الصين «المتوازنة» أكثر صموداً أمام الأزمات العالمية

تشجيع الطلب المحلي يحميها من تباطؤ الاقتصاد العالمي

عمال صينيون بمصنع خاص بأدوات الهواتف الذكية في شرق البلاد (أ.ف.ب)
عمال صينيون بمصنع خاص بأدوات الهواتف الذكية في شرق البلاد (أ.ف.ب)
TT

الصين «المتوازنة» أكثر صموداً أمام الأزمات العالمية

عمال صينيون بمصنع خاص بأدوات الهواتف الذكية في شرق البلاد (أ.ف.ب)
عمال صينيون بمصنع خاص بأدوات الهواتف الذكية في شرق البلاد (أ.ف.ب)

الحمائية تقترب من السيطرة على العالم مع صعود اليمين في الدول الغربية، ومواجهة إغراق الأسواق بالواردات الأجنبية أصبح أولوية على أجندة الانتخابات الرئاسية في أوروبا، بعد قرار خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، أما أميركا الشمالية، قائدة الانفتاح على العالم، فتستعد لبناء سور بين جيرانها، ولكن في شرق آسيا تبدو الأوضاع مستقرة.
في السبعينات مع فورة تحرير التجارة حول العالم، كانت الدول النامية تتخوف من أن تغرق الدول الغنية أسواق الفقراء ببضائعها المتقدمة، ولكن بعد أربعين عاماً جاءت الشكوى من الناحية الأخرى من البحر، وقالت الدول الغربية إنها لا تريد حرية أكثر، بينما تقود الصين النمو العالمي منذ عقود، وخليفة القيادة ستكون الجارة الهندية.
تناقش الصين هذه الأيام مستقبلها الاقتصادي في الأجل القصير، والسمة الغالبة هي التوازن بين التوسع خارجياً ودعم وتنشيط الطلب المحلي، لخلق نمو مستقر، يصعب تأثره بالأزمات الداخلية والخارجية. الاثنين الماضي، قال مسؤول في اللجنة الوطنية للتنمية والإصلاح في الصين إن بلاده ستتخذ المزيد من الخطوات لدعم الاستثمار الخاص في الوقت الذي تتطلع فيه إلى الحفاظ على النمو الاقتصادي القوي، وفي الوقت الذي تجري فيه إصلاحات هيكلية.
وفي العام الماضي أجبر تباطؤ حاد في الاستثمار الخاص بكين على الاعتماد أكثر على الإنفاق الحكومي، والمزيد من الشركات الحكومية التي تفتقر إلى الكفاءة للوصول إلى النمو المستهدف مما، ترك الاقتصاد غير متوازن، هذا العام سيتم الاعتماد على القطاع الخاص.
لكن تشانغ يونغ نائب رئيس اللجنة الوطنية للتنمية والإصلاح قال في مؤتمر صحافي إن الاستثمار الخاص يستقر، وإن الإجراءات التي جرى اتخاذها لتعزيز هذا الإنفاق بدأت تؤتي ثمارها. وقال تشانغ إن الصين ستقلص العقبات أمام دخول الاستثمار الخاص وتبسط القواعد، وتدعم الاستثمار بشكل أكبر عبر برامج للشراكة بين القطاعين الخاص والعام. وتتطلع الصين إلى تقليص المخاطر الناجمة عن سنوات من التحفيز المدعوم بالائتمان، والذي يتركز في قطاعات حكومية مثقلة بالديون في الوقت الذي تحافظ فيه على معدل نمو مرتفع.
كان لي كه تشيانغ رئيس وزراء الصين، قال في أول تقرير عمل له في افتتاح الاجتماع السنوي للبرلمان الأحد الماضي، إن الحكومة خفضت النمو المستهدف إلى 6.5 في المائة لعام ،2017 وذلك من نطاق بين 6.5 و7 في المائة في العام الماضي. أما الاستثمار الساخن فقد سجلت الصين فيه نجاحا ملحوظا.
ويوم الثلاثاء الماضي، تم إعلان ارتفاع احتياطيات الصين من النقد الأجنبي على نحو غير متوقع للمرة الأولى في ثمانية أشهر في فبراير (شباط) الماضي، متجاوزة ثلاثة تريليونات دولار، في الوقت الذي ساهمت فيه حملة تنظيمية صارمة، وتراجع الدولار في تعزيز تدفقات رأس المال. وزادت الاحتياطيات 6.92 مليار دولار خلال فبراير (شباط) لتصل إلى 3.005 تريليون دولار في أول زيادة منذ يونيو (حزيران) 2016 مقارنة مع انخفاض بلغ 12.3 مليار دولار في يناير (كانون الثاني) الماضي حين هبطت الاحتياطيات إلى 2.998 تريليون دولار.
وتوقع خبراء اقتصاد انخفاض احتياطيات النقد الأجنبي 25 مليار دولار إلى 2.973 تريليون دولار في فبراير (شباط)، ولكن الحكومة خيبت ظنهم وحققت إنجازا محترما.
وشددت الصين القواعد المتعلقة بنقل رأس المال إلى خارج البلاد في الأشهر الأخيرة، في الوقت الذي تسعى فيه لدعم اليوان، ووقف تراجع احتياطاتها من النقد الأجنبي.
واستهلكت الصين نحو 320 مليار دولار من الاحتياطيات العام الماضي لكن اليوان هبط على الرغم من ذلك 6.6 في المائة مقابل الدولار ليسجل أكبر انخفاض سنوي منذ 1994. واستقر اليوان في الأسابيع الأخيرة مع انحسار زخم ارتفاع الدولار. وربحت العملة الصينية 0.2 في المائة في فبراير (شباط) وارتفعت 0.8 في المائة منذ بداية 2017.
لكن التوقعات بزيادة أسعار الفائدة الأميركية والمقرر النظر فيها الأسبوع المقبل، أذكت المخاوف بأن اليوان قد يتعرض لضغوط من جديد. وقد يشعل احتمال تخفيض قيمته فتيل توترات تجارية مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب.
وزادت احتياطات الصين من الذهب إلى 74.376 مليار دولار بنهاية فبراير (شباط) من 71.292 مليار دولار بنهاية يناير (كانون الثاني)، وفق ما أظهرته بيانات نشرها بنك الشعب الصيني (البنك المركزي) على موقعه الإلكتروني.
وقالت سلطات الجمارك الصينية أمس الأربعاء، إن واردات الصين ارتفعت بنسبة 38.1 في المائة في فبراير (شباط) الماضي مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي، ويرجع ذلك إلى ارتفاع أسعار السلع. وكان حجم الواردات قد بلغ الشهر الماضي 129.2 مليار دولار.
وفي الفترة نفسه، تراجعت الصادرات بنسبة 1.3 في المائة مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي لتصل إلى 120.1 مليار دولار. وقد سجلت الصين عجزا في الميزان التجاري بلغ 9.15 مليار دولار. ويشار إلى أن هذه أول مرة منذ ثلاثة أعوام تتجاوز فيها واردات الصين صادراتها. ويرجع ارتفاع الواردات إلى الطلب المرتفع من الشركات الصينية على المواد الخام مثل الحديد والنحاس والزيوت، التي ارتفعت أسعارها بصورة كبيرة العام الماضي.

النمو المتزن

خفضت الصين معدل النمو الاقتصادي المستهدف للعام الحالي، في الوقت الذي تعتزم فيه الحكومة خفض معدلات نمو الديون وتعزيز الاستقرار المالي.
وقال رئيس الوزراء الصيني «لي كيشيانج» أمام مؤتمر الشعب القومي (البرلمان الصيني)، الأحد الماضي إن الحكومة تستهدف تحقيق نمو اقتصادي بمعدل 6.5 في المائة تقريبا خلال العام الحالي.
كانت الصين قد حققت نموا اقتصاديا بمعدل 6.7 في المائة خلال العام الماضي وهو ما جاء متفقا مع المستهدف الحكومي الذي كان يتراوح بين 6.5 في المائة و7 في المائة من إجمالي الناتج المحلي. يأتي ذلك فيما تتباطأ وتيرة نمو الاقتصاد الصيني باطراد، في الوقت الذي تحاول فيه الحكومة تحويل النمو من الاعتماد على التصدير إلى الاعتماد على الاستهلاك المحلي.
وقال: «لي كيشيانج» إن معدل النمو المستهدف للعام الحالي يتفق مع هدف خلق «مجتمع مزدهر بطريقة معتدلة». وبحسب التقرير المقدم إلى الاجتماع السنوي للبرلمان الصيني، فإن الحكومة تستهدف معدل تضخم قدره 3 في المائة تقريباً خلال العام الحالي، وهو معدل التضخم في العام الماضي نفسه. كما تستهدف الصين توفير أكثر من 11 مليون وظيفة جديدة خلال العام الحالي.
وأشار تقرير العمل المقدم إلى البرلمان إلى اعتزام الحكومة مواصلة جهود خفض فوائض الطاقة الإنتاجية في القطاع الصناعي وتقليل المعروض في سوق العقارات، وتقليص المديونيات في القطاع المصرفي. وقال «لي» إن الحكومة ستقوم بإصلاحات في المجالات الأساسية لمواجهة المخاطر ذات الصلة بالديون المتعثرة والسندات المشكوك في تحصيلها والنظام المصرفي الموازي (غير الرسمي) والخدمات المالية عبر الإنترنت.
وأضاف رئيس الوزراء أنه سيتم تحرير سعر صرف العملة الصينية اليوان بصورة أكبر، وذلك بعد ضمه لسلة العملات الرسمية لصندوق النقد الدولي.
وقال هوانغ شو هونغ، مدير مكتب أبحاث مجلس الدولة الذي ساعد في صياغة تقرير رئيس الوزراء، إن نموا بنحو 6.5 في المائة سيكفي لحماية التوظيف.
وأضافت الصين 13.14 مليون وظيفة جديدة في المدن عام ،2016 وسجل عدد خريجي الجامعات الذين عثروا على وظائف أو بدأوا مشروعات رقماً قياسياً حسبما أفاد تقرير «لي». وقال هوانغ: «أما فيما يتعلق بحد أدنى للنمو فما دام التوظيف بلا مشاكل فإن نمواً أعلى أو أقل بقليل سيكون مقبولاً».
وقال مايكل تين النائب عن هونغ كونغ في البرلمان الصيني ومؤسس متاجر الملابس جي2000 إنه مندهش لرقم النمو البالغ 6.5 في المائة.
وأضاف: «أعتقد أنه بالغ الارتفاع... في الأعوام القليلة الماضية كانوا يحققون أي رقم يأتون به بل ويتجاوزونه بهامش طفيف. لذا ومع هذا الاقتصاد فإن 6.5 في المائة رقم مذهل». ويقول الاقتصاديون إن من الصعب تحقيق التوازن بين دعم النمو والمحافظة على السيولة وفي الوقت نفسه المضي في إصلاحات وترويض القوى المالية الجامحة، ولكن الصين يبدو أنها ستنجح.
وتحدد هدف نمو المعروض النقدي بمفهومه الواسع عند نحو 12 في المائة لعام 2017 من نحو 13 في المائة في 2016. ومع ذلك ظل هدف عجز الميزانية الحكومية دون تغيير عند ثلاثة في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وقال لي إن الصين ستواصل تطبيق سياسة مالية استباقية، مضيفاً أن الحكومة تهدف إلى خفض أعباء الضرائب عن الشركات نحو 350 مليار يوان (51 مليار دولار) هذا العام، وأضاف أن الصين ستواصل انتهاج سياسة نقدية تتسم بالحذر والحياد.
وقال لي إن المخاطر الشاملة تحت السيطرة في الوقت الحالي، لكن على الصين أن تتحلى باليقظة التامة وأن تشيد «سياجا» للحماية من المخاطر المالية.
وقدمت البنوك الصينية مستوى قياسيا من القروض بلغ 12.65 تريليون يوان في 2016 وتظهر بيانات حديثة أن القروض الجديدة باليوان بلغت 2.03 تريليون يوان في يناير (كانون الثاني)، وهو ثاني أعلى مستوى على الإطلاق.
وقال لي: «سنطبق مجموعة كاملة من أدوات السياسة النقدية، ونحافظ على استقرار السيولة، ونعمل على أن تظل أسعار الفائدة في السوق عند مستوى ملائم، ونحسن آلية انتقال السياسة النقدية».

