الإدارة الأميركية تتخذ موقفاً متشدداً من العيسمي

ترمب يتهم نائب الرئيس الفنزويلي بالاتجار في المخدرات

الرئيس الفنزويلي (يمين) مصافحا العيسمي في القصر الرئاسي بعد مطالبته أميركا بتقديم اعتذار لنائبه ورفع العقوبات عنه (إ.ب.أ)
الرئيس الفنزويلي (يمين) مصافحا العيسمي في القصر الرئاسي بعد مطالبته أميركا بتقديم اعتذار لنائبه ورفع العقوبات عنه (إ.ب.أ)
TT

الإدارة الأميركية تتخذ موقفاً متشدداً من العيسمي

الرئيس الفنزويلي (يمين) مصافحا العيسمي في القصر الرئاسي بعد مطالبته أميركا بتقديم اعتذار لنائبه ورفع العقوبات عنه (إ.ب.أ)
الرئيس الفنزويلي (يمين) مصافحا العيسمي في القصر الرئاسي بعد مطالبته أميركا بتقديم اعتذار لنائبه ورفع العقوبات عنه (إ.ب.أ)

تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن فنزويلا لديها مشكلة أثناء استقباله لرئيس بيرو فتحت باب الجدل حول العلاقات المستقبلية بين البلدين وتحديدا التحديات التي تواجه العلاقة بين البلدين.
يعد منح طارق العيسمي، نائب الرئيس الفنزويلي، صلاحيات وسلطات رئاسية لا تقل عن خمس عشرة صلاحية، أمراً على قدر كبير من الأهمية لفت الأنظار إلى فنزويلا ورفع سقف التكهنات حول مستقبل البلاد بعد الرئيس الحالي مادورو.
مشاركة العيسمي للرئيس مادورو مهام متفردة، ووصول السلطة إلى يدي هذا الرجل في غضون أسابيع قليلة؛ جعلت منه الشخص الوحيد الذي يمكن استدعاؤه ليحل محل الرئيس في حالة غيابه إما بالتنحي خلال هذا العام أو في حال انعقاد الانتخابات الرئاسية القادمة.
وقد بدأ الصعود القوي للعيسمي البالغ من العمر 42 عاماً داخل صفوف حركة تشافيز الحركة التي حوّلت دولة فنزويلا، من دولة ثرية في الماضي، إلى دولة غارقة في الأزمات بكافة أنواعها وأشكالها. ويُعرف العيسمي في البلاد بطبيعته الراديكالية المتطرفة التي لا تسمح بأي حلول وسط، أو مساومات، أو مواءمات؛ وهو في الواقع يعرّف نفسه في حسابه الشخصي على موقع «تويتر» بأنه «تشافيزي متطرف». يرتدي الملابس الرياضية في بعض الصور التي يظهر تماما كما كان يفعل الرئيس السابق هوغو تشافيز، الذي كان يشتهر بارتداء الملابس الرياضية بألوان العلم الوطني للبلاد.
ومن بين المهام الوظيفية الرسمية للعيسمي، الذي أصبح نائبا للرئيس في الأيام الأولى من عام 2017. حماية البلاد من أي انقلاب ضد النظام، والذي يعد من مخاوف نظام الحكم في البلاد. ومن بين الأهداف الأخرى، التي يسعى لتحقيقها، إصدار مراسيم وقرارات تتعلق بعمل تحويلات في الموازنة، ومصادرة أملاك، وتعيين نواب الوزراء، وغيرهم من المسؤولين. وتسمح له سلطة التعيين بإنشاء شبكة قوية من الحلفاء.
وبحسب جون ماغدلينو، المحلل السياسي الفنزويلي، الصلاحيات الممنوحة للعيسمي، والتي تشمل صلاحيات اقتصادية ومالية: «ليست قراراً اعتباطياً أو من قبيل المصادفة، فهي تمثل مشاركة في المسؤولية تجاه هذه الأمور الموكلة للرئيس، وتعد أيضاً بمثابة اختبار من مادورو ليعرف ما إذا كان من الممكن أن يصبح نائب الرئيس مرشحاً قويا خلال الانتخابات الرئاسية عام 2018».
العيسمي الذي أصبح محل ثقة للرئيس الحالي، والذي يرى أنه كان واحدا من المفضلين للرئيس الراحل هوغو تشافيز، وربما لعلاقته الوطيدة التي كانت تربطه بتشافيز، ينظر إليه كخليفة للرئيس الحالي، وإن كان أكثر تطرفاً، وأقل احتراماً لخصومه، أو أقل رغبة في التوصل لحلول وسط. ويوضح ماغدلينو أن هذا التوجه في حركة تشافيز «يمثل الجناح المدني الراديكالي المتطرف».
من جهة أخرى ترى مكونات في المجتمع الدولي أن هناك ما يدعو للقلق أن يصبح العيسمي الرئيس الفنزويلي الجديد بعد الانتخابات العامة المقرر إجراؤها العام المقبل، أو قبل ذلك في حالة انسحاب أو غياب الرئيس الحالي نيكولاس مادورو. وتنبع المخاوف من الاتهامات الخطيرة، التي تشير إلى تورط نائب الرئيس في تهريب المخدرات، وكذا من الصلات المزعومة التي تربطه بتنظيم «حزب الله». وقد يكون بعض أفراد هذا التنظيم قد حصلوا على جوازات سفر، وأوراق إثبات هوية فنزويلية تمكّنهم من السفر بشكل أسهل دون التعرض لمخاطر.
ويوضح جوزيف أوميري، الخبير الأمني، مدير مركز «من أجل مجتمع حر»، والذي حقق في أعمال «حزب الله» في أميركا اللاتينية إلى «الشرق الأوسط»، أن العيسمي وعائلته قد أقاموا إمبراطورية اقتصادية فيما يتعلق بتهريب المخدرات، وأشار أوميري أن صلاته تستند مع عالم تهريب المخدرات إلى المتمردين الكولومبيين في القوات المسلحة الثورية الكولومبية، و«حزب الله». ويعمل العيسمي عن كثب مع الجنرال هوغو كارباخال، رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية السابق، والذي يعرف بأنه يضطلع بدور الوسيط السابق لدى القوات المسلحة الثورية الكولومبية.
وكانت اتهمت الولايات المتحدة في مايو (أيار) 2013. عبر المحامي العام لدائرة فلوريدا في الولايات المتحدة كارباخال بتهمة تهريب كوكايين. وفي يوليو (تموز) 2014. اعتقلت السلطات الهولندية كارباخال على جزيرة أروبا في البحر الكاريبي، وبعد إطلاق سراحه، ذهب العيسمي شخصياً لتحيته في المطار بعد وصوله إلى فنزويلا، مما يشير إلى العلاقة القوية بشخص صنفته وزارة الخزانة الأميركية «كزعيم» للمخدرات منذ عام 2008.
ويشير أوميري إلى أنه من غير الواضح من هو حلقة الوصل الأساسية التي تربط العيسمي بـ«حزب الله»، لكن في الوقت الذي كان يشغل فيه منصب وزير الداخلية، كانت تربطه علاقة وطيدة بعناصر «حزب الله» في فنزويلا.
ويقول المحلل السياسي جون ماغدانيليو لـ«الشرق الأوسط» إن التوجهات السياسية للعيسمي عندما كان طالبا أثارت الجدل وبدأت علاقته القوية بهوغو تشافيز خلال سنوات تعليمه في الجامعة، وكان ذلك من خلال معرفته بشقيق الرئيس الراحل تشافيز الذي كان معلماً له، وهو ما أوصله إلى السلطة، وسمح له بالترقي في المناصب بحركة تشافيز سريعاً.
وتم انتخابه عضواً في مجلس الشعب خلال عام 2015؛ وخلال الفترة بين 2007 و2008، شغل منصب نائب وزير لشؤون أمن المواطن، ثم قام تشافيز بتعيينه وزيرا للداخلية والعدل. وتم انتخاب العيسمي في عام 2012 ليكون حاكم ولاية أراغوا، وهو المنصب الذي كان يشغله حين صدر قرار بتعيينه نائبا لرئيس الجمهورية.
ويرث العيسمي من والده زيدان الأمين الأصول السورية، كما ورث منه شغفه بالسياسة. وكان من المعروف عن والد نائب الرئيس تعاطفه مع الحركات اليسارية في البلاد، حتى أنه تم اعتقاله في 4 فبراير (شباط) عام 1992 حين حاول هوغو تشافيز، الذي كان ملازم أول آنذاك، القيام بانقلاب ضد الرئيس كارلوس أندريس بيريز. وفي النهاية استسلم تشافيز، ومن تلك النقطة بدأ حملته السياسية التي صعدت به بعد ذلك ببضع سنوات إلى سدة الحكم. ويشاع في فنزويلا أن والد طارق كان مدير ملف فنزويلا في حزب البعث العراقي، وهو ما مثل بداية علاقته المزعومة بتلك الدول. إلى جانب قناعاته السياسية، كانت طبيعته المزاجية راديكالية متطرفة، خاصة حين يتم توجيهها ضد خصومه.
ويذكر أليخاندرو ليدو، مصور شاب كان عضو في فريق الصحافة في الولاية التي كان العيسمي حاكماً لها، في حوار مع صحيفة «الشرق الأوسط»، أنه كان على وشك أن يلقى حتفه على أيدي جماعة من أتباع العيسمي، يزيد عدد أفرادها على خمسين شخصا، وذلك بأمر من طارق العيسمي في يونيو (حزيران) 2015.
ويقول إن هذا كان بسبب عمله في التقاط الصور الفوتوغرافية وعمل مقاطع مصورة لصالح خصومه السياسيين. كذلك أوضح أنه في عام 2015 وفي خضم احتجاج نظمه عمال في المجلس المحلي للولاية، قام هو وصحافي آخر بتصوير مقطع مصور للمظاهرة، وتلقيا تهديدات بسبب ذلك وبعد ذلك بدقائق قليلة اقتحمت الحشود المؤيدة للحكومة مكتب رئيس البلدية، وتم ضرب أليخاندرو ثم إلقاؤه من الطابق الثاني مما أدى إلى إصابة في المخ لا يزال أثرها على صحته باقياً. وكانت نتيجة التحقيق في هذا الهجوم شروعا في قتل، لكن الشرطة «استغرقت نحو عامين في التحقيق».
ويتذكر أليخاندرو أن تلك لم تكن المرة الوحيدة التي يتم اضطهاده فيها من جانب العيسمي، حيث يشير إلى أنه تم اعتقاله على أيدي أجهزة الاستخبارات في فنزويلا خلال عام 2014 «أثناء تصوير فيلم». وتم سجنه لمدة خمسة أشهر، لكن في الواقع صدر حكم ضده بالحبس لمدة خمس سنوات.
ومع توسيع نطاق نفوذ العيسمي مؤخرا يفتح الباب أمام واحد من أكثر الرجال نفوذاً من حركة تشافيز، والذي لديه حظوظ كبيرة ليصبح الرئيس القادم لفنزويلا.



مقتل 129 صحافياً في 2025 معظمهم بنيران إسرائيلية

سترات واقية من الرصاص وكاميرات على جثث صحافيين قُتلوا في غزة (رويترز)
سترات واقية من الرصاص وكاميرات على جثث صحافيين قُتلوا في غزة (رويترز)
TT

مقتل 129 صحافياً في 2025 معظمهم بنيران إسرائيلية

سترات واقية من الرصاص وكاميرات على جثث صحافيين قُتلوا في غزة (رويترز)
سترات واقية من الرصاص وكاميرات على جثث صحافيين قُتلوا في غزة (رويترز)

قالت لجنة حماية الصحافيين، الأربعاء، إن 129 من الصحافيين والعاملين في مجال الإعلام قُتلوا خلال أداء عملهم، العام الماضي، وإن ثلثي القتلى سقطوا بنيران إسرائيلية.

وأضافت اللجنة، في تقريرها السنوي، أن 2025 كان العام الثاني على التوالي الذي يشهد عدداً قياسياً مرتفعاً من القتلى الصحافيين، والثاني على التوالي أيضاً الذي تتحمل فيه إسرائيل مسؤولية مقتل ثلثيهم. واللجنة منظمة مستقلة، مقرها نيويورك، توثق الهجمات على الصحافيين، حسبما أفادت به وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت اللجنة إن نيران إسرائيل أودت بحياة 86 صحافياً في 2025، معظمهم من الفلسطينيين في قطاع غزة. وأضافت أن 31 آخرين من العاملين قُتلوا في هجوم على مركز إعلامي لجماعة الحوثيين في اليمن، فيما مثل ثاني أكثر الهجمات إزهاقاً للأرواح التي سجّلتها اللجنة على الإطلاق.

وكانت إسرائيل أيضاً مسؤولة عن 81 في المائة من 47 حالة قتل صنّفتها لجنة حماية الصحافيين على أنها استهداف متعمّد أو «قتل». وأضافت اللجنة أن الرقم الفعلي ربما يكون أعلى من ذلك، بسبب قيود الوصول التي جعلت التحقق صعباً في غزة.

ولم يرد الجيش الإسرائيلي على طلب للتعليق. وسبق له القول إن قواته في غزة تستهدف المسلحين فقط، لكن العمل في مناطق القتال ينطوي على مخاطر كامنة. واعترفت إسرائيل باستهداف المركز الإعلامي باليمن، في سبتمبر (أيلول)، واصفة إياه في ذلك الوقت بأنه ذراع دعائية للحوثيين.


أستراليا تطلب من أسر دبلوماسييها مغادرة إسرائيل ولبنان

مبانٍ متضررة بسبب القصف الإسرائيلي على جنوب لبنان (رويترز)
مبانٍ متضررة بسبب القصف الإسرائيلي على جنوب لبنان (رويترز)
TT

أستراليا تطلب من أسر دبلوماسييها مغادرة إسرائيل ولبنان

مبانٍ متضررة بسبب القصف الإسرائيلي على جنوب لبنان (رويترز)
مبانٍ متضررة بسبب القصف الإسرائيلي على جنوب لبنان (رويترز)

قالت وزارة الخارجية الأسترالية، اليوم الأربعاء، إنها طلبت من أسر الدبلوماسيين الأستراليين في إسرائيل ولبنان مغادرة البلدين، مشيرة إلى تدهور الوضع الأمني في المنطقة.

ووفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء، قالت «الخارجية الأسترالية» إن «الحكومة توصي مواطنيها في لبنان وإسرائيل بدراسة المغادرة في ظل الخيارات التجارية المتاحة»، مشيرة إلى أن الحكومة عرضت أيضاً «مغادرة طوعية لأفراد عائلات مسؤوليها العاملين في الأردن وقطر والإمارات».

وتلقّى لبنان تحذيرات من أن تشنّ إسرائيل الحليفة للولايات المتحدة، ضربات تستهدف بنيته التحتية في حال التصعيد بين طهران وواشنطن وتدخل «حزب الله» لمساندة داعمته إيران، بحسب ما قال وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي، الثلاثاء.

وصعّدت الدولة العبرية أخيراً من وتيرة ضرباتها التي تستهدف «حزب الله» في لبنان، رغم وقف إطلاق النار الذي يسري بينهما منذ أكثر من عام، وأعقب حرباً مدمّرة تكبّد فيها الحزب خسائر باهظة على صعيد الترسانة والهيكلية القيادية.

وفي وقت تعزز الولايات المتحدة انتشارها العسكري في الشرق الأوسط، حذّرت إيران من أنها ستردّ «بقوة» على أي هجوم عليها، وأن اعتداء من هذا النوع قد يؤدي إلى «حرب إقليمية».

وقال رجّي، الثلاثاء، لوسائل إعلام في جنيف: «هناك مؤشرات على أن الإسرائيليين قد يضربون بقوة في حال التصعيد، بما في ذلك ضربات محتملة على بنى تحتية استراتيجية مثل المطار».

وجدد رجي موقف السلطات اللبنانية الذي أعرب عنه رئيس الوزراء نواف سلام بأن «هذه الحرب لا تعنينا»، في إشارة لمواجهة أميركية إيرانية محتملة.


