لبنان: تحرك شعبي لإحياء مشروع قانون العفو العام

لجنة قضائية تدرس الحالات المشمولة... ومصادر: الرئيس سينظر في شكله وحيثياته بعد إقراره

لبنان: تحرك شعبي لإحياء مشروع قانون العفو العام
TT

لبنان: تحرك شعبي لإحياء مشروع قانون العفو العام

لبنان: تحرك شعبي لإحياء مشروع قانون العفو العام

مع بداية كل عهد رئاسي جديد، تنتعش آمال السجناء في لبنان، سواء كانوا محكومين أو موقوفين، بعفو عام يفتتح به الرئيس الجديد عهده. هذا الأمل تحقق في عام 1991، في مطلع السنة الثانية من عهد الرئيس الراحل إلياس الهراوي، الذي وقّع عفواً عاماً أقره مجلس النواب، أراد من خلاله طي صفحة الحرب الأهلية بكل آلامها ومآسيها، والانتقال إلى مرحلة العيش الواحد والبناء، لكنه استثنى من ذاك العفو، الجرائم المحالة إلى المجلس العدلي، أي جرائم الاغتيال التي طالت رؤساء جمهورية ورؤساء حكومة وسياسيين ورجال دين إبان مرحلة الحرب.
اليوم عادت أحلام العفو لتدغدغ مشاعر آلاف في لبنان، ليس على مستوى السجناء فحسب، بل عشرات آلاف المطلوبين الذين تتعقبهم مذكرات التوقيف والأحكام غيابية ومذكرات البحث والتحري في جرائم مختلفة، وهؤلاء تتراوح أعدادهم بين 30 و40 ألف شخص، من كل المناطق والطوائف، وبمختلف الجرائم، صغيرة كانت أم كبيرة. وهذه المرّة لم تقتصر المطالبة على البيانات والنداءات، إنما ترجمت بتحركات شعبية واسعة على الأرض بدأت قبل أيام في كثير من المناطق، لاقاها الموقوفون بحالات تمرّد وإضراب عن الطعام داخل السجون، لتشكيل حالة ضغط، والدفع باتجاه إقرار هذا العفو.
وفيما بدأ البعض التسويق لفكرة أن رئيس الجمهورية العماد ميشال عون سيسير في المشروع، أكدت مصادر مطلعة على موقف رئيس الجمهورية ميشال عون، أن «العفو العام هو من اختصاص مجلس النواب، وعندما يوضع هذا القانون قيد البحث الجدي يبدي رئيس الجمهورية رأيه فيه».
وثمّة ثوابت يتمسّك بها رئيس الجمهورية، وفق المصادر التي تحدثت لـ {الشرق الأوسط} والتي أوضحت أنه «منذ الاجتماع الأول للرئيس عون مع مجلس القضاء الأعلى، أكد الرئيس أن الدستور يعطيه الحق بمنح العفو الخاص لمحكومين، إلا أنه تعهّد بألا يستخدم هذا الحق إطلاقاً». وكشفت المصادر أن الرئيس عون «أبلغ مجلس القضاء بأنه لن يوقّع على أي حكم بالإعدام، وسيعمل على تخفيض عقوبته من الإعدام إلى الأشغال الشاقة المؤبدة، منطلقاً من مبدأ، أن أي مسؤول حتى لو كان رئيس الجمهورية، لا يملك حق إنهاء حياة إنسان آخر، لأن الله تعالى الذي أودع الروح في هذا المخلوق، وحده الذي يحق له انتزاعها».
قبل انتخاب رئيس للجمهورية، لم تكن الدولة اللبنانية بعيدة عن مقترحات إصدار عفو عام. فقبل انتخاب عون بشهرين تقريباً، شكّل وزير العدل (السابق) اللواء أشرف ريفي لجنة قضائية، كلّفها بوضع مشروع قانون للعفو عام، يأخذ في الحسبان جملة من الاعتبارات والأسباب التي لا يمكن تجاهلها أو القفز فوقها، حيث أكد مصدر قضائي لـ«الشرق الأوسط»، أن اللجنة «اجتمعت 3 مرات وبدأت في وضع الأفكار التي يمكن البناء عليها لإعداد مشروع القانون، لكن مع وصول وزير العدل الجديد سليم جريصاتي، توقفت اجتماعات اللجنة، بانتظار رأي الوزير الحالي، خصوصاً بعدما عبّر الأخير عن رغبته في إعادة النظر ببعض القرارات التي اتخذها سلفه».
