مبارزة ترمب والإعلام الأميركي مفيدة للطرفين

حرب بلا نهاية بين الإدارة ومن وصفهم الرئيس بأنهم «مروجو الأخبار الكاذبة»

ممثلو وسائل الإعلام الأميركية يحيطون بالرئيس ترمب عقب تنصيبه («الشرق الأوسط»)
ممثلو وسائل الإعلام الأميركية يحيطون بالرئيس ترمب عقب تنصيبه («الشرق الأوسط»)
TT

مبارزة ترمب والإعلام الأميركي مفيدة للطرفين

ممثلو وسائل الإعلام الأميركية يحيطون بالرئيس ترمب عقب تنصيبه («الشرق الأوسط»)
ممثلو وسائل الإعلام الأميركية يحيطون بالرئيس ترمب عقب تنصيبه («الشرق الأوسط»)

تشير إليها وسائل الإعلام الأوروبية بأنها «أحدث المسلسلات التلفزيونية الأميركية». وبالنسبة لوسائل الإعلام الروسية، رغم ذلك، فإنها تبدو مثل «الحرب الأهلية الأميركية الجديدة». والمبارزة الإعلامية الحالية تبدو وكأنها حرب من دون نهاية بين الرئيس الجديد للولايات المتحدة دونالد ترمب وجانب كبير من وسائل الإعلام الرئيسية الأميركية التي وصفها الرئيس بأنهم «مروجو الأخبار الكاذبة».
وليس سراً أن وسائل الإعلام الرئيسية في الولايات المتحدة لم ترحب قط بشخص الرئيس الأميركي الجديد. فعندما ألقى قطب العقارات الكبير بقبعته في حلبة السياسة لينال ترشيح الحزب الجمهوري منذ ما يقرب من عامين، اعتبرته وسائل الإعلام الرئيسية الأميركية مهرجاً يريد أن يضيف زخماً إلى السباق الانتخابي المشتعل من دون التأثير على النتائج الحقيقية.
وتوقَّعَت وسائل الإعلام الرئيسية الأميركية قيام مبارزة عائلية ما بين هيلاري كلينتون وجيب بوش. وعندما خرج السيد جيب بوش من السباق الرئاسي، بعد مرور أسابيع قليلة، اعتقدت وسائل الإعلام الرئيسية الأميركية أنه ليس بمقدور أي مرشح جمهوري آخر، أيًا كان، أن يصمد في وجه هيلاري كلينتون، مرشحة الحزب الديمقراطي التي لا تُقهَر.
حتى إن شبكة «فوكس نيوز» الإخبارية وصحيفة «وول ستريت جورنال» التي دائماً ما ساندت الحزب الجمهوري، كانت شديدة التردد في اتخاذ السيد ترمب على محمل الجدية، وحتى اللحظات الأخيرة من السباق الانتخابي. وكان المعتقد السائد آنذاك بأن دونالد ترمب لا يمثل إلا عرضاً جانبياً هامشياً برز على مشهد الأحداث لخدمة مصالحه الذاتية فحسب.
ولقد حصل على تغطية إعلامية شاملة من جانب شبكات التلفزيون والصحف والمجلات التي لم تكن تحلم بأنه يكون رئيساً للبلاد في يوم من الأيام.
وبعبارة أخرى، ساعدت وسائل الإعلام المناوئة لترمب، وعن غير قصد، في نشر رسالته وعلى أوسع نطاق ممكن، مما أدى إلى رفع مستوى الحماس بين قاعدته الانتخابية في الولايات المتذبذبة بشأنه، وأسفر الأمر في نهاية المطاف عن دخوله إلى البيت البيض على رأس موجة عارمة من الاستياء المناهض للمؤسساتية في البلاد.
وهذا الاستياء العام قد مكن السيد ترمب من وصم وسائل الإعلام الرئيسية الأميركية بأنهم «أعداء الشعب الأميركي».
ووفقاً لآخر استطلاعات للرأي، فإن السواد الأعظم من الناخبين الأميركيين يتفقون مع ترمب على هذا التوصيف.
وعلاوة على ذلك، ووفقا أيضاً لاستطلاع للرأي أجرته جامعة صافولك الأميركية بالتعاون مع صحيفة «يو إس إيه توادي»، فإن أكثر من أربعة من بين كل عشرة مواطنين يتفقون مع السيد ترمب على أن وسائل الإعلام الرئيسية الأميركية منحازة للغاية ضد الرئيس.
ومن الاستطلاعات الأخرى المؤيدة للسيد ترمب، فإن هناك نسبة 52 في المائة من المواطنين يعتقدون أن اقتصاد البلاد في حالة من الانتعاش، وأنه ارتفع بمقدار 9 نقاط منذ ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وبمقدار 18 نقطة منذ سبتمبر (أيلول) الماضي. علاوة على ذلك، نسبة 55 في المائة ممن شملهم استطلاع الرأي أفادوا بأن الرئيس الجديد قد أبدى مهارات قيادية بارعة خلال الأربعين يوماً الأولى من توليه مهام منصبه.
بعبارة أخرى، فإن السيد ترمب، ومرة أخرى، يستفيد من العداوة الحقيقة أو المتصورة لدى وسائل الإعلام الرئيسية تجاهه. وتلك العداوة، أو الكراهية، قد ساعدت على انتخابه، ولا تزال تساعد حتى الآن في التغطية على عيوبه ونقاط ضعف إدارته الجديدة للبلاد.
ومن خلال الهيمنة المستمرة في كل يوم، وربما في كل ساعة، على أجندة الأخبار، فإن المبارزة القائمة بين السيد ترمب ووسائل الإعلام الرئيسية لم تترك إلا مجالاً ضيقاً لتغطية أخبار سياساته، أو ربما عدم وجود تغطية بالأساس، على أي صعيد يُذكر. والدعوات اليائسة من قبل روبرت رايخ، العضو الأسبق في مجلس وزراء الرئيس السابق بيل كلينتون، بضرورة إشراك ترمب في نقاش موضوعي حول القضايا المهمة، لم تجد سوى الآذان الصماء حتى الآن. وحتى السيناتور بيرني ساندرز، الذي يملك قاعدة جماهيرية خاصة ضمن المجال الديمقراطي الأميركي، لم يتمكن من تحويل مسار النقاش إلى ساحة المعركة الآيديولوجية كما كان يحلم.
إن الضباب الجاثم على صراع «الأخبار الكاذبة» صار يُخفي حقيقة مفادها أنه بعد مرور 40 يوماً على توليه الرئاسة، لم يتمكن دونالد ترمب حتى الآن من عقد اجتماع واحد لمجلس الوزراء الأميركي، وأن كثيراً من التعيينات المهمة في المناصب الحساسة داخل مختلف الإدارات الحكومية الأميركية لا تزال شاغرة لأسبوع تلو الآخر. ووفق المعدل الحالي، قد يستغرق الأمر من الرئيس ترمب حتى شهر مايو (أيار) المقبل قبل استكمال تعيين أعضاء مجلس الوزراء الأميركي القادر على تسيير أعمال الحكومة الفعالة بعد عمليات التطهير الجماعية الهائلة من مختلف الخصوم السياسيين للرئيس الجديد.
ولكن ماذا لو أن صفات «الأخبار الكاذبة»، و«أعداء الشعب الأميركية» أصبحت تخدم مصالح وسائل الإعلام الرئيسية الأميركية، أو على أدنى تقدير تخدم تلك الشريحة من وسائل الإعلام التي تكره السيد ترمب كراهية حقيقية؟
ذكرت صحيفة «نيويورك تايمز»، وهي واحدة من أكبر خمس صحف يومية متداولة في الولايات المتحدة وكانت أحد الأهداف الرئيسية لإهانات الرئيس الأميركية، ارتفاعاً بنسبة 8 في المائة في جماهير القراء، بفضل الارتفاع الحاد في عدد الزائرين لموقع الصحيفة الإلكتروني. وأشارت الصحيفة، التي تعتبر نفسها راعية حرية الصحافة الأميركية والتعديل الأول لدستور الولايات المتحدة، أو كما نسميه «حرية التعبير»، إلى وسائل الإعلام الاجتماعية باعتبارهاً خطراً محتملاً على الديمقراطية نفسها.
وفي مقابلة شخصية، زعم السيد ماثيو هيندمان، أستاذ الإعلام والشؤون العامة في جامعة جورج واشنطن، أن انتخاب السيد ترمب قد تسبب في تعطيل العملية الديمقراطية، مضيفاً أنه «إن نزعنا التسمية البراقة، فأي شخص ينظر بعين متفحصة إلى واقع الولايات المتحدة سوف يشعر بالقلق البالغ حول الفشل الديمقراطي أو مرحلة التحول الحالية نحو نظام الحكم الهجين».
ومثل هذا النظام، من وجهة نظر البروفسور هيندمان، لا بد أن يحافظ على مظاهر الديمقراطية في البلاد، بما في ذلك الانتخابات التي تبدو حرة، بينما يسيطر القادة فعلياً على العملية الانتخابية في واقع الأمر، وعلى وسائل الإعلام الرئيسية، وعلى نطاق النقاش المسموح به. وأضاف البروفسور هيندمان يقول: «ما سوف نحصل عليه هو دولة أقل في حريتها مما يبدو عليه الأمر».
وأجرت صحيفة «نيويورك تايمز» مقابلة صحافية أخرى مع سكوت غودستاين، الذي كان يشرف على مواقع إلكترونية تساند الرئيس الأسبق باراك أوباما والسيناتور بيرني ساندرز.
وقال السيد غودستاين: «كانت شبكة الإنترنت من الأشياء العظيمة التي ساعدت في الحصول على مستويات إضافية من الشفافية. وكان ذلك صحيحاً بالنسبة لدونالد ترمب كما كان صحيح أيضاً لبيرني ساندرز، فلقد قضت شبكة الإنترنت على الغرف الخلفية المليئة بالأدخنة، وانتقل إبرام الصفقات المهمة من الغرف المتوارية إلى الحملات الانتخابية الحقيقية، أمام المزيد من الجمهور العام. وربما كانت هذه الجماهير على وعي بما يجري، ولكن هذا هو الجمال الذي تتمتع به السياسة الأميركية ذات الـ350 مليون مواطن».
وعلى الرغم من ذلك، فإن السيد غودستاين، على غرار وسائل الإعلام الرئيسية الأميركية، يعتقد أن الإنترنت شيء جيد عندما يتعلق الأمر بخدمة الخطاب السائد في المجتمع ولكنها شيء خطير عندما يتعلق الأمر بتوفير المنصات الحرة للآراء ووجهات النظر المتطرفة.
ومن بين خبراء الإعلام الآخرين، هناك ناثانيال بيرسلي الذي كتب مقالة تحمل عنوان «هل يُكتب للديمقراطية الأميركية النجاة في عصر الإنترنت؟».
وكل هذا يعني أن وسائل الإعلام الرئيسية الأميركية، أو «مروجي الأخبار الكاذبة»، كما وصفها الرئيس ترمب، تعمل على حياكة نسيج جديد من الشرعية بوصفها راعية الحريات في مواجهة المؤسسة الجديدة التي يمثلها السيد ترمب وفريقه الرئاسي.
وليست صحيفة «نيويورك تايمز» بمفردها التي تشهد ارتفاعاً كبيراً في أرقام التداول بعد سنوات من التراجع. فهناك صحيفة «لوس أنجليس تايمز»، التي كانت على وشك الإغلاق في عام 2015، بدأت الآن في التعافي واكتساب الزخم الجديد كإحدى الأذرع الإعلامية المناهضة للسيد ترمب وفي الولاية التي صوتت بكثافة ضد الرئيس الجديد في الانتخابات الأخيرة.
وتعتبر شبكة «سي إن إن» الإخبارية من الأهداف الأخرى المفضلة للسيد ترمب في صراعه ضد «مروجي الأخبار الكاذبة». وعلى الرغم من أنها تبدو هي الأخرى تستفيد من حالة الجدال الدائر وشهدت أيضاً ارتفاعاً سريعاً وكبيراً في أعداد المتابعين من أي وقت مضى في السنوات العشر الماضية.
وحتى الآن، كانت المبارزة بين دونالد ترمب والإعلام الأميركي مفيدة ومربحة لكل الأطراف. ولكن السؤال هو ما إذا كانت تلك المبارزة سوف تفيد أو تضر «الديمقراطية الأميركية» التي يزعم كلا الطرفين القتال دفاعاً عنها؟



قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
TT

قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)

نظَّم «اتحاد إذاعات الدول العربية»، في تونس أخيراً، وبحضور عشرات من كوادره ومن الإعلاميين والخبراء العرب، تظاهرة غير تقليدية للاحتفاء بإصدار كتاب جديد عن التحديات الجديدة التي تواجه «الميديا العربية» في عصر هيمنة الرقمنة والمواقع الاجتماعية والذكاء الاصطناعي.

وصرّح المهندس عبد الرحيم سليمان، مدير عام الاتحاد، بالمناسبة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» بأن الكتاب الذي ألفه وأصدره عبد الحفيظ الهرقام، المدير العام السابق لـ«اتحاد إذاعات الدول العربية»، والمدير العام الأسبق لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون التونسي، «جاء ليؤكد أهمية التحوّلات الرقمية وانعكاساتها على المتغيرات في ملامح المشهد الإعلامي العالمي والعربي».

وفي السياق نفسه، رأى عدد من الخبراء والإعلاميين العرب أن الكتاب، وعنوانه «الميديا العربية: بين الهيمنة الرقمية وسؤال المعنى» بمثابة «الشهادة الفكرية والمهنية على مرحلة مفصلية يعيشها الإعلام العربي اليوم». وصرح المؤلف لـ«الشرق الأوسط»، في لقاء معه، بأن كتابه «لا يندرج ضمن الكتب الأكاديمية البحتة، ولا يكتفي بسرد التجارب المهنية، بل يمثّل محاولة جادّة لفهم التحوّلات الكبرى التي أعادت رسم علاقة الإنسان بالإعلام، وغيّرت طبيعة السلطة الرمزية التي كانت تمارسها المؤسسات الإعلامية لعقود طويلة».

المهندس عبد الرحيم سليمان (الشرق الأوسط)

خبرة ميدانية

وحقاً، رأى عدد من الخبراء في تظاهرة «اتحاد إذاعات الدول العربية» أن كتاب الهرقام يأتي محمّلاًً بخبرة ميدانية ممتدة لسنوات طويلة داخل مؤسسات عربية كبرى... إذ واكب المؤلف عن قرب تحوّلات القطاع السمعي البصري، وتقلّباته المهنية والتنظيمية، والتحديات التي واجهت الإعلام التقليدي في زمن الانتقال الرقمي.

غير أنّ أهمية هذا العمل، وفق كثيرين، لا تكمن فقط في كونه شهادة من داخل المهنة، بل أيضاً في كونه قراءة نقدية معمّقة لواقع الإعلام العربي لدى وقوفه عند مفترق طرق حاسم: بين إرث ثقيل من التجارب التقليدية، وضغوط متزايدة تفرضها الثورة الرقمية، وبين دور قديم قائم على نقل الخبر، ودور جديد يتعلّق بصناعة المعنى وتشكيل الوعي.

من سؤال مهني إلى مشروع فكري

كتاب عبد الحفيظ الهرقام، يجسّد في الحقيقة تجربة مهنية ثرية امتدت لما يقارب من 15 سنة في قلب مؤسسات الإعلام العربي، حيث احتكّ المؤلف يومياً بإشكاليات الإدارة والإنتاج والبث. وشهد عن قرب تحوّلات البنية الإعلامية في المنطقة. وكانت فكرة هذا العمل قد انطلقت من سؤال مهني يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه عميق في دلالاته: هل من الأفضل الإبقاء على الإذاعة والتلفزيون ضمن مؤسسة واحدة أم الفصل بينهما؟

هذا التساؤل، الذي طُرح في سياق نقاش مهني، فتح أمام المؤلف أفقاً أوسع للتفكير في قضايا بنيوية تتجاوز التنظيم الإداري لتُلامس جوهر التحوّل الذي يعيشه الإعلام العربي. ومع مرور الوقت، تحوّل السؤال مشروعاً فكرياً متكاملاً يسعى إلى فهم موقع الإعلام العربي في عالم يتغيّر بسرعة، وإلى تحليل طبيعة التحديات التي تهدد مكانتها ودورها.

