فرع «داعش» في أفغانستان يسعى لتوسيع نفوذه

عمليات مرتقبة لمنع هجرة الإرهابيين من العراق وسوريا إلى الشريط القبلي

جندي أفغاني ينظر إلى مركز الشرطة في العاصمة كابل الذي تعرض للتفجير أول من أمس (رويترز)
جندي أفغاني ينظر إلى مركز الشرطة في العاصمة كابل الذي تعرض للتفجير أول من أمس (رويترز)
TT

فرع «داعش» في أفغانستان يسعى لتوسيع نفوذه

جندي أفغاني ينظر إلى مركز الشرطة في العاصمة كابل الذي تعرض للتفجير أول من أمس (رويترز)
جندي أفغاني ينظر إلى مركز الشرطة في العاصمة كابل الذي تعرض للتفجير أول من أمس (رويترز)

قال أعضاء في فرع لتنظيم داعش قرب الحدود الأفغانية الباكستانية ومسؤولون أفغان، إن الفرع يعمل على مد نفوذه إلى مناطق جديدة، وتجنيد مقاتلين جدد وتوسيع نطاق عملياته في المنطقة؛ فقد قال بعض أعضاء الفرع المسمى «ولاية خراسان» إن التنظيم يقف وراء الهجوم الأخير على ضريح صوفي في باكستان، الذي أسفر عن مقتل 90 شخصا، وإن مسلحين من التنظيم هم المسؤولون عن قتل ستة من العاملين في مجال الإغاثة في شمال البلاد بعيدا عن معقلهم في شرق أفغانستان. وسيمثل أي توسع تحديا جديدا للرئيس الأميركي دونالد ترمب وهو يدرس حجم القوات الأميركية التي سيبقيها في أفغانستان التي تمثل حركة طالبان الخطر الأمني الرئيسي فيها.
فقد توعد ترمب تنظيم داعش المتمركز في الشرق الأوسط بالقضاء عليه تماما، لكنه لم يذكر شيئا عن أفغانستان التي ترابط فيها القوات الأميركية منذ 15 عاما، والآن لم يعد عليه أن يفكر في حركة طالبان العنيدة فحسب، بل في المتشددين الذين بايعوا الدولة الإسلامية، رغم أن انزعاج المسؤولين الأميركيين عموما من وجودهم في أفغانستان أقل من انزعاج المسؤولين المحليين». وقال شاه حسين مرتضوي، المتحدث باسم الرئيس أشرف عبد الغني، مستخدما اسما شائعا للتنظيم «(داعش) ليس خطرا على أفغانستان فحسب، بل على المنطقة والعالم برمته». ولا يزال من غير الواضح مدى الصلات المباشرة على مستوى العمليات بين التنظيم في أفغانستان والشرق الأوسط، رغم أن معظم المقاتلين في «ولاية خراسان» من الأفغان والباكستانيين ومن وسط آسيا». ومع ذلك، قال ثلاثة من أفراد التنظيم لـ«رويترز» إن عددا محدودا من المستشارين العرب ساعدوا في توجيه الدعاية وتجنيد المقاتلين وتحديد الأهداف المراد مهاجمتها».

ولاءات متغيرة
تحوم الشبهات حول التنظيم في هجمات عدة على أهداف للأقلية الشيعية في أفغانستان، كما أن التفجير الانتحاري الذي وقع في فبراير (شباط) بالضريح الباكستاني كان يحمل بصمات التنظيم. وكانت تلك العملية أسوأ اعتداء للمتطرفين في باكستان خلال عامين، وأشارت إلى أن جماعة تتمركز في إقليم ننكرهار الأفغاني يمكن أن تضرب في عمق الأراضي الباكستانية. وقال عضو في الجماعة في أفغانستان «الدولة الإسلامية ليس لها قاعدة مناسبة في باكستان، لكن لها متعاطفين وصلات في باكستان. وفي الغالب يدخل المهاجمون والمفجرون الانتحاريون من أفغانستان إلى باكستان». ويعتقد مسؤولون أمنيون غربيون وأفغان، أن المقاتلين يغيرون ولاءاتهم كثيرا بين الجماعات المتشددة؛ الأمر الذي يتعذر معه معرفة الطرف المسؤول عن أعمال العنف».
قال محمد زاهر وحدت، حاكم إقليم ساريبول في شمال أفغانستان، حيث يعتقد أن مقاتلي طالبان ينشطون في تلك المنطقة «أحيانا يهرب قادة طالبان إلى (داعش) وأحيانا يحدث العكس». وأضاف: «الوضع في غاية الغموض وحتى داخل التنظيم نفسه يحدث خلاف على إعلان المسؤولية؛ فقد قالت وكالة (أعماق) الإخبارية المرتبطة بالتنظيم في الشرق الأوسط إن التنظيم مسؤول عن تفجير الضريح، لكن أبو عمر خراساني أحد قيادات الفرع الأفغاني والمتحدث باسمه نفى ذلك». غير أنه يقول إن التنظيم يعمل على تجنيد مقاتلين ويتوسع فيما يتجاوز إقليم ننكرهار في شمال أفغانستان، وقال راجا عمر خطاب، مسؤول مكافحة الإرهاب الباكستاني، إن التنظيم نفذ هجمات من أفغانستان وإن إدارته تحقق فيما إذا كان مفجر الضريح من هناك، وأضاف: «نحن نعمل أيضا على زاوية احتمال قيام جماعة محلية متطرفة بتسهيل تنفيذ التفجير للدولة الإسلامية».

تنظيم متعدد الفروع

من جهته، قال الجنرال جون نيكلسون، قائد القوات الأميركية في أفغانستان، إن هجمات أميركية بطائرات دون طيار، وعمليات تنفذها قوات خاصة أدت إلى مقتل نحو ثلث مقاتلي تنظيم داعش في أفغانستان، وخفضت مساحة الأرض التي يسيطرون عليها بمقدار الثلثين، ويقول مسؤولون أميركيون إن المخابرات تشير إلى أن التنظيم يتركز في غالبيته في ننكرهار وإقليم كونار المجاور له. ويتشكك هؤلاء المسؤولون في التقارير التي تتحدث عن تزايد وجود تنظيم داعش في الشمال الغربي، وهي منطقة قد يلجأ مسلحون فيها إلى ادعاء وجود صلات تربطهم بالتنظيم لتدعيم موقفهم. وقال البريجادير جنرال تشارلز كليفلاند المتحدث العسكري الأميركي الرئيسي في كابل «من المؤكد أنك إذا كنت مسؤولا محليا يبحث عن المزيد من الموارد ستحصل على قدر أكبر من الاهتمام بقولك إن التنظيم موجود في منطقتك».
وقال نيكلسون، الذي طلب إرسال آلاف أخرى من الجنود إلى أفغانستان، إن قوات مكافحة الإرهاب تعتزم إجراء سلسلة من العمليات في 2017 لهزيمة «داعش» في أفغانستان ومنع هجرة الإرهابيين من العراق وسوريا إلى الشريط القبلي وأفغانستان.
وتعادي حركة طالبان الأفغانية تنظيم داعش، وسبق أن اشتبك الطرفان في سعيهما لتوسيع نطاق نفوذهما، وقال ذبيح الله مجاهد، المتحدث باسم طالبان، قضينا تقريبا على «داعش» في أفغانستان، ومن الصعب تقدير الأعداد. وقال كليفلاند إن المسؤولين الأميركيين يعتقدون أن التنظيم له 700 مقاتل فقط، لكن المسؤولين الأفغان يقدرون أن له نحو 1500 مقاتل ونحو 3000 فرد يساعدونهم وما يصل إلى ثمانية آلاف أقل نشاطا من المؤيدين لهم. ويقول المسؤولون، إن مقاتلين من دول آسيا الوسطى ومنها أوزبكستان جاءوا إلى أفغانستان، وإن متشددين دفعتهم عمليات الجيش الباكستاني إلى عبور الحدود انجذبوا أيضا للتنظيم.
وقال خراساني من تنظيم داعش، إن لدى التنظيم «آلافا» من المقاتلين، وإن العدد يتزايد، وفي العام الماضي قتلت ضربة أميركية بطائرة دون طيار الزعيم السابق للتنظيم في المنطقة حافظ سعيد خان الذي كان من قبل عضوا في حركة طالبان الباكستانية. ويعتقد مسؤولون أمنيون أفغان عدة، أن عبد الحسيب لوجاري، أحد القادة السابقين بحركة طالبان الأفغانية، حل محله وقد بدأ وجود تنظيم داعش يصبح محسوسا في المنطقة في أوائل عام 2017 عندما هاجم أنصاره حركة طالبان وتنظيم القاعدة في محاولة لجعل تنظيمهم الحركة الرئيسية في تيار التشدد الديني، واستخدموا في ذلك أساليب بلغت من القسوة حدا بدا غريبا حتى في أفغانستان نفسها». في غضون ذلك، قالت حركة طالبان الأفغانية إنها نفذت هجومين على أهداف للشرطة والجيش والمخابرات في كابل أول من أمس، وأكد مسؤولون أمنيون وقوع هجمات في منطقتين بالمدينة؛ مما أسفر عن مقتل 15 شخصا على الأقل وإصابة العشرات، وقالت وزارة الداخلية إن دوي انفجار تردد في أنحاء كابل عند تفجير سيارة ملغومة قرب مقر للشرطة في غرب المدينة. وبعد الانفجار وقع تبادل لإطلاق النار بين قوات الأمن وعدد من المهاجمين». واستمر القتال لساعات عدة عند مقر الشرطة القريب من معهد للتدريب العسكري وتحصن مسلحون داخل المبنى.
وقال نجيب دنش، المتحدث باسم وزارة الداخلية، إنه تم إحباط الهجوم بحلول العصر، وإن قوات الأمن تمشط المنطقة. وأضاف، أن 15 شخصا بينهم 11 مدنيا قتلوا في الهجوم، وفي هجوم آخر منفصل وقع بعد دقائق على مبنى تابع لجهاز المخابرات الرئيسي إلى الشرق من كابل. وأصيب 50 شخصا بينهم نساء وأطفال في الهجومين، وقال مسؤول كبير بالجيش إن الهجوم على مبنى المخابرات تم إحباطه سريعا. وقال عبد الناصر ضياء، قائد الفيلق 11 المتمركز في شرق المدينة «دخل إرهابيان مبنى وفجر أحدهما نفسه، أما الآخر فأطلقت قوات الأمن الأفغانية الرصاص عليه».
وأصدر متحدث باسم حركة طالبان، التي تبالغ أحيانا في تصوير حجم عملياتها، بيانا يعلن المسؤولية عن الهجومين، وقال «إنهما أسقطا العشرات من جنود الجيش والشرطة ومسؤولي المخابرات». وكان انتحاري قتل الشهر الماضي 20 شخصا على الأقل أمام المحكمة العليا في كابل في هجوم أعلن تنظيم داعش مسؤوليته عنه. وتسعى طالبان لطرد القوات الأجنبية والتغلب على الحكومة المدعومة من الولايات المتحدة، وفرض تفسيرها المتشدد للشريعة الإسلامية بعد الإطاحة بها من الحكم عام 2001.



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended