في أفغانستان، للقتل في مواجهات في أواخر 2016 في طرابلس»، مشيرا إلى أن الخلافات خلال تلك الفترة كانت على أشدها بين «داعش»، وفريق من الجماعة المقاتلة، و«الإخوان».
ومنذ هزيمته في سرت في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، تأثر كل من «داعش» و«القاعدة في ليبيا»، وما حولها، بشح الأموال والتضييقات الأمنية. وخسرت جماعة الإخوان معاقلها في بنغازي؛ وذلك بعد أن خسرت الحكم في مصر وتونس وليبيا. ألقت مثل هذه الظروف بظلالها على فرص «القاعدة» في شمال أفريقيا وغربها، في الصمود أمام صعود تيارات معادية لها توصف بـ«العلمانية» أو «القومية» أو «الجهوية».
في ليبيا، أدى تقدم كل من قوات الجيش الوطني، بقيادة حفتر، و«قوات البنيان المرصوص»، بقيادة رئيس المجلس الرئاسي فايز السراج، إلى ارتباك في جبهة المتطرفين المحليين، بالتزامن مع وصول أكثر من ألفي مقاتل غير ليبي من تنظيمات تدور في فلك «داعش» و«القاعدة»، من العراق وسوريا ومصر وتونس، وغيرها.
ومن بين من جاؤوا إلى هنا عناصر من جماعة «أنصار بيت المقدس» التي تنشط في سيناء بمصر، وجماعة «أنصار الشريعة» النشطة في منطقتي القصرين والشعانبي بتونس، وجماعة جزائرية تنسب إلى رجل يلقب بـ«الأخضر» ولها تواجد قرب بلدة غدامس على حدود ليبيا الغربية.
مصدر قريب من الجماعات المتشددة في ليبيا يكشف عن أن الأعور، ما زال مواليا مخلصا للظواهري، لكن بطريقته الخاصة... أي أنه في بعض الأحيان لا يكون الظواهري، المقيم في مكان ما بين الجبال الأفغانية الباكستانية، راضيا عما يطرحه بلمختار من مبادرات، إلا أنه يترك له حرية التصرف.
وعلى سبيل المثال، لم تكن عناصر تنظيم القاعدة في منطقتي القصرين والشعابني بتونس، مُقنعة للظواهري. لقد أرسل الظواهري أحد مندوبيه، وهو مصري يدعى مكاوي، إلى تونس من أجل بحث مؤازرته مقاتلي «القاعدة» هناك، وأغلبهم من الجيل الجديد، وتراوح أعمارهم بين الثلاثينات والأربعينات، فيما عدا رجلين مخضرمين تجاوزا الستين من العمر، كانا يقاتلان، قديما، في أفغانستان.
وبحسب رواية من مصدر على صلة بالجماعات المتطرفة في شمال أفريقيا، فقد تسلل مكاوي إلى تونس في الشهر الأول من هذا العام، والتقى في جبل الشعانبي عددا من قادة الجماعات التي تحارب الدولة التونسية، لكن تقريره عن هؤلاء كان مخيبا للآمال. ويضيف المصدر، أن مكاوي أخطر الظواهري بأن مجموعة القصرين والشعانبي، تميل إلى «داعش».
وذكر مكاوي في تقريره، بحسب المصدر، أن المجموعة، التي تتعرض لحملة من الجيش التونسي، أصبحت تعتمد في عملها على فرع لتنظيم داعش الليبي، اسمه «جند الخلافة». ويضيف أن تنظيم «جند الخلافة» يتكون من عناصر تونسية ومصرية وليبية ومن جنسيات أخرى، وأنه منبثق عن تنظيم «جند الحق» الذي ينشط قرب حدود البلدين.
وتابع قائلا، إن قائد هذا التنظيم ليبي الجنسية يدعى رشيد، وعلى اتصال مباشر بمكتب البغدادي في العراق... «لم يحدث لقاء بين مكاوي ورشيد. وعاد مندوب الظواهري من حيث أتى، دون أن يحقق نتائج»، وهنا، كما يذكر المصدر، تدخل بلمختار لدى الظواهري، وأقنعه أن ولاء التونسيين ما زال لـ«القاعدة»، وأن مسألة تعاونهم مع «جند الخلافة» فرضته ظروف الحرب التي تشنها السلطات التونسية.
واللافت للنظر، وفقا للمصدر نفسه، أن «جند الحق» أو «جند الخلافة»، وبعد أن كان مواليا لـ«داعش» فقط، أصبح يتعاون مع مجاميع موالية لتنظيم القاعدة أيضا، مثل «كتيبة عقبة بن نافع» في تونس، و«ميليشيات الدفاع عن بنغازي» في ليبيا. ويضيف: هاجم الجيش التونسي «كتيبة عقبة بن نافع»، فتدخل تنظيم جند الخلافة لمؤازرتها، كما أن التنظيم نفسه أرسل مقاتلين للمشاركة في محاربة الجيش الليبي في الهلال النفطي أخيرا.
