فيون متشبث بترشحه... واليمين يبحث عن مخرج «مشرف»

آلان جوبيه رفض أن يلعب دور «المنقذ»

فرنسوا فيون يصل إلى مقر «الجمهوريون» في باريس أمس (إ.ب.أ)
فرنسوا فيون يصل إلى مقر «الجمهوريون» في باريس أمس (إ.ب.أ)
TT

فيون متشبث بترشحه... واليمين يبحث عن مخرج «مشرف»

فرنسوا فيون يصل إلى مقر «الجمهوريون» في باريس أمس (إ.ب.أ)
فرنسوا فيون يصل إلى مقر «الجمهوريون» في باريس أمس (إ.ب.أ)

تبخرت آمال اليمين الفرنسي، صباح أمس، بعد أن أعلن رئيس الوزراء الأسبق آلان جوبيه رفضه أن يلعب دور «المنقذ» وأن يقبل الترشح للانتخابات الرئاسية بديلاً عن المرشح الرسمي فرنسوا فيون.
وبذلك سدت السبل مجدداً أمام الساعين من داخل صفوف اليمين إلى إخراج فيون من المعادلة، بعدما أكدت استطلاعات الرأي مرة أخرى أن شعبيته ما زالت تتراجع وأنه لن يكون قادراً على اجتياز اختبار الجولة الأولى. ومن المرجح أن يتأهل لها مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان ومرشح حركة «إلى الأمام»، وزير الاقتصاد السابق الشاب ابن الـ38 عاماً إيمانويل ماكرون.
وبحسب استطلاع للرأي أجرته مؤسسة «كنتر» ونشرت نتائجه أمس، فإن فيون سيحصل على 17 في المائة من الأصوات في الجولة الأولى المقررة في 23 أبريل (نيسان)، وبذلك يحل في المرتبة الثالثة بعد مارين لوبان «26 في المائة» وإيمانويل ماكرون «25 في المائة». أما في حال قبل جوبيه الترشح، فإنه سيحل في المرتبة الثانية «وراء مرشحة اليمين المتطرف» وسيتغلب عليها في الجولة الثانية.
إنها أزمة حقيقية يعيشها اليمين الفرنسي، الذي أخذ يشعر أن الفوز في الانتخابات الرئاسية ينسل من يديه وهو عاجز عن إيجاد الرد الناجع. وبعد أن كان فيون، عقب انتصاره في الانتخابات التمهيدية نهاية شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، الأوفر حظاً في الدخول إلى قصر الإليزيه في شهر يونيو (حزيران) القادم، ها هو قد تحول إلى «عالة» على اليمين بسبب فضائح تشغيله لزوجته وأولاده كمساعدين برلمانيين له. ويوم 15 الحالي، سيمثل فيون وزوجته واثنان من أبنائه أمام القضاء لتوجه إليهم رسمياً تهم سوء التصرف بأموال عامة وربما أحيل على المحاكمة، رغم أن أمراً كهذا مستبعد قبل الانتخابات الذي سيكون وبالاً على المرشح وحزبه وعلى اليمين بشكل عام.
فيون ما زال متشبثاً بخوض الانتخابات حتى النهاية، وهو يعتبر أنه حصل على تفويض من 4 ملايين ناخب وهو عدد الذين شاركوا في تمهيديات حزب «الجمهوريون». وفي حديث تلفزيوني مساء الأحد، عاد فيون ليؤكد أن «لا أحد يملك الشرعية» ليحل مكانه، وأنه انتخب على أساس برنامج واضح، مضيفاً أنه «لو أراد الفرنسيون جوبيه مرشحاً لانتخبوه». والحال أن فيون فاز على جوبيه بفارق كبير في عدد الأصوات.
في كلمته الموجزة التي لم تتجاوز ثماني دقائق، إلى الصحافة صباح أمس قال جوبيه: «أؤكد بشكل نهائي أنني لن أكون مرشحاً لرئاسة الجمهورية». وبذلك قطع جوبيه، وهو عمدة مدينة بوردو، الطريق نهائياً على الذين سعوا لدفعه لكي يكون «منقذاً» لليمين. ومشكلة «الجمهوريون» اليوم ليست فقط خسارة الانتخابات القادمة، بل تفكك الحزب بين جناح ردايكالي ما زال يدعم فيون حتى النهاية، وهو ما برز في المهرجان الانتخابي في ساحة التروكاديرو ومقابل برج إيفل بعد ظهر الأحد. وآخر منفتح ومعتدل، وهو جناح جوبيه. وبين الجانبين جماعة الرئيس السابق نيكولا ساركوزي، الذي تحول إلى «محجة» للساعين لإنقاذ الحزب وتفادي الهزيمة. وأمس، سعى ساركوزي للجمع بين فيون وجوبيه، وجاء في بيان نشره صباحاً أنه «إزاء خطورة الوضع (...) يتعين على الجميع الحفاظ على الوحدة». وحث الرئيس السابق على «التوصل إلى سبيل مشرف وذي مصداقية لوضع لا يمكن أن يستمر».
وفي الأيام الأخيرة، تخلى أكثر من 300 مسؤول منتخب من اليمين عن فيون، ضمنهم مدير مكتبه والمتحدث باسمه. وفيما كان منتظراً أن يعقد المكتب السياسي للحزب اجتماعاً مسائياً لمحاولة إيجاد «مخرج مشرف»، أصبحت الأمور أكثر تعقيداً بعد رفض جوبيه، وذلك بسبب غياب مرشح آخر بديل لا جدال حوله وخصوصاً بسبب عزم فيون البقاء في المعمعة الانتخابية حتى النهاية متسلحاً بشرعيته من جهة، وبالدعم الذي ما زال يحظى به من قاعدة «الجمهوريون» الأكثر يمينية رغم فضائحه المالية.
لم يعد واضحاً اليوم ما إذا كان قادة اليمين قادرون على جمع شمل الحزب وحليفه الوسط ممثلا بـ«اتحاد الديمقراطيين المستقلين» الذين يقودهم النائب كريستوف لاغارد. وكان الحزب الأخير أول من عمد إلى سحب دعمه لفيون، وتبعه في ذلك ما لا يقل عن 300 شخصية، بينهم مدير حملته والناطق باسمه ومسؤول السياسة الخارجية في حملته.
وإزاء هذا «النزيف»، عمد فيون للعب «ورقة الشعب» ضد الأطر الحزبية، مستعيداً فلسفة الجنرال ديغول مؤسس الجمهورية الخامسة الذي كان يعتبر أن الانتخابات الرئاسية هي «عقد» بين المرشح والشعب وليست مسؤولية الأحزاب. لكن الكثيرين، ومن بينهم جوبيه الذي انتقد فيون بعنف، يعتبرون أن ما قام به الأخير هو من باب «الشعبوية»، وأنه انحراف خطير خصوصاً أن فيون دأب على اعتبار أن ما يحصل له إما «اغتيال سياسي» أو «مؤامرة» حاكتها أيد خفية أو «انقلاب دستوري» هدفه حرمان اليمين من مرشحه و«منع عملية النهوض» بفرنسا وإنقاذها، بينما الحقيقة أن فيون يريد بداية أن ينقذ نفسه وترشيحه.
تبدو الانتخابات الرئاسية الراهنة فريدة من نوعها في تاريخ فرنسا الحديث. فللمرة الأولى، تصل شعبية اليمين المتطرف الذي نجح في تخطي مجال نفوذه الطبيعي إلى هذا المستوى الذي يضع مارين لوبان في المرتبة الأولى من بين كل المرشحين. وأمس، عمد الرئيس فرنسوا هولاند، في حديث لمجموعة من الصحف الأوروبية، إلى التحذير من «الخطر» ومن إمكانية وصولها إلى السلطة وإلى النتائج «الكارثية» المترتبة على ذلك. ولأول مرة منذ 60 سنة، يمكن أن يغيب المكونان الرئيسيان للمشهد السياسي في فرنسا، أي اليمين الكلاسيكي واليسار الاشتراكي، عن الجولة الانتخابية الثانية. فاليسار منقسم بين مرشح الحزب الاشتراكي الرسمي بونوا هامون الذي لا يحظى بدعم جدي من حزبه بسبب برنامجه الانتخابي الذي يعد راديكالياً، ولكون هامون قد انضم في العامين الأخيرين إلى ما يسمى «الناقمون» على سياسة العهد الاشتراكي. أما المرشح اليساري الآخر، فهو جان لوك ميلونشون، ممثل الجناح المتشدد لليسار.
وإذا استمرت الأمور على هذه الحال يميناً، فإن اليمين الكلاسيكي سيغيب عن المشهد السياسي في الجولة الثانية لصالح المرشح إيمانويل ماكرون ومارين لوبان. وبعد أن كان المشهد السياسي يتحلق حول ثنائية القطب «يمين ويسار»، أصبح اليوم رباعياً «مع لوبان وماكرون».
في الأيام الأخيرة، شكى مرشح اليسار من أن فيون «يأخذ الحملة الانتخابية رهينة». وبرأيه أن التركيز على الفضائح يمنع من التطرق إلى صلب الموضوع، أي البرامج الانتخابية ويقضي على كل نقاش جدي يتعين أن يحصل حتى يكون خيار الناخب الفرنسي واعياً. لكن هذا الوضع يبدو أنه سيستمر إلى ما بعد مثول فيون أمام القضاء في 15 الحالي. وفي أي حال، إذا أراد اليمين استبدال فيون، فعليه التعجيل لأن المهلة القانونية للتأهل تنتهي في 17 الحالي، إذ يتعين على كل مرشح أن يقدم لائحة من 500 شخص «من النواب أو أعضاء مجلس الشيوخ أو رؤساء البلديات وغيرهم من الشخصيات المنتخبة» «يباركون» ترشيحه. ومن غير هذه التأشيرة، لا سبيل للتنافس.



ترمب يتعهّد بفرض رسوم جمركية على 8 دول أوروبية بسبب غرينلاند

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

ترمب يتعهّد بفرض رسوم جمركية على 8 دول أوروبية بسبب غرينلاند

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

تعهّد ​الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم (السبت)، بتطبيق موجة من الرسوم الجمركية المتزايدة على الحلفاء ‌الأوروبيين ‌حتى ‌يُسمح ⁠لواشنطن ​بشراء غرينلاند.

وفي ‌منشور على منصته «تروث سوشيال»، قال ترمب إن الرسوم الجمركية بنسبة 10 في المائة ⁠ستدخل حيز ‌التنفيذ في الأول من فبراير (شباط) المقبل على الدنمارك والنرويج والسويد وفرنسا وألمانيا وبريطانيا وهولندا وفنلندا.

وأضاف ترمب ​أن هذه الرسوم سترتفع إلى ⁠25 في المائة في الأول من يونيو (حزيران) المقبل، وستستمر حتى يتم التوصل إلى اتفاق يسمح بشراء الولايات المتحدة الجزيرة ذات الحكم الذاتي.

واتهم الرئيس الأميركي الدول الأوروبية بممارسة «لعبة بالغة الخطورة» بشأن غرينلاند، عادّاً «السلام العالمي على المحك». وقال إن الدول التي فرض عليها الرسوم الجمركية «قامت بمجازفة غير مقبولة».

وأضاف: «بعد قرون، حان الوقت لترد الدنمارك (غرينلاند)... السلام العالمي على المحك. الصين وروسيا تريدان غرينلاند، والدنمارك عاجزة عن القيام بأي شيء في هذا الصدد».

جاء ذلك بعد أيام من نشر الدنمارك ودول أوروبية أخرى أعضاء في «حلف شمال الأطلسي» (ناتو)، قوات في الجزيرة القطبية الغنية بالمعادن. ويصر القادة الأوروبيون على أن الدنمارك وغرينلاند فقط هما من تقرران الشؤون المتعلقة بالإقليم.

غضب أوروبي

ورداً على تعهّد ترمب، قال الرئيس الفرنسي ​إيمانويل ماكرون إن تهديد الرئيس الأميركي بفرض رسوم جمركية ‌«⁠أمر ​غير مقبول»، ‌وإنه في حال تأكيده سترد أوروبا بشكل منسّق.

وأضاف ماكرون: «لن يؤثر علينا ⁠أي ترهيب أو ‌تهديد، لا في أوكرانيا ولا في غرينلاند ولا في أي مكان آخر في العالم، عندما نواجه ​مثل هذه المواقف».

بدوره، قال وزير خارجية الدنمارك، لارس لوكه راسموسن، إن إعلان ترمب فرض رسوم جمركية بسبب غرينلاند «كان مفاجئاً». وأشار إلى أن الوجود العسكري في الجزيرة يهدف إلى تعزيز الأمن في القطب الشمالي.

وأكد رئيس الحكومة السويدية، أولف كريسترسون، أنّ بلاده ترفض تصريحات ترمب. وقال في رسالة لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «لن نخضع للترهيب. وحدهما الدنمارك وغرينلاند تقرّران بشأن القضايا التي تخصّهما. سأدافع دائماً عن بلادي وعن جيراننا الحلفاء».

وأضاف: «تُجري السويد حالياً محادثات مكثفة مع دول أخرى في الاتحاد الأوروبي والنرويج وبريطانيا، من أجل التوصل إلى رد مشترك».

وفي بريطانيا، اعتبر رئيس الوزراء كير ستارمر أنّ «فرض رسوم جمركية على الحلفاء الذين يسعون إلى تحقيق الأمن المشترك لأعضاء (الناتو) أمر خاطئ تماماً»، مضيفاً: «سنتابع هذا الأمر بشكل مباشر مع الإدارة الأميركية».

«دوامة خطيرة»

وحذر الاتحاد الأوروبي من «دوامة خطيرة» بعد إعلان الرئيس الأميركي.

وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، في بيان مشترك، إنّ «فرض رسوم جمركية سيضعف العلاقات عبر الأطلسي، كما يهدد بدخول العالم في دوامة انحدارية خطيرة».

وأكدا أنّ «أوروبا ستبقى موحّدة ومنسّقة وملتزمة بالدفاع عن سيادتها». وصدر هذا الموقف بعد أيام من إجراء مسؤولين دنماركيين ومن غرينلاند محادثات في واشنطن بشأن سعي ترمب لضم غرينلاند، دون التوصل إلى اتفاق.

وأضافت فون دير لاين وكوستا: «يبدي الاتحاد الأوروبي تضامناً كاملاً مع الدنمارك وشعب غرينلاند. يبقى الحوار أساسياً، ونحن ملتزمون بالبناء على العملية التي بدأت الأسبوع الماضي بين مملكة الدنمارك والولايات المتحدة».

امتنان للموقف الأوروبي

أشادت وزيرة الموارد المعدنية في حكومة غرينلاند ناجا ناثانييلسن، السبت، برد فعل الدول الأوروبية على تهديد ترمب بفرض رسوم جمركية جديدة عليها لمعارضتها جهوده للاستحواذ على غرينلاند.

محتجون على سياسة ترمب تجاه الجزيرة يحملون لافتة «غرينلاند ليست للبيع» في مسيرة باتجاه القنصلية الأميركية في غرينلاند (ا.ب)

وقالت الوزيرة في رسالة نشرتها على موقع «لينكد إن»: «أذهلتني ردود الفعل الأولية من الدول المستهدفة. أنا ممتنة ومتفائلة بكون الدبلوماسية والتحالفات ستنتصر».


الجيش الصيني «يراقب» سفينتين أميركيتين تعبران مضيق تايوان

سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)
سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

الجيش الصيني «يراقب» سفينتين أميركيتين تعبران مضيق تايوان

سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)
سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)

قال الجيش ​الصيني، عبر حسابه الرسمي على موقع «وي تشات»، اليوم (السبت)، إنه ‌تابع ورصد ‌عبور مدمرة ‌الصواريخ ⁠الموجهة ​الأميركية «فين» وسفينة «ماري سيرز» لمسح المحيطات عبر مضيق تايوان يومَي 16 و17 ⁠يناير (كانون ‌الثاني).

وقال متحدث باسم قيادة المسرح الشرقي لجيش التحرير الشعبي الصيني، في البيان، إن الجيش ​لا يزال «في حالة تأهب ⁠قصوى في جميع الأوقات... للدفاع بحزم عن السيادة والأمن الوطنيين».

ولم يصدر بعد تعليق من وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) على بيان الجيش الصيني.


هل يكون القطب الشمالي البارد مسرحاً لحرب «عالمية» ساخنة؟

بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)
بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)
TT

هل يكون القطب الشمالي البارد مسرحاً لحرب «عالمية» ساخنة؟

بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)
بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)

كندا، الدنمارك (تمثل غرينلاند أيضاً)، فنلندا، آيسلندا، النرويج، روسيا، السويد، الولايات المتحدة.

تشكل الدول الثماني «مجلس المنطقة القطبية الشمالية» الذي اتفقت على إنشائه في 1991، وأعلنت ولادته رسمياً بعد خمس سنوات، بهدف التعاون في حماية البيئة الهشة في الأركتيك (Arctic)، وهي كلمة يونانية الأصل (Arktos) وتعني الدب. ويرجع ذلك إلى موقع كوكبة نجوم «أورسا مايجر»، (الدب الأكبر)، فوق منطقة القطب الشمالي.