اللجنة القضائية التي يرأسها القاضي بركان سعد (رئيس محكمة التمييز الجرائية وعضو هيئة المجالس العدلي)، والقاضي محمد صعب (محققاً عدلياً في جريمة اغتيال الوزير الأسبق محمد شطح) أميناً للسرّ، والقاضي محمد مرتضى (محققاً عدلياً ورئيساً للغرفة الابتدائية في بيروت) والقاضي حمزة شرف الدين (رئيس لجنة تخفيض العقوبات، والمكلّف بمتابعة أوضاع السجون)، أخذت على عاتقها بحث كل الجوانب التي تستوجب الأخذ بها قبل رفع مشروعها إلى وزير العدل.
ويهدف المشروع وفق المصدر القضائي، إلى «دراسة الحالات والأسماء التي قد يشملها القانون، ضمن شروط محددة، تلحظ بالدرجة الأولى الأوضاع الإنسانية والاجتماعية للسجناء، والاكتظاظ الكبير في السجون، والمدّة التي أمضاها كل سجين خلف القضبان»، لافتاً إلى أن «آخر الإحصاءات كانت تتحدث عن نحو 7200 نزيل في كل السجون اللبنانية بين محكومين وموقوفين، ما عدا حالات الاحتجاز الاحتياطي في أماكن التوقيف العائدة لمخافر وفصائل قوى الأمن الداخلي والأمن العام».
وكان أهالي المئات من الموقوفين والمحكومين والمطلوبين للقضاء نظموا اعتصامات أمام قصر العدل في مدينة بعلبك في البقاع اللبناني، رفعوا خلالها الأعلام اللبنانية ولافتات تطالب بالعفو العام. وشارك في الاعتصامات نسوة ردّدن شعارات مؤيدة للعفو بعدما قُطعت عدة طرق. كما امتد هذا التحرك إلى مدينة صيدا، حيث نفّذت أمهات وزوجات وأبناء الموقوفين بأحداث عبرا، وأنصار الشيخ الموقوف أحمد الأسير اعتصاماً طالبوا فيه بإقرار قانون العفو.
وتظهر الوقائع أن التحركات الشعبية، تتلاقى مع رغبة بعض الأحزاب الموجودة في الحكومة، وهذا ما كشفه الأمين العام لـ«حزب الله» حسن نصر الله، الذي دعا في خطابه الأخير إلى أخذ مطلب العفو على محمل الجدّ. واعتبر أن «الملاحقات التي تطال آلاف المطلوبين في البقاع وغير البقاع، يجب أن تعالجها الدولة بحكمة وموضوعية وتحت سقف القانون».
ويفترض بقانون العفو في حال صدوره أن يخفف من ضغط الملفات التي تغرق بها المحاكم اللبنانية، كما يخفف من الاكتظاظ في السجون، الذي يتسبب دائماً في حالات تمرّد داخلها. وهذا ما أشار إليه رئيس المحكمة العسكرية السابق العميد الركن الطيار خليل إبراهيم، حيث ذكّر في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، بأن «نحو نصف السجناء في لبنان، ملفاتهم موجودة بالمحكمة العسكرية». وأعلن أنه خلال توليه رئاسة المحكمة على مدى 5 سنوات «تم الفصل في 25593 ملفاً، وبعض هذه الملفات فيها ما بين 50 و100 شخص». ولفت إلى أن «أي عفو يجب ألا يشمل المحكومين أو الملاحقين بجرائم إرهاب». وقال: «لدينا أمثلة وشواهد خطيرة، فالموقوفون في أحداث الضنية (معارك حصلت بين مجموعة متشددة والجيش اللبناني مطلع عام 2000 في جرود الضنية في شمال لبنان)، الذين خرجوا من السجن بعفو عام، عاد معظمهم واستأنفوا نشاطهم الإرهابي»، مؤكداً أن «الموقوف أحمد سليم ميقاتي الذي أفرج عنه بأحداث الضنية، خرج من السجن وجنّد جيلاً من الشباب بينهم أولاده وأولاد شقيقه، وانخرطوا في تنظيم داعش الإرهابي وشاركوا في قتل وذبح جنود الجيش اللبناني في عرسال وغيرها».
وحذّر العميد خليل من «خطورة أن يشمل أي قانون عفو جرائم الإرهاب وجرائم التعامل مع العدو الإسرائيلي»، لافتاً إلى أن «شمول جرائم المخدرات بالعفو، يبقى خاضعاً لاعتبارات يحددها المختصون بدراسة مشروع القانون»، مشدداً على أن «أي عفو يشمل جرائم المخدرات، يفترض أن يكون مشروطاً، بحيث إذا عاد المعفى عنه إلى هذا العمل، تطبّق عليه العقوبة القديمة مع العقوبة الجديدة».



الحوثي يشرعن لجماعته التنكيل بموظفي المنظمات الدولية

لوحة إعلانات ضخمة في صنعاء نصبها الحوثيون لحمل صورة زعيمهم (إ.ب.أ)
لوحة إعلانات ضخمة في صنعاء نصبها الحوثيون لحمل صورة زعيمهم (إ.ب.أ)
TT

الحوثي يشرعن لجماعته التنكيل بموظفي المنظمات الدولية

لوحة إعلانات ضخمة في صنعاء نصبها الحوثيون لحمل صورة زعيمهم (إ.ب.أ)
لوحة إعلانات ضخمة في صنعاء نصبها الحوثيون لحمل صورة زعيمهم (إ.ب.أ)

صعّد زعيم الجماعة الحوثية، عبد الملك الحوثي، من هجومه على المنظمات الإنسانية والدولية العاملة في مناطق سيطرة جماعته، مكرراً اتهامات لها بالضلوع في أنشطة استخباراتية، رغم استمرار المطالبات الدولية والأممية بالإفراج عن عشرات الموظفين الأمميين والعاملين في المنظمات الإنسانية المحتجزين لدى الجماعة منذ سنوات.

وتحتجز الجماعة الحوثية نحو 73 موظفاً أممياً وعاملاً في منظمات دولية وإنسانية، إلى جانب موظفين محليين سابقين في السفارة الأميركية، بعضهم مضى على اعتقاله أكثر من أربع سنوات، وسط تحذيرات أممية وحقوقية من تداعيات استمرار هذه الانتهاكات على العمل الإنساني في اليمن.

وقال الحوثي، في خطبة بثتها وسائل إعلام جماعته، مساء الخميس، إن «الأعداء يعملون بشكل كبير جداً في مجال الاختراق الأمني»، زاعماً أن جهات خارجية وظفت «العنوان الإنساني والمنظمات الإنسانية» لأغراض استخباراتية داخل اليمن.

وادعى زعيم الجماعة أن «خلايا تابعة للمنظمات» شاركت في عمليات رصد ومتابعة لصالح ما وصفه بـ«العدو الإسرائيلي»، واتهم عناصر محلية وأجنبية بالعمل على جمع معلومات مرتبطة بمواقع حساسة ومخازن أسلحة واجتماعات حكومية.

حشد من الحوثيين في صنعاء خلال فعالية تعبوية دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)

وذهب الحوثي إلى القول إن تلك الخلايا «لم تعمل في إطار جمع المعلومات فقط بل في تنفيذ عملية الاستهداف»، في إشارة إلى هجمات أميركية وإسرائيلية سابقة استهدفت مواقع ومقار خاضعة للجماعة وأدت إلى مقتل قادة بارزين من المستويين العسكري والإداري.

ويرى مراقبون يمنيون أن هذه التصريحات تمثل امتداداً لحملة الجماعة ضد المنظمات الدولية، والتي تصاعدت خلال الأشهر الماضية عبر حملات اعتقال وتحقيقات وإجبار بعض المنظمات على تقليص أنشطتها أو تعليق أعمالها في مناطق سيطرة الحوثيين.

المزيد من القمع

تثير اتهامات الحوثيين المتكررة قلقاً واسعاً لدى الأوساط الإنسانية، خصوصاً مع اعتماد ملايين اليمنيين على المساعدات الدولية في ظل واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

وكانت الأمم المتحدة ومنظمات دولية عدة قد طالبت مراراً الجماعة بالإفراج الفوري وغير المشروط عن موظفي الإغاثة المحتجزين، مؤكدة أن استمرار احتجازهم يهدد جهود الاستجابة الإنسانية ويقوض الثقة بالعمل الإنساني.

ويقول عاملون في المجال الإغاثي إن الخطاب الحوثي الأخير يمنح غطاءً سياسياً وأمنياً لمزيد من التضييق على المنظمات، خصوصاً بعد حملات الاعتقال الواسعة التي طالت موظفين محليين ودوليين خلال العامين الأخيرين.

صفقة جديدة بين الحوثيين والحكومة اليمنية لتبادل الأسرى غاب عنها الموظفون الأمميون (رويترز)

ويخشى ناشطون حقوقيون من أن يؤدي استمرار هذه الحملة إلى عزوف مزيد من المنظمات عن العمل في مناطق سيطرة الجماعة، في وقت تتفاقم فيه الأوضاع الاقتصادية والمعيشية والانهيار الخدمي.

ويرى متابعون للشأن اليمني أن الجماعة توظف مثل هذه الخطابات التعبوية لتعزيز سرديتها السياسية والأمنية، وتبرير القيود المفروضة على المنظمات والمجتمع المدني، بالتوازي مع استمرار حملات التعبئة والتجنيد وتوسيع القبضة الأمنية في مناطق سيطرتها.

ولم يقتصر حديث الحوثي على اتهام المنظمات، بل وسّع دائرة الاتهامات لتشمل ما وصفه بـ«الاستهداف الاقتصادي والصحي» للدول العربية والإسلامية، متهماً شركات ودولاً غربية بالسعي للإضرار بالمجتمعات العربية عبر منتجات وسلع مختلفة.

كما تحدث عن «استهداف صحي» يركز - بحسب زعمه - على قضايا العقم وتحديد النسل، معتبراً أن جهات خارجية تستغل تقدمها العلمي والصناعي لإنتاج مواد ذات تأثيرات صحية ونفسية خطرة.


الحوثيون يوسّعون أعمال القمع في صنعاء ومحيطها

عناصر أمن حوثيون يقومون بدورية قرب مطار صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر أمن حوثيون يقومون بدورية قرب مطار صنعاء (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يوسّعون أعمال القمع في صنعاء ومحيطها

عناصر أمن حوثيون يقومون بدورية قرب مطار صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر أمن حوثيون يقومون بدورية قرب مطار صنعاء (إ.ب.أ)

صعّدت الجماعة الحوثية من انتهاكاتها بحق السكان في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومحيطها، امتداداً لسياسة القمع والتوسع بالنفوذ، وشمل ذلك تفجير منازل معارضين، ومحاصرة منشآت خاصة، وفرض جبايات جديدة على المدنيين، بالتزامن مع تنامي احتجاجات قبلية ضد الاستيلاء على أراضٍ تابعة لقبائل خولان والتصرف بها خارج الأطر القانونية والقبلية.

وشهد حي شملان شمال غربي صنعاء إحدى أعنف الوقائع، بعدما أقدم مسلحون حوثيون على تفجير منزل ضابط سابق في الجيش اليمني، في حادثة أثارت موجة استياء واسعة، وعدّها حقوقيون مؤشراً جديداً على تصاعد الانتهاكات ضد السكان وممتلكاتهم في مناطق سيطرة الجماعة.

وأكدت مصادر محلية أن مسلحين حوثيين برفقة عربات عسكرية داهموا منزل العميد فضل الصايدي في حي شملان، قبل أن يقوموا بإحراقه وتفجيره بشكل كامل، وسط انتشار أمني كثيف في المنطقة.

وحسب المصادر، فإن العميد الصايدي لا يزال محتجزاً في سجون الجماعة منذ عام 2018 دون محاكمة، على خلفية نزاع سابق مع عناصر حوثية حاولت الاستيلاء على منزله بالقوة، وتطور حينها إلى مواجهات مسلحة أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى من الطرفين.

منزل عميد في الجيش اليمني بعد إحراقه وتفجيره من قِبَل الحوثين في صنعاء (إكس)

وتداول ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي مشاهد أظهرت تصاعد أعمدة الدخان من موقع المنزل، مع سماع دوي انفجارات متتالية، في حين أدانت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات الواقعة، معتبرة أن تفجير المنزل يمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني واعتداءً مباشراً على حق المواطنين في السكن والملكية الخاصة.

وفي موازاة ذلك، أفاد سكان في شملان بأن الجماعة كثفت من انتشار عناصرها المسلحة في عدد من الحارات والشوارع، مع تنفيذ حملات تفتيش ومراقبة موسعة، بالتزامن مع فرض جبايات مالية جديدة على التجار والأهالي تحت مسميات مختلفة، من بينها دعم ما تسمى «المعسكرات الصيفية».

ابتزاز القطاع الخاص

في اتجاه قمعي آخر، أغلقت الجماعة الحوثية مصنع «شملان» للمياه المعدنية، وأوقفت عمليات الإنتاج والتوزيع بالقوة، عقب حملة حصار واقتحام نفذها مسلحون تابعون لها، ضمن ما وصفه عاملون بأنه تصعيد جديد ضد ما تبقى من القطاع الخاص اليمني.

وأوضحت مصادر مطلعة أن عناصر الجماعة فرضوا حصاراً على المصنع قبل يوم من عملية الاقتحام، وقاموا بإشعال النار في إطارات تالفة أمام البوابة الرئيسية، في محاولة للضغط على إدارة المصنع لدفع جبايات مالية مقابل السماح بخروج شاحنات التوزيع.

ووفق إفادات عاملين وشهود عيان، أجبر المسلحون أصحاب المحلات التجارية والسكان القريبين من المصنع على إغلاق متاجرهم ومغادرة المنطقة، ما تسبب في حالة من التوتر والذعر بين السكان.

جانب من تجمع لمسلحين حوثيين لحظة اقتحام مصنع لتعبئة المياه بصنعاء (إكس)

وأشار عاملون في المصنع إلى تعرضهم لاعتداءات مباشرة أثناء عملية الاقتحام والإغلاق، مؤكدين أن المصنع تعرض خلال الأشهر الماضية لعدة عمليات دهم متكررة بسبب رفض إدارته تقاسم العوائد المالية مع قيادات حوثية نافذة.

واتهم العاملون قيادات في الجماعة بالوقوف وراء عمليات الابتزاز، في إطار مساعٍ لفرض السيطرة على الموارد الاقتصادية والمشروعات الخاصة، بعد سنوات من التضييق الذي طال شركات ومؤسسات تجارية عديدة في صنعاء ومناطق أخرى خاضعة للحوثيين.

غضب قبلي

بالتزامن مع تلك التطورات، تصاعدت حالة الاحتقان القبلي في ريف صنعاء، عقب اتهامات وجهتها قبائل خولان الطيال لقيادات حوثية بالاستيلاء على أراضٍ تابعة للقبيلة والتصرف بها دون أي صفة قانونية.

وأصدرت القبائل خلال اجتماع موسع قبل أيام بياناً أعلنت فيه رفضها الكامل لأي عمليات نهب أو استحداث أو بيع لأراضي أبناء القبيلة، ومحملة الجماعة الحوثية المسؤولية عن أي تداعيات قد تنتج عن استمرار تلك الممارسات.

لقاء موسع لقبائل خولان بصنعاء لتدارس موقف موحد ضد الحوثيين (إكس)

واتهمت شخصيات قبلية القيادي الحوثي عبد الباسط الهادي، المعين محافظاً لريف صنعاء، بالاستيلاء على مساحة أرض تابعة للقبيلة في شارع خولان بالعاصمة، وبيعها لأحد أقاربه مستغلاً نفوذ الجماعة المسلحة.

وأكد أبناء القبيلة أن الأراضي المعتدى عليها تُعد من الممتلكات المعروفة تاريخياً لأبناء خولان، وأن التصرف بها خارج الأطر القبلية والقانونية يمثل اعتداءً مباشراً على حقوقهم وأعرافهم المتوارثة.

ودعا البيان القبلي أبناء خولان إلى التكاتف والاصطفاف لمواجهة ما وصفه بمحاولات السطو المنظم على أراضي القبيلة ومقدراتها، مشدداً على ضرورة منع أي محاولات لفرض الأمر الواقع بالقوة.


تصاعد انتهاكات الحوثيين بحق المدنيين في إبّ

مسلحون حوثيون يرددون شعارات الجماعة خلال تجمع لهم في صنعاء (إ.ب.أ)
مسلحون حوثيون يرددون شعارات الجماعة خلال تجمع لهم في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

تصاعد انتهاكات الحوثيين بحق المدنيين في إبّ

مسلحون حوثيون يرددون شعارات الجماعة خلال تجمع لهم في صنعاء (إ.ب.أ)
مسلحون حوثيون يرددون شعارات الجماعة خلال تجمع لهم في صنعاء (إ.ب.أ)

تشهد محافظة إبّ الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً لافتاً في الانتهاكات التي تطول المدنيين وممتلكاتهم، وسط اتهامات متزايدة للجماعة باستخدام النفوذ الأمني والمسلحين لقمع أي تحركات مناهضة، وفرض مزيد من الجبايات، وإشاعة حالة من الفوضى والانفلات في مناطق سيطرتها.

وفي أحدث هذه الوقائع، أقدم أحد المسلحين الحوثيين على هدم منزل امرأة تجاوز عمرها التسعين عاماً في مديرية العدين غرب المحافظة، في حادثة أثارت غضباً واسعاً في الأوساط المحلية والحقوقية، وكشفت حجم الانفلات الذي تشهده المحافظة، ومدى الحصانة التي يتمتع بها المسلحون المرتبطون بالجماعة.

ووفق مصادر محلية، فإن مسلحاً حوثياً برفقة آخرين هدم أجزاء واسعة من منزل المواطنة فاطمة غالب في قرية السنافي التابعة لعزلة الغضيبة، مستغلاً غيابها أثناء زيارتها لإحدى قريباتها، قبل أن يحول المنزل إلى ركام بالكامل.

وأوضحت المصادر أن زوج المرأة الراحل كان قد بنى المنزل قبل عقود، وعاشت فيه الأسرة لسنوات طويلة، قبل أن تجد نفسها اليوم بلا مأوى، ما اضطرها إلى الانتقال للإقامة لدى أحد أحفادها في قرية مجاورة.

مُسنّة يمنية تقف على أطلال منزلها الذي هدمه مسلح حوثي (إعلام محلي)

وأكدت مصادر في الأسرة أن الضحية تقدمت ببلاغ رسمي إلى إدارة أمن العدين الخاضعة لسيطرة الحوثيين، حيث جرى توثيق الأضرار وإعداد محاضر معاينة، غير أن السلطات لم تتخذ أي إجراءات فعلية لضبط المتهم، رغم صدور أوامر بذلك، وهو ما عزز الاتهامات بوجود تواطؤ لحماية الجاني بسبب ارتباطاته النافذة داخل سلطة الجماعة.

وقالت المصادر إن الأسرة تتعرض لضغوط متواصلة للقبول بتسوية عرفية بدلاً من إحالة القضية إلى القضاء، مشيرة إلى أن المرأة المسنّة وأحفادها يرفضون تلك الضغوط، ويتمسكون بإحالة القضية إلى النيابة والمحكمة، ومحاسبة المتورطين في هدم المنزل وتشريد ساكنيه.

ضغوط وجبايات

في مناشدة مصورة وجهتها إلى السلطات المحلية الحوثية، قالت المرأة المسنّة إن المنزل يمثل كل ما تملكه بعد وفاة زوجها، مطالبة بإنصافها، ومؤكدة أنها لا تملك مكاناً آخر يؤويها في هذا العمر المتقدم.

وفي حادثة أخرى تعكس حجم الانتهاكات التي يتعرض لها المدنيون في المحافظة، الواقعة على بعد 193 كيلومتراً جنوب صنعاء، اقتحمت عناصر مسلحة تابعة لما يسمى «مكتب الزكاة» الخاضع لإدارة الحوثيين، مبنى سكنياً في مديرية المشنة بمدينة إبّ، بذريعة تحصيل جبايات مالية من أحد التجار الذي يمتلك محالّ تجارية في الطابق الأرضي من المبنى.

وذكرت مصادر محلية أن الحملة المسلحة نُفذت بإشراف مباشر من مدير مكتب الزكاة في المديرية فؤاد الحاج، موضحة أن العملية لم تقتصر على ملاحقة التاجر داخل محالّه، بل امتدت إلى اقتحام الطابق السكني الذي تقيم فيه أسرته، حيث حاول المسلحون كسر أبواب الشقق، ما تسبب في حالة من الرعب والهلع بين النساء والأطفال.

لحظة اقتحام المسلحين الحوثيين مسكن أحد التجار في إبّ (إعلام محلي)

وأظهر مقطع مصور يوثق عملية الاقتحام طفلاً وهو يصرخ باكياً في وجه المسلحين، قائلاً: «هنا عوائل... عوائل!»، في محاولة لمنعهم من اقتحام الشقق السكنية، غير أن المسلحين واصلوا محاولاتهم متجاهلين تلك المناشدات.

وأثارت الواقعة موجة استياء واسعة على منصات التواصل الاجتماعي؛ إذ عدّ ناشطون أن الجماعة حولت مؤسسات الجباية إلى أدوات للابتزاز والترهيب، تستخدم القوة المسلحة ضد المدنيين والتجار، وتنتهك حرمة المنازل تحت غطاء التحصيل المالي.

اختطاف شاب

يرى سكان في محافظة إبّ أن هذه الحوادث تعكس جانباً من سياسة التضييق التي تمارسها الجماعة الحوثية بحق المدنيين في مناطق سيطرتها، من خلال فرض جبايات متزايدة، والتعامل مع الرافضين لها بالقوة، في ظل غياب سلطة قضائية مستقلة قادرة على حماية المدنيين أو محاسبة المتورطين في تلك الانتهاكات.

وعلى صعيد متصل بسياسة القمع التي تتبعها الجماعة في المحافظة، ذكرت مصادر حقوقية أن الشاب ماجد النبوي اختُطف من أمام محله التجاري في مديرية السدة شرق المحافظة، التي تحولت خلال الفترة الأخيرة إلى مركز بارز لمعارضة سلطة الحوثيين.

شاب اختُطف في إبّ قبل أيام ولا يزال مصيره مجهولاً (إعلام محلي)

وبحسب المصادر، فإن مسلحين كانوا على متن سيارة اقتادوا الشاب من أمام متجره إلى جهة غير معروفة، ما أثار حالة من الهلع في أوساط السكان الذين لم يعتادوا مثل هذه الحوادث من قبل.

وأضافت المصادر أن سلطات الحوثيين لم تكشف، رغم مرور أربعة أيام على الواقعة، عن مكان احتجازه أو الجهة التي تقف خلف العملية، أو الأسباب التي أدت إليها، خصوصاً أن الشاب لا ينتمي إلى أي جهة سياسية، ولا يمارس أي نشاط سوى عمله التجاري، كما تؤكد أسرته أنه لا يملك أي خصومات مع أحد.

وطالبت الأسرة، إلى جانب ناشطين حقوقيين، بسرعة الكشف عن مصير المختطف النبوي، ومحاسبة أي جهة تقف وراء الحادثة، معتبرين أن صمت السلطات طوال هذه الفترة يثير مخاوف السكان من وجود جماعات مسلحة أو جهات غير معلومة تنفذ مثل هذه العمليات في المحافظة.