وتعد هذه هي المرة الأولى التي يظهر فيها اشتراك علني، في القتال على الأرض، بين تنظيمات موالية لـ«القاعدة»، وأخرى موالية لـ«داعش»، رغم أنهما كانا يتعاونان في الكثير من المواقف، مثل تهريب الأسلحة وتمرير الصفقات والمقاتلين. ويقول أحد قادة الميليشيات الليبية، إن هذا التحول ربما يؤشر إلى وجود تقارب بين الظواهري، والبغدادي. إلى جانب محاولة استفادة هذين التنظيمين من حرية الحركة الآمنة عبر الحدود التي يتمتع بها قادة في جماعة الإخوان.
وبالتزامن مع ذلك، وعلى غير العادة أيضا، أصبح اسم بلمختار يتردد في الكثير من المواقع المهمة التي تديرها جماعات تتمركز في ليبيا، ولها تواجد في دول مجاورة. ومع ذلك، لا تتوقف الخلافات التي تقع بين حين وآخر بين أسراب المتطرفين القادمين من مشارب مختلفة. فقد جرى فصل مجموعة قادمة من الجزائر، تنتمي إلى تنظيم القاعدة، عن مجموعة مصرية تابعة لليبي يدعى المهاجر، تابعة لـ«داعش»: «بسبب الاختلاف في نمط الالتزام الديني»، كما يقول المصدر.
وجرى تخصيص معسكر في منطقة «صلاح الدين» في طرابلس للمجموعة الأولى، وتخصيص معسكر في «القرة بولي» للمجموعة الثانية، قبل البدء في إشراكهما معا في محاربة كل من الجيش الليبي في الموانئ النفطية، والقوات التابعة للسراج في طرابلس، كان آخرها إطلاق النار على مقر المجلس الرئاسي في العاصمة الليبية.
واللافت في الأمر، أن قياديين من جماعة الإخوان الليبية هم من قاموا بتدبير مقر «القرة بولي» للمجموعة المصرية، وهو معسكر يقع وسط غابة شجرية مخصص للتدريب. كما جرى تخصيص معسكر آخر، على يد قياديين في الجماعة نفسها، للتجميع والتدريب قرب الحدود مع الجزائر في منطقة تسمى «الهروج». وكان يجري التمهيد لنقل كل هؤلاء المقاتلين المنتمين لتنظيمات مختلفة لغزو منطقة الموانئ النفطية لطرد قوات الجيش منها، وهو ما حدث فيما بعد.
ويقول مصدر في المخابرات الليبية، إن بلمختار شارك في اجتماعات عدة تخص وضع خطة «غزوة الموانئ»، حيث كان يتردد على بلدة الجفرة التي تجمعت فيها ميليشيات المتطرفين، قبيل انطلاقها لاحتلال منطقة الموانئ النفطية الأسبوع الماضي. ويضيف، أن كل طرف من هذه الأطراف أسهم في جلب مئات عدة من المقاتلين من دول أفريقية مختلفة، بفضل عملية التنسيق التي قام بها بلمختار مع قادة من «القاعدة» و«داعش» و«الإخوان».
وتابع موضحا، أن مئات عدة من المقاتلين السودانيين دخلوا بسيارات الدفع الرباعي إلى ليبيا عبر ممرات معروفة بأسماء «الربدة» و«بو دحيوة» و«جبل عبد المالك»، وكلها قريبة من الحدود الشرقية الجنوبية لليبيا. ومن هناك اتجهوا من ممر «طريق الميتين» الذي كان يخص شركات النفط، وصولا إلى الجفرة. ووصل الجفرة أيضا، من ممرات أخرى في الجنوب، أكثر من 150 من المقاتلين التشاديين في يوم واحد.
ومنذ بداية الأسبوع الماضي رصدت الأجهزة الأمنية في طرابلس تعاونا غير مسبوق بين مجاميع تابعة لقيادي في «داعش» من الجنوب الليبي، ومجاميع تابعة لبلمختار من تنظيم «المرابطون»، من بينهم شخصيات معروفة في أوساط المتشددين، منذ أيام «الجهاد في أفغانستان».
وفي يوم الثالث من الشهر الحالي بدأت تظهر نتائج الحرب الميليشياوية في الموانئ النفطية. لقد فاجأت القوات التي انطلقت من الجفرة الجيش، واجتاحت المنطقة التي تحوي نحو 60 في المائة من مخزون ليبيا من النفط. وارتفعت صيحات التكبير في مكاتب تقع في طرابلس ومصراتة تابعة لكل من «القاعدة» و«الإخوان» و«داعش»، احتفالا بالنصر، بينما كان بلمختار يحاول تجنب أي صدام بين هذا الخليط على الجبهة، وهو يعد بمزيد من التقدم ليس للوصول إلى بنغازي فقط، ولكن لمحاصرة ما يسميه «أنظمة تحارب الإسلام» مجاورة لليبيا.
من بين الشخصيات الميدانية التي قادت الهجوم على حفتر، زعيم لـ«داعش»، وآخر لـ«القاعدة»، وثالث موالٍ لـ«الإخوان». وبعد طرد قوات الجيش الليبي من منطقة رأس لانوف النفطية، بدأت تجري أحداث من تلك التي كان يخشاها بلمختار؛ نزاع مبكر على من يتولى قيادة القوات. وتعجل الدواعش في رفع الرايات السوداء في ميادين بلدة «رأس لانوف» وشوارعها، ووزعوا في البلدة منشورات تزعم أن المنطقة «إمارة تتبع الدولة الإسلامية». وبدأوا ينازعون على الحق في تولي قيادة العمليات.
ورد أنصار «القاعدة» في الموانئ النفطية على محاولة استحواذ «داعش» على «رأس لانوف»، بتوجيه اتهامات للتنظيم بأنه استعان بمقاتلين غير مسلمين، من نيجيريا، للمشاركة في «غزوة الموانئ النفطية»، وأن هذا يعد خطرا على الجميع فيما بعد. ويقول المصدر: بدأ بلمختار اتصالات لمعالجة الموقف، لكن الخلافات ما زالت مستمرة، حيث أبلغه الدواعش أنهم لن يستطيعوا الاستمرار في قتال الجيش الليبي إلا تحت رايتهم الخاصة.
وتجدر الإشارة إلى أن قصة الاستعانة بالمقاتلين غير المسلمين في صفوف التنظيمات المتطرفة، في ليبيا، تعود إلى عصابة تتبع رجلا نيجيريا ضبطت وهي تقوم بسرقة مولدات كهرباء في مدينة سبها العام الماضي. واضطر الرجل النيجيري إلى القدوم بنفسه لتخليص جماعته. ويقول المصدر: تظاهر بأنه اعتنق الإسلام، وأنه يريد أن يقنع أتباعه بالدين الإسلامي. وترتب عليه إطلاق سراحهم. ومنذ ذلك الوقت أصبح يتعامل مع التنظيمات داخل ليبيا باعتباره من «الإخوة الذين دخلوا الإسلام»، إلا أن مجموعته ما زالت تعرف باسم «جماعة المسيحيين».
وعلى كل حال، تأزم الموقف بين «داعش» و«القاعدة» في «رأس لانوف» في اليوم التالي، وجرى اقتراح بأن يترك قادة «القاعدة» «رأس لانوف» لـ«داعش»، مقابل تحكمهم في باقي البلدات الموجودة في منطقة الموانئ النفطية. وشعر أنصار «داعش» بالقوة في محيط «رأس لانوف» أيضا، بعد أن انضمت إليهم عناصر من جماعة «المسحيين النيجريين»، و«أنصار بيت المقدس» المصرية. وبدأ بلمختار التواصل لحل الأزمة.
وحاول إقناع زعيم في جماعة الإخوان بالعمل على سحب مقاتلي «بيت المقدس» من «رأس لانوف»، باعتباره هو الذي جلبهم وأشركهم في الحرب ضد الجيش الليبي في منطقة الموانئ. لكنه رد قائلا، وفقا لمصدر على صلة بالمتشددين في منطقة المعارك: «اتفاقنا مع هؤلاء المقاتلين أن مهمتهم تنتهي بعد التخلص من حفتر. لن يبقوا في ليبيا... أما الرايات التي رفعوها في رأس لانوف فهي نفسها التي يرفعونها في كل مكان يحاربون فيه؛ لأنهم يعدونها مصدرا للثبات والإقدام في المعارك، وبالنسبة للمنشورات التي طبعوها فهي مجرد تشجيع لهم، بعد أن خسروا الكثير من إخوانهم في هذه المعركة».
ويضيف المصدر، أن موقف «داعش» لم يعجب بلمختار، ورأى فيه استغلالا للإمكانات التي شارك تنظيم القاعدة وجماعة الإخوان بقوة في توفيرها لشن الحرب في الموانئ النفطية، ومن بين هذه الإمكانات توفير شحنات كبيرة من الأسلحة الحديثة، وتركيب منصات صواريخ مضادة للطائرات، وجلب أكثر من 300 شاحنة عسكرية مصفحة لاستخدامها في الهجوم.
وأمام غضب قيادات «القاعدة» في شمال أفريقيا مما قامت به «داعش» في «رأس لانوف»، جرى فتح الموضوع على مستوى أعلى، مع شخصية في التنظيم الدولي لـ«الإخوان». وأجرت هذه الشخصية التي تقيم في الخارج، اتصالا بقادتها الميدانيين الذين يتعاونون مع «داعش» و«القاعدة» في منطقة الموانئ النفطية.
ويضيف المصدر، أن الشخصية الإخوانية أقرت بأن رفع رايات «داعش» السوداء على مباني البلدة، كان خطأ، وقال إن هذا يخدم حفتر، وأمر بسحب عناصر بيت المقدس من «رأس لانوف». بيد أن هذا يبدو أنه جاء بعد فوات الأوان. فحتى إعداد هذا التقرير، لم تتمكن محاولات بلمختار ومن يتعامل معهم في إقناع دواعش «رأس لانوف» بالانسحاب، ما يلقي بظلال جديدة على مستقبل التعاون بين مثل هذه التنظيمات مستقبلا، ليس في ليبيا فقط، ولكن في عموم المنطقة.

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة