تبخرت آمال اليمين الفرنسي، صباح أمس، بعد أن أعلن رئيس الوزراء الأسبق آلان جوبيه رفضه أن يلعب دور «المنقذ» وأن يقبل الترشح للانتخابات الرئاسية بديلاً عن المرشح الرسمي فرنسوا فيون.
وبذلك سدت السبل مجدداً أمام الساعين من داخل صفوف اليمين إلى إخراج فيون من المعادلة، بعدما أكدت استطلاعات الرأي مرة أخرى أن شعبيته ما زالت تتراجع وأنه لن يكون قادراً على اجتياز اختبار الجولة الأولى. ومن المرجح أن يتأهل لها مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان ومرشح حركة «إلى الأمام»، وزير الاقتصاد السابق الشاب ابن الـ38 عاماً إيمانويل ماكرون.
وبحسب استطلاع للرأي أجرته مؤسسة «كنتر» ونشرت نتائجه أمس، فإن فيون سيحصل على 17 في المائة من الأصوات في الجولة الأولى المقررة في 23 أبريل (نيسان)، وبذلك يحل في المرتبة الثالثة بعد مارين لوبان «26 في المائة» وإيمانويل ماكرون «25 في المائة». أما في حال قبل جوبيه الترشح، فإنه سيحل في المرتبة الثانية «وراء مرشحة اليمين المتطرف» وسيتغلب عليها في الجولة الثانية.
إنها أزمة حقيقية يعيشها اليمين الفرنسي، الذي أخذ يشعر أن الفوز في الانتخابات الرئاسية ينسل من يديه وهو عاجز عن إيجاد الرد الناجع. وبعد أن كان فيون، عقب انتصاره في الانتخابات التمهيدية نهاية شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، الأوفر حظاً في الدخول إلى قصر الإليزيه في شهر يونيو (حزيران) القادم، ها هو قد تحول إلى «عالة» على اليمين بسبب فضائح تشغيله لزوجته وأولاده كمساعدين برلمانيين له. ويوم 15 الحالي، سيمثل فيون وزوجته واثنان من أبنائه أمام القضاء لتوجه إليهم رسمياً تهم سوء التصرف بأموال عامة وربما أحيل على المحاكمة، رغم أن أمراً كهذا مستبعد قبل الانتخابات الذي سيكون وبالاً على المرشح وحزبه وعلى اليمين بشكل عام.
فيون ما زال متشبثاً بخوض الانتخابات حتى النهاية، وهو يعتبر أنه حصل على تفويض من 4 ملايين ناخب وهو عدد الذين شاركوا في تمهيديات حزب «الجمهوريون». وفي حديث تلفزيوني مساء الأحد، عاد فيون ليؤكد أن «لا أحد يملك الشرعية» ليحل مكانه، وأنه انتخب على أساس برنامج واضح، مضيفاً أنه «لو أراد الفرنسيون جوبيه مرشحاً لانتخبوه». والحال أن فيون فاز على جوبيه بفارق كبير في عدد الأصوات.
في كلمته الموجزة التي لم تتجاوز ثماني دقائق، إلى الصحافة صباح أمس قال جوبيه: «أؤكد بشكل نهائي أنني لن أكون مرشحاً لرئاسة الجمهورية». وبذلك قطع جوبيه، وهو عمدة مدينة بوردو، الطريق نهائياً على الذين سعوا لدفعه لكي يكون «منقذاً» لليمين. ومشكلة «الجمهوريون» اليوم ليست فقط خسارة الانتخابات القادمة، بل تفكك الحزب بين جناح ردايكالي ما زال يدعم فيون حتى النهاية، وهو ما برز في المهرجان الانتخابي في ساحة التروكاديرو ومقابل برج إيفل بعد ظهر الأحد. وآخر منفتح ومعتدل، وهو جناح جوبيه. وبين الجانبين جماعة الرئيس السابق نيكولا ساركوزي، الذي تحول إلى «محجة» للساعين لإنقاذ الحزب وتفادي الهزيمة. وأمس، سعى ساركوزي للجمع بين فيون وجوبيه، وجاء في بيان نشره صباحاً أنه «إزاء خطورة الوضع (...) يتعين على الجميع الحفاظ على الوحدة». وحث الرئيس السابق على «التوصل إلى سبيل مشرف وذي مصداقية لوضع لا يمكن أن يستمر».
وفي الأيام الأخيرة، تخلى أكثر من 300 مسؤول منتخب من اليمين عن فيون، ضمنهم مدير مكتبه والمتحدث باسمه. وفيما كان منتظراً أن يعقد المكتب السياسي للحزب اجتماعاً مسائياً لمحاولة إيجاد «مخرج مشرف»، أصبحت الأمور أكثر تعقيداً بعد رفض جوبيه، وذلك بسبب غياب مرشح آخر بديل لا جدال حوله وخصوصاً بسبب عزم فيون البقاء في المعمعة الانتخابية حتى النهاية متسلحاً بشرعيته من جهة، وبالدعم الذي ما زال يحظى به من قاعدة «الجمهوريون» الأكثر يمينية رغم فضائحه المالية.
