منظومة الأمن الليبية تسقط تحت سيطرة مسلحين

تضم معطيات الجوازات والجنسية وأرشيفاً عن الجماعات المتطرفة والجواسيس

مهاجرون أفارقة أنقذتهم قوات خفر السواحل الإسبانية (أ.ب)
مهاجرون أفارقة أنقذتهم قوات خفر السواحل الإسبانية (أ.ب)
TT

منظومة الأمن الليبية تسقط تحت سيطرة مسلحين

مهاجرون أفارقة أنقذتهم قوات خفر السواحل الإسبانية (أ.ب)
مهاجرون أفارقة أنقذتهم قوات خفر السواحل الإسبانية (أ.ب)

سيطر مسلحون، يشتبه أنهم موالون للجماعة الليبية المقاتلة، أمس، على منظومة الأمن في ليبيا، وذلك بعد نحو ست سنوات من الصراع عليها بين جماعة الإخوان المسلمين و«المقاتلة».
وتضم المنظومة معطيات جوازات السفر وحركة دخول وخروج الليبيين وغير الليبيين عبر منافذ الدولة البرية والجوية والبحرية، وكذلك كل ما يتعلق بالجنسية، فضلا عن أرشيف ضخم عن الجماعات المتطرفة والسياسيين والجواسيس والمراقَبين والمحكومين في القضايا المختلفة.
وفيما لم تتبن «الجماعة المقاتلة» الهجوم حتى وقت كتابة هذه السطور كما لم تعلن أي جهة ليبية مسؤولة موقفها مما حدث، أبلغ ثلاثة ضباط من «جهاز أمن المعلومات» في طرابلس «الشرق الأوسط» أمس عن اقتحام قوة يقودها زعيم ميليشيا موالية للجماعة التي تأسست في أفغانستان في ثمانينات القرن الماضي، لمبنى إدارة أمن المعلومات والسيطرة عليه، وذلك بعد نحو شهرين من قرار رئيس المجلس الرئاسي بضم هذه الإدارة إلى «الحرس الرئاسي» التابع له، مع الإبقاء على الهيكل الوظيفي كما هو، بما في ذلك استمرار الضابط المسؤول عنه منذ عهد معمر القذافي في عمله، وهو العقيد بشير لامين.
ولم يتسن التواصل في حينه مع مصادر من المجلس الرئاسي للحصول على تعليق.
وقال موظف كبير في الإدارة التي تعد أكبر منظومة للأمن في ليبيا: «يضم الجهاز المعلومات التي تخص ليبيا وجوازات السفر، ومنظومة الدخول والخروج من البلاد. الألوف والألوف من الوثائق... منها أوراق وتسجيلات وملفات إلكترونية، محفوظة في مبنى الإدارة المكون من خمسة طوابق». ويقع أمام مقر رئاسة الوزراء، في طريق السكة في طرابلس، وهو نفس المبنى الذي كان يعرف في العهد السابق باسم «مبنى الأمن الداخلي».
وحذر مسؤول سابق في نظام القذافي من تأثير هذه الخطوة من جانب ميليشيات موالية للجماعة المقاتلة، على مستقبل السراج والمجلس الرئاسي، وقال لـ«الشرق الأوسط»: جرت عملية تضليل للمراقبين. فبينما الأنظار تتجه إلى الصراع على الموانئ النفطية، بين ميليشيات موالية لتنظيم القاعدة، والجيش، قام فرع «القاعدة» في طرابلس بالهجوم على مبنى المعلومات. وأضاف: «هذا يأتي في سياق التحركات التي تقوم بها الجماعة المقاتلة للسيطرة على طرابلس وطرد المجلس الرئاسي منها، وإحلال حكومة الإنقاذ التي يرأسها خليفة الغويل مكانها».
وشدد على خطورة استيلاء الجماعة المقاتلة على منظومة جوازات السفر وعلى ملفات المتابعة الأمنية التي قال إنها تشمل جميع أنحاء ليبيا، من الحدود المصرية الليبية، إلى الحدود مع تونس والجزائر والدول الأفريقية في الجنوب. وقال: «يبدو أنهم يريدون السيطرة على منافذ الدولة، وإخراج السراج من الساحة، ووضع مجلس النواب والجيش في مأزق».
وأضاف أن الأمر المثير للقلق وراء هذه العملية، يتعلق بمعلومات تقول إن المتطرفين في طرابلس، منحوا خلال العامين الأخيرين، الجنسية الليبية لعدة ألوف من الأجانب: «أعطوهم وثائق ليبية، بالآلاف، وربما كان الهدف من الهجوم على المبنى، أيضا، محاولة لإتلاف هذه الوثائق التي تخص أجانب أصبحوا يقاتلون في مناطق مختلفة منها سوريا والعراق، بالإضافة إلى الداخل الليبي.