الفلتان «النووي» في ظلّ التحولات الجيوسياسيّة

صاروخ ترايدنت (2 دي 5) القادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)
صاروخ ترايدنت (2 دي 5) القادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)
TT

الفلتان «النووي» في ظلّ التحولات الجيوسياسيّة

صاروخ ترايدنت (2 دي 5) القادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)
صاروخ ترايدنت (2 دي 5) القادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)

ألقى الرئيس الأميركي الراحل، دوايت أيزنهاور، في عام 1953 خطاباً مهماً في الأمم المتحدة بعنوان: «الذرّة من أجل السلام». اقترح أيزنهاور التخلّي عن السلاح النووي، وتحويل الطاقة النووية لخدمة السلام والبشرية. لم تترجَم هذه المبادرة على أرض الواقع. ففي عام 1962، وخلال الأزمة الكوبيّة بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي، عايش العالم ولمدة 13 يوماً، شبح إمكانيّة القضاء على البشريّة بأكملها.

غيّرت الأزمة الكوبيّة ديناميكيّة امتلاك وضبط السلاح النوويّ. وعليه، كان لا بد من خلق إطار مُتفق عليه بين الجانبين لتجنّب الحسابات الخاطئة، وذلك عبر التواصل المستمرّ، كما خلق آليّات مراقبة وتحقّق. لم تلغِ الأزمة الكوبيّة سباق التسلّح النوويّ. لكنها في الحدّ الأدنى نظّمت هذا السباق.

تفجير نووي تجريبي أميركي في صحراء نيفادا (أ.ب)

أظهرت الأزمة الكوبية بشكل فاضح هشاشة الردع النوويّ. وكي لا تُترك الأمور على غاربها، أفرزت الأزمة الكوبيّة الأمور التالية: الخط الساخن بين العملاقين، ومعاهدة الحظر الجزئي للتجارب النوويّة (1963)، ومعاهدة عدم انتشار السلاح النوويّ (1968)، ومعاهدتي سالت (SALT) وستارت (START) لاحقاً. وعليه، قد يمكن استنتاج بعض سلوكيات (نمطيّات) القوى العظمى فيما خصّ السلاح النوويّ أو غيره من المخاطر على العالم، وعلى أمنها القوميّ في الوقت نفسه، وهي: لا تتّفق القوى العظمى بعضها مع بعض على تنظيم قطاع ما مؤثّر في عناصر القوة الخاصة بها (Elements of Power)، إلا بعد أن يبدأ هذا القطاع بتشكيل خطر مباشر على أمنهم القومي. حصل هذا الأمر مع النووي، وقد يحصل مستقبلاً مع غزوة الذكاء الاصطناعي الخطيرة لكل مَرافق الحياة ضمن الصراع الجيوسياسيّ؛ وإذا تفرّدت القوى العظمى بامتلاك سلاح مؤثّر يُغيّر موازين القوى لصالحها، فهي تمنع الآخرين من الحصول عليه. وإذا حصل عليه الآخرون فهي تحاول منع انتشاره إلى دائرة أوسع، إنْ عبر الردع أو الضبط بواسطة المعاهدات (Treaties). من هنا الحجم الصغير للنادي النوويّ في العالم حالياً، والمُرشح إلى مزيد من التوسّع في ظلّ تداعي النظام العالمي القديم وضوابطه... ألَا تندرج الأزمة الحالية مع إيران ضمن هذا الإطار؟

في التجربة النووية الصينيّة الأخيرة 2020، تتّهم الولايات المتحدة الأميركية الصين بأنها أجْرت في عام 2020 تجربة نووية شمال غربي الصين. لكن لماذا الاتهام اليوم وبعد 6 سنوات؟ هذا مع العلم أن آخر تجربة نوويّة قامت بها الصين، تعود إلى عام 1964.

غواصة نووية أميركية من طراز «أوهايو» لدى توقفها في أحد مرافئ أستراليا 30 يوليو 2025 (إ.ب.أ)

كما تتّهم أميركا الصين بأنها تُحدّث ترسانتها، وتسعى للحصول على أسلحة نووية من الجيل الحديث، ومنها السلاح التكتيكي. فكيف يُحلَّل هذا الوضع في ظلّ التحولات الجيوسياسية في عالم اليوم؟

تمنع معاهدة «الحظر الشامل للتجارب النوويّة» (1996) القيام بأي تفجير نووي، لغرض عسكري أو سلميّ. وقد وقّعت كل من أميركا والصين على هذه المعاهدة، لكنهما لم يُصدّقا عليها كما تتطلّب الأصول القانونيّة كي تصبح نافذة. وبهدف المراقبة والضبط للتجارب النوويّة، أفرزت المعاهدة نظام مراقبة (NDDS) يَستخدم تقنيات متعددة: زلزالية، وصوتية مائية وغيرها، والهدف هو المراقبة والإبلاغ عن أي خرق للمعاهدة، وذلك عبر منظومة مجسّات موزّعة عبر العالم، وفي 337 موقعاً. تجمع هذه المجسات الداتا اللازمة في حال توفّرها، وترسلها إلى المركز الأساسي في فيينا للتحليل وتوزيع الخلاصة على الدول الموقِّعة على المعاهدة.

يختلف الخبراء حول إجراء الصين هذه التجربة. والأغلب أنه لا يمكن نفي، أو تأكيد المعلومة. لكن لماذا؟ لم تُرصد التجربة إلا من مركز واحد موجود في كازاحستان (PS23) وعلى الحدود مع الصين. رصد هذا المركز هزة أرضية بقوة 2.75 على مقياس ريختر وعلى مسافة 720 كيلومتراً داخل الأراضي الصينيّة، وهي هزّة خفيفة، اللهم إلا إذا كانت الصين تملك التكنولوجيا الحديثة لإجراء التجربة النووية وتخطّي نظام الرصد.

تحتل الولايات المتحدة المرتبة الأولى في عدد التجارب النوويّة بـ1121 تجربة، تليها روسيا بـ981 تجربة. أما الصين فتحتلّ المركز الخامس بـ48 تجربة فقط.

تملك الصين حالياً، وحسب بعض المصادر، نحو 600 رأس نوويّ. وهي تأتي في الترتيب بعد كلٍّ من روسيا والولايات المتحدة الأميركيّة، لكنها تعد الأسرع في تصنيع الرؤوس النوويّة وذلك بمعدّل 100 رأس سنويّاً. والهدف هو الوصول إلى امتلاك 1000 رأس نووي بحلول عام 2030.

في التحوّل الصيني الجيوسياسيّ

يعود الفكر النووي الصيني، مثل مشروع امتلاك السلاح النووي، إلى الزعيم الراحل ماو تسي تونغ، الذي عدّ ذلك ضرورة للأمن القومي الصيني، والهدف كان الردع. وعليه، أطلق مشروع ما يُسمّى «قنبلتان وقمر اصطناعي واحد». قنبلة ذريّة، وأخرى هيدروجينيّة. كما القدرات الصاروخيّة-الفضائيّة. فكان أوّل اختبار نووي عام 1964. وفي هذا الإطار، ارتكزت العقيدة النوويّة الصينيّة على الأعمدة التالية: السلاح النووي لا يستخدم إلا للدفاع عن النفس وبعد الهجوم النووي عليها؛ ولن تسعى الصين إلى إلا التكافؤ (Parity) مع كل من روسيا وأميركا في عدد الرؤوس النوويّة، بل أن تتجاوز الضربة الأولى، مع القدرة على الردّ بعدها. وكي تُحقّق الصين مستوى ردعيّاً نوويّاً موثوقاً، عملت على تأمين «ثالوث الإطلاق»، (Triad) عبر البرّ والبحر كما الجوّ.