جندي دنماركي خارج مقر قيادة القطب الشمالي في نوك عاصمة غرينلاند (رويترز)

أصرت الولايات المتحدة قبل توقيع معاهدة إنشاء المجلس (تُعرف بـ«إعلان أوتاوا») على أن تُدرجَ في النص جملة تقول: «لا يجوز لمجلس القطب الشمالي أن يتعامل مع المسائل المتعلقة بالأمن العسكري». إلا أن الجغرافيا الشمالية كانت على الدوام محطَّ تنافس ومطامع. وأسهم صعود الصين القريبة جغرافياً من القطب الشمالي، والعسكرة الروسية لمياه المنطقة، والتقارب بين روسيا والصين، والأهم الاحترار المناخي، في وضع المنطقة في صلب التجاذب والطموحات الجيوسياسية والجيواقتصادية.

عسكرة القطب الشمالي... صراعات استراتيجية «حامية» على «صفيح بارد»

أدى الاحترار المناخي -ولا يزال- إلى ذوبان مساحات ضخمة من الجليد في القطب الشمالي، وبالتالي انفتاح ممرات مائية كانت عصيَّة على السفن، وهذا يعني وجود ممرات جديدة للتجارة البحرية، وإمكان الوصول إلى الموارد الطبيعية التي تختزنها الأرض البيضاء. من هنا رأينا خطوات العسكرة تتسارع في المنطقة التي قال عنها وزير الخارجية الأميركي سابقاً، مايك بومبيو، في عام 2019، إن ظروفها تغيرت و«أصبحت ساحة للنفوذ والتنافس. يجب على دول القطب الشمالي الثماني التكيف مع المستقبل الجديد». وفي المقابل قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بعد ذلك بسنتين، قبيل اجتماع للمجلس القطبي في ريكيافيك عاصمة آيسلندا، إن القطب الشمالي هو منطقة نفوذ روسي.

زورق الدورية «كنود راسموسن» التابع للبحرية الدنماركية يرسو في مرفأ نوك عاصمة غرينلاند (رويترز)

غرينلاند والقطب

تعود هذه المسألة إلى الواجهة بقوة مع كل المعمعة المحيطة بقضية أكبر جزيرة في العالم: غرينلاند التي يريدها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، غيرَ مكتفٍ بالقاعدة العسكرية الأميركية الموجودة فيها، وغير واثق بقدرة الدنمارك، صاحبة السيادة على الجزيرة، على الدفاع عنها، ولا بقدرة حلف شمال الأطلسي (ناتو) على الوقوف في وجه روسيا والصين.

كان غريباً ما قاله ترمب لصحيفة «نيويورك تايمز» تفسيراً لرغبته في الاستحواذ على غرينلاند، فالأمر «مطلوب نفسياً لتحقيق النجاح». وقد ورد في تعليق لصحيفة «لوموند» الفرنسية على هذا الكلام أن «من بين كل المبررات التي يمكن أن تقال لتسويغ انتهاك سيادة دولة حليفة، بدءاً من التهديدات الجيوسياسية الروسية والصينية، مروراً بوفرة المعادن الاستراتيجية (في الجزيرة)، وصولاً إلى إنشاء درع مضادة للصواريخ لحماية الولايات المتحدة، يبدو هذا السبب الأكثر انسجاماً مع طبيعة هذا الرئيس، وهو ما يجعله مقلقاً على نحو خاص».

فلنترك الراهن قليلاً ونرجع إلى سجل الماضي:

التوسُّع الإقليمي للولايات المتحدة وبعض عمليات الشراء

ليست رغبة واشنطن في ضم غرينلاند بالأمر الجديد؛ بل يحفل تاريخ الولايات المتحدة بالتوسع الجغرافي:

- في عام 1803، اشترت الولايات المتحدة من فرنسا منطقة لويزيانا، مقابل 15 مليون دولار، فتضاعفت مساحة البلاد.

- في 1819 عُقدت صفقة شراء فلوريدا من إسبانيا عبر تسوية ديون، وأصبحت إقليماً أميركياً عام 1821.

- في 1845 ضمَّ الأميركيون جمهورية تكساس المستقلة، وهذا ما أدى لاحقاً إلى الحرب الأميركية المكسيكية.

- في 1848 تنازلت المكسيك لجارتها الشمالية عن كاليفورنيا وأجزاء من الغرب الأميركي مقابل 15 مليون دولار.

- في 1867 اشترت الولايات المتحدة ألاسكا من روسيا مقابل 7.2 مليون دولار، بهدف تحقيق توسُّع استراتيجي واقتصادي. وصار هذا الإقليم ولاية في عام 1959. وقد اكتُشف النفط فيها في عام 1968، وبلغ الإنتاج ذروته في الثمانينات، مع وجود احتياطات كبيرة لم تُستغلّ بعد.

- ضمَّت أميركا هاواي في عام 1898 بعد إسقاط الملَكية بدعم أميركي، وأصبحت ولاية في 1959.

- شراء الفلبين وغوام وبورتوريكو في 1898 من إسبانيا مقابل 20 مليون دولار، بعد الحرب الأميركية الإسبانية، وقد استقلت الفلبين في عام 1946.

- اشترت الولايات المتحدة جزر فيرجن (الجزر العذراء) من الدنمارك في عام 1917 مقابل 25 مليون دولار ذهباً. وكانت وراء ذلك أسباب استراتيجية وعسكرية؛ إذ خشيت واشنطن أن تستولي ألمانيا على الجزر أثناء الحرب العالمية الأولى، فتتعرض للخطر خطوط الملاحة في البحر الكاريبي؛ خصوصاً قناة بنما التي تربط هذا البحر بالمحيط الهادئ. ومُنح سكان الجزر الجنسية الأميركية عام 1927، في عهد الرئيس وودرو ويلسون.

- في عام 1946 حاول الرئيس هاري ترومان شراء غرينلاند من الدنمارك بمبلغ 100 مليون دولار ذهباً لأسباب عسكرية واستراتيجية خلال بدايات الحرب الباردة، ولكن الدنمارك رفضت البيع. وحافظت الولايات المتحدة على وجود عسكري قوي هناك بالاتفاق مع الدنمارك.

جنود ألمان هبطت طائرتهم العسكرية في غرينلاند حيث سيتمركزون تعزيزاً لدفاعات الإقليم التابع للدنمارك (أ.ف.ب)

ثروات غرينلاند

تبلغ مساحة غرينلاند مليونين و160 ألف كيلومتر مربع، يعيش فيها أقل من 57 ألف نسمة، نحو 50 ألفاً منهم من السكان الأصليين. ويتركز أكبر تجمع سكاني في العاصمة نوك (نحو 20 ألف نسمة).

بقيت الجزيرة مستعمرة دنماركية من 1721 إلى 1953 حين أُدخلت تعديلات على الدستور الدنماركي، صارت بموجبها غرينلاند إقليماً ذا حكم ذاتي.

تتمتع غرينلاند بثروة كبيرة من الموارد الطبيعية، ولكن جزءاً كبيراً من هذه الثروة لا يزال غير مستغل بشكل كبير بسبب موقعها النائي، ومناخها القاسي في المنطقة القطبية، والمخاوف البيئية.

وتحتوي الجزيرة على بعض أكبر احتياطيات العالم من المعادن النادرة التي تُعد أساسية في مجالات الإلكترونيات والطاقة المتجددة والتقنيات العسكرية. ويُعد مشروع كفانيفيلد (Kvanefjeld) المتوقف حالياً من أهم المشاريع الغربية في هذا المجال، إلا أنه يحتاج إلى مخطط واضح وتمويل كبير.

إضافة إلى المعادن، ثمة احتياطيات محتملة من النفط والغاز الطبيعي في المياه البحرية؛ خصوصاً في المناطق الغربية والشرقية، ولكن عمليات الحفر والتنقيب مكلفة ومثيرة للجدل بسبب الهشاشة البيئية. وعلاوة على ذلك، لا توجد خارج العاصمة نوك أي بنية تحتية للطرق تقريباً في غرينلاند، كما أن المرافئ العميقة المحدودة لا تستوعب الناقلات الكبيرة وسفن الحاويات.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

أخطار ورهانات

أورد موقع المعهد البحري الأميركي -وهو منظمة مستقلة مكرَّسة لدراسة الشؤون البحرية والملاحية- أن «القطب الشمالي كان مختلفاً عن أي مكان آخر من الكرة الأرضية. فقد كان ملاذاً للبحث العلمي؛ حيث تعاونت الدول القطبية الثماني (بما في ذلك روسيا والولايات المتحدة) تعاوناً سلمياً. غير أن كل ذلك تلاشى في السنوات الأخيرة بفعل التسارع الكبير في ذوبان الجليد القطبي، وما ترتب عليه من فتح الباب واسعاً أمام مختلف الأنشطة التجارية؛ وكذلك بسبب الغزو الروسي لأوكرانيا؛ وتنامي الاهتمام الصيني بطريق الحرير القطبي».

ويضيف الموقع: «يبدو أن التحوُّل في الطرق البحرية الشمالية -بما يتيح للسفن التجارية عبور أقصر طريق يربط بين المحيطين الهادئ والأطلسي- مرشَّح لأن يصبح واقعاً خلال عقد من الزمن. كما أن نحو نصف احتياطيات العالم من النفط والغاز تقع تحت أرض القطب الشمالي ومياهه، إضافة إلى كميات معتبَرة من المعادن النادرة الحيوية التي تُعد مكونات أساسية في كل كومبيوتر وهاتف محمول، وسيارة تعمل بالبطاريات».

يلخص ترمب نظرته إلى غرينلاند بقوله: «امتلاك غرينلاند أمرٌ حيوي لأمن الولايات المتحدة، ولأمنها الاقتصادي. إنه ضرورة مطلقة، ولا أستطيع أن أؤكد أننا لن نلجأ إلى استخدام وسائل الإكراه العسكري أو الاقتصادي».

لا شك في أن ترمب والصين يراقبان بشغف ثروات غرينلاند. فاحتكار الصين شبه العالمي لنحو 50 من أصناف «المعادن الحيوية» يواجه تحدياً من غرينلاند التي يمكنها توفير 30 منها من خلال اثنين من أكبر مناجم العناصر الأرضية النادرة في العالم. وهنا تبدو الصين والولايات المتحدة على حد سواء متحمستين لتقديم الخبرات والاستثمارات المطلوبة في تلك الأرض الجليدية.

ومع كون روسيا المستفيد الأول من الطرق البحرية الموعودة في القطب، يمكن فهم حماستها ولغتها الحاسمة والجازمة حيال القوى الأطلسية. وفي السياق، قال الرئيس فلاديمير بوتين في خطاب ألقاه في 27 مارس (آذار) 2025، خلال زيارته مدينة مورمانسك بمناسبة تدشين غواصة نووية جديدة، إن «الولايات المتحدة ستواصل دفع مصالحها الجيواستراتيجية والعسكرية- السياسية والاقتصادية في القطب الشمالي. كما أن التنافس الجيوسياسي والصراع على النفوذ في هذه المنطقة يتصاعدان». وأعرب عن قلقه «إزاء ازدياد وتيرة عمل دول (الناتو) على جعل أقصى الشمال منصة محتملة لنزاعات مستقبلية، وتدربها على استخدام القوات العسكرية في هذه الظروف. سنرد على كل ذلك».

مقر القنصلية الأميركية في نوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)

وسط «المعمعة» الأميركية– الصينية– الروسية، يبدو الموقف الأوروبي نابعاً من الهلع: أولاً من حرب محتملة في تلك المساحات البيضاء، وثانياً من جدية ترمب وعزمه تملُّك غرينلاند غير آبه بحلفائه في «الناتو» ولا بأصدقائه الأوروبيين الذي لا يؤمن بقدرتهم على ضمان أمن غرينلاند، مع ما يعنيه ذلك من تخلي الولايات المتحدة عن «العائلة الغربية» التقليدية، راسمة خطوطاً جديدة في الخريطة الجيوسياسة العالمية.

لعلَّ ما يجسِّد الخوف الأوروبي ما قالته إيبَّا بوش، نائبة رئيس وزراء السويد التي أبدت خشيتها من أن يأتي دور بلادها الغنية بالموارد الطبيعية بعد غرينلاند. وإذا كانت السويد قلقة فماذا عن كندا التي تعرضت قبل أشهر لهجوم كلامي من ترمب، حضها فيه بقوة على الانضمام إلى الولايات المتحدة!

إنه عالم جديد فعلاً ترتسم ملامحه بسرعة، ويرتفع فيه منسوب التوتر وعدم اليقين، وتغلظ لهجة التخاطب السياسي مع قرقعة سلاح في خلفية المشهد... على أمل التعقُّل.