من جانبه، أفاد ضابط في جهاز أمن المعلومات أن القوات التي هاجمت المبنى أمس كانت تتكون في البداية من 20 مسلحا، وخمس سيارات رباعية الدفع، وشاحنتين عسكريتين مصفحتين. وأضاف: «قام المهاجمون بإطلاق النار في الهواء لإخافة الموظفين، وإجبارهم على إخلاء المبنى، إلا أن بعض الموظفين رفضوا ذلك، ما دفع القوة المهاجمة إلى طلب الدعم، إذ وصل نحو 60 عنصرا مدججين بالأسلحة». وتابع: «الرجل الذي كان يقود هذه المجموعة والذي تولى السيطرة على المبنى، معروف بأنه من قيادات الجماعة الليبية المقاتلة، ومن الموالين لحكومة الإنقاذ، وكان يقيم في السابق في دولة آيرلندا». واستطرد الضابط: «أخرجونا بقوة السلاح، وتمت الرماية بالأسلحة بشكل كثيف على طول طريق السكة لترويع المواطنين. الموظفون خافوا، وخرجوا، وهناك من تمكن من إغلاق مكتبه وآخرون لم يتمكنوا من ذلك. ولا يوجد مصابون. وبعد ذلك زاد عدد المهاجمين أكثر من السابق... كانوا خليطا من ميليشيات ومدنيين بملابس أفغانية مسلحين». وقال إنه بعد سيطرة هذه القوة على المبنى، قامت الميليشيا بإغلاق أبوابه بسيارتين مصفحتين كبيرتين.
ويعد مبنى أمن المعلومات من المقار الحساسة التي ظلت بعيدة عن أيدي الميليشيات المتصارعة في طرابلس منذ سقوط نظام القذافي. ويبلغ عدد العاملين في الجهاز ومندوبيه المنتشرين في عموم ليبيا نحو 11 ألف موظف، أما عدد الموظفين الإداريين في المقر الرئيسي الذي جرى الهجوم عليه أمس، فيصل إلى 700 موظف وضابط.
وقال ضابط آخر في «أمن المعلومات» إنه منذ انتهاء عهد القذافي: «ظل هناك صراع بين الإخوان والجماعة المقاتلة للسيطرة على هذا المقر، وكان المسؤول عنه ضابطا من الضباط القدامى في الجهاز، هو العقيد لامين، حيث رفض، مع ضباط الجهاز، تسليم المبنى إلى أي جهة من الجهات التي تضم سجناء سياسيين سابقين، أو ممن كانوا مطلوبين للسلطات، وغيرهم من أصحاب السوابق، وكذلك خوفا من التلاعب في منظومة جوازات السفر والجنسية». وواصل قائلا: «منذ نهاية نظام القذافي، اتفق الضباط على أنهم لن يسلموا الجهاز إلا لجهة تتبع الدولة، وفي العام الماضي قمنا بمخاطبة حكومة السراج لكي تتسلم المبنى». وأضاف: «اجتمعنا مع المجلس الرئاسي، وقلنا له إن إدارة أمن المعلومات أمانة على عاتقنا، منذ 2011. وإنك كمجلس معترف به دوليا لك حرية التصرف، وحرية إسناد الإشراف على الجهاز للجهة التي تراها».
وتابع قائلا: «بالفعل قام السراج بإصدار قرار، مطلع هذا العام، بضم إدارة أمن المعلومات للحرس الرئاسي، لكن حين رأت الجماعة المقاتلة وجماعة الإخوان، أن هذا القرار سيفوت عليهما فرصة الاستيلاء على هذه الإدارة المهمة، قامت (المقاتلة) بهجوم أمس، واحتلت المقر بالكامل». وأكد: «أصبحت كمية كبيرة من الأرشيف الليبي تحت سيطرة (الجماعة المقاتلة)، وهو أرشيف يضم ملفات، منها ملفات إلكترونية، لأي شخص حُبس أو كان مراقبا أو من ذوي توجهات سياسية أو إسلامية، أو جواسيس أو عملاء، وغيره». وأضاف: «كنا نرى تصميما من قيادات في (المقاتلة) وفي الإخوان، بألا ينتقل هذا الأرشيف إلى أي جهة محايدة، لأنهم يريدون مسح ما يخصهم، ويتركون ما يريدون تركه».
وأوضح الضابط أن إدارة أمن المعلومات كانت في عهد القذافي تقوم بجمع كل التفاصيل عن كل المجريات في البلاد، من إمساعد (على الحدود مع مصر) إلى رأس جدير (على الحدود مع تونس)، وغيرها، ثم تحيلها الإدارة إلى أصحاب الاختصاص، مشيرا إلى أن «أهم الملفات التي يمكن أن تشكل خطرا يمتد إلى خارج ليبيا يتعلق بمنظومة جوازات السفر، سواء باستخراج الجوازات الجديدة، أو بحركة حاملي الجوازات عبر الحدود، من الليبيين وغير الليبيين».



مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
TT

مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)

تُنسِّق السلطات المصرية مع نظيرتها في اليونان، سعياً للحصول على جميع البيانات الخاصة بغرق 21 مهاجراً مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان، قبل نحو أسبوع، بما يشمل حصر عدد الضحايا وإعادة جثامينهم إلى مصر، وكذلك معرفة مصير من تم إنقاذهم.

ووفق بيان نشرته وزارة الخارجية المصرية، الاثنين، التقى سفير مصر لدى اليونان، عمر عامر، بمقر السفارة، أقارب ضحايا الحادث الذي وقع أمام جزيرة كريت، معرباً عن خالص التعازي والمواساة لأسر الضحايا.

وكانت «الخارجية» المصرية قد أعلنت في 25 فبراير (شباط) الماضي غرق 21 مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان انطلاقاً من إحدى الدول المجاورة، وعلى متنه 50 من المهاجرين غير الشرعيين. وذكرت أن 18 مصرياً من الغرقى ما زالوا مفقودين، بينما تأكد مصرع ثلاثة.

وفي لقائهم مع السفير، استفسر أقارب الضحايا عما خلصت إليه جهود السفارة لمتابعة تداعيات الحادث، والإجراءات المتخذة لإعادة الجثامين إلى مصر، ومتابعة أحوال المواطنين الذين أمكن إنقاذهم.

وأكد السفير عامر أن السفارة تواصل تكثيف اتصالاتها مع السلطات اليونانية منذ وقوع الحادث، سعياً للحصول على كافة البيانات الخاصة بالناجين، وأيضاً بيانات المتوفين حتى يتسنى إبلاغ ذويهم، مناشداً أبناء الجالية عدم الاستماع ولا التعامل مع أي جهة غير رسمية تدعي تسهيل السفر أو توفير فرص عمل في الخارج.

مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية- أ.ب)

وجدد السفير التحذير من الهجرة غير الشرعية، وما تنطوي عليه من مخاطر جسيمة، وقال: «الوقت حان للتوقف تماماً عن محاولات الهجرة غير الشرعية، لما تسببت فيه من فقدان العديد من خيرة شباب مصر»، راجياً أن تكون هذه الحادثة «هي الأخيرة، حفاظاً على أرواح المواطنين المصريين». وأكد أنه «لا بديل عن الالتزام بالمسارات القانونية والآمنة للهجرة».

وأضاف: «اتفاق العمالة الموسمية يعد الوسيلة الأمثل للحصول على فرصة عمل آمنة وقانونية، وهو ما تقوم السفارة بتنفيذه حالياً مع الجانب اليوناني الذي يرحب بالعمالة المصرية، لما تتمتع به من سمعة طيبة».

وأعرب عامر عن ترحيب السفارة دائماً باستقبال أبناء الجالية للاستماع إلى ما لديهم من شواغل ومطالب، داعياً إلى اجتماعات دورية معهم لمتابعة مشكلاتهم، حتى تتسنى إثارتها مع الجانب اليوناني لمعالجتها.

وسبق أن أعلنت وزارة الخارجية المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي وفاة 14 مواطناً في حادث غرق مركب بالقرب من ميناء جزيرة كريت اليونانية، كان على متنه 34 من المهاجرين غير الشرعيين من جنسيات مختلفة.


إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
TT

إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)

اعترضت الدفاعات الجوية طائرتين مُسيّرتين، على الأقل، باكراً، صباح اليوم الاثنين، قرب مطار أربيل، عاصمة إقليم كردستان في شمال العراق الذي يضم قواعد أميركية، وفق ما أفاد مصوِّر «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويجري اعتراض مسيّرات باستمرار فوق أربيل منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، حيث تتعرض أربيل، التي يقع بها أيضاً مجمع ضخم للقنصلية الأميركية، لهجمات بمُسيرات تُسقطها الدفاعات الجوية.

يأتي ذلك فى الوقت الذي أعلن فيه فصيل عراقي يُعرف بـ«سرايا أولياء الدم»، فجر اليوم، أنه شن هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة «فكتوريا» العسكرية في مطار بغداد الدولي.

وقال الفصيل المسلَّح، في بيان: «التزاماً منا بتكليفنا الشرعي وقصاصاً للقائد علي الخامنئي ودعماً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، نفّذ مجاهدونا، اليوم الاثنين، هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة فكتوريا العسكرية في مطار بغداد».


حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
TT

حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)

تسعى الحكومة اليمنية الجديدة بقيادة شائع الزنداني، لتنفيذ التزامها بالإصلاحات المالية والإدارية، بهدف استعادة الثقة المحلية والدولية في مواجهة تغول الفساد، الذي أظهر تقرير دولي وقوع البلاد ضمن أسوأ 5 بلدان حول العالم في مكافحته، في حين يرى خبراء أن التحدي يتجاوز الإرادة السياسية المعلنة، ليمسّ بنية النظام الاقتصادي والسياسي نفسه.

ووقع اليمن ضمن أسوأ الدول أداءً عالمياً في مكافحة الفساد بالقطاع العام، بعد أن احتلّ المرتبة 177 من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، في تصنيف يعكس انهيار منظومة الحوكمة والمساءلة في الدولة المنقسمة بفعل الحرب، إلى جانب تفشي الرشوة والجبايات غير القانونية.

وتواجه الحكومة اليمنية ضغوطاً داخلية وخارجية لإظهار تقدم ملموس في مكافحة الفساد، خصوصاً مع ارتباط الدعم الدولي بإصلاحات مالية ومؤسسية، وتتعامل حالياً مع البيئة السياسية والأمنية المنقسمة التي تجعل أي إصلاح عميق محفوفاً بتوازنات قوى معقدة.

وتعهد رئيس الحكومة اليمنية الجديدة، شائع الزنداني، مطلع هذا الشهر، بمنح الأولوية لمكافحة الفساد وتعزيز الأداء المؤسسي وتحسين ظروف المعيشة والخدمة للمواطنين، وتسريع الإجراءات ورفع مستويات الأداء.

بعد تشكيل الحكومة الجديدة ينتظر اليمنيون إصلاحات جادة تنهي معاناتهم وتردي المعيشة (رويترز)

ويؤكد فارس النجار، مستشار مكتب الرئاسة اليمنية للشؤون الاقتصادية، أنه لم يعدْ ممكناً اختصار معركة الفساد في إجراءات جزئية أو حملات إعلامية؛ بل بإعادة بناء منظومة الحوكمة المالية وفي بنية مؤسسية واضحة تربط بين السياسة المالية والسياسية النقدية، وتعزز الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.

ويوضح النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة عملت على مسارات متكاملة مع الشركاء الدوليين؛ مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وركزت الأولويات على إصلاح الإدارات المالية العامة وضبط الإنفاق، وتطوير بعض آليات التحصيل، وهو ما انعكس في كثير من المشاريع الداعمة للتوجه نحو الحوكمة المالية والنقدية.

ولا تزال مؤسسات الرقابة القضائية والإدارية في اليمن ضعيفة ومن دون استقلالية تامة، مما يجعل تنفيذ مكافحة الفساد وتطبيق القوانين بشكل موحد وفعّال، أمراً صعباً في بيئة سيادية ضعيفة.

إعادة تعريف الفساد

يبدو تراجع اليمن في مؤشر الفساد أكثر من مجرد نتيجة ظرفية للحرب الممتدة لأكثر من عقد؛ بل هو انعكاس لتحول الفساد من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب، ومع استمرار هذا الواقع، يبقى أي معالجات نقدية أو مالية محدود الأثر، ما لم يمسّ جوهر العلاقة بين السلطة والموارد والسلاح.

وقفة احتجاجية في مدينة تعز (قبل سنوات) احتجاجاً على استمرار تردي المعيشة بسبب الفساد (أ.ف.ب)

ويقدّم الأكاديمي اليمني المتخصص في الاقتصاد السياسي للحرب، يوسف شمسان، قراءة بنيوية لأسباب تراجع اليمن في المؤشر، ويؤكد أن الفساد في مرحلة ما قبل الحرب لم يكن انحرافاً عن النظام؛ بل كان جزءاً من آليته التشغيلية.

ووفقاً للتحليل الذي طرحه شمسان لـ«الشرق الأوسط»، مثّل الفساد أداة لضمان استمرار الاختلالات الهيكلية، من خلال تعطيل القوانين وتحويل المؤسسات إلى أدوات لحماية النخبة السياسية والاقتصادية، وبهذا المعنى، لم تكن مكافحة الفساد خياراً واقعياً داخل النظام، لأن محاربته كانت ستعني المساس بأسسه.

وبحسب شمسان، فإن التحول الأخطر حدث بعد اندلاع الحرب، عندما انتقل الفساد من الحماية بالقانون والمؤسسة إلى الحماية بالقوة والسلاح، وأصبح جزءاً من اقتصاد الحرب، ومصدراً رئيسياً للريع والتمويل، ليتمركز في قطاعات سيادية حاسمة، مثل الجيش والأمن والنفط والغاز والمالية العامة والبنك المركزي والكهرباء والمساعدات الإنسانية.

لم تنجُ المساعدات الإنسانية في اليمن من الفساد الذي حولها إلى مورد ريعي وسوق سوداء (رويترز)

وشهدت البلاد خلال سنوات الحرب، إنشاء قوات عسكرية وأمنية وهمية، وازدواجية في مرتبات المنتمين إلى هذين القطاعين، إضافة إلى فساد في عقود الإمداد، وتهريب الوقود والسلاح، بينما أبرمت عقود غير شفافة في قطاع الطاقة إلى جانب إيرادات خارج الموازنة، وتحويل الموارد إلى شبكات نفوذ مسلحة.

اختبار الإرادة

في ظل هذه التعقيدات، تراجع سعر العملة اليمنية بشكل كبير، متسبباً في انهيار القدرة الشرائية وتردي المعيشة بفعل سوء إدارة سعر الصرف، ونهب الإيرادات، وشبكات التحويل غير القانونية، فيما استشرى الفساد بعقود قطاع الكهرباء، وتحولت المساعدات الإنسانية إلى مورد ريعي وسوق سوداء.

من جهته، يرى الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي، أن ترتيب اليمن المتأخر في مؤشر الشفافية الدولية ليس مفاجئاً؛ بل يمثل «تأكيداً رقمياً» على انهيار مؤسسات الدولة.

يمني رفقة أطفاله قرب مخيم للنزوح في مأرب حيث يعاني النازحون من سوء إدارة المساعدات الإنسانية (رويترز)

ويلفت، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المؤشر يقيس الرشوة، ويعكس ضعف الحوكمة، وتسييس الموارد العامة، وتآكل منظومة الرقابة والمساءلة.

ويعدد المساجدي أبرز مظاهر الفساد خلال السنوات الأخيرة، كازدواجية المؤسسات المالية والنقدية التي أنتجت تضارباً في القرارات وإضعافاً لاستقلال السياسة النقدية، والتوسع في الإنفاق غير المنتج، وغياب الانضباط في إدارة الإيرادات، خصوصاً في القطاعات السيادية واقتصاد الامتيازات والاحتكارات المرتبط بشبكات النفوذ، ما شوّه بيئة المنافسة وأقصى القطاع الخاص الحقيقي.

ويبين أن هذه الممارسات لم تبقَ في إطار الانحراف الأخلاقي؛ بل تحولت إلى عامل اقتصادي مباشر لتآكل العملة، وارتفاع تكلفة الاستيراد، وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي، وزيادة المخاطر السيادية وتكلفة التمويل.

الفساد في اليمن تحول من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب (رويترز)

وبينما ينبه النجار إلى أن برامج التعاون مع البرنامج السعودي لإعادة إعمار اليمن، لم تقتصر على تقديم الدعم المالي؛ بل تضمنت شروطاً لمعايير الحوكمة وآليات الإنفاق وتحسين الخدمات، يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تركيزاً أكبر على عدد من الإجراءات العملية؛ كتفعيل الحساب الحكومي الموحد وإقرار الموازنة العامة، وتوسيع نطاق الرقمنة.

ويشدد شمسان على أن الدولة التي لا تحتكر العنف والإيراد والقرار لا تستطيع فعلياً محاربة الفساد. وضمن اقتصاد الحرب، وفق قوله، يصبح الفساد عقلانياً ومربحاً ومحمياً بالقوة، ما يجعل الخطاب الإصلاحي غير كافٍ ما لم يُكسر هذا المنطق البنيوي، حيث تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية في كسر الحلقة التي جعلت الفساد جزءاً من اقتصاد الحرب.

ولا يستبعد المساجدي إمكانية التحسن؛ لكنه يربطه بشروط واضحة مثل توحيد المؤسسات المالية، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وتفعيل أجهزة الرقابة، ورقمنة الإيرادات والجمارك والضرائب، وشفافية كاملة على الموارد السيادية، وربط أي دعم خارجي بإصلاحات قابلة للقياس.