الأكراد على حبال الأجندات الدولية

يتأرجحون بين تناقضات تعيشها الساحة على خلفية الأزمة السورية

الأكراد على حبال الأجندات الدولية
TT

الأكراد على حبال الأجندات الدولية

الأكراد على حبال الأجندات الدولية

لم تعش الساحة الكردية تناقضات كالتي تعيشها اليوم على خلفية الأزمة السورية المستمرة منذ عام 2011 وما تركته من تغييرات ميدانية كبيرة في الشمال السوري جعلت نحو 40 مليون كردي منتشرين في المنطقة الجبلية الممتدة على حدود تركيا، والعراق، وسوريا، وإيران، وأرمينيا، والذين يعدون رابع أكبر مجموعة عرقية في الشرق الأوسط، يشعرون أنّهم أقرب من أي وقت مضى من دولة يسعون إليها منذ مطلع القرن العشرين. ويسعى الأكراد حاليا ليكونوا جزءا من أجندات دولية متعددة يبحثون فيها عن منفذ إلى دولتهم معتمدين سياسة «الصبر الاستراتيجي» و«عدم وضع كل بيضهم في سلة واحدة»، إلا أن انقسامهم ما بين محورين رئيسيين يتزعم الأول «حزب الديمقراطي الكردستاني» الذي يرأسه رئيس إقليم كردستان مسعود البارزاني، والثاني «حزب العمال الكردستاني» الذي يرأسه عبد الله أوجلان، جعل أخصامهم يستفيدون من صراعات كردية داخلية للتصدي لمشروع «دولة كردستان الكبرى» الشهير.
وتنقسم الأحزاب الكردية الرئيسية العاملة في العراق وسوريا وتركيا بين «حزب الديمقراطي الكردستاني» الذي يتزعمه البارزاني والذي ينشط في العراق وبين «حزب العمال الكردستاني» الذي يتزعمه أوجلان والذي ينشط في تركيا وجبال قنديل بشمال العراق ومصنف إرهابيا من قبل واشنطن ودول أوروبية، وبين حزب «الاتحاد الديمقراطي» الذي يرأسه صالح مسلم وينشط في سوريا. وتعتبر قوات البيشمركة الذراع العسكرية للحزب «الديمقراطي الكردستاني»، فيما تعتبر وحدات حماية الشعب الذراع العسكرية لـ«الاتحاد الديمقراطي». أما «البيشمركة السورية» (بيشمركة روج آفا) فهي الجناح العسكري «للمجلس الوطني الكردي» الممثل في الائتلاف المعارض، وتأسست في إقليم كردستان في عام 2012 نتيجة انشقاق شبان أكراد عن جيش النظام السوري ورفضهم الانضمام إلى وحدات حماية الشعب.
وتعتبر تركيا «حزب الاتحاد الديمقراطي» الفرع السوري لحزب «العمال الكردستاني»، وهو ما ينفيه الطرفان اللذان لا يدحضان وجود تعاون وتنسيق بينهما لا بل إن قياديين بـ«الاتحاد الديمقراطي» يقرون بأنّهم قريبون لأفكار أوجلان الذي اعتقلته حكومة أنقرة في عام 1999 بتهمة الخيانة.
* أبعاد اشتباكات سنجار
وأعادت الاشتباكات التي اندلعت الأسبوع الماضي في مدينة سنجار الواقعة غرب الموصل في محافظة نينوى على الحدود العراقية السورية، بين قوات تابعة لحزب العمال الكردستاني معروفة بـ«وحدات حماية سنجار» وقوات البيشمركة التابعة لرئيس إقليم كردستان العراق مسعود البارزاني، تسليط الضوء على الانقسام الكردي الذي في حال سعت الأطراف الدولية التي ترفض قيام «دولة كردستان» إلى تغذيته فلا شك أنّه سيشغل القوى الكردية الرئيسية عن «هدفها الأسمى». فحتى ولو كانت المعارك التي استمرت يوما كاملا في سنجار توقفت حاليا، إلا أن التوتر لا يزال يسود المنطقة الحدودية العراقية - السورية كما منطقة سيطرة وحدات الحماية الكردية في الشمال السوري، في ظل تعدد الروايات حول الهدف مما حصل وكيفية التصدي لاقتتال كردي - كردي يتنامى نتيجة الخلافات المتمادية بين الأحزاب والمجموعات الكردية.
فبينما يؤكد المجلس الوطني الكردي أن ما حصل في سنجار «خطوة استباقية» من «حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي» عبر «قوات حماية سنجار» لقطع الطريق على محاولة إعادة قوات البيشمركة السورية والمعروفة بـ«بيشمركة روج آفا» إلى مناطقها في الداخل السوري، تعتبر وحدات الحماية الكردية السورية بأن الهجوم على قوات حماية سنجار المدعومة من حزب العمال الكردستاني «مخطط تركي» هدفه قطع الطريق بين إقليم كردستان ومناطق سيطرة الوحدات لمحاصرة وتفجير صراع كردي كردي.
ويشير رئيس المجلس الوطني الكردي إبراهيم برو في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أنّه وخلال محاولة «بيشمركة روج آفا» الأسبوع الماضي الانتشار على حدود إقليم كردستان تمهيدا لدخولها الأراضي السورية، «تمت محاصرتها من قبل قوات حزب العمال الكردستاني للتصدي لمحاولة دخول هذه القوات إلى مناطقها في الشمال السوري، تماديا بعملية احتكار حزب الاتحاد الديمقراطي للساحة الكردية في سوريا ورفضه الشراكة الحقيقية بين الأحزاب والمجموعات الكردية الأخرى». ويضيف: «هذه الشراكة وفي حال تمت ستخفف من حدة التوتر إن كان مع تركيا أو مع مقاتلي المعارضة السورية أو حتى مع حكومة إقليم كردستان».
ويشدّد برو على أن دخول قوات «بيشمركة روج آفا» إلى الأراضي السورية لا يتطلب موافقة أي من الأطراف سواء السوريين أو حتى الإقليميين أو الدوليين، باعتبار هذه القوات هي من أبناء تلك المناطق. ويقول: «نحن نسعى لإقناع واشنطن باعتبارها تدعم الوحدات عسكريا منا نحاول التفاهم مع حزب الاتحاد الديمقراطي لمنع الاقتتال الكردي الكردي، لكن في النهاية هناك قرار اتخذه المجلس الوطني الكردي بعودة هؤلاء الذي يتخطى عددهم الـ500 عنصر تم تدريبهم وتسليحهم إلى قراهم للدفاع عنها وحمايتها».
ويرفض «حزب الاتحاد الديمقراطي» الذي يرأسه صالح مسلم تماما دخول «البيشمركة السورية» إلى مناطق سيطرتهم في الشمال السوري ويتهمونها بتنفيذ أجندة الحزب «الديمقراطي الكردستاني» الذي هو على علاقة وثيقة بأنقرة. وكانت وحدات حماية الشعب التابعة للحزب المذكور أعلنت رسميا في نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2013، قيام منطقة إدارة ذاتية تشمل مناطق الجزيرة وكوباني وعفرين، وتسعى هذه الوحدات منذ حينها لوصل المناطق المذكورة سعيا لإعلان الفيدرالية. ويستفيد «حزب الاتحاد الديمقراطي» من دعم أميركي كبير منذ اندلاع الأزمة في سوريا، إلى حد أن خبراء وصفوا وحدات الحماية الكردية بـ«ذراع واشنطن في الداخل السوري». ويضع الأميركيون دعمهم هذا في إطار الجهود المبذولة لمكافحة الإرهاب وتنظيم داعش خاصة أنّه وبنظرهم أثبت أكراد سوريا عن فعالية كبيرة في هذا المجال بعد تحرير كوباني.
* مخطط تركي
وتتهم المعارضة السورية القوات الكردية في شمال البلاد بتنفيذ حملة «تطهير عرقي وطائفي» بحق «العرب السنة والتركمان» في ريف محافظة الحسكة الغربي وتل أبيض، فيما ينتقد «المجلس الوطني الكردي» بشدة السياسة التي ينتهجها حزب «الاتحاد الديمقراطي» لجهة محاولة فرض نظام الحزب الواحد في المناطق الكردية الواقعة شمال البلاد. وفي هذا الإطار، يرى السياسي الكردي وعضو الائتلاف السوري المعارض عبد الباسط سيدا أن الحديث عن استقرار حالي في المناطق الكردية في سوريا «أشبه بالحديث عنه قبل عام 2011 حين كان استقرار أمني - قمعي»، مؤكدا أن «الحاضنة الشعبية غير راضية تماما عن ممارسات حزب الاتحاد الديمقراطي وخاصة مع فرض التجنيد الإجباري ما أدّى لتهجير مليون كردي من مناطقهم شمال سوريا». وأضاف سيدا في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «الأرجح أن هناك ضوءا أخضر وتفاهم أميركي - تركي على عودة بيشمركة سوريا إلى مناطقهم، وهو ما يثير وحدات الحماية التي تحولت أشبه بمكتب خدمات تنفذ مشاريع تارة إيرانية وطورا روسية وأحيانا كثيرة أميركية».
بالمقابل، يرى مستشار القيادة العامة لـ«قوات سوريا الديمقراطية» ناصر حاج منصور في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «أخطر ما حصل في سنجار هو استخدام «بيشمركة روج آفا» لمواجهة وحدات حماية سنجار ما ترك استياء كبيرا في الداخل السوري حيث خرجت مظاهرات وتم الاعتداء على مقرات تابعة لأحزاب مرتبطة بالبارزاني». من جهتها، تعتبر نوروز كوباني من وحدات حماية المرأة أن ما يحصل في سنجار «محاولة تركية للعب آخر الأوراق بوجه حزب الاتحاد الديمقراطي، بعد رفض حكومة ترمب خططا قدموها للمشاركة بعملية تحرير رقة، كما فشل هجومهم على منبج»، لافتة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن أنقرة تسعى حاليا ومن خلال مهاجمة «قوات حماية سنجار» إلى قطع الطريق بين إقليم كردستان ومناطق سيطرة قواتنا، أي محاصرتنا وخلق صراع كردي كردي». وتضيف: «إلا أننا ندرك تماما أهداف تركيا، لذلك قدر المستطاع سنتجنب الدخول في معارك مع مسعود برزاني». ويؤكد نواف خليل، رئيس المركز الكردي للدراسات أن «عناصر حزب العمال الكردستاني لم يشاركوا في المواجهات الأخيرة في سنجار التي تولتها «قوات حماية سنجار» التي تشكلت في عام 2014 بعد انسحاب بيشمركة الحزب الديمقراطي الكردستاني ما أدّى لدخول داعش إلى المدينة»، لافتا إلى أن «وحدات حماية الشعب قامت بوقتها بمجهود كبير قدره بحينها البارزاني، فيما تولت قوات حزب العمال الكردستاني دعم أبناء سنجار لتشكيل قوات للدفاع عن المدينة وأهلها». وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «الخلاف الكردي الكردي لا شك يترك أثرا معنويا على المجتمع الكردي لكن لا شك لن يكون له تأثير يُذكر بإطار المعارك المستمرة بوجه داعش، أو على تجربة الإدارة الذاتية». إلا أن سليمان يوسف، الباحث السوري المهتم بشؤون الأقليات يرجح أن يؤثر «القتال الكردي - الكردي بشكل مباشر على المشهد السياسي الكردي في سوريا وكذلك على الوضع الأمني في منطقة الجزيرة، حيث القوى الكردية تعاني من انقسام حاد»، لافتا إلى أن «جماعة المجلس الوطني الكردي مع الائتلاف وهيئة الرياض، بينما حزب الاتحاد الديمقراطي ومن معه هم على النقيض ومقربون من النظام السوري». وقال يوسف لـ«الشرق الأوسط»: «هذه التجاذبات السياسية في المشهد الكردي ستزيد الاحتقان والتوتر في منطقة الجزيرة، خاصة أن هناك أكثر من جهة تسعى لفتنة كردية - كردية وفتنة كردية عربية، بهدف خلط الأوراق وإشغال القوات الكردية في معارك جانبية ودفع من تبقى من الآشوريين والمسيحيين في الجزيرة لترك المنطقة».
* تطور علاقة النظام والأكراد
ولطالما شكلت العلاقة بين أكراد سوريا والنظام السوري محط متابعة، نظرا لتطورها اللافت، فرغم أن الأكراد يمثلون ما بين سبعة وعشرة في المائة من تعداد السوريين، تعرض هؤلاء طوال سنوات حكم الرئيس السوري السابق حافظ الأسد والحالي بشار الأسد للكثير من القمع والحرمان من الحقوق الأساسية. ولم يمنح نحو 300 ألف من الأكراد الجنسية السورية منذ ستينات القرن الماضي، كما صودرت الأراضي الكردية وأعيد توزيعها على العرب، في محاولة «لتعريب» المناطق الكردية. كما حاول النظام في سوريا الحد من مطالب الأكراد بالمزيد من الاستقلال عن طريق قمع المتظاهرين واعتقال الزعماء السياسيين.
إلا أنه ومع اندلاع الأزمة في سوريا في عام 2011، حاول نظام الأسد الاستفادة من الورقة الكردية فانسحب من معظم المناطق حيث الأكثرية من الكرد في شمال البلاد، ما شكّل تحولا كبيرا ساهم بإعلان الإدارة الذاتية هناك. ولعل إقدام الأكراد المتمثلين في «مجلس منبج العسكري» أخيرا على تسليم 6 قرى خاضعة لسيطرتهم في ريف حلب لقوات النظام وحلفائه، جاء ليؤكد ما نبهت منه قوى المعارضة تكرارا من تعاون بين الطرفين لمواجهتها، وهو ما ينفيه الأكراد الذين يتحدثون عن «تقاطع مصالح». وقد رجحت دراسة تحليلية أعدها مؤخرا مركز «جسور» للدراسات أن يكون هناك توجه لقيام «تحالف جديد» بين النظام السوري وحزب «الاتحاد الديمقراطي»، نظرا لوجود الكثير من المصالح المشتركة بينهما على أن يقوم التحالف هذه المرة على أساس «علاقة بين متساويين لا يد طولى لأحدهما على الآخر»، من منطلق أن النظام الذي كان يستخدم الحزب المذكور «ورقة ضغط» على تركيا كما على المعارضة السوري، بات يعي حجم القوة التي وصل إليها بعد سنوات من «تفرده بإدارة المنطقة الكردية واستغلال ثرواتها فضلا عن الدعم الأميركي والروسي لفصيل الحزب العسكري».
وبحسب الدراسة التي حملت عنوان «حزب الاتحاد الديمقراطي والنظام السوري شراكة أم صراع؟»، فقد مرت العلاقة بين الطرفين بمراحل متعددة، وكادت أن تصل قبل «الثورة السورية» إلى مرحلة القطيعة، وخاصة بعد تسلم «حزب العدالة والتنمية» للحكم في تركيا وما تلاه من تحسن في العلاقات السورية - التركية، إلّا أنّ التطورات في سوريا في عام 2011 كانت بداية لمرحلة أخرى وجديدة من العلاقة بين الطرفين، وأخذت مناحي متعددة استفادا منها على الصعيد المحلي، كما على الصعيدين الإقليمي والدولي. وتتهم المعارضة النظام فتح المجال لـ«حزب الاتحاد الديمقراطي» وكوادره بداية بالعودة إلى سوريا، بعد أن كان تنظيماً محظوراً، وأتاح له حمل السلاح وإعلان تنظيمه المسلح، ثم انتقل بعد ذلك إلى مرحلة الشراكة العسكرية والأمنية، حيث أصبح الطرفان يقومان بحملات عسكرية بشكل مشترك، فيما تولّى الحزب مسؤولية قمع المعارضين للنظام في مناطقه، وتولّى بنفسه مواجهة المظاهرات المناوئة للنظام. ووفق الدراسة السابقة ذكرها، «فإن العلاقة التي بدأت على شكل رعاية من طرف النظام لمجموعة صغيرة مشردة في الجبال بدأت تأخذ أشكالاً أخرى في المرحلة اللاحقة، فالنظام الذي بدأ هذه العلاقة في عام 2011 كواحدة من أوراق لعبه لم يعد قادراً على الإمساك بزمام الأمور في معظم أنحاء سوريا، وتحوّل إلى طرف بين متصارعين متساويين في القوة تقريباً، وأصبح قراره رهيناً لفاعلين أجانب كثر، والحزب الذي دخل في هذه العلاقة في عام 2011 باحثاً عن موطئ قدم أصبح قوة عسكرية مهابة، وأضحى شريكاً لفاعلين أجانب، بعضهم من رعاة النظام نفسه». وفيما يستبعد خبراء معنيون بالملف أن يذهب الطرفان إلى مواجهة عسكرية مباشرة، ستكون مضرّة بمصالح الطرفين، «فلا الحزب قادر على الاستغناء عن رعاية النظام الاقتصادية والسياسية والعسكرية، ولا النظام قادر عسكرياً على السيطرة على المناطق الكردية، ولا يتحمّل أصلاً الدخول في صراع ذي كلفة سياسية باهظة»، يرجحون أن يتجها لبناء تحالف جديد، خاصة أن سوريا مقبلة على تسوية سياسية عاجلا أم آجلا، بحيث سيسعى كل طرف للحفاظ على حلفائه، «فهما يحتاجان لبعضهما البعض سواء داخل محافظة الحسكة وخارجها. الإدارة الذاتية تحتاج للنظام لدفع رواتب آلاف الموظفين بمقابل حاجة النظام لقوة حزب الاتحاد الديمقراطي الأمنية والسياسية ولا سيما في حلب وريفها، حيث إن قوات وحدات الحماية تقوم بدور المساند للنظام». ويرد الأكراد على كل ما سبق متسائلين عن السبب الذي قد يدفع وحدات الحماية، «التي يزداد عددها وقدرتها ووتيرة المعارك التي تخوضها والانتصارات التي تحققها، للتحالف مع النظام». وفي هذا السياق يقول نواف خليل لـ«الشرق الأوسط»: «النظام هو الذي يبحث عن حلفاء لمساندته كالروس وحزب الله والميليشيات العراقية. أما كل حديث عن تحالفات وتفاهمات بيننا وبينه، فعارية عن الصحة وتندرج بإطار سياسة تنتهجها المعارضة السورية المقربة من أنقرة، التي ادعت أخيرا نية الوحدات تسليم عدد من البلدات التي تسيطر عليها للنظام ورفع العلم السوري على بلدات أخرى».



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.