ليبيا: حفتر يتهم المعارضة التشادية بقتاله في معارك الهلال النفطي

السراج يقترح توحيد الحرس ووزير دفاعه يؤلف قوة عسكرية خاصة

رأس لانوف حيث تدور المعارك بين الجيش الليبي والميليشيات المسلحة وسط أنباء عن استعادة الجيش السيطرة على الميناء (رويترز)
رأس لانوف حيث تدور المعارك بين الجيش الليبي والميليشيات المسلحة وسط أنباء عن استعادة الجيش السيطرة على الميناء (رويترز)
TT

ليبيا: حفتر يتهم المعارضة التشادية بقتاله في معارك الهلال النفطي

رأس لانوف حيث تدور المعارك بين الجيش الليبي والميليشيات المسلحة وسط أنباء عن استعادة الجيش السيطرة على الميناء (رويترز)
رأس لانوف حيث تدور المعارك بين الجيش الليبي والميليشيات المسلحة وسط أنباء عن استعادة الجيش السيطرة على الميناء (رويترز)

اقترح، أمس، فائز السراج رئيس حكومة الوفاق الوطني الليبية توحيد جهاز حرس المنشآت النفطية وسحب كل القوات العسكرية من منطقة الهلال النفطي، لكن العقيد أحمد المسماري الناطق الرسمي باسم الجيش الوطني الليبي الذي تستعد قواته لخوض معركة عسكرية لتطهير لمنطقة من الميليشيات المسلحة التي هاجمتها الأسبوع الماضي، قال لـ«الشرق الأوسط» إن « الجيش لا يعترف بالسراج وبالتالي كل من يصدر عنه».
وقال السراج في بيان حمل اسمه باعتباره رئيس الحكومة المدعومة من بعثة الأمم المتحدة في العاصمة طرابلس إنه يدعو إلى توحيد جهاز حرس المنشآت النفطية الذي عين قائداً جيداً له، الأسبوع الماضي، تحت «جهاز موحَّد يخضع لإشراف المؤسسة الوطنية للنفط ويعمل على الدفاع عن هذه المنشآت من أي اعتداء أو تهديد ومن أي جهة كانت».
وأضاف: «نكرر دعوتنا لكل القوى للانسحاب فوراً من منطقة الهلال النفطي، وذلك حرصاً منا على نزع فتيل الاقتتال وشبح الحرب».
كما طلب المهدي البرغثي وزير الدفاع في حكومة السراج في رسالة مفتوحة وجَّهها أمس إلى العميد إدريس بوخمادة الرئيس المعين لجهاز حرس المنشآت النفطية، دعم وتعزيز الجهاز بقوة إضافية لغرض تأمين المنشات النفطية.
ودعا البرغثي في الرسالة التي نشرها المكتب الإعلامي لوزارته عبر صحفته الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» إلى «تجهيز قوة مكونة من مائة فرد من ست كتائب في مدينتي طرابلس وسبها على وجه السرعة لدعم حرس المنشآت تحت القيادة المباشرة لرئيسه».
وطلب أيضاً من مدير إدارة الشرطة العسكرية تجهيز قوات خاصة للعمل بمنفذ السدرة لضبط ومنع أي قوة من الاتجاه شرقاً باستثناء الألوية الستة.
وقبل هذا القرار، قالت وزارة الدفاع بحكومة السراج في بيان لها إنها تراقب عن كثب تداعيات الصراع بالهلال النفطي، مشيرة إلى أنها إذ ترحب بتسليم ميناءي السدرة ورأس لانوف إلى حرس المنشات النفطية المكلف من قبل السراج، فإنها تؤكد أنها لن تسمح بوجود أي من التنظيمات الإرهابية أو المتطرفة بين طرفي الصراع».
وتعهدت بأنها «ستسخر كل إمكاناتها العسكرية لمحاربة هذه التنظيمات إن ثبت لها وجود في ساحة القتال»، ودعت جميع القوى الوطنية للوقوف صفاً واحداً في مواجهة التحديات والمخاطر التي تحيط بالبلاد، لا سيما المتعلقة بالمحافظة على وحدة البلاد أو الانجرار إلى حرب أهلية.
ورأت أن «الحل في ليبيا لا يمكن أن يكون إلا سياسياً وبالحوار حتى يتم التوصل إلى المصالحة الوطنية الشاملة وتحقيق الأمن والسلام».
في المقابل، اعتبر العقيد أحمد المسماري الناطق الرسمي باسم الجيش الوطني الليبي لـ«الشرق الأوسط» في تصريحات خاصة أن «بيان السراج باطل ولا يستحق الرد عليه»، مضيفاً: «السراج أول من تم سحقه في هذه العملية... نحن لا نعترف به وبالتالي بكل ما يصدره».
وأوضح المسماري أن قوات الجيش ما زالت تتأهب لتطهير منطقة الهلال النفطي من الميليشيات المسلحة المكونة من سرايا الدفاع عن بنغازي وكتائب من مصراتة مدعومة بقوات من المعارضة التشادية أخيراً.
وتابع: «المرحلة الحالية مرحلة الحشد والتنظيم مع تسيير دوريات استطلاع خفيفة باتجاه رأس لانوف».
وكشف المسماري النقاب لـ«الشرق الأوسط» عن عثور قوات الجيش على أدلة ووثائق تؤكد تورط قوات من المعارضة التشادية في القتال إلى جانب الميلشيات المسلحة المناوئة للجيش، من بينها صور فوتوغرافية وجدت في الهاتف النقال لأحد قتلى التشاديين في رأس لانوف.
وأوضح أن المعارضة التشادية دخلت الأراضي الليبية نهاية عام 2012 وبداية عام 2013 حتى مهاجمتها من قبل الجيش التشادي في جبال تبستي وتمركزها في جنوب سبها، مشيراً إلى أنه «وبعد وصول القوة الثالثة التابعة لمصراتة، تم نقلهم إلى منطقة الوشكة بالجفرة، وكان عددهم يُقدَّر بنحو ألفي عنصر».
وتابع: «والآن يُقدَّر ما بين 1200 إلى 1300 فرد يُرَجَّح أن 700 اشتركوا مع تنظيم القاعدة في الهجمات الأخيرة على الهلال النفطي».
واعتبر المسماري أن «هذه المشاركة بناء على صفقة مع تنظيم القاعدة بان يقوم الأخير بدعم المعارضة التشادية في الوصول إلى العاصمة إنجامينا، علماً بأن المعارضة التشادية تتكون من عسكريين سابقين، وعناصر كلهم من قبائل القرعان التشادية»، على حد قوله.
ونجحت ميليشيات مناوئة للجيش من مصراتة وسرايا الدفاع عن بنغازي في مهاجمة منطقة الهلال النفطي الاستراتيجية الأسبوع الماضي، مما أدى إلى تراجع قوات الجيش الوطني الليبي من ميناءَي السدر ورأس لانوف، على نحو قلَّص مزاعمه بالتفوق العسكري، واحتمالات توسيع سلطات قائده خليفة حفتر.
واخترقت هذه الميليشيات دفاعات الجيش الوطني الليبي سريعاً، قبل أن تنسحب قواته البرية باتجاه البريقة التي تبعد نحو 115 كيلومتراً شرقَ رأس لانوف، وسط تأكيد مصادر طبية أنها فقدت أكثر من 30 رجلاً.
ويقول الجيش إنه يحشد لشن هجوم مضاد يشرف عليه حفتر شخصياً ضد سرايا بنغازي، وهي أحدث جماعة مسلحة تنافس للسيطرة على الموانئ التي من المفترَض أن يخرج منها أكثر من نصف صادرات ليبيا النفطية.
لكن كتائب بنغازي تزعم في المقابل أنها تسعى لفتح طريق نحو مدينة بنغازي التي طُرِد منها كثير من أعضائها في وجه تقدم الجيش الوطني الليبي ضد إسلاميين ومنافسين آخرين على مدى العامين الماضيين.
وتقول أيضاً إنها تحارب من أجل أسر حوصرت أو شردت بسبب الحملة العسكرية التي شنها الجيش الوطني الليبي ولإنقاذ ليبيا من عودة الديكتاتورية وحماية الثورة التي أطاحت بمعمر القذافي في 2011.
وأبلغ مصطفى الشركسي القائد بسرايا الدفاع عن بنغازي الصحافيين إن هدفهم الرئيسي هو استعادة المدينة، وأضاف أنهم يرفضون ما وصفه بالظلم والحكم العسكري.
وتابع أنهم «عندما تظاهروا ضد القذافي أرادوا الحرية وبناء مؤسسات شرعية وأرادوا قادة يحكمون البلاد كما يفعل قادة الدول المتقدمة».
وقال إن السرايا تمتلك أسلحة دفاع جوي وزعم أن الطيارين التابعين للجيش الوطني الليبي خائفون، ولذلك يحلقون على ارتفاعات عالية.
