«وول ستريت» بين نشوة «القمة» وتخوفات «القاع»

سياسات ترمب قسمت المحللين إلى متفائلين ومتشائمين

متعاملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متعاملون في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

«وول ستريت» بين نشوة «القمة» وتخوفات «القاع»

متعاملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متعاملون في بورصة نيويورك (رويترز)

بعد أن أنشأت «وول ستريت» قمة جديدة لم تصل إليها على الإطلاق، تخطت بها 21 ألف نقطة، خلال الأسبوع الماضي، تتجه الأنظار إلى مؤشرات البورصة الأميركية، بقوة، مع ترقب وحذر من المتعاملين، نتيجة التغيرات السريعة في البيانات المالية الأميركية، بالإضافة إلى التغيرات المنتظرة في الاقتصاد الأميركي التي من المقرر أن يوفي بها الرئيس دونالد ترمب.
ويعزف المستثمرون عن المراهنات في الوقت الحالي، نتيجة ترقبهم قرار البنك الفيدرالي الأميركي الأسبوع المقبل، وهو ما هبط بمؤشرات «وول ستريت» على مدار ثلاث جلسات الماضي، إلا أنه لم يطرأ تغير يذكر على الأسهم الأميركية في بداية تعاملات جلسة أمس، في الوقت الذي ينتظر فيه المستثمرون تقريرا عن الوظائف الشهرية اليوم الجمعة، مما يدعم احتمالات زيادة في أسعار الفائدة الأميركية.
والسؤال الذي يطرح نفسه وبقوة لدى المتعاملين، هل «وول ستريت» ستحقق «قمما» مالية أخرى، أم أن الهبوط سيقودها إلى «قاع» سريعاً، خصوصا بعد الصعود بنسبة 15 في المائة منذ انتخاب ترمب؟
وحققت نتائج الشركات الأميركية بنهاية العام الماضي، نتائج أفضل من التوقعات. فقد أعلنت 65 في المائة من شركات مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» أرباحا بأرقام أعلى من تلك التي توقعها المحللون والمتداولون، بل أكد مركز فاكتست المتخصص بمتابعة الأسواق «أن 53 في المائة من الشركات لم تكن تتوقع أن ترتفع أرباحها، فإذا بمجمل نتائج شركات مؤشر (ستاندرد آند بورز) تصعد بنسبة 5 في المائة». ولفت المركز إلى أن ارتفاع الأرباح في الفصلين الثالث والرابع من 2016 هو الأول من نوعه منذ بداية 2015. ومع توالي نتائج 2016 اتضح أن شركات 8 قطاعات من أصل 11 أعلنت أرباحا أفضل من تلك التي توقعها المحللون في 31 ديسمبر (كانون الأول) الماضي».
ووفقا لبعض المعطيات المالية، فإن التفاؤل يغلب على فريق في «وول ستريت»، في حين يعارضه فريق آخر، ويستند المتفائلون إلى معطيات أخرى مثل المؤشرات الكلية والجزئية الاقتصادية الجيدة التي صدرت مؤخرا عن الإنتاج والاستهلاك وثقة الأفراد والشركات، والصناعة التي تقدمت في فبراير (شباط) بسرعة نمو لم يعهدها هذا القطاع منذ أغسطس (آب) 2014، ومعدل البطالة المنخفض، وهناك أيضا أسعار البترول الجاذبة نظرا لتراجعها، فضلا عن الفوائد المصرفية الرخيصة والمشجعة على الاقتراض للاستهلاك والاستثمار.
إلى تلك المؤشرات الإيجابية يضيف المحللون المتفائلون عامل الصدمة الإيجابية التي أحدثها مجيء ترمب رئيسا «لا سيما التفاؤل ببرنامج حافل بما يسر خاطر شركات (وول ستريت) مثل خفض ضرائب الأرباح من 35 في المائة إلى 15 في المائة فقط، ووعد بإنفاق تريليون دولار في 10 سنوات لتحديث البنى التحتية وتوسعتها، وهو الأسخى منذ ولاية الرئيس إيزنهاور قبل 60 عاماً، وزيادة الإنفاق العسكري بمبلغ 54 مليار دولار، علاوة على منح حوافز للشركات والأرباح الأميركية المهاجرة كي تعود إلى البلاد، وتوقيع مرسوم إعادة النظر في قواعد العمل المصرفية لتحريرها من القيود التي فرضت في 2010 تصحيحا لأسباب اندلاع الأزمة المالية، كما تحرير قطاعات أخرى مثل الطاقة».
ويجمع المحللون على «أن برنامجا مثل هذا إذا تحول واقعا سيرفع أرباح الشركات 30 في المائة على الأقل». ووفقا لمحلل في شركة وساطة أميركية: «آمن المتعاملون بتلك الوعود واستبقوا الأحداث في موجة شراء أسهم تواصلت صعودا منذ 4 أشهر». أما المستثمر الشهير وارن بافت فقال في رسالته السنوية إلى حاملي أسهم شركته «بيركشاير هيثاواي»: «لسنا في فقاعة مضاربية، الأسعار رخيصة»، كاشفا أنه استثمر 20 مليار دولار إضافية في الأسواق مؤخراً، لكنه مع ذلك حذر من عودة الفائدة للارتفاع.
في المقابل يحذر المتشائمون من «لاعقلانية هذه الموجة التفاؤلية» لأسباب كثيرة أجمع عدد من المحللين على أنها تدعو إلى الحذر والتريث.
وتشير تلك الحجج المتشائمة أولا إلى «أن الأسعار ليست رخيصة الآن باستخدام مؤشر مكررات الربحية البالغ 18 مرة، أي أنه دليل على غلاء الأسعار بعد موجة الارتفاعات المتتالية منذ 8 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وهذا المؤشر الآن هو الأعلى منذ مايو (أيار) 2004». أما بشأن خفض ضرائب الأرباح فقد حذر اقتصاديون من «صعوبة تحقيقه كما وعد ترمب، لأن الدين العام الأميركي يقترب من 20 تريليون دولار، وأي تراجع في الإيرادات الضريبية سيزيد عجز الموازنة خصوصا إذا نفذ ترمب سياسته المالية التوسعية بإنفاق 100 مليار دولار سنويا على البنى التحتية، كما أن التوسع الإنفاقي يجر وراءه عادة معدلات تضخم تفرض بدورها رفعا أسرع لمعدلات الفائدة. أما إذا حصلت حرب تجارية جراء رفع الرسوم الجمركية على الاستيراد من الصين والمكسيك ودول أخرى فستتضرر أرباح شركات كثيرة لا محالة، لا سيما الشركات المصدرة التي ستواجه سلعها رسوما عالية في البلدان الأخرى التي سترد بالمثل إذا رفع ترمب الجمارك بالنسب المرتفعة التي تحدث عنها. أما خفض الاستيراد فسيكون بآثار جانبية على الاستهلاك والاستثمار».
وعن السياسة النقدية، فالحذر يتحول واقعا ملموسا غير مبالغ فيه، «لأن الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) وعد برفع الفائدة مرة في مارس (آذار) الحالي، إضافة إلى مرتين إضافيتين قبل نهاية 2017. وهذا ما حذر من آثاره وارن بافيت في رسالته السنوية. كما أن رفع الفائدة يعني أن الاحتياطي الفيدرالي يخرج تدريجيا من دعم الاقتصاد ومن حقبة طويلة من التيسير الكمي الذي فرضته ظروف حلول أزمة 2008. ونقديا أيضا يواصل الدولار استعراض قوته أمام عدد كبير من العملات الأخرى، ولذلك آثار جانبية على الشركات المصدرة خصوصا وعلى النمو الاقتصادي عموماً».
على صعيد آخر، أبدى محللون أوروبيون اندهاشهم من «أن المتداولين الأميركيين يصمون الآذان غير راغبين بسماع شيء عن المخاطر الجيوسياسية مثل الأثر الممكن على أسواق المال إذا تفاقمت المواجهة بين الإدارة الأميركية الجديدة وإيران وتحولت إلى صدام عسكري»، ويستغربون أيضا من «عدم الاكتراث بسيناريو خروج اليونان من الاتحاد الأوروبي (غريكست)، وعدم التحوط إزاء الخروج الصعب لبريطانيا من الاتحاد (بريكست)». وفي هذا الصدد أكد استطلاع رأي جس نبض رؤساء الشركات أجراه بنك «يو بي إس» السويسري الأسبوع الماضي «أن العوامل الجيوسياسية يفترض أن تأتي في رأس قائمة المخاطر الواجب التحوط منها».
ويقول محلل في بنك «ناتكسيس»: «إنها معضلة فعلاً. كان يفترض بالأسواق أن تحذر لكنها لم تفعل. لا تفكير كبيرا في إمكان عدم تنفيذ برنامج ترمب الاقتصادي كليا أو جزئيا. أي خيبة أمل ستورث هبوطا سريعا لمؤشرات البورصة في الأشهر المقبلة». ويتساءل: «هل بالغت الشركات في استباق الأحداث واشترت المستقبل بأسعار باهظة؟» ويجيب: «ربما نعم!»
على الصعيد عينه كتب الاقتصادي الأميركي نورييل روبيني مقالات في صحف أميركية وأوروبية «محذرا من أن ارتفاع الفائدة على المدى الطويل سيؤثر سلبا في الاستثمار والعقار، وأن ارتفاع الدولار ضار جدا بالوظائف، وأن عجز الموازنة سيتعاظم، وأن موجة تضخم غير حميد قد تجتاح الاقتصاد». وقال: «وعود ترمب رفعت الأسواق، وتنفيذه لبرنامجه سيرفعها أكثر على المدى القريب، أما على المدى البعيد فستكون النتائج كارثية».
وفي تحليل لأثر الخفض الضريبي يقول مركز تاكس بوليسي سنتر: «الأسواق صعدت فقط لأن ترمب وعد حازما بأنه سيخفف الأعباء الضريبية عن كاهل الشركات التي سال لعابها واستبشرت خيرا كثيرا. الخفض الموعود إذا نفذ سيرفع الأرباح 30 في المائة على الأقل، لكن ذلك الريع سيذهب إلى الأكثر ثراء، أي إلى واحد في المائة من ناخبي ترمب. لكن ماذا عن الناخبين الآخرين وهم السواد الأعظم؟».



خام برنت يتجاوز الـ90 دولاراً مع تصاعد الحرب في الشرق الأوسط

ناقلة النفط الخام «تريكوونغ فنتشر» ترسو في مسقط (رويترز)
ناقلة النفط الخام «تريكوونغ فنتشر» ترسو في مسقط (رويترز)
TT

خام برنت يتجاوز الـ90 دولاراً مع تصاعد الحرب في الشرق الأوسط

ناقلة النفط الخام «تريكوونغ فنتشر» ترسو في مسقط (رويترز)
ناقلة النفط الخام «تريكوونغ فنتشر» ترسو في مسقط (رويترز)

ارتفعت أسعار النفط بشكل ملحوظ يوم الجمعة بعد تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «الاستسلام غير المشروط» لإيران هو السبيل الوحيد لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط، وذلك في ظلّ تجدد الهجمات على إيران.

وارتفع سعر خام برنت بحر الشمال، المعيار الدولي، بأكثر من 5 في المائة ليصل إلى 90.25 دولار للبرميل، وهو أعلى مستوى له منذ أبريل (نيسان) 2024. كما ارتفع سعر خام غرب تكساس الوسيط، العقد الرئيسي في الولايات المتحدة، بنسبة 8.1 في المائة ليصل إلى 87.56 دولار للبرميل.


الاقتصاد الأميركي يفقد وظائف في فبراير... والبطالة تقفز لـ4.4 %

لافتة «مطلوب موظفون» معروضة خارج متجر تايلور لتأجير لوازم الحفلات والمعدات في سومرفيل بماساتشوستس (رويترز)
لافتة «مطلوب موظفون» معروضة خارج متجر تايلور لتأجير لوازم الحفلات والمعدات في سومرفيل بماساتشوستس (رويترز)
TT

الاقتصاد الأميركي يفقد وظائف في فبراير... والبطالة تقفز لـ4.4 %

لافتة «مطلوب موظفون» معروضة خارج متجر تايلور لتأجير لوازم الحفلات والمعدات في سومرفيل بماساتشوستس (رويترز)
لافتة «مطلوب موظفون» معروضة خارج متجر تايلور لتأجير لوازم الحفلات والمعدات في سومرفيل بماساتشوستس (رويترز)

شهد الاقتصاد الأميركي انخفاضاً غير متوقع في عدد الوظائف خلال شهر فبراير (شباط)، نتيجة إضراب العاملين في قطاع الرعاية الصحية والظروف الشتوية القاسية، في حين ارتفع معدل البطالة إلى 4.4 في المائة.

وذكر مكتب إحصاءات العمل الأميركي في تقريره السنوي الذي يحظى بمتابعة دقيقة، أن الوظائف غير الزراعية انخفضت بمقدار 92 ألف وظيفة الشهر الماضي، بعد تعديل بيانات يناير (كانون الثاني) نزولاً من زيادة قدرها 126 ألف وظيفة. وكان خبراء اقتصاديون استطلعت «رويترز» آراءهم قد توقعوا زيادة في الوظائف بمقدار 59 ألف وظيفة، بعد زيادة بلغت 130 ألف وظيفة في يناير وفقاً للإعلانات السابقة.

وتراوحت توقعات الخبراء بين خسارة 9 آلاف وظيفة وزيادة 125 ألف وظيفة. إلى جانب إضراب 31 ألف عامل في مؤسسة «كايزر بيرماننت» في قطاع الرعاية الصحية وسوء الأحوال الجوية، جاء الانخفاض الأخير في التوظيف بمثابة تصحيح بعد المكاسب الكبيرة المسجلة في يناير.

وأشار الخبراء إلى أن مكاسب يناير كانت مدعومة بتحديث نموذج المواليد والوفيات الذي يستخدمه مكتب الإحصاءات لتقدير عدد الوظائف المكتسبة أو المفقودة نتيجة فتح أو إغلاق الشركات. وقد انتهى الإضراب في ولايتي كاليفورنيا وهاواي منذ ذلك الحين.

واستقر سوق العمل بعد تعثره في عام 2025 في ظل حالة من عدم اليقين الناجمة عن الرسوم الجمركية الشاملة التي فرضها الرئيس دونالد ترمب بموجب قانون للطوارئ الوطنية. وعلى الرغم من إلغاء المحكمة العليا الأميركية لهذه الرسوم، رد ترمب بفرض رسوم استيراد عالمية بنسبة 10 في المائة، ثم أعلن لاحقاً رفعها إلى 15 في المائة.

وأدرج مكتب إحصاءات العمل ضوابط جديدة للنمو السكاني، تأخرت بسبب إغلاق الحكومة الأميركية لمدة 43 يوماً العام الماضي. كما ساهمت تشديدات إدارة ترمب على الهجرة في انخفاض المعروض من العمالة، مما أبطأ من حركة سوق العمل.

وقدّر المكتب أن عدد سكان الولايات المتحدة ارتفع بمقدار 1.8 مليون نسمة فقط، أي بنسبة 0.5 في المائة، ليصل إلى 341.8 مليون نسمة في السنة المنتهية يونيو (حزيران) 2025. وقد أثّرت ضوابط النمو السكاني على بيانات مسح الأسر لشهر يناير فقط، ما يعني أن مستويات التوظيف والبطالة والقوى العاملة الشهرية لا يمكن مقارنتها مباشرة. وبلغ معدل البطالة 4.3 في المائة في يناير. ورغم ارتفاعه في فبراير، يبقى المعدل منخفضاً تاريخياً، حيث أشار الاقتصاديون إلى أنهم لن يشعروا بالقلق إلا إذا تجاوز 4.5 في المائة.

ومع تهديد الحرب في الشرق الأوسط بإذكاء التضخم، يرى الاقتصاديون أن مجلس الاحتياطي الفيدرالي لن يكون في عجلة لاستئناف خفض أسعار الفائدة. وأظهرت بيانات جمعية السيارات الأميركية ارتفاع أسعار البنزين بالتجزئة بأكثر من 20 سنتاً للغالون منذ الغارات الجوية الأميركية والإسرائيلية على إيران الأسبوع الماضي، وردت طهران، مما وسّع نطاق النزاع نحو صراع إقليمي أوسع وفق المحللين.

ويحذر الخبراء من المخاطر السلبية على سوق العمل جراء استمرار الحرب؛ إذ تتسبب التقلبات في سوق الأسهم في دفع الأسر ذات الدخل المرتفع، المحرك الرئيسي للاقتصاد عبر الإنفاق الاستهلاكي، لتقليص نفقاتها.

ومن المتوقع أن يُبقي مجلس الاحتياطي الفيدرالي خلال اجتماعه المقبل يومي 17 و18 مارس (آذار) سعر الفائدة القياسي لليلة واحدة في نطاق 3.50 في المائة إلى 3.75 في المائة.


الأسواق الناشئة تختبر «حرب إيران»... والمستثمرون يراهنون على تعافٍ محتمل

بيانات التداول معروضة في بورصة تايوان بتايبيه (رويترز)
بيانات التداول معروضة في بورصة تايوان بتايبيه (رويترز)
TT

الأسواق الناشئة تختبر «حرب إيران»... والمستثمرون يراهنون على تعافٍ محتمل

بيانات التداول معروضة في بورصة تايوان بتايبيه (رويترز)
بيانات التداول معروضة في بورصة تايوان بتايبيه (رويترز)

أحدثت موجة خروج الأموال من الأصول عالية المخاطر اضطراباً في الأسواق الناشئة منذ اندلاع الحرب في الشرق الأوسط، غير أن بعض المستثمرين يراهنون على أن قوة الأسس الاقتصادية وتغير التوازنات الجيوسياسية قد يسمحان باستئناف موجة الصعود التي استمرت نحو عام.

وقد دفع القصف الذي شنته الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران عملات وأسهم الأسواق الناشئة نحو تسجيل أكبر خسائر أسبوعية لها منذ جائحة كوفيد-19، في حين تعرضت السندات أيضاً لتراجعات حادة، وفق «رويترز».

وقام بنك «جي بي مورغان» بخفض توصيته بزيادة الوزن النسبي لاستثمارات العملات الأجنبية والسندات المقومة بالعملات المحلية في الأسواق الناشئة إلى مستوى «محايد للسوق»، مشيراً إلى حالة عدم اليقين. كما قلّص بنك «سيتي» انكشافه على عملات الأسواق الناشئة إلى النصف.

لكن مستثمرين مخضرمين يرون أن اقتصادات الأسواق الناشئة، ما لم تتعرض لصدمات كبيرة إضافية أو لفترة مطوّلة من ارتفاع أسعار الطاقة، قادرة على التعافي، مع بروز مؤشرات أولية على ذلك بالفعل.

وقالت كاثي هيبورث، رئيسة فريق ديون الأسواق الناشئة في «بي جي آي إم» للدخل الثابت: «لا أعتقد أننا شهدنا بعد ما يمكن وصفه بخروج الأموال الاستثمارية الحقيقية أو الأموال العابرة بين الأسواق. لا يزال هناك مستثمرون على الهامش كانوا ينتظرون تصحيحاً في الأسواق للدخول أو لزيادة مستوى انكشافهم».

متداول يراقب الأسهم في بورصة باكستان بكراتشي (إ.ب.أ)

نهاية الاتجاه أم مجرد توقف مؤقت؟

فمن الأسهم إلى السندات والعملات، كانت الأسواق الناشئة قد فاقت التوقعات جميعها حتى هذا الأسبوع.

وقد تضخمت التدفقات إلى هذه الأصول منذ بدء الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب في يناير (كانون الثاني) 2025. وأصدرت الدول الناشئة حجماً قياسياً من الديون في يناير، في وقت ارتفعت فيه الأسهم بقوة، بينما ضخ المستثمرون الباحثون عن العوائد أموالاً في ديون الأسواق الحدودية المقومة بالعملات المحلية.

ومع ذلك، كان المستثمرون قد حذروا مسبقاً من أن بعض «الأموال الساخنة» المقبلة من صناديق التحوط ومستثمرين غير متخصصين قد تغادر الأسواق سريعاً إذا تغير اتجاهها.

وقد أدى القصف الأميركي–الإسرائيلي لإيران إلى حدوث ذلك بالفعل، مع اندفاع المستثمرين نحو الملاذات الآمنة؛ إذ ارتفع الدولار إلى جانب الذهب، بينما تزايدت التدفقات نحو السيولة النقدية.

وقال جيمس لورد، الرئيس العالمي لاستراتيجيات العملات والأسواق الناشئة في «مورغان ستانلي»: «لقد شهدنا صدمة كبيرة في الأسواق... وقد نشهد المزيد إذا ارتفعت أسعار النفط أكثر».

وأظهرت البيانات أن مؤشر «إم إس سي آي» لأسهم الأسواق الناشئة فقد أكثر من تريليون دولار من قيمته السوقية منذ بلوغه الذروة يوم الخميس الماضي وحتى إغلاق الأربعاء.

وكان أحد أبرز التراجعات في مؤشر «كوسبي» الكوري للأسهم، الذي خسر نحو 20 في المائة خلال يومي الثلاثاء والأربعاء في أكبر هبوط بتاريخ المؤشر. وكان هذا المؤشر، المتأثر بشدة بالاندفاع نحو الذكاء الاصطناعي وصناعة الرقائق، قد سجل أفضل أداء بين أسهم الأسواق الناشئة.

وقال جوناس غولترمان، نائب كبير اقتصاديي الأسواق في «كابيتال إيكونوميكس»: «هذا بيع بدافع الذعر إلى حد ما»، مضيفاً أن ذلك يعكس سيطرة آلة السوق على العوامل الأساسية للاقتصاد.

لكن المؤشر استعاد جزءاً من خسائره يوم الخميس، مرتفعاً بنحو 10 في المائة، ولا يزال مرتفعاً بأكثر من 30 في المائة منذ بداية العام.

يعمل متداولون كوريون جنوبيون أمام الشاشات في بنك «هانا» بسيول (إ.ب.أ)

أسس قوية... ودرع في مواجهة الاضطرابات

ويرى مستثمرون أن السنوات التي قضتها العديد من الأسواق الناشئة والحدودية في تعزيز أوضاعها المالية وترسيخ الثقة في بنوكها المركزية قد تزيد أيضاً من جاذبيتها خلال أزمة مطوّلة.

وأشار لورد إلى أن العديد من البنوك المركزية اتبعت «نهجاً حذراً وموثوقاً للغاية في دورات التيسير النقدي»، ما ساعد على كبح التضخم ودعم العملات المحلية أمام الدولار.

كما أجرت دول مثل مصر ونيجيريا، حيث كان من الصعب سابقاً إعادة تحويل الأموال إلى الخارج، إصلاحات لتحسين وصول المستثمرين إلى أسواقها. ويرى بعض المحللين أن التدفقات الخارجية في الأيام الأخيرة تُظهر أنها أصبحت وجهة استثمارية موثوقة.

وقالت إيفيت باب، مديرة المحافظ الاستثمارية في «ويليام بلير»: «الأسواق الحدودية التي تلقت تدفقات كبيرة تُظهر الآن قدرتها على تلبية الطلب على العملات الأجنبية، كما تُظهر مرونة في أسعار الصرف، وهو ما نراه عنصراً إيجابياً في مثل هذه الظروف لإدارة الصدمات الخارجية من هذا النوع».

وأضافت: «نعتقد أن الأسس الاقتصادية في الأسواق الناشئة قوية بما يكفي لتحمّل صدمة خارجية، طالما أن التطورات الحالية لا تعرقل مسار النمو العالمي».

ووفقاً لبنك «باركليز»، سجلت صناديق السندات والأسهم في الأسواق الناشئة تدفقات داخلة خلال الأسبوع المنتهي في 4 مارس (آذار)، رغم الاضطرابات.

تهديد النفط

ويظل ارتفاع أسعار النفط أكبر مصدر تهديد. فاستمرار الأسعار فوق مستوى 100 دولار للبرميل لفترة طويلة قد يؤدي إلى تسارع التضخم العالمي، وإضعاف النمو، كما قد يحد من قدرة بعض البنوك المركزية في الأسواق الناشئة على مواصلة خفض أسعار الفائدة.

وقالت ليلى فوري، الرئيسة التنفيذية لبورصة «جوهانسبرغ»، في تصريح لـ«رويترز»: «إن مدة وشدة الأزمة الجيوسياسية في إيران ستحددان إلى أي مدى سيستمر التحول بعيداً عن الأسواق الناشئة».

في المقابل، قال إلياس أ. إلياس، مدير المحافظ الاستثمارية في شركة «تمبلتون للاستثمارات العالمية»، إن مُصدِّري السلع الأولية في أميركا اللاتينية قد يستفيدون من ارتفاع الأسعار، في حين أن التقييمات المنخفضة لأسهم الأسواق الناشئة تعزز جاذبيتها رغم الاضطرابات الحالية.

وأضاف: «نحن متفائلون للغاية بأسهم الأسواق الناشئة كفئة أصول»، مشيراً إلى أن هذه الأسهم لا تزال تُتداول بخصم يقارب 28 في المائة مقارنة بالأسواق المتقدمة، مع توقعات بنمو أرباح أعلى.