مالك شبل يصدر قاموسه «العاشق للإسلام»

ازدادت أهميته على الساحة الباريسية في السنوات الأخيرة بفضل تدخلاته الإعلامية وكتبه المتلاحقة

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

مالك شبل يصدر قاموسه «العاشق للإسلام»

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

«القاموس العاشق للإسلام»، ليس من عندي وإنما هو للمفكر الجزائري المعروف: مالك شبل. وهو من أشهر المثقفين العرب حاليا في فرنسا. فقد صدرت له عدة كتب لفتت الانتباه. نذكر من بينها «بيان من أجل إسلام التنوير» و«الإسلام والعقل»، و«قاموس الرموز الإسلامية»، و«القاموس الموسوعي للقرآن الكريم»، و«قاموس عاشق للجزائر». ثم هذا الكتاب الذي بين أيدينا اليوم. إنه لشيء ممتع أن تقرأه وأنت مطل من أعلى طابق في المكتبة على باحة كاتدرائية رانس الشهيرة. تنظر إلى أسفل من علو شاهق فيسحرك المنظر. الناس تحتك مباشرة وأنت في أعلى عليين. لأول مرة تمارس ساديتك على البشرية. تتذكر نيتشه عندما كان يصعد إلى أعلى قمم الجبال في سويسرا. لا يستطيع أن يتفلسف إلا والناس تحته على بعد ستة آلاف قدم. تحتك مشهد سينمائي ولا أروع. حضارات، حضارات.. ماذا يصنع شخص متخلف مثلي هنا؟ ثم بالأخص لا يوجد حولك إلا الجمال الفتان فينشرح صدرك وتنفتح شهيتك الفلسفية على مصراعيها. في مثل هذا الجو المليء بالمشاعر المتناقضة، رحت أقلب صفحات هذا الكتاب وأستمتع به كل الاستمتاع. بإمكانك أن تنتقل من مادة إلى أخرى، ومن عنوان إلى عنوان، كأنك في بستان. فمن مادة تتحدث عن إسهام العرب في الحضارة، إلى أخرى تتحدث عن الجاحظ، وتقدم لك صورة شخصية ممتعة عنه (بورتريه). وهل هناك أمتع من الجاحظ؟ إلى مادة تتحدث عن غوته والشرق، إلى أخرى تتحدث عن ابن خلدون، أو ابن رشد، أو الخوارزمي، أو نجيب محفوظ، أو الموسيقى العربية الأندلسية، أو معنى الجهاد، أو الاجتهاد، أو الجنس عند العرب... إلخ. عشرات المواد تتوالى أمام ناظريك دون أن تكل أو تمل. وإذا ما مللت من إحداها قفزت عليها وانتقلت إلى مادة أخرى، وهكذا دواليك.. من المعلوم أن مالك شبل أخذ أهمية كبيرة على الساحة الباريسية في السنوات الأخيرة بفضل تدخلاته في وسائل الإعلام وكتبه الكثيرة المتلاحقة.. انه يبدو كمثقف حداثي وأصيل في الوقت ذاته. إنه معجب جدا بأصوله العربية الإسلامية ولا يتنكر لها أبدا رغم انغماسه في الحداثة الباريسية. كدت أقول إنه يبدو كمثقف مستنير. ولكن، خفت أن ينقضوا علي من كل الجهات فآثرت السلامة وتحاشيت هذا المصطلح الشائن الذي أصبح يثير حساسية مفرطة لدى بعض الإخوان الكرام. وأخشى ما أخشاه أن يفرغ من معناه من كثرة الاستخدام بمناسبة وبلا مناسبة كما حصل لبقية المصطلحات والشعارات العربية. أخشى أيضا أن يعتبروني مسؤولا عن ترويجه مع بعض الآخرين ويقدموني إلى حبل المشنقة! من يعلم؟ أفتح على صفحة الجاحظ فماذا أجد؟ أجد ما معناه: لقد قارنوه بكبار الكبار من أمثال فولتير لأنك لا تستطيع أن تقرأه دون أن تنفجر بالضحك. وهذه نعمة ما بعدها نعمة وموهبة لا يقدر عليها إلا المصطفون الأخيار. (الفذلكات الزائدة عن اللزوم من عندي. ولكنها موجودة ضمنيا في كلام الباحث الجزائري المرموق). لقد كان الجاحظ يمتلك إمكانات أكبر المدافعين عن حرية التفكير والتعبير، بالإضافة إلى روحه المرحة لأن كتاباته مضحكة ومسلية في غالب الأحيان. ولكن هذا لا يعني أنها ليست عميقة وجادة كل الجدية. غير أنه على طريقة فولتير كان يعرف كيف يمزج الهزل بالجد. لقد استفاد الجاحظ من جو الحرية الذي كان سائدا إبان العصر الذهبي للعباسيين، وخاصة عصر الرشيد والمأمون حيث عاش قسما كبيرا من حياته. وقد شهد بداية المجادلات الدينية للمعتزلة. وهي - كما يقول مالك شبل - فرقة مشكلة من المفكرين الأحرار في الإسلام. وكانت نصوصهم تقرأ في الخفاء وتتناقلها الأيادي بصمت. ومعلوم أنهم طالبوا بتطبيق المنهج العقلاني على كل المجالات بما فيها المجال الديني. وقد برع الجاحظ في ذلك كل البراعة. ولذلك، يمكن اعتباره أحد كبار المفكرين التنويريين في الإسلام. والواقع أنه هو ذاته كان معتزليا. ويقال بأنه هو الذي اخترع النثر العربي. ومن ثم فكلنا من أحفاده.
أنتقل الآن إلى مادة بعنوان: الأصولية والتعصب الأعمى، فماذا أجد؟ يقول الباحث الجزائري بأن التعصب غير معسكره أخيرا وانتقل من جهة إلى أخرى. ففي الماضي، كان في جهة الفرنسيين ومن سواهم عندما كانت أوروبا تغط في ظلام عميق. ولذلك، اتهم مفكرو القرن التاسع عشر أولئك المسيحيين الهائجين المسعورين الذين يريدون فرض دينهم بالقوة بأنهم شوهوا رسالة المسيح الذي كان مسالما جدا إلى درجة أنه قال: من ضربك على خدك الأيمن فأدر له الأيسر. لقد انخرطوا بكل حماسة هيجانية في محاكم تفتيش وحروب صليبية وما إلى ذلك. والغريب العجيب أنهم كانوا يقتلون الناس بالمئات والآلاف دون أن يرف لهم جفن. والأنكى من ذلك أنهم ما كانوا يشعرون بأي ذنب أو تأنيب للضمير. على العكس، كانوا يجذون الرقاب وهم في غاية السعادة والاطمئنان لأن فتاوى رجال الدين كانت تقدم لهم التغطية الكافية. وربما لولا ذلك لجنوا أو لما تجرأوا على سفك الدماء بمثل هذه السهولة. فليس من السهل أن تذبح الناس الأبرياء وتنام بعدئذ كأن شيئا لم يكن. ويرى فولتير أن هذا التعصب الأعمى عبارة عن مرض قد يصيبك كما تصيبك الجراثيم. فهل هناك بكتيريا تدعى: جرثومة التعصب الطائفي؟ وهل تنتقل بالعدوى يا ترى؟
ولكن أوروبا تخلصت من هذا الوباء بعد أن تقدمت وتحضرت واستنارت. رجعنا إلى التنوير! ألا توجد كلمة أخرى؟ أم أنك تتقصد ذلك تقصدا بنوع من الخبث والاستفزاز وربما الاستمتاع أيضا! على أي حال انتقلت الظاهرة إلى الضفة الأخرى من المتوسط: أي إلى عندنا نحن بالذات. ويرى مالك شبل أن ظاهرة الأصولية ناتجة عن الفقر والظلم والاستبداد والطغيان، وبالأخص الجهل. ولكن، هناك عامل آخر لا يستهان به: ألا وهو الالتزام المطلق بالتفسير الحرفي للنص. وهذا يعني عدم الاعتراف بالتطور وتاريخية النص. فما كان سائدا قبل ألف سنة يعتقدون إمكانية تطبيقه بحذافيره من دون أي تعديل. إنهم يقدمون الحرف على الجوهر: أي جوهر النص ومقاصده العميقة. وهنا تكمن أزمة الوعي الإسلامي حاليا.
أنتقل إلى موضوع آخر مختلف تماما. أفتح القاموس على اسم قيس بن الملوح المشهور باسم: مجنون ليلى. وهو أشهر عاشق في تاريخ العرب، بالإضافة إلى جميل بثينة وذي الرمة ومعبودته مي... إلخ.. ولا يقابله في الآداب العالمية إلا روميو وجولييت. فماذا يقول عنه مالك شبل يا ترى؟ إنه يصفه بالهائم على وجهه في البراري والقفار بعد أن زوجوا ليلى بشخص آخر. عندنا مثل في القرية يقول: «اللي بيعشق ما بيتزوج». لقد فقد عقله أو كاد. من هنا اسمه: مجنون ليلى. لقد أصبح يتوسد الرمال ويلتحف السماء والنجوم بعيدا عن ضجيج البشر وحساباتهم الصغيرة. وفجرا، تبلل وجهه قطرات الندى وتهب عليه ريح الصبا. لقد انصهر بعناصر الطبيعة وتحول إلى أثير. إنه أنقى شخص في الشعر العربي، أنقى من الصحراء والهواء. لقد أصبح يعاشر الوحوش والغزلان بعد أن هجر الأهل والخلان. وراح ينشد القصائد التي خلدته معبرا عن جرح لا يندمل. وهكذا، تحول إلى أسطورة الأساطير في الآداب العربية.
ألست وعدتني يا قلب أني
إذا ما تبت عن ليلى تتوب
فها أنا تائب عن حب ليلى
فما لك كلما ذكرت تذوب
أتوقف الآن عند مادة بعنوان: قبر جان جنيه. فلماذا قبر جان جنيه وليس جان جنيه بكل بساطة؟ لأن قبره في مدينة العرائش بشمال المغرب هو الذي لفت انتباه مالك شبل وجعله يهتم بهذا الكاتب المنبوذ على الأصعدة والمستويات كافة. ويبدو أن جورج بوسكيه، مدير المركز الثقافي الفرنسي في طنجة، هو الذي قاده يوما ما إلى ذلك المكان لزيارة القبر: قبر غريب لرجل غريب في بلاد غريبة، ثلاث غربات دفعة واحدة. ولكن، هل حقا كان جان جنيه شخصا غريبا في أرض المغرب الخالد؟ أمر مشكوك فيه تماما. لا أحد غريب في المغرب. من المعلوم أن الكاتب الفرنسي الشهير توفي في باريس عام 1986، ولكنه رفض رفضا قاطعا أن يدفن في كل الأراضي الفرنسية. بالمناسبة، الشيء بالشيء يذكر. عندما زرت تطوان لأول مرة مع بعض الأصدقاء الأعزاء عشت لحظات سعيدة واقعية وفوق واقعية في آن: أي لحظات سريالية. كنا نتمشى على غير هدى حتى وجدنا أنفسنا فجأة منخرطين في شارع القصر الملكي. وقد سحرني هذا الشارع بالمعنى الحرفي للكلمة وأخرجني عن طوري، ليس فقط بسبب القصر، وإنما أيضا بسبب طرازه المعماري القديم الجديد على الطريقة الإسبانية الأندلسية. تسحرك الصور والألوان والتطريزات والأصوات التي تملأ الشارع، بالإضافة إلى أشياء أخرى بهيجة يعجز قلمي عن وصفها. حقا، إن المغرب مصهر للحضارات. أحسست بأني دخلت في عالم ألف ليلة وليلة. وفجأة، تجد نفسك أمام المركز الثقافي الفرنسي: آندريه مالرو. ومن خلفه، تتراءى لك الجبال على الضفة الأخرى من الوادي، في منظر خارق يتجاوز حتى الشعر. لقد عشت لحظات وردية في ذلك الشارع وأتمنى أن أعود إليه مرة أخرى لكي أفهم السر وأعيش نفس الأحاسيس الأسطورية. وهل الحياة إلا لحظات تسرق من عمر الزمن سرقة؟
وأخيرا، سوف أختتم بهذه المادة الاستفزازية جدا عن الاستشراق. سوف أحرق أعصابكم مرة أخرى بوساطة مصطلح آخر غير التنوير. ولكن، هل هما شيئان مختلفان أم شيء واحد؟ يقول مالك شبل بلهجة معاكسة تماما للهجة إدوارد سعيد: أريد أن أقدم كل آيات الشكر والثناء للعلماء الأوروبيين الذين كرسوا حياتهم كلها لدراسة الشرق العربي أو الإسلامي. أريد أن أرفع لهم التحية لأنهم درسوا تراثنا دراسة علمية تاريخية. لقد قدموا كبرى الخدمات لتراثنا العربي الإسلامي الكبير. ولا زائد لمستزيد..



ليلى سليماني وسؤال يطاردها دائماً: لماذا لا أتحدث العربية؟

ليلى سليماني
ليلى سليماني
TT

ليلى سليماني وسؤال يطاردها دائماً: لماذا لا أتحدث العربية؟

ليلى سليماني
ليلى سليماني

في كتاب لا يتجاوز ثمانين صفحة بعنوان «هجوم على الحدود»، من إصدار دار غاليمار مارس (آذار) 2026، تناقش الكاتبة ليلى سليماني مسألةَ الهوية المغاربية المتشظّية بين لغتين ومرجعيتين، من خلال علاقتها الملتبسة باللغة العربية. تفتح صاحبة «أغنية هادئة» و«بلد الآخرين» أدراجها الداخلية على آخرها، لتُنجز نصاً من نوع نادر في المشهد الأدبي الفرنكفوني، نصٌّ يتكلم بالفرنسية عن الخسارة الكبرى للعربية. وتشرح سليماني في حوار مع دار غاليمار العمقَ الشخصي لهذه الخسارة، إذ تكشف أن العربية كانت بالنسبة إليها «اللغة الأبوية» بالمعنى المزدوج، فتقول: «تخيّلتُ أنها ستكون اللغة الأبوية، وأن غيابها يوازي غياب أبي، لأنه مات، ولأنه كان يجد صعوبة بالغة في نقل ثقافته». هكذا يتداخل في الكتاب الحدادُ على شخص والحداد على لغة، في نسيج اعترافي نادر يمنح النص عمقاً شخصياً يتجاوز مجرد التأمل الثقافي.

غلاف الكتاب

في قلب هذا النص يتصدّر سؤالٌ ظل يطارد ليلى سليماني منذ طفولتها: لماذا لا أتحدث العربية ولا أتقنها؟ والمعروف أن ليلى سليماني، الحائزة جائزة غونكور عام 2016، وُلدت في الرباط لعائلة بورجوازية مغربية تتحدث الفرنسية؛ والدها مصرفي رفيع المستوى، ووالدتها طبيبة من أصل ألزاسي. في هذا البيت الذي كانت الفرنسية لغةَ حياته اليومية، نشأت ليلى على تعدد لغوي مميز: الدارجة المغربية في الشارع والسوق، والألمانية في أغاني جدّتها الألزاسية وحكاياتها، والإسبانية في صيف المتوسط، والشلحة الأمازيغية على لسان عمّال الضيعة العائلية. بيد أن العربية الفصحى ظلّت في منطقة الحضور الغائب: مسموعةً، مألوفةَ الإيقاع، غير أنها لم تنمُ في فم الطفلة بصورة طبيعية، ولم تسكن مخيّلتها حتى تصير أداة تعبير.

تصف ليلى سليماني هذا الوضع بصورة جسدية قاسية: كمن يعيش مع عضو مبتور يُحسّ بوجوده رغم غيابه. وهذه الاستعارة ليست زينةً أسلوبية، بل هي الإطار الدقيق الذي تُنظّم فيه الكاتبة علاقتها بلغتها: حنينٌ لا يمكن إشباعه لأن موضوعه لم يُفقد فجأةً، بل لم يتشكّل أصلاً على النحو الكامل. وتستحضر في هذا السياق اسم الشاعرة والرسامة اللبنانية الراحلة إيتيل عدنان، تلك المبدعة التي كتبت بالفرنسية وعاشت تحت وطأة السؤال ذاته، والتي قالت ذات يوم إنها وجدت نفسها عند باب تلك اللغة فجعلتها أسطورة وجنةً مفقودة.

يبدأ النص من مكان شخصي للغاية: الطريقة التي تتحدث بها سليماني العربيةَ اليوم، وهي طريقة تشبه حديث الطفل أمام الكبار، المُحرج من نقصانه والخائف من الاستهزاء. وفي هذا الاعتراف ما يتجاوز مجرد الخجل الشخصي؛ إنه يكشف البنية الاجتماعية للغة. فالفرنسية في المغرب لم تكن مجرد إرث استعماري طارئ، بل أضحت في زمن الاستقلال وما بعده لغةَ الترقّي الاجتماعي ولغةَ النخب المدنية، في حين ظلّت العربية في بعض الأوساط محصورةً في دور الوجدان والدين والهوية الرمزية. وهكذا نشأ جيلٌ من الأبناء المغاربة يحمل اسماً عربياً ولساناً فرنسياً، وروحاً تُدرك حدودها دون أن تعرف كيف تتخطّاها.

غير أن هذا الخجل الذي تعترف به ليلى سليماني بصوت مرتفع لا يُعدّ استثناءً فردياً، بل هو الموروث السّرّي لجيل كامل من الكتّاب المغاربيين الذين شيّدوا مجدهم الأدبي بالفرنسية فيما ظلّت العربية تنتظر على العتبة. فمن كاتب ياسين الذي رأى في الفرنسية «غنيمة حرب» استردّها من المستعمِر، إلى آسيا جبّار التي عاشت طوال حياتها في المساحة الممزّقة بين الكتابة بالفرنسية والتفكير بالعربية والحلم بالأمازيغية، وصولاً إلى ألبير ميمّي الذي حلّل في «المُستعمِر والمُستعمَر» كيف تُصبح لغة المستعمِر أداةَ صعود اجتماعي لنخب المستعمَر وتُفضي إلى ما سماه «ازدراء الذات»، هذا الإرث الثقيل هو ما تتقاطع معه سليماني في نصّها، بوعي طبقي أكثر صراحةً مما أبداه أسلافها. فهي لا تتردّد في وصف نفسها بـ«كليشيه البورجوازية الفرنكفونية التي لا تتحدث لغتها»، وفي هذه الجملة القاسية إدانةٌ مزدوجة: إدانة لطبقة اجتماعية أفادت من الانقسام اللغوي وورثت منه امتيازاتها، وإدانة لنظام تعليمي خلّف على مدى أجيال نخباً مغاربة تتكلم لغةَ الآخر بطلاقة ولغتها الأولى بتعثّر. والفارق بين سليماني وكتّاب الجيل الأول أن الأوائل كانوا يكتبون بالفرنسية كأنها فعل مقاومة أو ضرورة تاريخية لا مهرب منها، أما هي فتكتب عنها وعن حدودها، أي أنها تفتح النافذة على الغرفة المغلقة التي لم يجرؤ كثيرون على النظر إليها.

يبلغ النص ذروته الدرامية في مشهد كابوسي تعود إليه سليماني مراراً: «أحلم دائماً بالكابوس ذاته. أجدني في قاعة محكمة، وحولي رجال لا غير. أعلم أنني على وشك أن أُدعى إلى الكلام، وحلقي جافٌّ وكفّاي مرتجفتان. أشعر بخجل لا أعرف له سبباً. قاضٍ يدعوني إلى التحدث فأبدأ بتبرير نفسي، أتكلم بسرعة واضطراب، أتكلم بالفرنسية. يقاطعني القاضي بقسوة: «لسنا في فرنسا هنا. تكلّمي بالعربية». تملأ الدموع عينيّ ويُشلّني القلق. أبحث عن كلماتي. لا شيء يأتي. وأدرك حينها أنني خسرتُ، وأنني لن أستطيع إثبات براءتي أبداً». هذا الكابوس لا يصف عجزاً لغوياً فحسب، بل يُشخّص أزمة هوية بكاملها: براءةٌ لا يمكن إثباتها إلا بلغة افتُقدت. ولعل هذه العبارة الاخرى للكاتبة التي تقول فيها: «الكتابة ربما تعني التصالح مع هذه الهزيمة، أو على الأقل البحث عن لغتي الخاصة، لغة لا تخضع لأي تصنيف»، هي التي تكشف كيف صار الكابوسُ نفسُه مادةَ الكتابة وسببَها في آنٍ واحد.

على أن الكتاب لا يقف عند حدود الاعتراف الشخصي، بل يتمدّد ليصير بياناً سياسياً صريحاً. تُعلن سليماني رفضاً مزدوجاً وحاداً: رفض الخطاب المغربي المحافظ الذي يرى في أحادية اللغة العربية درعاً ضد الإمبريالية الثقافية، ورفض الخطاب الفرنسي الرسمي المتشبّث بلغة نقية لا تقبل التحوّل. وبين هذين الرفضين ترسي موقفها: اللغات كائناتٌ حية تتطور وتتشرب من بعضها، ولا يُلجمها إلا الآيديولوجيا. في هذا تلتقي مع كاتب ياسين والشاعر المغربي محمد بنيس وسواه من المفكرين الذين رأوا في التعددية اللغوية ثروةً بدل أن تكون وصمة.

الخجل الذي تعترف به ليلى سليماني هو موروث جيل كامل من الكتّاب المغاربيين الذين شيّدوا مجدهم الأدبي بالفرنسية فيما ظلّت العربية تنتظر على العتبة

أما أسلوب الكتاب فيستحق وقفة خاصة. سليماني معروفة بنثر يقوم على الجملة القصيرة والإيقاع المحكم، غير أن جمل هذا النّص تتسع قليلاً ويصبح الصوت أكثر مباشرةً، كأنها تكتب تحت وطأة الاعتراف الواجب لا تحت إكراه الخيال الروائي. هذا الأسلوب يُذكّر في لحظات بما فعله طه حسين في «الأيام» حين حوّل السيرة إلى نص أدبي يتخطّى التوثيق الشخصي، وبما صنعه محمد شكري في «الخبز الحافي» حين رأى في الاعتراف الجريء تحريراً لا كشفاً للعار.

يكتسب الكتاب راهنيةً مضاعفة في سياق زمني يشهد صعوداً لخطابات الهوية المغلقة في أوروبا وخارجها: حدود تُضيَّق، وثقافات تُصنَّف، ولغات تُوظَّف في خدمة السياسة. في هذا المناخ، يُذكّر نص سليماني بأن الانغلاق على لغة واحدة ليس احتماءً بل إفقار، وأن الجرح الأعمق ليس في الحدود الجغرافية، بل في تلك الهوّة التي تفصل الإنسان عن لغته وذاكرته الأولى. وإذا كان العالم العربي يعيش صراعاً خفياً بين أنماط الانتماء اللغوي والثقافي، وهو صراع تغذّيه جراح الاستعمار وسياسات التعليم والتحوّل الاجتماعي العميق، فإن سليماني تعيد فتح هذا الملف من زاوية إنسانية لا شعاراتية: اللغة ليست ساحة امتحان للولاء، بل فضاءٌ لتكوين الذات. وسؤال الهوية عندها ليس مسألة تمثيل ثقافي فحسب، بل هو سؤال في صميم الكتابة ذاتها: هل يمكن للكاتب أن يكون صادقاً مع نفسه وهو يكتب داخل لغة لا يعيشها بالكامل؟ والجواب، كما يوحي النص، ليس نعم أو لا، بل كتابةٌ مستمرة في البحث عن صيغة أوسع من الصدق.

تكمن أهمية «هجوم على الحدود» في أنه يُقدّم تصوراً مغايراً: الهوية ليست جداراً بل مفترق طرق، واللغة ليست ملكيةً نهائية بل علاقة تاريخية حية ومفتوحة على التحوّل. وما يمنح هذا النص مداه الأبعد هو أن خجل سليماني من عربيتها المفقودة ليس استثناءً بورجوازياً بل مرآة لتشوّه موروث، وأن الجرأة على تسميته علناً هي في حد ذاتها فعلٌ من أفعال المقاومة.


«منام القيلولة»... تمثيل سردي لتحولات سياسية حادة

«منام القيلولة»... تمثيل سردي لتحولات سياسية حادة
TT

«منام القيلولة»... تمثيل سردي لتحولات سياسية حادة

«منام القيلولة»... تمثيل سردي لتحولات سياسية حادة

تتمحور رواية «منام القيلولة»، للروائي والأكاديمي الجزائري أمين الزاوي، حول أسرة ريفية بسيطة، تنتمي لمناضل سابق ضد الاحتلال، وتتبع مصائر وتحولات أبناء وزوجة هذا المناضل القديم، وما ستؤول إليه حيواتهم؛ إذ يتخبطون بين الجنون والفقد والوحدة، بل التصفية الجسدية، رغم أن الأبناء جميعاً كانوا منذورين لنبوغ ما، لكن تبدلات الأحوال الاجتماعية والاقتصادية والسياسية تسحقهم، وتغدو هذه الأسرة تمثيلاً لطبقة اجتماعية عانت في سبيل تحرير البلاد من الاستعمار، دون أن تجني ثمار الاستقلال، فسرعان ما دخلوا في نفق مظلم، ولم يشعر أحد بتضحيات الأب، ومعاناة الأم التي تشبه الوتد، وصارت أسرتهما في مهب ريح عاتية تعصف بهم من كل الاتجاهات.

الرواية صدرت عن «دار العين» في القاهرة، ووصلت للقائمة القصيرة في جائزة البوكر، وصدرت طبعتها الرابعة منذ أيام. يرتكز العنوان على فترة نوم القيلولة التي كانت جزءاً ثابتاً من عادات القرية، وكانت تحدث فيها معظم الأحداث المفصلية المروعة، لكن هذا النوم يبدو، وبشكل أكثر جذرية، كناية عن نوم مجتمع وثقافة بأكملها، وعدم اليقظة لما يحاك لهما؛ إذ يدخل المجتمع كله في «نوم قيلولة»، بالمعنى السياسي والاجتماعي والثقافي، ليستيقظ على كوارث مروعة، أخطرها كارثة تمدد تيار الإسلام السياسي الراديكالي، بكل ما ينطوي عليه من عنف، ورغبة مجنونة لإعادة هندسة الواقع حسب رؤيته المتطرفة، في غفوة من السلطة الحاكمة.

وإذا كان نوم القيلولة يتخذ معاني ودلالات أكبر من مجرد عادة قروية، فإن الجنون - كذلك - يبدو كناية عمّا يصيب المجتمع بأسره، وليس أفراد هذه الأسرة وحدها، فالجنون هنا يبدو معنى سياسياً وآيديولوجياً؛ إذ يتغول جنون الجماعات الراديكالية، وتجتاح المجتمع حالة من العنف، بمعنييه السياسي والمادي، تنتهي بمقتل «عبد القادر المخ»، ابن المناضل السابق ضد الاحتلال. عبد القادر الذي كان يحلم وهو طفل أن يكون رئيساً للجمهورية، فانتهى به الحال على يد زملائه السابقين في مدرسة المعلمين وزوج شقيقته، بعد أن تحولوا إلى آيديولوجيا الإسلام السياسي المتطرف؛ حتى لا ينافسهم في الانتخابات البلدية، التي كان مرشحاً قوياً للفوز بها؛ كي تخلو الساحة لتيارهم الذي يسعى للسيطرة على المجتمع عنوة. ما يؤكد أن الجنون هنا ليس مقصوداً به فقط هذه العائلة، بل أشبه بحالة اجتماعية، وهو ما يصفه في حواره الأخير مع أمه قبل مقتله مباشرة يقوله: «ها هي البلاد أضحت أرخبيلاً للجنون، غابة وحوش، لا أحد يدري أين سيترك روحه بعد أن يغادر بيته صباحاً».

تدور الرواية حول مسعودة القارح، وأبنائها الثلاثة: إدريس، وحليمة، وعبد القادر. ونتتبع مسارات كل منهم، واتجاه هؤلاء الأبناء للجنون والهذيان بدرجات متفاوتة، بدءاً من الابن الأكبر إدريس الغول، الذي كان أول الواقعين في فخ المرض العقلي، وحاول الاعتداء على شقيقته، وانطلق في الشوارع واختفى من القرية، وأودعته السلطات بمستشفى للأمراض العقلية في مدينة وهران، وسرعان ما طردته المستشفى بعد سلوكه العنيف مع بقية المرضى والمريضات؛ ليتحول مشرداً في الشوارع، ولا يعرف له أهله مكاناً، بل يتحول شبحاً يخيف أخته حليمة، التي يصيبها الرعب من أن يجدها ويكرر تحرشه الجسدي بها أو محاولة قتلها، ويتحول هذا الرعب مرضاً نفسياً وهذيانات متتالية، خصوصاً بعد فشل زيجتها من مدرس الألعاب «سليم بوعزة»، الذي يختفي، ويلتحق بالجماعات الدينية المسلحة عقب اكتشاف عبثه بأجساد طلابه الأطفال. وأخيراً، عبد القادر المخ، صاحب الطموحات السياسية الجامحة، والذي كان على شفا الجنون أثناء دراسته، ودخل فترة في مستشفى الأمراض العقلية.