صواريخ «دي إف 5 سي» النووية الصينية خلال عرض عسكري في بكين 3 سبتمبر 2025 (رويترز)

في التسريع إلى الوضع الجيوسياسي الحالي

تغيّرت صين الرئيس تشي جيبينغ عن صين المؤسس ماو تسي تونغ. هي الآن تريد الخروج من قرن الذلّ، للتربّع على المرتبة الأولى عالمياّ وفي كل الأبعاد. تريد الصين الحالية استعادة جزيرة تايوان تحت مبدأ «دولة واحدة بنظامين». يؤمن الرئيس تشي بأن أحد أهمّ مقاييس القوة للدولة العظمى، وفي الظرف الحالي، هو عدد الصواريخ النوويّة التي تملكها هذه الدولة. وعليه، وبعد سقوط كل الضوابط والمعاهدات المتعلّقة بتنظيم وإدارة السلاح النووي، كان آخرها معاهدة (نيو-ستارت) التي انتهى مفعولها في 5 فبراير (شباط) 2026، تحرّرت الصين من أي ضوابط قانونيّة، فهي لا تملك آلاف الرؤوس كي تنضوي في النادي الأميركي-الروسي، حتى ولو طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب منها ذلك، لكنها تملك أكثر ممن هم في الترتيب الاخير للائحة الأعضاء في النادي النووي العالمي.

بكلام آخر يريد الرئيس تشي مزاوجة القوة الاقتصاديّة (ثاني اقتصاد بعد أميركا) والبشرية والإنتاجيّة، كما التحكّم بسلاسل التوريد في كثير من القطاعات، مع مستوى نووي متقدّم. كما يريد رسم منطقة نفوذ في محيطه المباشر. من هنا الحديث عن السلاح النووي التكتيكي. فلماذا يحق للرئيس ترمب العودة إلى عقيدة مونرو (1823)، ولا يحق لتشي إطلاق عقيدة صينية جديدة؟ لكن الأكيد، أن الرئيس تشي، وبعد مراقبة الحرب الروسية-الأوكرانية وأخذ الدروس منها، استنتج أن كميّة (كما تنوّع) الرؤؤس النووية مهمة لتحقيق الأهداف الجيوسياسيّة. كما أن استعمال الردع النووي (الاستراتيجي، التكتيكي)، والتهديد بالاستعمال كما يفعل الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، هو عامل مهم لحماية الحرب التقليديّة (Conventional War). فهل تنطبق هذه المقولة على عملية استرداد تايوان؟

صواريخ باليستية قادرة على حمل رؤوس نووية خلال عرض عسكري في موسكو (أرشيفية - رويترز)

في السلوك المُضاد للصين وروسيا

ترتكز المعضلة الأمنيّة (Security Dilemma) على ديناميكيّة خاصة بها لا يمكن ضبطها عادةً. فإذا حصلت الصين على قوة إضافية، فهذا يعني أنها تهدّد أمن الدول المجاورة. لذلك تسعى الدول المجاورة إلى أمرين مهمّين هما: التحالف للتعويض (Ganging up) أو السعي إلى الحصول على سلاح يُعوّض النقص ويُعيد التوازن. فهل ستسعى اليابان إلى السلاح النوويّ وهي قادرة، خصوصاً بعد التقارب بين الصين وروسيا، ورعايتهما لكوريا الشمالية؟ وهل ستسعى كوريا الجنوبيّة إلى امتلاك السلاح النووي وهي قادرة، وهي المُطوّقة بثلاث دول نوويّة معادية (الصين، وكوريا الشمالية، وروسيا)؟

في المقلب الآخر الأوروبيّ، هل ستسعى ألمانيا إلى امتلاك السلاح النوويّ، وهي قادرة تكنولوجياً، وذلك في ظل التحوّل الأميركيّ؟ هل ستسعى بولندا للسلاح النوويّ؟ هل يكفي السلاح النووي الفرنسي - الإنجليزي لخلق مظلّة نوويّة لحلف «الناتو» في حال غياب المظلّة النوويّة الأميركيّة؟

في الختام، يعيش العالم مرحلة انتقالية بين نظام عالمي هش لم يعد يتناسب مع التحوّلات الكبرى، ونظام مُرتقب لم يتشكّل بعد. وفي ظل غياب كامل للشرطي العالمي بعد تراجع «العم سام» عن هذه الوظيفة. يبدو أن السلاح المُضاعف للقوّة (Force Multiplier) إن كان بالنسبة إلى القوى الإقليمية الكبرى، كما للقوى الصغرى، يتمثّل جليّاً في السعي إلى امتلاك السلاح النوويّ.

Your Premium trial has ended