ويأتي بعض الدعم الذي تتمتع به سرايا الدفاع عن بنغازي من مصراتة المدينة الساحلية الغربية التي كانت مصدراً للمعارضة العسكرية لحفتر، التي يعيش فيها كثير من الأسر التي نزحت من بنغازي.
ويقول محللون إنه رغم أن المعتدلين في مصراتة يؤيدون حكومة السراج في طرابلس ومنفتحون على إبرام اتفاق مع حفتر فإن القتال في منطقة الهلال النفطي يهدد بتعزيز مواقف المتشددين على الجانبين.
ووضع هذا التطور النفط مجدداً في قلب الصراع، وربما تتعطل خطط المؤسسة الوطنية للنفط الطموحة لإنعاش الإنتاج، على الرغم من أن المؤسسة قالت من قبل إنها تأمل في رفع الإنتاج إلى أكثر من مليون برميل يومياً، خلال أشهر، تمهيداً لإعادته لمستوياته قبل بدء الصراع الليبي وهو 1.6 مليون برميل يومياً.
ونقلت وكالة «رويترز» عن مصطفى صنع الله رئيس المؤسسة الوطنية للنفط أن الإنتاج الإجمالي بلغ نحو 620 ألف برميل يومياً.
وعزز حفتر، وهو حليف سابق للقذافي يصوِّر نفسه على أنه الرجل القادر على إنقاذ ليبيا من فوضى حكم الجماعات المسلحة، موقفه بقوة، في شهر سبتمبر (أيلول) الماضي، عندما سيطر على السدر ورأس لانوف إضافة إلى البريقة والزويتينة وهما ميناءان آخران على الشريط الساحلي جنوب غربي بنغازي المعروف بالهلال النفطي.
وبعد السيطرة على الموانئ سارع حفتر إلى دعوة المؤسسة الوطنية للنفط في طرابلس لإعادة فتح الموانئ وارتفع الإنتاج النفطي ليصل إلى نحو 600 ألف برميل يومياً.
وبسبب تعرض السدر ورأس لانوف لأضرار جسيمة في موجات قتال سابقة، فهما يعملان بمستويات أقل كثيراً من البريقة والزويتينة، مما جعل تأثير المعارك المبدئي على الإنتاج محدوداً.
ووضع هذا التطور النفط مجدداً في قلب الصراع، وقد تتعطل خطط المؤسسة الوطنية للنفط الطموحة لإنعاش الإنتاج، على الرغم من أن المؤسسة قالت من قبل إنها تأمل في رفع الإنتاج إلى أكثر من مليون برميل يومياً خلال أشهر تمهيداً لإعادته لمستوياته قبل بدء الصراع الليبي وهو 1.6 مليون برميل يومياً.
وقرر البرلمان الليبي المنتخَب من مقره في مدينة طبرق بأقصى شرق البلاد والذي يتهم حكومة السراج بالتورط في هذا الهجوم، تعليق مشاركته في الحوار الوطني إثر هذا الهجوم، وأعلن عزمه تنظيم انتخابات تشريعية ورئاسية خلال العام المقبل لوضع حد للأزمة الخطيرة التي تواجهها البلاد.
وقال رئيس البرلمان عقيلة صالح عيسى في رسالة إلى رئيس مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات: «بالنظر للظروف الصعبة التي تمرّ بها البلاد وإلى التخبط السياسي الحاصل، يطلب منكم اتخاذ كل الإجراءات اللازمة للاستعداد لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية قبل شهر فبراير (شباط) من عام 2018.
وصد الجيش الوطني الليبي في السابق عدة محاولات لشن هجمات مضادة مستعيناً بالضربات الجوية ونفَّذ ما وصفها بضربات استباقية ضد حشود لسرايا الدفاع عن بنغازي في منطقة الجفرة الصحراوية بوسط البلاد، بينما قال حراس موالون للجيش الوطني الليبي إن الموانئ مؤمَّنَة جيداً بما يسمح بعودة العمال الأجانب.
ومنذ الإطاحة بنظام القذافي في 2011، توجد في ليبيا ثلاث حكومات حكومة الوفاق التي يترأسها السراج في طرابلس ويعترف بها المجتمع الدولي في مواجهة حكومة الإنقاذ الوطني المناوئة لها برئاسة خليفة الغويل والمدعومة من البرلمان السابق، بالإضافة إلى حكومة موازية في الشرق يترأسها عبد الله الثني ومرتبطة بالبرلمان والمشير حفتر.



أزمة السيولة تربك الاقتصاد اليمني وتعطل صرف الرواتب

مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
TT

أزمة السيولة تربك الاقتصاد اليمني وتعطل صرف الرواتب

مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)

مع اقتراب الشهر من نهايته، يخشى الموظفون اليمنيون في مناطق الحكومة الشرعية من عدم قدرتهم على الوفاء بالتزاماتهم المالية، بسبب عجزهم عن الحصول على رواتبهم، نتيجة أزمة السيولة التي تعيشها المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة الشرعية منذ أشهر.

ولا تُعدّ أزمة السيولة النقدية التي يواجهها اليمنيون أزمة نقود في حد ذاتها، بل أزمة أوراق نقدية تعجز البنوك عن توفيرها للعملاء، وتكتفي بمنح كل عميل يحاول السحب من رصيده أو صرف عملات أجنبية 80 ألف ريال يمني فقط يومياً (الدولار يساوي 1560 ريالاً) وسط اتهامات لها بتدمير ثقة عملائها بها.

وتعرّض الاقتصاد اليمني لأزمات متتالية بسبب الحرب المستمرة منذ أكثر من عقد، والتلاعب والمضاربة بالعملات في الأسواق الموازية وتراجع الثقة بالبنوك، واستبدال قنوات موازية غير قانونية بالقنوات المصرفية الرسمية، إلى جانب اعتداءات الجماعة الحوثية على موانئ تصدير النفط وحرمان الحكومة الشرعية من أهم مصادر الإيرادات.

ويرى عبد السلام الأثوري، الخبير الاقتصادي اليمني، أن أزمة السيولة في مناطق الحكومة اليمنية ليست نقصاً في النقد، بل نتيجة اختلالات هيكلية عميقة في إدارة المال العام والنظام النقدي؛ إذ خرجت كتل نقدية كبيرة من الجهاز المصرفي، ما أضعف قدرة البنك المركزي اليمني على التحكم بالسيولة.

القاعة الرئيسية لإجراء المعاملات بالبنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)

ويشير الأثوري في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى تآكل القنوات الرسمية للإيرادات، مع إيداع مؤسسات حكومية أموالها لدى شركات الصرافة بدل البنك المركزي؛ ما خلق قنوات مالية موازية، كما يبرز اختلال الإنفاق العام، خاصة في الرواتب، حيث تُصرف أموال لأسماء وهمية أو غير فعالة، وتتسرب لاحقاً إلى المضاربة وتحويل الأموال للخارج.

ومنذ أيام اتهم مسؤولان في البنك المركزي بعض السلطات المحلية والجهات الحكومية بمفاقمة الأزمة من خلال الامتناع عن التوريد لحساب الحكومة في البنك المركزي بعدن، وتجاهل قرار مجلس القيادة الرئاسي وخطة الإصلاحات الاقتصادية الشاملة المدعومة دولياً.

وحسب ما نقلت «رويترز» عن المسؤولين، فإن الحكومة لا تمتلك إيرادات كافية لتغطية نفقاتها، بسبب «هبوط حاد في الإيرادات العامة عقب توقف صادرات النفط منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2022، فضلاً عن آلاف المليارات من الريالات المكدسة في مخازن شركات الصرافة ورجال الأعمال، وهي عوامل تسببت في أزمة سيولة خانقة داخل المالية العامة».

وذكر مصدر مقرب من إدارة البنك المركزي اليمني في عدن لـ«الشرق الأوسط» أن من أسباب هذه الأزمة تجميد عقود طباعة العملة وإحجام التجار عن قبول الأوراق النقدية الممزقة والتالفة، والتي تمثل أكثر من 70 في المائة من الأوراق النقدية المتداولة، مع إصرار الكثير من السكان على تخزين الأوراق السليمة في منازلهم.

ابتلاع السيولة

وتعدّ هذه الأزمة إحدى تداعيات اقتصاد الحرب الذي تتراجع فيه الإيرادات العامة، وتفقد الدولة قدرتها على تنظيم السوق.

ويخشى المراقبون أن يتراجع دور البنوك أكثر مما هو حاصل فعلاً؛ إذ يستمر بقاء معظم الكتلة النقدية خارجها، ورغم الإجراءات التي اتبعها البنك المركزي في الصيف الماضي، فإنها لم تكن كافية لإعادة الدورة النقدية إلى وضعها القانوني، ومنع الاعتماد على الاقتصاد غير الرسمي.

ويصف عبد الحميد المساجدي، الباحث الاقتصادي اليمني، الأزمة الحالية بالاختلال العميق في بنية الدورة النقدية ذاتها نتيجة الاكتناز خارج البنوك؛ وهو ما أدى إلى شلل فعلي في وظيفة النقود وسيطاً للتبادل داخل النظام المالي الرسمي، وخلق مفارقة اقتصادية حادة تمثلت بشح داخل البنوك مقابل فائض غير منضبط في السوق الموازية، يُستخدم في المضاربة بالعملة.

وأوضح المساجدي لـ«الشرق الأوسط» أن البنوك فقدت جزءاً كبيراً من جاذبيتها لصالح قطاع الصرافة الذي يعمل بسرعة ومرونة أعلى وبقنوات أقل تعقيداً، وفي غياب الأدوات المالية الفعالة التي تستقطب السيولة، مثل شهادات الإيداع أو أدوات الدين الداخلي، تراجعت قدرة النظام المصرفي على أداء دوره وسيطاً مالياً، وتآكلت وظيفة خلق الودائع.

محل لبيع الأسماك في مدينة سيئون شرق اليمن (أ.ب)

وتتجلى الأزمة في تفاصيل يومية حصلت «الشرق الأوسط» على شهادات ميدانية عنها، مثل تأجيل المرضى زياراتهم للأطباء، وتحذيرات مدارس خاصة لأولياء أمور الطلاب من حرمان أبنائهم من إكمال العام الدراسي لعدم سداد الرسوم، وعجز تجار عن تجديد بضائعهم، مقابل عجز المستهلكين عن شراء السلع الأساسية إلا في أضيق الحدود.

ويشير حلمي الحمادي، الباحث المالي اليمني، إلى أن الأوراق النقدية وقعت فيما يسميه «مصيدة السيولة» التي نشأت بعد إجراءات البنك المركزي خلال العام الماضي، حيث كان المتحكمون بالإيرادات يضعون الأوراق النقدية في حوزة شركات الصرافة ويضاربون بها بالعملات الأجنبية، إلا أنهم الآن يحتفظون بها في المنازل.

ويخلص في توضيحه لـ«الشرق الأوسط» إلى أن أخطر ما في هذه الأزمة أن النقود لا تدخل البنوك التي لا تستطيع تمويل الاقتصاد، والذي بدوره يعمل خارج النظام المالي، وأن تجزؤ الإيرادات جغرافياً وقطاعياً، في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، تسبب في تركيز وإدارة السيولة في مناطق ولدى فئات وجهات وأفراد محددين، لينشأ ما يمكن تسميته «اختناق السيولة الموضعي».

حِزم الأوراق النقدية اليمنية تُحتجز لدى جهات تسعى للإضرار بالاقتصاد (رويترز)

وتتزايد المخاوف من أن تؤدي هذه الأزمة إلى تعطيل سلاسل الإمداد الغذائي، بصعوبة حصول التجار على أموالهم لاستيراد السلع، وعجز السكان عن الحصول على أوراق نقدية لشراء المواد الاستهلاكية.

استعادة الثقة

ولا تعدّ الأزمة الحالية مجرد تعثر مالي، بل هي «أزمة ثقة» حادة متعددة المستويات داخل المؤسسات الرسمية، وفي علاقة مختلف القطاعات بالقطاع المصرفي؛ ما يهدد بدفع الأسواق إلى الاعتماد على «المقايضة» القسرية أو الاعتماد الكلي على التحويلات الرقمية التي لا تتوفر للغالبية العظمى من السكان في الريف.

ويشدد الباحث الأثوري على ضرورة ضبط المالية العامة، وإغلاق حسابات الصرافة الحكومية، وتوحيد الرقابة على المال العام، وإصلاح الرواتب، وتدقيق القوائم الوظيفية، وإزالة الازدواجية والأسماء الوهمية، وربط الرواتب بنظام مصرفي أو رقمي مباشر.

شركات الصرافة أسهمت في تدهور القطاع المصرفي اليمني (أ.ف.ب)

كما يرى أن من أهم وسائل مواجهة هذه الأزمة، تفعيل أدوات البنك المركزي والتحول للدفع الرقمي وتوسيع المحافظ الإلكترونية والمدفوعات الرقمية، ورقمنة الرواتب لتقليل الاعتماد على النقد ومعالجة اختلالات التهربات الضريبية التي تفقد الإيرادات مبالغ كبيرة وخاصة لدى كبار المكلفين.

من جهته، يدعو المساجدي إلى إصلاح هيكلي شامل، واستخدام أدوات مالية ذكية وجاذبة، تعيد توجيه النقد إلى القنوات الرسمية بدلاً من بقائه خارجها، وتحديث القطاع المصرفي ليصبح أكثر كفاءة وسرعة وقدرة على تقديم خدمات حقيقية تعيد بناء الثقة تدريجياً بدلاً عن الاعتماد على شركات الصرافة.

ويتفق الاثنان على أهمية استعادة التوازن النقدي بالإلزام الصارم لكل الجهات بتوريد الإيرادات العامة إلى البنك المركزي، بما يعيد للدورة المالية وحدتها.


«توترات هرمز» تنذر بعودة القرصنة في البحر الأحمر

زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
TT

«توترات هرمز» تنذر بعودة القرصنة في البحر الأحمر

زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)

مع اقتراب أزمة غلق مضيق هرمز، من يومها الـ60، تتصاعد أزمة أخرى في البحر الأحمر مع حادث اختطاف ناقلة من جانب قراصنة قبالة السواحل الصومالية التي لها تاريخ كبير مع مثل تلك العمليات، قبل أن تهدأ في السنوات الأخيرة مع تحركات دولية مناهضة.

هذه العودة، حسب خبير بالشأن الصومالي والأفريقي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، تعد اختباراً للممرات الملاحية، خصوصاً بالبحر الأحمر، لجس نبض إمكانية عودة نشاط القراصنة على نحو أوسع واستغلال الاهتمام الدولي بأزمة مضيق هرمز.

قرصنة جديدة

أعلنت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية (يو كاي إم تي أو) أن ناقلة نفط خُطفت، الثلاثاء الماضي، قبالة سواحل الصومال الذي يحده من الشمال خليج عدن ومن الشرق المحيط الهندي، وتلك المنطقة تقع عند مدخل مضيق باب المندب بين البحر الأحمر وخليج عدن على أحد أكثر الطرق التجارية استخداماً في العالم، والرابط بين المحيط الهندي وقناة السويس.

وازدادت أهمية هذا المضيق استراتيجياً منذ إغلاق مضيق هرمز الذي كان يمر عبره قبل اندلاع الحرب في الشرق الأوسط 20 في المائة من إنتاج النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم.

ووفقاً لما نقلته الهيئة السبت، جرى الإبلاغ عن «حادث» على بُعد نحو 90 كيلومتراً شمال شرقي ماريو، في شرق الصومال، لافتة إلى أن «أفراداً غير مصرح لهم سيطروا على الناقلة وقادوها لمسافة 77 ميلاً بحرياً جنوباً، داخل المياه الإقليمية الصومالية»، من دون ذكر مزيد من التفاصيل.

وأفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية، الخميس أيضاً، باختطاف مسلح لسفينة صيد ترفع العلم الصومالي، لافتة إلى أن «هذه الأحداث مجتمعة تُشير إلى وجود تهديد حقيقي بالقرصنة».

أحد المسلحين خلال عملية اختطاف سفينة قبالة سواحل الصومال (رويترز)

وفي الأشهر الأخيرة، أثارت عدة حوادث مخاوف من عودة القرصنة قبالة سواحل القرن الأفريقي، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويرى المحلل السياسي في الشأن الصومالي والأفريقي، عبد الولي جامع بري، أن ذلك الحادث يأتي في سياق إقليمي أوسع مرتبط بالتوترات في البحر الأحمر ومضيق هرمز برغم أن حادث اختطاف السفن، ليس ظاهرة جديدة لكنه الآن ينذر بتداعيات.

ويُرجِع أسباب تلك العودة إلى ضعف الرقابة البحرية رغم تحسن الوضع الأمني في مقديشو، إلا أن السواحل الطويلة ما زالت صعبة على السيطرة الكاملة، بخلاف الفراغ الأمني الدولي النسبي مع تراجع الوجود البحري الدولي مقارنة بذروة مكافحة القرصنة بين 2010 - 2015.

وبرأي الباحث الاقتصادي والاستشاري في الاقتصاد والنقل الدولي، زياد الهاشمي، فإن «القراصنة الصوماليين يستغلون انشغال العالم بمضيق هرمز ويبدأون باختطاف السفن من جديد بالقرب من منطقة البحر الأحمر».

وهذا التطور حسبما ذكره الهاشمي في منشور عبر صفحته بـ«فيسبوك»، «يأتي وسط تصاعد ملحوظ في نشاط القرصنة في منطقة باب المندب، الذي كان يستهدف في الغالب السفن الأصغر حجماً، لكن اختطاف ناقلة منتجات نفطية كبيرة يُعد مؤشراً مقلقاً، خصوصاً أن المنطقة تعاني أصلاً من ضغوطات بحرية كبيرة بسبب مخاطر الحرب على إيران وإغلاق مضيق هرمز».

تاريخ مظلم

وبلغت أعمال القرصنة ذروتها في الصومال عام 2011، قبل أن تنخفض بشكل ملحوظ مع نشر سفن حربية دولية (من الاتحاد الأوروبي والهند ودول أخرى)، وإنشاء قوة شرطة بونتلاند البحرية.

وفي ذروتها في عام 2011، وصلت حوادث القرصنة قبالة سواحل الصومال إلى مستوى قياسي بلغ 237، ما كلف الاقتصاد العالمي 7 مليارات دولار في ذلك العام، وتم إطلاق النار على أكثر من 3863 بحاراً ببنادق هجومية وقذائف صاروخية في تلك الفترة، حسب تقرير سابق لـ«سي إن إن» الأميركية.

ويعود ظهور القراصنة، إلى تسعينات القرن الماضي، مع معاناة الصيادين المحليين من الصيد التجاري غير المنظم ، وبدأ بوصفه احتجاجاً مسلحاً ضد سفن الصيد الأجنبية التي حرمتهم من مصدر رزقهم التقليدي، الذي لطالما وفرته المياه الصومالية الغنية بأنواع الأسماك المختلفة.

ويشير عبد الولي جامع بري، إلى أن أي حادثة جديدة لا تُعد عودة كاملة للقرصنة، لكنها مؤشر قابل للتصاعد إذا توفرت الظروف، مؤكداً أن المخاوف ستتسع بعد حادث الجمعة، لأسباب بينها أن تكرار الحوادث الصغيرة قد يشير إلى اختبار الممرات البحرية، وتحول الاهتمام الدولي مع تصاعد أزمة مضيق هرمز.

وعودة نشاط القرصنة البحرية في مضيق باب المندب، حسب زياد الهاشمي، يزيد من مستوى المخاطر المرتفعة، ويضغط على شركات الشحن البحري لاستخدام المسار الأطول والأكثر تكلفة عبر رأس الرجاء الصالح، ما يعمّق مشكلة ارتفاع الأسعار في مراكز الاستهلاك الغربية.


هزة بسيناء عقب واحدة في مرسى مطروح

منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)
منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)
TT

هزة بسيناء عقب واحدة في مرسى مطروح

منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)
منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)

تعرضت مدينة سانت كاترين بمحافظة جنوب سيناء المصرية، صباح الأحد، لهزة أرضية بلغت قوتها 4.3 درجة على مقياس ريختر، شعر بها عدد من المواطنين، دون تسجيل أي خسائر في الأرواح أو الممتلكات.

وجاءت هذه الهزة بعد يومين فقط من زلزال أقوى ضرب شمال مرسى مطروح بقوة 5.77 درجة صباح الجمعة، ما أثار تساؤلات حول أسباب وقوع هزتين أرضيتين في منطقتين مختلفتين داخل مصر.

وأوضح «المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية في مصر»، في بيان، أن محطات الشبكة القومية لرصد الزلازل سجلت الهزة على بُعد 77.9 كلم من سانت كاترين، عند الساعة 3:13 صباحاً بالتوقيت المحلي، وعلى عمق 26.1 كلم ،من دون ورود بلاغات عن خسائر.

كانت محطات الشبكة القومية لرصد الزلازل سجلت، الجمعة، هزة أرضية على بُعد نحو 412 كلم شمال مرسى مطروح في الساعة 5:18 صباحاً بالتوقيت المحلي وعلى عمق 26.85 كلم، وشعر بها بعض المواطنين بشكل خفيف دون تسجيل أي أضرار.

وفي التوقيت نفسه تقريباً، ضرب زلزال بقوة 5.7 درجة الساحل الجنوبي لجزيرة كريت في اليونان، حيث حُدد مركزه على بُعد نحو 23 كلم جنوب غربي مدينة لاسيثي وعلى عمق 9.7 كلم، من دون تقارير عن وقوع خسائر.

تفاصيل وموقع الهزة الأرضية الأخيرة بجنوب سيناء (المعهد القومي للبحوث الفلكية)

يقول الدكتور شريف الهادي، رئيس قسم الزلازل بـ«المعهد القومي للبحوث الفلكية»، إن مركز الهزة التي سجلت في جنوب سيناء، يقع في منطقة أبو زنيمة، وهي منطقة غير مأهولة نسبياً، لكن شعر بها بعض سكان المدن القريبة منها مثل رأس غارب وسانت كاترين.

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «هذه الهزة تُصنَّف ضمن الزلازل الأقل من المتوسطة، حيث يكون الإحساس بها محدوداً»، موضحاً أن الزلازل الضعيفة تقل قوتها عن 3 درجات، بينما تبدأ الزلازل المتوسطة من 5 درجات فأكثر.

وبيّن أن مصدر هذه الهزة يعود إلى النشاط الزلزالي في خليج السويس، وهي منطقة معروفة بتسجيل هزات خفيفة إلى متوسطة على فترات متباعدة.

ولفت إلى أن هذا النشاط يختلف تماماً عن زلزال مطروح الأخير، الذي ارتبط بتأثر منطقة شرق البحر المتوسط بنشاط زلزالي مصدره جزيرة كريت، الواقعة ضمن حزام «شرق المتوسط» الزلزالي النشط، ما يؤدي إلى تكرار حدوث الهزات الأرضية فيها.

وأكد الهادي، أن الطبيعة التكتونية لخليج السويس تختلف جذرياً عن منطقة شرق المتوسط، التي تقع ضمن حزام زلزالي نشط، ما يفسر تكرار الهزات فيها، خصوصاً ما يقع في جزيرة كريت، كما شدّد على أن تزامن وقوع الهزتين خلال يومين جاء بـ«محض الصدفة، ولا يعد مؤشراً على زيادة النشاط الزلزالي في مصر، بل يأتي في إطار النشاط الطبيعي المعتاد».

وأضاف أن منطقة خليج السويس شهدت هدوءاً سريعاً عقب الهزة، مع تسجيل توابع ضعيفة لم تتجاوز 1.5 درجة، وهو ما يشير إلى استقرار الوضع، وأرجع النشاط الزلزالي المحدود في هذه المنطقة، إلى الطبيعة الجيولوجية للصخور وتاريخها الجيولوجي الطويل الذي يسمح بحدوث هزات خفيفة من حين لآخر.

وأوضح محمد عز العرب، الأستاذ المساعد في الشبكة القومية لرصد الزلازل التابعة لـ«المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية»، أن ما شهدته منطقة جنوب سيناء يختلف كلياً عن زلزال مرسى مطروح، نظراً لاختلاف البيئة التكتونية بين المنطقتين.

وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن مطروح تقع جيولوجياً على كتلة مستقرة نسبياً ضمن اللوح الأفريقي، وأن ما يشعر به السكان من هزات هناك لا يعود إلى وجود صدوع نشطة داخل المدينة، بل إلى تأثرها بالموجات الزلزالية المقبلة من مناطق النشاط التكتوني على حدود التقاء اللوح الأفريقي مع اللوح الأوراسي الذي يضم قارتي أوروبا وآسيا، في شرق البحر المتوسط، خصوصاً قرب جزيرة كريت وقبرص. وفي هذه المنطقة، تنشط آلية الاندساس، حيث ينغمس جزء من اللوح الأفريقي أسفل الأوراسي، ما يولد زلازل قد تمتد تأثيراتها إلى السواحل المصرية، بوصفها صدى للطاقة المنبعثة من نطاق التصادم.

وأشار عز العرب، إلى أن منطقة كريت تشهد نشاطاً زلزالياً مرتفعاً وبوتيرة أكبر بكثير مقارنة بمنطقة خليج السويس، التي تسجل هزات أقل تكراراً.

ولفت في المقابل، إلى أن الهزات في خليج السويس تكون غالباً خفيفة أو متوسطة القوة وغير منتظمة الحدوث، إذ قد تُسجَّل عدة مرات خلال سنوات متفرقة، وقد تمر فترات دون نشاط يُذكر.

وبيّن عز العرب أن سبب وقوع زلازل في خليج السويس من الناحية الجيولوجية يعود إلى أن هذه المنطقة ترتبط بحركة الفوالق المكونة لخليج السويس، وبالتباعد التكتوني بين اللوحين الأفريقي والعربي، ويُعد الخليج جزءاً من امتداد نظام الأخدود الأفريقي العظيم، وهو شق جيولوجي واسع في القشرة الأرضية بدأ تشكله منذ ملايين السنين، ويتسبب في تباعد كتل اليابسة تدريجياً، ما يجعل المنطقة نشطة تكتونياً.