اعتمدت الرواية على تعدد الرواة والأصوات، فرغم استخدام ضمير الراوي العليم في معظم البناء السردي بشكل رئيس، لكنه يتحول أحياناً راوياً مشاركاً حيناً، ومراقباً حيناً آخر، خاصة في مفتتح الرواية ومنتهاها، وتحديداً في مشهد السيارة التي تأخذ مسعودة القارح، إلى مستشفى المجانين، وهو نفسه مشهد البدء ومشهد الختام؛ إذ يبدأ الراوي بهذا المشهد، ثم يعود عبر تقنية الاسترجاع إلى بدايات الحكاية ومساراتها وتحولات شخوصها، حتى نصل في الختام إلى المشهد نفسه، بعد أن يكون القارئ قد عرف المقدمات التي أدت لهذه النتيجة، فيسرده الراوي مرة أخرى، بعين المراقب والمشارك والمتسائل عن سر اختطافها بهذه الطريقة. ورغم سيطرة الراوي العليم على السرد، فإن ثمة فصولاً كثيرة متروكة لأصوات أبطالها كي يحكوا بأنفسهم، مثل حليمة وعبد القادر المخ، فكلاهما كثيراً ما يروي حكايته وتخوفاته وهواجسه بنفسه، ليتراجع الراوي العليم مُفسحاً المجال لأصواتهم وخطاباتهم لتحتل الصدارة.

زمنياً، تمتد الرواية على مدار عقود عدة، منذ مرحلة ثورة التحرير، التي انضم لها حميد النوري، مروراً بمرحلة الاستقلال، التي شهدت جنون أولاده ومعاناة زوجته، وكذا انتشار الفساد، فضلاً عن أن «كثيراً من أرامل الشهداء وجدن أنفسهن يشتغلن عاملات تنظيف في بيوت الأغنياء أو في المؤسسات التعليمية والإدارية»، وصولاً إلى تغلغل الإسلاميين الراديكاليين، واكتساحهم لانتخابات البلديات، ومقتل عبد القادر على أيديهم، بما يمثله من رمزية الطموح المدني للوصول للرئاسة، حلمه القديم منذ طفولته، والذي بدأه بانتخابات البلدية مرشحاً مستقلاً. هذا الامتداد الزمني يجعل الرواية أشبه بجدارية كبرى لصيرورة المجتمع المروي عنه.

على المستوى المكاني، تدور معظم الأحداث بين قريتي «أعنان» و«ينبو»، ومدينة وهران، ونرى تحول التركيبة السكانية لهذه الأمكنة، بخاصة تركيبة المدينة، فعقب الاستقلال، وبعد أن كانت وهران تتسع لجنسيات مختلفة، خشيت المرأة الفرنسية صاحبة المخبز على نفسها من حملات الكراهية ضد الأجانب، فرحلت إلى فرنسا على أمل العودة يوماً بعد صلاح الأحوال، وتركت مخبزها لحبيبها الجزائري بنعلال الرومي، لكن الأحوال تزداد سوءاً، لدرجة أن بنعلال نفسه يهاجر مع انتشار سطوة الإسلاميين وعصفهم بكل مختلف، في إشارة إلى أن المجتمع كله لا يتقدم، بل يسقط من أعلى منحدر شاهق. ثمة أماكن أخرى لها رمزيتها وحمولاتها الدلالية، بما يجعلها أكثر من مجرد فضاء مكاني، وأقرب إلى تمثيل سوسيوسياسي، مثل الجبل الذي كان يعتصم به الثوار المجاهدون ضد الاحتلال في زمن الثورة، وأضحى هو المكان نفسه الذي يأوي «الجماعة» التي تستقوي على المجتمع من أبناء جلدتهم، فالمكان واحد، لكن ثمة تباعداً بين الشخوص والغايات. أيضاً حديقة الاستقلال، التي كانت تنظر إليها حليمة من نافذة المطبخ، فتشاهد العشاق يجلسون فيها ويختلسون متعاً صغيرة عابرة، وما آلت إليه هذه الحديقة من خراب مع سطوة الإسلاميين، بل ربما ما آل إليه الاستقلال ذاته.

انفتاح السرد الروائي على الجنون، جنون الشخوص أو جنون الواقع، منح السارد مساحة كبيرة لإضفاء مسحة من الغرابة والسريالية على الأحداث، سواء في هذيانات حليمة ورؤاها لأشياء غير منطقية، أو ما كان يحدث في شقة جارتها التي تحولت من مكان للسكن إلى حديقة حيوان مصغرة، ترى فيها أنواعاً غريبة من الحيوانات والطعام غير المعتاد. وعلى هذا المنوال، يحفل السرد بمساحات كبرى من الهذيان تنتاب الشخوص، في مقابل الهذيان الذي يتفشى اجتماعياً وسياسياً، في مجتمع أصبح وكأنه مسرح عبثي مفعم بتحولات تنتمي إلى اللامعقول.


«شجر الدر» لدرية شفيق في ترجمة عربية

«شجر الدر» لدرية شفيق في ترجمة عربية
TT

«شجر الدر» لدرية شفيق في ترجمة عربية

«شجر الدر» لدرية شفيق في ترجمة عربية

صدر عن دار «منشورات الربيع»، في القاهرة، الترجمة العربية لرواية «شجر الدر... امرأة متفردة»، للكاتبة والمناضلة النسوية المصرية درية شفيق، التي كتبت الرواية بالفرنسية في عام 1952، وظلت غائبة عن المكتبة العربية طوال هذه العقود، حتى صدرت الطبعة العربية أخيراً بترجمة الدكتورة فاطمة خليل.

في هذه الرواية، تعود المؤلفة إلى القرن الثالث عشر، لحظة أفول الدولة الأيوبية وصعود دولة المماليك، لتضع في قلب هذا التحول امرأة استثنائية، خرجت من الهامش إلى قلب التاريخ، وانتقلت من موقع الجارية إلى مقام السلطانة. طوال السرد، تلتزم الكاتبة بصرامة تاريخية، فجميع الأحداث والوقائع موثقة، وكأنها تعلن أنها ليست مجرد رواية تاريخية، ولكنها مشروع معرفي يطرح تساؤلات حول: ما التاريخ؟ ولماذا تُهمّش بعض شخصياته، وخصوصاً النساء؟

تكتسب الرواية أهميتها أولاً من اسم مؤلفتها، درية شفيق، ذات التاريخ النضالي والنسوي الكبير، والتي لها منجز إبداعي وفكري، فقد كتبت الشعر والرواية، وفي أدب الرحلات، فضلاً عن الكتابات الفكرية والسياسية. وثانياً من البطلة المروي عنها، شجر الدر، والتي تمثل - بالنسبة لكثيرات الآن - رمزاً نسوياً لامرأة صعدت إلى سدة الحكم في مصر، متحدية كل الظروف الصعبة في مسيرتها، فضلاً عن أهمية الرواية في مسيرة المدونة الروائية المنشغلة بإعادة سرد وكتابة التاريخ، وكذا الأعمال الأدبية التي كتبها أدباء عرب بلغات أجنبية في منتصف القرن العشرين.

ولدت درية شفيق في مدينة طنطا، شمالي القاهرة، في عام 1908، ونالت درجة الدكتوراه في الفلسفة الحديثة من جامعة السوربون في عام 1940، ورغم تفوقها، رفضت الجامعة المصرية تعيينها ضمن هيئة التدريس؛ لأنها امرأة. وأصدرت الراحلة مجلة «بنت النيل»، كأول مجلة نسائية معنية بتثقيف النساء المصريات. وتطور دورها بعد ذلك لتقود حراكاً سياسياً نسوياً باسم «اتحاد بنت النيل» في الأربعينات، ثم استمر نضالها ورفيقاتها حتى بداية الخمسينات، ليقتحمن البرلمان المصري (مجلس النواب) في 1951، بمظاهرة قوامها 1500 امرأة، للمطالبة بحق المرأة المصرية في المشاركة في الحياة السياسية، وألا يكون العمل السياسي حكراً على الرجال.

وانتهت قصة نضال درية شفيق بسقوطها من الطابق السادس في عام 1975، عقب 18 عاماً من الإقامة الجبرية، تاركة إرثاً كبيراً من النضال والعمل النسوي، والكثير من الانتصارات في مجال حقوق المرأة، فضلاً عن مزيد من الحيرة والتساؤلات حول حقيقة نهايتها المفجعة.

من أجواء الرواية نقرأ: «لم تكن فترة المراهقة بالنسبة لشجر الدر أمراً يبعث السعادة عليها، كانت الهوة بينها وبين المحيطين بها تتسع يوماً بعد يوم، وبكل ما في داخلها من طموحات، كانت تنتمي إلى عالم آخر، أي عالم؟ لا تدري، لكنها كانت مقتنعة بأن موقعها في مكان آخر. كل ما يحيط بها كان يشعرها بالغثيان؛ المكان القذر الذي كانت تعيش فيه، ونافذته الوحيدة تطل على شارع يكسوه اللون الرمادي، ولا تدخله الشمس؛ الثوب السمل الذي كانت ترتديه؛ الخبز الأسود في وجباتها، ثم الفظاظة وبلادة الذهن التي كانت يتميز بها البشر الذين كانت تعيش بينهم».