غلاف الكتاب (الشرق الأوسط)

الإعلام تحت ضغط الهيمنة الرقمية

أبرز ما يطرحه الكتاب، حسب مقدمته «تشخيص لحالة الإعلام العربي في ظل هيمنة المنصّات الرقمية العالمية، التي لم تعُد مجرّد وسائط لنشر المحتوى، بل تحوّلت قوى اقتصادية وثقافية كبرى تتحكّم في طرق الإنتاج والتوزيع وأنماط الاستهلاك».

وفعلاً، غيّرت هذه المنصّات قواعد اللعبة بالكامل. إذ تراجعت مكانة الوسائل التقليدية مثل الإذاعة والتلفزيون والصحافة المطبوعة، وتحوّلت المنافسة سباقاً غير متكافئ بين مؤسسات إعلامية وطنية محدودة الموارد وشركات تكنولوجية عملاقة تمتلك الخوارزميات والبيانات ورؤوس الأموال الضخمة.

بيد أن التحدّي، كما يلفت المؤلف الانتباه، لا يقتصر على الجانب الاقتصادي أو التكنولوجي، بل بات يمتدّ إلى عمق المسألة الثقافية والمعرفية. وحين تنتقل السيطرة من غُرف التحرير إلى الخوارزميات، ومن الصحافي إلى المنصّة، يغدو السؤال الأهم: مَن يملك اليوم سلطة تعريف الواقع؟ ومَن يقرّر ما يُرى وما يُهمَل؟ ومَن يصوغ الروايات التي تشكّل وعي الجمهور؟

«سوق المعنى»... المعركة الجديدة

من أبرز المفاهيم التي يقدّمها الكتاب مفهوم «سوق المعنى»، حيث لم يعُد الصراع الإعلامي مقتصراً على نقل الخبر أو تحقيق السبق الصحافي، بل بات صراعاً حول تفسير الواقع وصياغة السرديات الكبرى. ففي الفضاء الاتصالي المعَولم، تتداخل السياسة بالإعلام، وتتقاطع المصالح الاقتصادية مع الخطابات الآيديولوجية، وتتنافس الروايات على كسب ثقة الجمهور. وفي هذا السياق، ما عادت قيمة المحتوى تُقاس بعمقه أو دقته، بل بعدد المشاهدات والتفاعلات؛ ما أدى إلى صعود أنماط جديدة من الخطاب السريع والسطحي في كثير من الأحيان، مقابل تراجع التحليل الرصين والمعالجة المهنية المتأنية.

وهذا التحوّل، الذي يبدو تقنياً في ظاهره، يخفي في جوهره أزمة معنى حقيقية. إذ يصبح الإعلام مهدّداً بفقدان دوره الثقافي والتنويري، ويتحوّل مجرّد وسيط في سوق ضخمة تحكمها قوانين الانتشار والربح والتأثير اللحظي.

تحوّل جذري

في صناعة الخبر

من جهة أخرى، يلفت الكتاب الانتباه إلى تحوّل عميق في بنية الإعلام، يتمثّل في انتقال مركز إنتاج المعنى من المؤسسات إلى الأفراد. فمع صعود وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعُد الجمهور متلقياً سلبياً، بل صار فاعلاً مشاركاً في صناعة المحتوى وتداوله. وفتح هذا التحوّل مساحات جديدة للتعبير وكشف الحقائق، وبرزت ظاهرة «المواطن الصحافي» بوصفها عنصراً مؤثراً في المشهد الإعلامي. لكن هذا التحوّل حمل، في المقابل، مخاطر كبيرة، من بينها انتشار الأخبار الزائفة، وتضخّم الخطاب الانفعالي، وتراجع المعايير المهنية.

كتاب جديد لاتحاد إذاعات الدول العربية يدعو إلى مراجعة الأولويات

وهنا يطرح المؤلف سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن للمؤسّسات الإعلامية أن تحافظ على دورها ومصداقيتها في عالم لم تعد فيه المصدر الوحيد للمعلومة؟

دعوة إلى إعلام منتج للمعنى

في قلب هذا العمل يدعو عبد الحفيظ الهرقام إلى «ضرورة إعادة تعريف دور الميديا العربية، بحيث لا تظلّ فاعلاً تابعاً في النظام الإعلامي العالمي، بل تتحوّل فاعلاً منتجاً للمعنى، قادراً على الدفاع عن خصوصيته الثقافية وصياغة خطابه الخاص». ويتطلّب ذلك، في نظره، جملة من الشروط الأساسية، من بينها تعزيز الاستقلالية التحريرية، وتطوير الكفاءات المهنية، والاستثمار في التربية الإعلامية، ومدّ جسور التعاون بين الجامعات ومؤسّسات الإعلام كي لا تبقى المعرفة النظرية منفصلة عن الواقع العملي.

أسئلة وأجوبةً

ختاماً، لا يدّعي هذا الكتاب تقديم حلول جاهزة بقدر ما يسعى إلى إثارة الأسئلة الكبرى التي تفرضها المرحلة الراهنة. فهو محاولة جادة لقراءة واقع الإعلام العربي في «زمن ما بعد الحقيقة»، حيث تتراجع الثقة في المصادر التقليدية، وتتضخّم سلطة الصورة، وتتزاحم الروايات على تشكيل الإدراك العام.

ومن خلال هذا الجهد الفكري، يطرح الهرقام سؤالاً مركزياً يظلّ مفتوحاً أمام المهنيين والباحثين وصنّاع القرار: كيف يمكن للإعلام العربي أن يستعيد دوره الثقافي والتنويري في عالم تهيمن عليه السرعة والربح والتأثير اللحظي؟ وكيف يستطيع أن يظلّ وفياً لمهمته الأساسية في البحث عن الحقيقة وبناء الوعي؟


زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

شعار "سناب تشات" (رويترز)
شعار "سناب تشات" (رويترز)
TT

زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

شعار "سناب تشات" (رويترز)
شعار "سناب تشات" (رويترز)

أعلن تطبيق «سناب تشات» تصاعد خدمة الاشتراكات المدفوعة، بعد تجاوز عدد مشتركيه 25 مليوناً حتى فبراير (شباط) الحالي، ما يشير إلى أن جزءاً معتبراً من جمهور المنصة «بات أكثر تقبلاً لفكرة الدفع مقابل الخدمات». ويرى مراقبون أن «هذا التحول قد يمثل فرصة لصُناع الأخبار، إذ نجحوا في تقديم محتوى يُغازل أسلوب المنصة واحتياجات جمهورها، بما يفتح المجال أمام نماذج إيراد تتجاوز الاعتماد التقليدي على الإعلانات».

كانت شركة «سناب» الأميركية، المالكة لتطبيق «سناب تشات» قد أشارت إلى أن أعمالها في مجال الإيرادات المباشرة حققت معدل إيراد سنوي قدره مليار دولار، حسب ما ورد في تقرير نشرته «رويترز» أخيراً. وأرجعت السبب إلى النمو المتسارع لخدمة الاشتراك المدفوع، وذلك في إطار مساعي الشركة لتنويع مصادر دخلها بعيداً عن الإعلانات. وتصنّف خدمة «الاشتراكات المدفوعة» من تطبيق «سناب تشات» أنها من أسرع خدمات الاشتراك الاستهلاكي نمواً عالمياً منذ إطلاقها أواخر 2022، مع نمو في عدد المشتركين كل ربع سنة، وفقاً لإفادة صدرت من الشركة.

خبراء التقتهم «الشرق الأوسط» رأوا أن الفرصة سانحة الآن لخدمات إخبارية «مستحدثة» تلبي احتياجات جمهور التطبيق الذي لا يمانع الدفع مقابل الحصول على خدمات معتبرة.

إذ قال محمد عاطف، الباحث المتخصص في الإعلام الرقمي، إن ما نشهده لا يعكس استعداداً للدفع مقابل الأخبار بصورتها التقليدية، بقدر ما يعكس استعداداً للدفع مقابل «تجربة رقمية مبتكرة». وأوضح أن «نجاح الاشتراكات في سناب تشات قائم على تقديم ميزات لها طابع شخصي وحصري، يعزّز شعور المستخدم بالانتماء والتميز، بالإضافة إلى تسعير منخفض يشجع على الدفع كعادة يومية».

وأردف عاطف أن «الجمهور الشاب لا ينظر إلى الأخبار كمنتج مدفوع، بل كخدمة متاحة دائماً، لكنه مستعد للدفع عندما يشعر أن الخدمة تضيف قيمة لحياته أو تسهل تفاعله مع العالم الرقمي». ويشير إلى أن الشباب العربي تحديداً بات هاضماً لثقافة الدفع مقابل خدمات رقمية.

وتابع أنه لا يمانع حضور «سناب تشات» كجزء من منظومة الإيرادات الخاصة بمؤسسات الأخبار، لكنه استدرك فقال: «لا يمكن أن يلعب سناب تشات دور منصة نشر تقليدية، بل قد يكون قناة توزيع واستحواذ على جمهور جديد لا يصل إلى المواقع الإخبارية عادة». ومن ثم، اقترح نماذج لاستغلال أدوات «سناب تشات»، قائلاً: «لدى التطبيق أدوات مثل سناب ماب Snap Map وديسكفر Discover التي تعد فرصاً للأخبار عبر تقديم سرد بصري سريع ومبتكر يشرح الأحداث بلغة مبسطة تتناسب مع سلوك المستخدمين داخل المنصة».

وأضاف: «الجمهور هناك لا يبحث عن الخبر العاجل، بل يفضل محتوى يفسر ويحلل ما يحدث بشكل يسهل الاندماج في يومه، وهذا يفتح فرصة واسعة للمؤسسات الإعلامية لتقديم محتوى تفسيري وتفاعلي، يمزج بين المتعة والسرعة والمعرفة».

وكان الرئيس التنفيذي لشركة «سناب»، إيفان شبيغل، قد أعلن أن «سناب» ستطلق ميزة اشتراك جديدة تتيح لصناع المحتوى تحقيق دخل متكرّر مباشرة من أكثر متابعيهم ولاءً، على أن يبدأ اختبارها في 23 فبراير (شباط) الحالي عبر مجموعة محدودة من منشئي المحتوى في الولايات المتحدة، وفق ما أوردت «رويترز» أخيراً.

أما مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات وسائل التواصل الاجتماعي، فيرى أن «الأخبار لا تزال غير حاضرة على سناب تشات... وهناك عدة أسباب لغيابها عن هذه المنصة الترفيهية، أبرزها أن الفئة العمرية الكبرى المستخدمة للتطبيق هي فئة عمرية صغيرة، إذ يشكل عمر ما بين 13 إلى 25 سنة نحو 60 في المائة من المستخدمين، وهذه الفئة إجمالاً ليس لديها اهتمام بمتابعة الأخبار العالمية أو حتى المحلية».

وأردف: «وسبب آخر هو أن غالبية المحتوى على المنصة على طريقة المؤثرين، أي يوميات مشاهير، وليست محتوى خبرياً حتى وإن كانت على طريقة صناع المحتوى، ومن ثم تغيير هذه الاهتمامات لدى جمهور سناب تشات يحتاج لأفكار شديدة الابتكار».

وأشار كيالي إلى أن «صُناع الأخبار يواجهون ميول المنصة نفسها، التي ليست لديها توجهات لدعم المحتوى الإخباري، وأظن أن المشكلة بشكل أساسي بسبب تعقيدات التعاون ومشاركة الأرباح مع الناشرين». وعدّ حضور منصات الأخبار مرهوناً بنوعية الأخبار الملاءمة لجمهور المنصة، وكذلك القوالب، و«يمكن للمؤسسات الإخبارية أن تكون موجودة من خلال الأخبار الخفيفة المتعلقة بالمشاهير أو الموضة والجمال، ومن خلال قوالب تناسب المنصة وجمهورها».


استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
TT

استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)

أعرب مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة ميتا، الأربعاء، عن أسفه لتأخر الشركة في تحديد المستخدمين القُصّر على إنستغرام، وذلك خلال جلسة محاكمة تاريخية تتعلق بالشبكات الاجتماعية واجه فيها الملياردير الأميركي انتقادات لاذعة.

وعندما طُلب منه التعليق على شكاوى من داخل الشركة تفيد بعدم بذل ما يكفي من الجهد للتحقق من عدم استخدام الأطفال دون سن 13 عاماً للمنصة، قال زوكربيرغ البالغ 41 عاما والذي يملك أيضا فيسبوك وواتساب، إن تحسينات قد أُدخلت.

وأضاف «لكنني أتمنى دائما لو كنا وصلنا إلى هذه المرحلة في وقت أقرب».

أولياء أمور أكدوا يوم المحاكمة أنهم فقدوا أطفالهم بسبب وسائل التواصل الاجتماعي (رويترز)

وكان زوكربيرغ الشاهد الأكثر ترقبا في محاكمة كاليفورنيا، وهي الأولى ضمن سلسلة دعاوى قضائية رفعتها عائلات أميركية ضد منصات التواصل الاجتماعي.

وهذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها الملياردير عن اجراءات الأمان على منصاته العالمية مباشرة وأمام هيئة محلفين وتحت القسم.

وكان زوكربيرغ، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية، متحفظا للغاية في البداية، لكن سرعان ما بدا عليه التوتر وأخذ يهز برأسه ويحرك يديه وهو يلتفت نحو هيئة المحلفين.

وضغط مارك لانيير، محامي المدعية، على زوكربيرغ بشأن اجراءات التحقق من العمر على التطبيقات.

لكن خلال استجوابه من قبل محاميه، بدا زوكربيرغ أكثر ارتياحا ووصف الوقت الذي يتم قضاؤه على التطبيق بأنه «عارض جانبي» لتجربة استخدام مميزة، وكثيرا ما خاطب المحلفين مباشرة لتأكيد وجهة نظره.

كما أكد على اعتقاده بأنه يجب على شركتي آبل وغوغل اللتين تقفان وراء أنظمة تشغيل الهواتف، تفعيل ميزة التحقق من العمر على مستوى الهاتف نفسه بدلا من تركه لكل تطبيق على حدة.

وأضاف «سيكون الأمر سهلا للغاية بالنسبة لهما».

أدلة تم تقديمها في دعوى مدنية ضد شركة ميتا خلال جلسة استماع في محكمة مقاطعة لوس أنجلوس العليا بوسط لوس أنجليس (إ.ب.أ)

وواجه زوكربيرغ سيلا من رسائل البريد الإلكتروني الداخلية، بما في ذلك تحذيرات من موظفيه بأن التحقق من العمر غير مناسب ورسائل أخرى يستشف منها أن قضاء المزيد من الوقت على انستغرام كان هدفا رئيسيا للشركة منذ فترة طويلة.

ومن المقرر أن تستمر المحاكمة حتى أواخر مارس (آذار)، حيث ستقرر هيئة المحلفين ما إذا كانت ميتا، بالإضافة إلى يوتيوب المملوكة لشركة غوغل، تتحملان مسؤولية المشاكل النفسية التي عانت منها كايلي جي. ام، وهي شابة تبلغ 20 عاما من سكان كاليفورنيا تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة منذ طفولتها.

وبدأت كايلي استخدام يوتيوب في سن السادسة وانستغرام في التاسعة ثم تيك توك وسناب شات.

ولا يُسمح لمن هم دون 13 عاما باستخدام انستغرام، وقد شدد لانيير في اسئلته لزوكربيرغ على سهولة فتح كايلي لحساب على المنصة.

وتمت مواجهة زوكربيرغ بوثيقة داخلية تقول إن انستغرام كان يملك أربعة ملايين مستخدم تحت سن 13 عاما في عام 2015، وهي الفترة التي استخدمت فيها المدعية التطبيق، وأن 30 في المائة من جميع الأطفال الذين تراوح أعمارهم بين 10 و 12 عاما أو «المراهقين» في الولايات المتحدة، كانوا مستخدمين.

وأكد زوكربيرغ «نحن في المكان المناسب الآن» عندما يتعلق الأمر بالتحقق من العمر.

ومن المتوقع أن تضع هذه القضية معيارا لحل آلاف الدعاوى القضائية التي تلقي باللوم على وسائل التواصل الاجتماعي في انتشار الاكتئاب والقلق واضطرابات الأكل والانتحار بين الشباب.

وتوصلت شركتا «تيك توك» و«سناب تشات» لتسوية مع المدعية قبل بدء المحاكمة.