الصين تحارب التلوث أيضاً

العالم أصبح أقل تأثراً بنشرات مخاطر التلوث، والإدارة الأميركية الجديدة واضحة في تغليب هدف النمو على هدف حماية البيئة، ولكن الصين أمرها مختلف.
تعتزم الصين خفض طاقة إنتاج الصلب 50 مليون طن، وطاقة إنتاج الفحم أكثر من 150 مليون طن هذا العام، حسبما ذكرت هيئة التخطيط الرئيسية مع تعزيز بكين جهودها لمحاربة التلوث، وحل مشكلة الطاقة الإنتاجية الفائضة.
وقالت اللجنة الوطنية للتنمية والإصلاح في تقرير عمل إنها ستغلق أو توقف أعمال البناء بمحطات كهرباء تعمل بالفحم تزيد قدرتها على 50 مليون كيلو وات.
تأتي التعهدات في إطار مساعي بكين منذ سنوات من أجل تقليص حصة الفحم في مزيج الطاقة بهدف الحد من التلوث الذي يخنق مدن الشمال، وتحقيق الأهداف المتعلقة بتغير المناخ مع زيادة تنظيم الصناعات المتخمة بالطاقة الإنتاجية والملوثة للهواء مثل صناعة الصلب.
وأوضحت الخبيرة الاقتصادية في مكتب «نومورا» «وندي تشن» أن خفض هدف النمو سيسمح أيضاً بمواصلة تقليص الفائض الهائل في القدرات الإنتاجية في مجالي التعدين والفحم.
وتؤكد حكومة الصين بهذا الصدد أن الصين ستخفض بـ150 مليون طن القدرات الإنتاجية السنوية في قطاع الفحم، مع تحديد هدف يقضي بتخفيض قدره 800 مليون طن بحلول 2020. متعهدة بشن «حرب بلا هوادة» من أجل إعادة إحلال «سماء صافية» في الصين.
ولا يزال الفحم يؤمن إنتاج نحو 60 في المائة من الكهرباء في الصين، مساهماً في التلوث الذي يؤدي إلى انتشار الضباب في المدن الكبرى.
في المقابل، لا تعتزم بكين التخلي عن دعمها التوجيهي للاقتصاد، ولو أدى ذلك إلى زيادة العجز، وستستثمر هذه السنة 355 مليار يورو في مشاريع سكك الحديد والطرقات العامة والمجاري المائية.
ويبدو أن الرئيس شي جينبينغ يميل إلى الاعتماد على الموارد التقليدية لإبقاء الاقتصاد بمستوى مقبول، مع العمل على ضبط تجاوزات النظام المالي بشكل أفضل.
والهدف هو الحفاظ على الاستقرار قبل استحقاق مرتقب في الخريف، مع انعقاد المؤتمر الخمسي للحزب الشيوعي الذي سيتقاعد خلاله غالبية الأعضاء السبعة في اللجنة الدائمة للمكتب السياسي للحزب، الهيئة العليا للنظام.
ورأى الخبير السياسي في جامعة هونغ كونغ المعمدانية جان بيار كابيستان أن «لي كي تشيانغ أعطى انطباعاً بأنه يسعى لتهيئة الأذهان» لانهيار الفورة المالية، لكنه لفت إلى أن «المخاطر الاقتصادية لن تمنع شي من تعزيز سلطته وتوزيع رجاله في أعلى هرم» السلطة.

استثمارات خارجية

الصين تدعم الطلب المحلي، ولكنها لا تهمل الخارج، فقد استثمرت الصين أكثر من 50 مليار دولار في الدول الواقعة على حزام طريق الحرير، منذ إطلاق مبادرة الحزام والطريق عام 2013. هذا بالإضافة إلى دعم التنمية في الكثير من الدول، واستمرار تحالف بريكس، وإنشاء البنك الآسيوي لدعم البنية التحتية.
وبحسب «هي ليفنج» رئيس هيئة الإصلاح والتنمية الوطنية الصينية في مؤتمر صحافي على هامش الاجتماع السنوي للبرلمان الصيني، فإن «مبادرة الحزام والطريق» تحظى بدعم أكثر من 100 دولة ومنظمة دولية من خلال نحو 50 اتفاقية تعاون تم توقيعها بين الحكومات، وأضاف أن التقدم الذي تحققه المبادرة «أفضل من المتوقع».
وأشارت وكالة أنباء الصين الجديدة (شينخوا) إلى أن الصين كانت قد أطلقت هذه المبادرة بهدف توفير شبكة للتجارة والبنية التحتية تربط بين آسيا وأوروبا وأفريقيا على امتداد طرق التجارة العالمية القديمة مثل طريق الحرير.
وفي إطار هذه المبادرة تستثمر الصين في مشروعات الطيران والطاقة والسكك الحديدية والطرق البرية والاتصالات في الدول المشاركة في المبادرة. يأتي ذلك فيما تستضيف الصين في مايو (أيار) المقبل منتدى رفيع المستوى حول مبادرة الحزام والطريق بهدف تعزيز التعاون بين جميع أطراف المبادرة.



«ليلة جنونية»... كيف باغتت تقلبات النفط إدارة ترمب؟

ترمب ينظر إلى موقع الجناح الشرقي المهدم للبيت الأبيض في أثناء حضوره اجتماعاً مع مسؤولين تنفيذيين في قطاع النفط (رويترز)
ترمب ينظر إلى موقع الجناح الشرقي المهدم للبيت الأبيض في أثناء حضوره اجتماعاً مع مسؤولين تنفيذيين في قطاع النفط (رويترز)
TT

«ليلة جنونية»... كيف باغتت تقلبات النفط إدارة ترمب؟

ترمب ينظر إلى موقع الجناح الشرقي المهدم للبيت الأبيض في أثناء حضوره اجتماعاً مع مسؤولين تنفيذيين في قطاع النفط (رويترز)
ترمب ينظر إلى موقع الجناح الشرقي المهدم للبيت الأبيض في أثناء حضوره اجتماعاً مع مسؤولين تنفيذيين في قطاع النفط (رويترز)

كشفت مجلة «بوليتيكو» عن أن الهدوء الذي تبديه إدارة الرئيس ترمب حالياً يخفي وراءه حالة من الذهول التي سادت أروقة البيت الأبيض في الأيام الأولى لبدء العمليات العسكرية.

على عكس التوقعات، اعترفت مصادر مقربة من البيت الأبيض للمجلة بأن الإدارة لم تكن تتوقع على الإطلاق سرعة وشدة الارتفاع الصاروخي في أسعار النفط يوم الأحد الماضي. ووصفت المصادر تلك اللحظات بأنها كانت «جنونية» ومفاجئة بشكل حقيقي للمسؤولين في الإدارة الذين وجدوا أنفسهم في موقف اضطروا فيه إلى التعامل مع واقع سوقي فاق تقديراتهم الاستباقية.

هذه «المفاجأة» دفعت الإدارة إلى تغيير وتيرة تحركها في اليوم التالي (يوم الاثنين)؛ حيث قضى المسؤولون معظم وقتهم في محاولات مكثفة لتهدئة «التجار المذعورين» في الأسواق الذين سارعوا إلى رفع الأسعار، خشية أن تؤدي الحرب إلى شلل طويل الأمد في سلاسل توريد الطاقة. كما كان هناك جهد موازٍ لتهدئة قلق أعضاء الحزب الجمهوري الذين يخشون أن تؤدي الحرب إلى تقويض رسائلهم الانتخابية حول «القدرة على تحمل التكاليف» التي يعتمدون عليها في معركة السيطرة على الكونغرس.

رغم عنصر المفاجأة، سعت الإدارة إلى احتواء التداعيات السياسية لهذا الارتفاع غير المتوقع، من خلال التأكيد على أن هذه الاضطرابات «قصيرة الأجل»، في محاولة لامتصاص الصدمة ومنع تحول هذا «الارتباك اللحظي» إلى قناعة لدى الأسواق أو الناخبين بأن الأزمة ستخرج عن نطاق السيطرة.

تعتقد الإدارة الآن أن لديها «نافذة زمنية» حرجة تتراوح بين ثلاثة إلى أربعة أسابيع «يمكنها فيها تجاوز ما تحتاج إلى تجاوزه» قبل أن تتحول أسعار النفط من مجرد تقلبات سوقية إلى مشكلة سياسية مستدامة ومؤثرة.

ويرى المسؤولون أن انخفاض النفط يوم الثلاثاء إلى 80 دولاراً للبرميل (بعد أن وصل إلى 120 دولاراً في عطلة نهاية الأسبوع) قد أكد وجهة نظرهم أن هذه الارتفاعات «مؤقتة» و«قابلة للإدارة». ويشير مصدر مطلع على نقاشات البيت الأبيض الخاصة إلى أن الإدارة تراهن على أن الاقتصاد سيواصل تعافيه بمجرد انتهاء «الجزء النشط» من الحرب، مما يمنحهم نافذة صيفية ممتدة من مايو (أيار) وحتى أغسطس (آب) لتحقيق تعافٍ اقتصادي يعوّض تأثيرات هذه الأزمة.

وعلى الرغم من الضغوط، أكدت مصادر داخل الإدارة وخارجها أن البيت الأبيض لم يفكر بجدية قط في تغيير استراتيجيته العسكرية لمجرد تقلبات أسعار النفط. ويرى مسؤول سابق في الإدارة أن السياسة لا تُبنى على «تذبذبات صغيرة ومؤقتة»، وأن الإدارة بحاجة إلى «قراءة ثابتة ومستمرة لعدة أسابيع» للأسعار قبل أن تفكر في تغيير نهجها.


بورصات الخليج ترتفع... و«أرامكو» عند أعلى مستوى في 52 أسبوعاً

مستثمر يراقب تحركات الأسهم بالسوق القطرية (رويترز)
مستثمر يراقب تحركات الأسهم بالسوق القطرية (رويترز)
TT

بورصات الخليج ترتفع... و«أرامكو» عند أعلى مستوى في 52 أسبوعاً

مستثمر يراقب تحركات الأسهم بالسوق القطرية (رويترز)
مستثمر يراقب تحركات الأسهم بالسوق القطرية (رويترز)

افتتحت معظم أسواق الأسهم في الخليج على ارتفاع، يوم الأربعاء، حيث استعادت بورصة دبي جزءاً من خسائرها الأخيرة، رغم استمرار حذر المستثمرين من مخاطر التضخم وتباطؤ النمو المرتبطة بالحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران. وحقق سهم «أرامكو» السعودية أعلى مستوياته منذ 52 أسبوعاً.

وشنّت الولايات المتحدة وإسرائيل ما وصفه «البنتاغون» ومصادر في إيران بأنه أعنف الضربات الجوية منذ بدء الحرب، في وقتٍ تُواصل فيه الأسواق العالمية المراهنة على أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب سيسعى قريباً إلى إنهاء الصراع.

وأدت الحرب فعلياً إلى إغلاق مضيق هرمز، وهو ممر حيوي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المُسال في العالم، مما أجبر المنتجين على وقف الإنتاج مع امتلاء مرافق التخزين، ودفع أسعار الطاقة إلى الارتفاع بشكل حاد.

السوق السعودية

ارتفع المؤشر الرئيسي في السعودية بنسبة 0.4 في المائة، مع صعود سهم مصرف الراجحي بنسبة 0.9 في المائة، وصعود سهم «أرامكو» إلى أعلى مستوياته منذ 52 أسبوعاً عند 27.42 ريال. وكانت الشركة قد أعلنت نتائجها المالية، أمس، وأبدت مرونتها في إدارة أزمة مضيق هرمز.

سوقا الإمارات

وارتفع المؤشر الرئيسي في دبي بنسبة 0.9 في المائة؛ بدعم من صعود سهم «العربية للطيران» بنسبة 5.6 في المائة، ليكسر بذلك سلسلة تراجع استمرت خمس جلسات خسر خلالها أكثر من 20 في المائة.

ومِن بين الرابحين أيضاً، سهم شركة التطوير العقاري القيادية «إعمار العقارية» الذي ارتفع بنسبة 1.2 في المائة.

وفي أبوظبي، صعد المؤشر بنسبة 0.6 في المائة، مع ارتفاع سهم بنك أبوظبي التجاري بنسبة 1 في المائة.

في المقابل، تراجعت أسعار النفط، يوم الأربعاء، بعد تقارير عن أن وكالة الطاقة الدولية تدرس أكبر سحب من احتياطات النفط في تاريخها بسبب مخاوف تعطل الإمدادات.

أما المؤشر القطري فخالف الاتجاه وتراجع بأكثر من 1 في المائة، متأثراً بهبوط سهم بنك قطر الوطني؛ أكبر بنك في الخليج من حيث الأصول، بنسبة 3 في المائة.

وفي أماكن أخرى، ارتفع مؤشر بورصة مسقط بنسبة 0.2 في المائة، وهو مرتفع بأكثر من 32 في المائة منذ بداية العام.


تذبذب عوائد سندات اليورو وسط ترقب المستثمرين تقلبات أسعار النفط

أوراق نقدية من اليورو (رويترز)
أوراق نقدية من اليورو (رويترز)
TT

تذبذب عوائد سندات اليورو وسط ترقب المستثمرين تقلبات أسعار النفط

أوراق نقدية من اليورو (رويترز)
أوراق نقدية من اليورو (رويترز)

تذبذبت عوائد سندات حكومات منطقة اليورو يوم الأربعاء، لكن جرى تداولها دون مستوياتها المرتفعة التي شهدتها في وقت سابق من هذا الأسبوع، في ظل ترقب المستثمرين تقلبات أسعار النفط في اليوم الثاني عشر من الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران.

وكانت العوائد قد ارتفعت بشكل حاد يوم الاثنين مع ارتفاع أسعار النفط إلى أعلى مستوى لها منذ ما يقرب من أربع سنوات، حيث بلغت نحو 120 دولاراً للبرميل، وفق «رويترز».

لكنها انخفضت منذ ذلك الحين، بالتزامن مع انخفاض أسعار الطاقة، وسط آمال بأن تكون الحرب أقصر مما كان يُخشى في بداية الأسبوع، وأن تتمكن الدول من الإفراج عن احتياطياتها النفطية الاستراتيجية.

وكان آخر ارتفاع لعائد السندات الألمانية لأجل 10 سنوات بمقدار نقطة أساس واحدة، ليصل إلى 2.875 في المائة، منخفضاً عن أعلى مستوى له في عام واحد يوم الاثنين، الذي بلغ 2.931 في المائة. وتتحرك العوائد عكسياً مع الأسعار.

وذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال»، يوم الثلاثاء، نقلاً عن مسؤولين مطلعين على الأمر، أن وكالة الطاقة الدولية اقترحت أكبر عملية إفراج عن احتياطيات النفط في تاريخها لكبح جماح الأسعار.

تضارب في التصريحات حول مدة النزاع

انخفضت أسعار النفط بنحو 11 في المائة، يوم الثلاثاء، بعد أن صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب لشبكة «سي بي إس نيوز» بأن الحرب «انتهى أمرها».

ومع ذلك، تواجه الأسواق العالمية تضارباً في التصريحات الصادرة عن إدارة ترمب بشأن مدة النزاع، فضلاً عن توقف تدفق النفط عبر مضيق هرمز الحيوي تقريباً.

وقال كبير استراتيجيي أسعار الفائدة الأوروبية في بنك «آي إن جي»، ميشيل توكر: «ترحب الأسواق بفكرة قرب انتهاء الصراع في الشرق الأوسط، لكن أسعار النفط تشير إلى أننا لم نصل إلى تلك المرحلة بعد».

توقعات برفع أسعار الفائدة من المركزي الأوروبي

لا تزال أسواق المال، يوم الأربعاء، تتوقع رفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة هذا العام، وهو تحول حاد عن الاحتمال الضئيل لخفضها الذي كان سائداً قبل الحرب.

وارتفع عائد السندات الألمانية لأجل عامين، الذي يتأثر بتوقعات البنك المركزي الأوروبي لأسعار الفائدة، بمقدار نقطة أساس واحدة، ليصل إلى 2.281 في المائة. وكان قد سجل أعلى مستوى له منذ أغسطس (آب) 2024 يوم الاثنين عند 2.476 في المائة.

وظلت عوائد السندات الإيطالية متقلبة، وهو ما يعزوه المحللون إلى اعتماد البلاد المتزايد على واردات النفط والغاز الطبيعي وضعف ماليتها العامة.

وارتفع عائد السندات الإيطالية لأجل 10 سنوات بمقدار 7 نقاط أساس، ليصل إلى 3.595 في المائة، على الرغم من أنه لا يزال أقل بكثير من أعلى مستوى له في 11 شهراً الذي سجله يوم الاثنين عند 3.785 في المائة.

كذلك، انخفضت أسعار السندات الحكومية البريطانية مع افتتاح السوق يوم الأربعاء، متراجعةً عن نظيراتها الفرنسية والألمانية والأميركية. وارتفعت عوائد السندات الحكومية، التي تتحرك عكسياً مع السعر، بنحو 6 نقاط أساسية عبر مختلف آجال الاستحقاق، مما محا أكثر من نصف الانخفاضات الكبيرة التي شهدتها السوق يوم الثلاثاء مع انخفاض أسعار النفط.