{عين الحلوة} ... الخارج عن السيطرة

المخيم الفلسطيني تعقّد أوضاعه أحداث المنطقة

{عين الحلوة} ... الخارج عن السيطرة
TT

{عين الحلوة} ... الخارج عن السيطرة

{عين الحلوة} ... الخارج عن السيطرة

يُعد ملف مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين، الواقع شرقي مدينة صيدا، عاصمة جنوب لبنان، أكثر الملفات تعقيدا للدولة اللبنانية والفصائل الفلسطينية. واليوم تجد الدولة والفصائل نفسها، على الرغم من كل الجهود التي تبذلها، عاجزة عن فك ارتباط هذه البقعة الجغرافية، التي لا تتخطى مساحتها الكيلومتر المربع الواحد ويعيش فيها ما يزيد على 100 ألف لاجئ، بالمخاوف الأمنية التي تتربص بلبنان منذ عشرات السنوات.
وخلال الأيام القليلة الماضية، تبلور اتفاق لبناني – فلسطيني على ضوء المعارك الأخيرة التي شهدها المخيم بين الجماعات الإسلاموية المتشددة وعناصر حركة «فتح»، قضى بتسليم كل المطلوبين اللبنانيين المتوارين في المخيم، ورفع الغطاء عن الجماعات التي تحميهم وتؤويهم.
الموقع الحساس لمخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين في ضواحي مدينة صيدا، عاصمة جنوب لبنان وبوابته، وتحوله بمرور الوقت مأوى لأخطر المطلوبين بملفات إرهاب، واعتماده في كثير من المراحل «مطبخاً» لعمليات أمنية استهدفت الداخل اللبناني، كلها عناصر تتراكم لتفاقم من المأساة الإنسانية التي يرزح تحتها مئات آلاف اللاجئين الفلسطينيين. ولقد ازدادت معاناة هؤلاء بعدما انضم إليهم عشرات آلاف إضافية من اللاجئين الجدد الذين هُجروا من سوريا مع اندلاع الأزمة هناك في عام 2011.
وإذا كان قادة الفصائل الفلسطينية نجحوا طوال السنوات الماضية في تجنيب المخيمات اللبنانية الانجرار إلى آتون الحرب السورية، رغم توجه عدد لا بأس به من أبنائها للقتال هناك، فإنهم لم يتمكنوا من الحفاظ تماما على استقرار مخيم عين الحلوة، الذي لا يزال كل فترة يشهد «خضة» أمنية تترك تأثيرات كبيرة على الداخل اللبناني الهش.
ولعل الإشكالية الرئيسة التي تجعل المخيمات الفلسطينية في لبنان أشبه بـ«قنابل موقوتة» هو انتشار السلاح فيها وغياب القوى الأمنية اللبنانية من داخلها، بحيث تتولى قوى فلسطينية مشتركة أمن المخيمات، وتعتمد بمعظم الأوقات على حلول أمنية بـ«التراضي» ما يُفاقم من المشكلات من دون أن يُساهم ذلك بحلها. وربما كان أصدق تعبير عن ذلك انهيار القوة الأمنية في عين الحلوة الشهر الماضي نتيجة خلافات بين الفصائل حول فاعلية هذه القوة التي كانت تقيد حركتها لجنة عليا تتخذ قراراتها بالتوافق.
هذا التوافق كان يعيق التصدي لحالات أمنية شتى توسعت في المخيم لحد إنشاء «مربعات أمنية» تسيطر عليها جماعات متشددة تحمي العدد الأكبر من المطلوبين للسلطات اللبنانية، وأبرزهم الفنان المعتزل فضل شاكر، المتهم بالمشاركة بقتال الجيش في أحداث شهدتها مدينة صيدا خلال صيف عام 2013، إضافة إلى شادي المولوي المتهم بالانتماء إلى جماعات إرهابية والمشاركة بمعارك شهدتها مدينة طرابلس عاصمة شمال لبنان في عام 2012، والأهم تحريك خلايا نائمة أخيرا لتنفيذ عمليات أمنية في الداخل اللبناني.

أزمة المطلوبين

خلال الأيام القليلة الماضي، تبلور اتفاق لبناني – فلسطيني على ضوء المعارك الأخيرة التي شهدها مخيم عين الحلوة بين الجماعات المتشددة وعناصر حركة «فتح» قضى بتسليم كل المطلوبين اللبنانيين المتوارين في المخيم، ورفع الغطاء عن الجماعات التي تحميهم وتؤويهم. وكان لافتا التجاوب السريع لكل الفصائل الرئيسية مع الموضوع، وأبرزهم «عُصبة الأنصار» التي سارع المتحدث باسمها الشيخ «أبو شريف عقل» للطلب من «كل لبناني مطلوب للدولة أن يسلم نفسه أو يخرج من المخيم؛ لأن الوضع لم يعد يحتمل»، قبل أن يعود ويؤكد بعد ساعات أن الفصائل لم تتعهد بتسليم المطلوبين، لكنها وعدت بمطالبتهم بالخروج من المخيم.
راهناً، يتجاوز عدد المطلوبين اللبنانيين المتوارين في مخيم عين الحلوة الـ20، وفق عضو المكتب السياسي لـ«جبهة التحرير الفلسطينية» صلاح اليوسف، في حين يتخطى عدد المطلوبين من جنسيات غير لبنانية وأبرزها فلسطينية الـ150 ينتمون إلى مجموعات «جند الشام» و«فتح الإسلام» و«القاعدة» الإرهابية. وللعلم، كان عشرات المطلوبين قد سلموا أنفسهم خلال الأشهر القليلة الماضية إلى استخبارات الجيش اللبناني، غير أن معظمهم ممن هم متهمون بقضايا غير معقدة، وتلقوا وعودا بالحصول على محاكمات سريعة وأحكام مخففة لحث باقي المطلوبين على حذو حذوهم.
إلا أن قيادة الجيش اللبناني، من جانبها، لا تزال تنتظر خطوات أكبر وأكثر فاعلية من قادة الفصائل في هذا المجال. وهذا ما دفعها أخيرا إلى ممارسة ضغوط كبيرة عليهم من خلال بناء جدار إسمنتي ضخم على شكل حزام يلف المخيم، مع توجه لتركيب بوابات كهربائية، ووضع أبراج مراقبة لضبط المعابر غير الشرعية، وأيضاً حركة الدخول والخروج من وإلى المخيم.
ويذكر أن بناء هذا الجدار أثار سخطا شعبياً واسعاً، باعتبار أنه يفاقم مصاعب حياة اللاجئين المحاصرين في هذه البقعة الصغيرة، وهم الممنوعون أصلاً من العمل في مجالات واسعة للحد من منافسة اليد العاملة اللبنانية. أضف إلى ذلك، أنهم ممنوعون أيضا من التملك؛ خوفا من التوطين.
الحديث كان قد كثر في الآونة الأخيرة عن أن الجدار، الذي أوشك الجيش اللبناني الانتهاء من بنائه، إنما شيد بطلب دولي، وبالتحديد، من شركات عالمية ستتوجه قريبا إلى لبنان للتنقيب عن النفط والغاز، تعتبر المخيم «بقعة خارجة عن السيطرة»، وبالتالي تهدد أمن العاملين فيها. إلا أن الجهات الأمنية اللبنانية تربط موضوع الجدار بأمن اللبنانيين، وتدعي أن المخاوف لم تعد تقتصر على وجود «مطلوبين خطيرين» في المخيم لا يتوانون عن إعداد أو تنفيذ عمليات إرهابية، بل على تسلل المزيد منهم إلى لبنان بحجة وجود مكان آمن لهم كعين الحلوة في ظل الخسائر التي تطالهم في العراق وسوريا.

تقرير «شاهد»
من جهة ثانية، في تقرير أعدته «المؤسـسة الفلسطينية لحقوق الإنسان» (شاهد)، فإن ملف المطلوبين يترك انعكاسات اجتماعية واقتصادية وأمنية خطيرة داخل المخيم، باعتبار أن المطلوب للقضاء اللبناني أو للأجهزة الأمنية، سواء لارتكابه جنحة أو جناية يشكل «عبئا» اجتماعيا واقتصاديا وأمنيا على سكان المخيم بشكل عام، وعلى البيئة المحيطة.
وتقدر أوساط اللجان الشعبية عدد المطلوبين بالمئات، أكثر من 90 في المائة ارتكبوا جُنحاً (إطلاق نار في الهواء، تجاوزات مالية، مشكلات مع الجيران...)، أو اعتبروا أنفسهم مطلوبين بناء على تقارير أمنية بحقهم ربما تكون خاطئة.
ووفقا للتقرير، فإن هؤلاء المطلوبين يتحولون عبئاً على أهلهم الذين يتوجب عليهم، إذ ذاك، تقديم الرعاية الشاملة لهم من المال والطعام والشراب والمأوى والحماية؛ وذلك لعجزهم عن الخروج من المخيم.
وقد يعتمد هؤلاء على رعاية من جهات سياسية فيصبحون أسرى لها، أو أنهم يصابون باليأس فينتقلون من تهمة الجنحة إلى الجنايات فيمارسون القتل والعنف.
ويشير التقرير كذلك إلى أنه «... من القضايا المثيرة للجدل في ملف المطلوبين هي الرحلة الطويلة التي يقطعها المطلوب أو المتهم الذي يلقى القبض عليه، فيحدث أقرانه وجيرانه عن المعاملة القاسية التي تعرض لها في مراكز التحقيق، ويترك ذلك انطباعا سلبيا جدا؛ مما يجعل المطلوبين يترددون ألف مرة إذا فكروا أن يسلموا أنفسهم للأجهزة الأمنية».
وعليه، يطالب الفلسطينيون، بهذا الخصوص، بمنح المطلوبين «عفواً خاصاً، أو تسوية أوضاعهم بطريقة تحفظ حق الدولة اللبنانية وأمنها واستقرارها وهيبتها ويعالج مشكلاتهم، على غرار تسويات أمنية حصلت سابقا».

صدى لأحداث المنطقة
في هذه الأثناء، تعتبر مصادر مواكبة عن كثب للوضع في مخيم عين الحلوة، أنه يعكس تماماً ما يحصل في المنطقة. وتلفت المصادر لـ«الشرق الأوسط» إلى تعذر فصل أي مستجد على الساحة الإقليمية عن أي حدث ولو صغير يشهده المخيم الفلسطيني، قائلة: «إذا كانت سوريا حقيقة تتجه لنوع من التقسيم عبر إعطاء مناطق نفوذ لأميركا وأخرى لروسيا وواحدة لإيران وتركيا وإسرائيل، فلا شك أن ذلك لن يمر بسلام على لبنان؛ إذ ستستيقظ أحلام المسيحيين بـ(الكانتون) المسيحي، وحلم بعض السنة بالإمارة الإسلامية، كما توق الدروز إلى منطقة خاصة بهم تتصل بالسويداء، إضافة إلى تمدد الشيعة وتعزيزهم قبضتهم في مناطق على غرار المناطق المذهبية الأخرى».
وترى هذه المصادر، أن «أي مشروع أمني للبنان لا بد أن يبدأ من عين الحلوة، الذي لم يعد عبارة عن مخيم واحد خاضع للجنة أمنية مشتركة فاعلة، بل تحول إلى مجموعة مخيمات صغيرة يخضع كل منها لفصيل معين، في حين يخضع بعضها لمجموعات متشددة تنفذ أجندات خارجية». وتضيف، أن «الخلافات بين الفصائل الكبرى تغذي هذه المجموعات من منطلق أن حركة حماس، مثلاً، لا تسمح لحركة فتح بمواجهة هذه المجموعات كي لا تتفرد بإدارة المخيم... كما أن فتح أصلاً في حاجة إلى غطاء رسمي لبناني في حال قررت خوض مواجهة عسكرية داخل عين الحلوة، وهو غطاء غير متوافر حالياً». وتخلص المصادر إلى القول إن «مخيم عين الحلوة غدا أشبه بقنبلة موقوتة قابلة للانفجار بأي وقت، وكلما اقتربت التسوية السورية باتت الأمور أصعب في المخيم».

«حزب الله» ومناصروه
وفي سياق مواز، تخشى قوى 8 آذار (المؤيدة لمحور طهران – دمشق) وعلى رأسها «حزب الله» من أن يكون ما يُحضر لمخيم عين الحلوة هدفه قطع طريق الجنوب. وهذا ما عبر عنه رئيس المجلس النيابي نبيه بري صراحة قبل أيام. وتربط جهات في هذه القوى هذه المخاوف والتهديدات الإسرائيلية الجديدة بشن حرب على لبنان، زاعمة أن ذلك يعني «خطة ما لقطع طريق المقاومة بين بيروت والجنوب، وهنا خطورة ما يجري الإعداد له لجهة إشغال «حزب الله» بمواجهات داخلية تدور بالتزامن مع التصدي للحرب الإسرائيلية».
وعلى الرغم من مرور أكثر من 25 سنة على انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية، فإن المخاوف من دخول العنصر الفلسطيني على الخط في أي مواجهات داخلية لبنانية – لبنانية، تبقى قائمة، باعتبار أن ما يفوق الـ500 ألف لاجئ يعيشون في لبنان منذ عام 1948، وكما سبقت الإشارة، أضيف أخيرا إليهم مليون لاجئ سوري، ما يضع التوازنات اللبنانية الهشة في دائرة الخطر.

هاجس «التوطين»
ولا تقتصر مخاوف 8 آذار على ذلك، بل تتعداه للكلام عن «خطة دولية بدأت تتبلور معالمها لفرض التوطين كأمر واقع، وبخاصة أن الرئيس الأميركي الجديد (دونالد ترمب) واضح تماما بانحيازه للموقف الإسرائيلي في هذا المجال».
وهنا تشير المصادر إلى أن «التصريحات المتتالية للرئيس الفلسطيني محمود عباس التي يؤكد فيها أن اللاجئين (ضيوف)، ويبدي تجاوباً كبيراً بموضوع السلاح الفلسطيني داخل المخيمات وخارجها، تصريحات تنسف المواقف السابقة للقيادات الفلسطينية التي كان تؤكد تمسكها بالسلاح لمواجهة أي اعتداء إسرائيلي، واعتباره حاجة لتأمين العودة إلى فلسطين. وبالتالي، فإن تصريحات عباس تؤسس لسحب هذا السلاح وما قد يعنيه ذلك من تمهيد لتذويب اللاجئين في المجتمع اللبناني».
في هذا المجال، تبدو حركة «فتح» متجاوبة مع «أي صيغة جديدة قد تتفق عليها الحكومة اللبنانية بموضوع السلاح الفلسطيني، وتؤمّن السيادة اللبنانية، وتحافظ على حق العودة ووجود المخيم، على أن يترافق ذلك مع تأمين الحاجات الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية الأساسية للاجئين». وفي المقابل، تعرب حركة «حماس» عن تشدد في موضوع الصيغ الجديدة الجاري التداول فيها، مؤكدة تمسكها «بما اتفق عليه الأفرقاء اللبنانيون على طاولة الحوار في عام 2006، لجهة سحب السلاح خارج المخيمات وتنظيمه داخلها».
ويعتبر رئيس لجنة الحوار اللبناني - الفلسطيني الوزير السابق حسن منيمنة، أن للسلطات اللبنانية «مسؤولية كبيرة في موضوع ما يجري في عين الحلوة»، ويضيف «الاتفاق الذي عقد منذ 11 سنة لم توضع حتى الساعة المراسيم التطبيقية له باعتبار أن هناك قوى لبنانية ترفض تطبيق هذه التفاهمات الوطنية السابقة». وشدد منيمنة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» على أنه «قد آن أوان فتح هذا الملف من جديد، واتخاذ قرار بسحب السلاح من داخل المخيمات وخارجها وضمان عودتها إلى كنف الدولة». وأردف «هذا الأمر ممكن ومتاح من خلال حوار فلسطيني – لبناني جدي وصريح، وبخاصة أن ما يحصل في عين الحلوة بات عبارة عن انعكاس واضح للصراعات الإقليمية والدولية المحتدمة».

«داعش» في المخيم
على صعيد آخر، تحدثت جهات أمنية لبنانية في الفترة الأخيرة عن «تمدد تنظيم داعش داخل عين الحلوة». واعتقلت مخابرات الجيش اللبناني في سبتمبر (أيلول) الماضي من وصفته بـ«أمير التنظيم» في المخيم الفلسطيني عماد ياسين، عبر عملية أمنية نوعية وخاطفة حدت من نشاط «داعش» في لبنان، وساهمت، حسب الجهات، في انتزاع الكثير من المعلومات من الموقوف. وكان الحديث الجدي عن وجود لـ«داعش» في المخيم بدأ في عام 2015 من خلال تصريحات متتالية لوزير الداخلية نهاد المشنوق، تلت التفجير الانتحاري المزدوج الذي استهدف منطقة جبل محسن العلوية، بمدينة طرابلس، خلال يناير (كانون الثاني) من العام نفسه. ولقد تحدث المشنوق عن «مربع موت» جديد للتنظيم الإرهابي المتطرف يمتد بين جرود بلدة عرسال اللبنانية ومخيم عين الحلوة وسجن رومية (شرقي بيروت) إلى العراق والرقة.
في المقابل، لم يعلن «داعش»، حتى الساعة، أي وجود رسمي له في لبنان أو في مخيم عين الحلوة. وهو يعتمد، كما يبدو، على تنظيمات ومجموعات متطرفة بعيدة عن الضوء كجماعة «الشباب المسلم» التي تضم أعضاء من تنظيم «فتح الإسلام» المتطرف الذي خاض في عام 2007 مواجهات دامية مع الجيش اللبناني في مخيم نهر البارد (شمال لبنان). إلا أنه وفق مصادر فلسطينية قيادية في مخيم عين الحلوة، فإن العناصر التي تنتمي فعليا إلى «داعش» أو قامت بمبايعته لا تتعدى أصابع اليدين. وهي تلفت إلى أن العدد الأكبر هو من المتعاطفين مع التنظيم. وللعلم، ترددت معلومات أخيرا عن توجه عدد من هؤلاء إلى الرقة للمشاركة في القتال هناك، فيما عاد بعضهم بعد تلقي خبرات قتالية في المعقل الرئيسي للتنظيم في سوريا.
422 ألف لاجئ و12 مخيماً
> وفقاً لإحصاءات «الأونروا» (هيئة إغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين) في عام 2009، وصل عدد اللاجئين الفلسطينيين المسجلين إلى 4.766.670 لاجئاً، يعيش 422.188 منهم في لبنان 222.776 لاجئاً داخل المخيمات و199.412 لاجئاً خارج المخيمات.
ويمثل اللاجئون الفلسطينيون في لبنان ما نسبته 9 في المائة من مجموع اللاجئين المسجلين لدى «الأونروا»، ونحو 12 في المائة من مجموع سكان لبنان.
ويقول ناشطون فلسطينيون، إن هذه الأرقام «غير دقيقة؛ لأنها تعتمد على معلومات يتقدم بها اللاجئون طواعية ليستفيدوا من الخدمات التي يستحقونها، وهناك لاجئون فلسطينيون في منطقة عمليات (الأونروا) غير مسجلين لديها، فضلاً عن وجود لاجئين من فاقدي الأوراق الثبوتية يعيشون في المخيمات والتجمعات».وكانت «الأونروا» تشرف على 16 مخيماً رسمياً، دمر منها ثلاثة أثناء سنوات الحرب الأهلية في لبنان، وتحديداً بين عامي 1974 و1976، وهي مخيم النبطية بجنوب لبنان، ومخيما تل الزعتر (الدكوانة) وجسر الباشا في بيروت. وهناك مخيم رابع هو مخيم غورو ببعلبك (شمال شرقي لبنان) جرى إجلاء أهله عنه ونقلهم إلى مخيم الرشيدية في قضاء صور (جنوب لبنان) إبان ستينات القرن الماضي. وفي الوقت الراهن، يقيم أكثر من نصف اللاجئين في 12 مخيماً منظماً ومعترفاً بها من قبل «الأونروا»، هي: الرشيدية وبرج الشمالي والبص (في قضاء صور) وعين الحلوة والمية ومية (ضواحي صيدا)، وبرج البراجنة وشاتيلا ومار آلياس وضبية (بيروت وضواحيها)، ويفل (الجليل) (قرب بعلبك بشرق لبنان)، والبداوي ونهر البارد (شمال لبنان).



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.