لم يعد واضحاً اليوم ما إذا كان قادة اليمين قادرون على جمع شمل الحزب وحليفه الوسط ممثلا بـ«اتحاد الديمقراطيين المستقلين» الذين يقودهم النائب كريستوف لاغارد. وكان الحزب الأخير أول من عمد إلى سحب دعمه لفيون، وتبعه في ذلك ما لا يقل عن 300 شخصية، بينهم مدير حملته والناطق باسمه ومسؤول السياسة الخارجية في حملته.
وإزاء هذا «النزيف»، عمد فيون للعب «ورقة الشعب» ضد الأطر الحزبية، مستعيداً فلسفة الجنرال ديغول مؤسس الجمهورية الخامسة الذي كان يعتبر أن الانتخابات الرئاسية هي «عقد» بين المرشح والشعب وليست مسؤولية الأحزاب. لكن الكثيرين، ومن بينهم جوبيه الذي انتقد فيون بعنف، يعتبرون أن ما قام به الأخير هو من باب «الشعبوية»، وأنه انحراف خطير خصوصاً أن فيون دأب على اعتبار أن ما يحصل له إما «اغتيال سياسي» أو «مؤامرة» حاكتها أيد خفية أو «انقلاب دستوري» هدفه حرمان اليمين من مرشحه و«منع عملية النهوض» بفرنسا وإنقاذها، بينما الحقيقة أن فيون يريد بداية أن ينقذ نفسه وترشيحه.
تبدو الانتخابات الرئاسية الراهنة فريدة من نوعها في تاريخ فرنسا الحديث. فللمرة الأولى، تصل شعبية اليمين المتطرف الذي نجح في تخطي مجال نفوذه الطبيعي إلى هذا المستوى الذي يضع مارين لوبان في المرتبة الأولى من بين كل المرشحين. وأمس، عمد الرئيس فرنسوا هولاند، في حديث لمجموعة من الصحف الأوروبية، إلى التحذير من «الخطر» ومن إمكانية وصولها إلى السلطة وإلى النتائج «الكارثية» المترتبة على ذلك. ولأول مرة منذ 60 سنة، يمكن أن يغيب المكونان الرئيسيان للمشهد السياسي في فرنسا، أي اليمين الكلاسيكي واليسار الاشتراكي، عن الجولة الانتخابية الثانية. فاليسار منقسم بين مرشح الحزب الاشتراكي الرسمي بونوا هامون الذي لا يحظى بدعم جدي من حزبه بسبب برنامجه الانتخابي الذي يعد راديكالياً، ولكون هامون قد انضم في العامين الأخيرين إلى ما يسمى «الناقمون» على سياسة العهد الاشتراكي. أما المرشح اليساري الآخر، فهو جان لوك ميلونشون، ممثل الجناح المتشدد لليسار.
وإذا استمرت الأمور على هذه الحال يميناً، فإن اليمين الكلاسيكي سيغيب عن المشهد السياسي في الجولة الثانية لصالح المرشح إيمانويل ماكرون ومارين لوبان. وبعد أن كان المشهد السياسي يتحلق حول ثنائية القطب «يمين ويسار»، أصبح اليوم رباعياً «مع لوبان وماكرون».
في الأيام الأخيرة، شكى مرشح اليسار من أن فيون «يأخذ الحملة الانتخابية رهينة». وبرأيه أن التركيز على الفضائح يمنع من التطرق إلى صلب الموضوع، أي البرامج الانتخابية ويقضي على كل نقاش جدي يتعين أن يحصل حتى يكون خيار الناخب الفرنسي واعياً. لكن هذا الوضع يبدو أنه سيستمر إلى ما بعد مثول فيون أمام القضاء في 15 الحالي. وفي أي حال، إذا أراد اليمين استبدال فيون، فعليه التعجيل لأن المهلة القانونية للتأهل تنتهي في 17 الحالي، إذ يتعين على كل مرشح أن يقدم لائحة من 500 شخص «من النواب أو أعضاء مجلس الشيوخ أو رؤساء البلديات وغيرهم من الشخصيات المنتخبة» «يباركون» ترشيحه. ومن غير هذه التأشيرة، لا سبيل للتنافس.
فيون متشبث بترشحه... واليمين يبحث عن مخرج «مشرف»
آلان جوبيه رفض أن يلعب دور «المنقذ»
فرنسوا فيون يصل إلى مقر «الجمهوريون» في باريس أمس (إ.ب.أ)
فيون متشبث بترشحه... واليمين يبحث عن مخرج «مشرف»
فرنسوا فيون يصل إلى مقر «الجمهوريون» في باريس أمس (إ.ب.أ)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة


