الثوم... غذاء ودواء

7 آلاف عام من التاريخ

الثوم... غذاء ودواء
TT

الثوم... غذاء ودواء

الثوم... غذاء ودواء

تعود جذور نبات الثوم إلى أواسط آسيا، وهو ينتمي إلى عائلة البصل والكراث، ويستخدم على نطاق واسع في منطقة البحر المتوسط بالإضافة إلى آسيا وأفريقيا وأنحاء أوروبا. وكان الثوم يعرف في مصر القديمة وكان يستخدم لإضافة النكهة إلى الأطعمة بالإضافة إلى استعماله كدواء.
وهو ينمو كجذور نباتات يصل طولها إلى المتر أحيانا ولها أزهار يلقحها النحل والحشرات الأخرى. وهو نبات بري ينمو أحيانا في المناطق ذات المناخ الملائم. وهو الآن ينمو في مزارع تنتشر من أوروبا إلى أفريقيا وشمال أميركا.
ومن السهل زراعة الثوم. وهو ينمو طوال شهور العام في المناخ المعتدل. وتتم الزراعة بغرس فصوص الثوم في التربة مباشرة. وفي الأجواء الباردة تتم زراعة الفصوص في فصل الخريف قبل تجمد التربة ثم حصاد الثوم في نهاية الربيع وبدايات الصيف.
ويعد نبات الثوم من النباتات قوية الاحتمال وقلما هاجمتها الآفات المختلفة، كما أن رائحته النفاذة تبعد عنه الأرانب وفئران الحقل. ولكنه يصاب أحيانا بالعطب الأبيض، وهو نوع من الفطر الذي يكمن في التربة لفترات طويلة بعد إصابتها.
ويمكن زراعة نباتات الثوم قريبة من بعضها البعض بعد ترك مسافة قصيرة لرؤوس الثوم لكي تنمو كما يمكن أيضا زراعته في أحواض ذات عمق مناسب. وهو نبات يفضل التربة الناعمة ذات الصرف الجيد في مواقع مشمسة. ولا بد من الاعتماد على بذور جيدة ومراعاة موقع الزراعة. ومع ذلك فهو ينمو في الكثير من أنواع التربة وفي أجواء مختلفة. وأثناء النمو يتم إزالة أوراق الثوم لتركيز الطاقة على نمو الجذور. ويستهلك البعض هذه الأوراق في الطعام.
وينمو الثوم الآن في جميع أنحاء العالم، وتتقلد الصين المركز الأول عالميا في حجم إنتاجه، بينما تأتي مصر في المركز الرابع عالميا بعد الهند وكوريا الجنوبية. وتنتج الصين وحدها نحو 79 في المائة من إنتاج الثوم العالمي بينما تنتج مصر أقل من واحد في المائة.
وعلى الرغم من أن الثوم يزرع في كل ولاية أميركية ما عدا آلاسكا، فإن الإنتاج الأميركي يقع في المركز العاشر عالميا بنسبة 0.7 في المائة. ويبلغ حجم الإنتاج العالمي من الثوم نحو 24.3 مليون طن سنويا.

استعمالات الثوم
الاستعمال الرئيسي للثوم حول العالم هو إضافته للأطعمة المختلفة لإكسابها نكهة حريفة ضمن التوابل الأخرى. وتستخدم فصوص الثوم لهذا الغرض. وتعتمد الكثير من الوجبات على الثوم لإكسابها الطعم الخاص الذي تتميز به. ويباع الثوم أحيانا على أعواده الخضراء ثم يجفف للاستعمال طوال العام. وتستخدم العيدان الخضراء للثوم في الوجبات الآسيوية التي تخلط الكثير من الخضراوات في وجبة مقلية سريعة.
ويختلف طعم الثوم وفقا لطريقة تحضيره وطبخه وهو يدخل في الكثير من وجبات الشرق الأوسط وجنوب أوروبا وآسيا وأميركا اللاتينية. وفي كثير من الوجبات يتم خلط الثوم والبصل والطماطم والزنجبيل. ويمكن تقشير الثوم بسهولة عن طريق تسخينه ثم فصله على القشرة. وفي كوريا يتم خبز الثوم في الأفران حتى يصبح أسود اللون وهو يباع على أنه الثوم الأسود.
ويضاف الثوم أحيانا إلى بعض أنواع الخبز مع الزبد أو الزيت وتكون النتيجة هي خبز البروشيتا الإيطالي أو الكروستيني أو خبز الثوم الذي يباع أحيانا مجمدا.
كما يمكن إضافة الثوم إلى أنواع من الزيوت لإكسابها طعما فريدا. ويدخل أيضا ضمن عناصر الصلصات التي تضاف إلى الأسماك أثناء طهيها. وفي أنحاء آسيا تستخدم بعض أنواع الزيوت المفعمة بالشطة والثوم في الطبخ. وفي بعض المطابخ يتم تخليل الثوم في أوعية بها محاليل مالحة.
كما ينتشر الآن الثوم المدخن الذي يدخل في أعداد الكثير من وجبات الطيور واللحوم، كما يباع مسحوق الثوم الذي يستخدم كبديل للثوم الطازج في إعداد الوجبات. وفي المطبخ اليوناني يتم مزج الثوم بالزبادي لإنتاج صلصة اسمها زاتزيكي تقدم ضمن المقبلات.
ويمكن تخزين الثوم في درجات حرارة تصل إلى 18 درجة مئوية في مناخ جاف، بينما يمكن حفظ فصوص الثوم في الخل أو النبيذ. وعلى المستوى التجاري يتم حفظ الثوم في مناخ جاف في درجة حرارة صفر مئوية.
وتاريخيا كان الثوم يدخل في أعداد الطعام في الصين قبل ألفي سنة، كما استعمله الإغريق والرومان وكان المصريون القدماء يقدسونه لقدرته على شفاء بعض الأمراض. وأطلق قدماء الإغريق على الثوم اسم «الترياق» الذي يشفي جميع العلل بما فيها الحصبة وضربة الشمس. ولم يكن البريطانيون متحمسين لاستخدام الثوم في الطبخ رغم أنه كان ينمو في الحقول البريطانية. وحتى بعد رحيل المهاجرين إلى أميركا ظل الابتعاد عن الثوم مستمرا لمدة ثلاثة قرون. ومع ذلك كان الثوم يستخدم كمطهر لمنع الغرغرينة أثناء الحربين العالميتين الأولى والثانية.
من الناحية الغذائية تحتوي كل مائة غرام من الثوم على 149 سعرا حراريا وعلى 33 غراما من الكربوهيدرات وغرام واحد من السكر وستة غرامات من البروتين. ويحتوي الثوم على مجموعة فيتامينات «ب» و «ج» وعلى معادن الكالسيوم والحديد والماغنيسيوم والمنغنيز والفوسفور والبوتاسيوم والصوديوم والزنك. هذا بالإضافة إلى 14 غراما من مادة السيلينيوم.

الثوم علاجا
وأثبتت دراسات أجريت في عام 2013 أن الثوم يخفض مستوى الكولسترول في الدم إذا تم تناوله لمدة تزيد على الشهرين. ولا توجد أي آثار جانبية لاستعمال الثوم بصفة مستمرة.
ولم تثبت التجارب أي تأثير إيجابي للثوم على خفض ضغط الدم العالي أو تحسين المناعة ضد أمراض القلب. ويتم تحذير المرضى الذين يتناولون أدوية لسيولة الدم من تناول الثوم بكثرة.
في عام 2014 أشارت دراسة طبية إلى أن تناول الثوم له علاقة بخفض معدلات الإصابة بسرطان المعدة في التعداد الكوري. وهناك دلائل ضعيفة على علاقة بين تناول الثوم بكثرة وانخفاض خطر الإصابة بسرطان البروستاتا.
وفيما يتعلق بعلاج أمراض البرد والرشح، كشفت دراسة أخرى أجريت في عام 2014 أنه لا علاقة مثبتة بين الثوم وعلاج أمراض البرد والرشح. ودعمت هذه النتائج دراسات أخرى أيضا.
وهناك أيضا استخدامات أخرى غير طبية للثوم منها استخدام عصير الثوم كلاصق للزجاج والبورسلين، كما أنه يستخدم أيضا في الاتحاد الأوروبي كبديل بيئي للمبيدات الحشرية. ويستخدم الثوم أيضا في حفظ الأسماك واللحوم. وهو مضاد للميكروبات.
وللثوم مساوئه أيضا، فهو يؤدي إلى رائحة الفم الكريهة بعد تناوله، كما أن إفراز العرق تكون له أيضا رائحة الثوم. وتدخل مادة ميثيل السولفايد إلى الدم ومنها إلى الرئة والجلد لتسبب الرائحة الكريهة التي لا يصلح معها الاستحمام إلا مؤقتا. ومن أجل التخلص من رائحة الثوم في الفم يمكن تناول بعض الحليب في نفس الوقت الذي يتم فيه تناول الثوم. ومزج الثوم بالحليب في الفم يوفر نتائج أفضل من شرب الحليب بعد تناول الثوم. من المواد الأخرى التي تخفف من رائحة الثوم في الفم الماء والفطر والريحان، ولكن الحليب هو الأكثر تأثيرا.
ويعاني بعض الناس من الحساسية ضد الثوم، وأهم أعراضها ألم الأمعاء وقرح في الفم والزور والإسهال والشعور بالغثيان وصعوبة التنفس. وفي العادة يعاني هؤلاء المصابون بالحساسية من الثوم بحساسية مماثلة لعدد من النباتات الأخرى مثل البصل والموز والزنجبيل والكراث.
وهناك رصد لبعض الحالات التي أحدث فيها الثوم حروقا جلدية عند استعماله سطحيا لمعالجة الجروح أو البثور. ولذلك يجب اختبار استعمال الثوم على مساحة صغيرة من الجلد أولا قبل تعميم استخدامه على مساحات أكبر. ويحظر استخدام الثوم لعلاج الأطفال. وتظهر آثار الثوم أيضا في لبن الأم المرضعة التي يتجنب الرضيع تناوله.
وفي أوروبا تنتشر اعتقادات أن الثوم يقاوم الأرواح الشريرة، ولذلك يعلق الثوم أحيانا على الأبواب والنوافذ للحماية. أما الاعتقاد الآخر فهو أن الثوم يحتوي على مضادات الأكسدة ويساعد في منع مرض الزهايمر والشيخوخة.



أكلات «تُخاصم» موائد المصريين في أوائل رمضان

معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)
معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)
TT

أكلات «تُخاصم» موائد المصريين في أوائل رمضان

معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)
معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)

لا تبدو بعض الأكلات الشعبية المصرية قادرة على الصمود أمام زحف الأيام الرمضانية الأولى بموائدها العامرة وعزائمها التي تتبارى فيها الأسر احتفاءً بكرم الشهر الفضيل، فلا شيء يعلو فوق حضور «المحشي»، و«الملوخية»، وأطباق اللحوم والدواجن، بما تتيحه «الميزانية»، في استقبال عزيز لمدفع «الإفطار» بعد ساعات الصيام الطويلة.

في هذا السياق، تنزاح بعض الأطباق اليومية بامتياز مثل «الكشري» إلى الهامش، رغم مكانته الراسخة كأحد أكثر الأطباق شعبية في مصر، لينحسر مؤقتاً لصالح «الشهية» الرمضانية في مطلعها، فكما يرتبط «الفسيخ» بشم النسيم، و«الكعك» بالعيد، يرتبط «الكشري» عند كثيرين بنهايات شهر رمضان لا ببدايته، وكأن لكل موسم أطباقه، وشهيته الخاصة.

وحسب تعبير فاطمة القاضي، مُعلمة وربّة أسرة في الخمسين من عمرها، فإنه «في الثقافة الرمضانية المصرية لا يُنظر إلى الطعام بوصفه سداً للجوع وكسراً للصيام فحسب، بل تعبيراً عن الكرم و(اللمة)، لذلك لا يشتهي الصائمون في بدايات الشهر أطباقاً مثل الكشري أو الأسماك، ربما لارتباطها بالعطش، بينما يستقبل الناس أذان المغرب بالعصائر والطواجن والمقبلات، وعلى رأسها السمبوسك التي ترتبط بشكل خاص في المائدة المصرية بشهر رمضان».

وتضيف القاضي لـ«الشرق الأوسط»: «مع ضغط الأكل الدسم وساعات الطهي المرهقة في الأيام الأولى، نبدأ مع النصف الثاني من رمضان البحث عن أكلات أخف، وقد نكسر الروتين بطبق من السمك كنوع من التغيير».

الكشري ليس من الأطعمة المفضلة في بداية الشهر الفضيل بمصر (الشرق الأوسط)

ولا يبدو ارتباط بعض الأطعمة بالعطش مجرد انطباع عابر، بل يتصل بذاكرة جسدية متراكمة لدى الصائمين، فالكشري، بما يحويه من عدس وحمص وصلصة الطماطم التقليدية «المسبكة»، والبصل المُحمّر، يُنظر إليه كوجبة «حارة» بعد ساعات الصيام، بينما يرتبط السمك، خصوصاً المُملَّح والمُتبل بالثوم، بالعطش الممتد لساعات بعد تناوله، لذلك مع الأيام الأولى من رمضان، حين يكون الجسد لا يزال في طور التكيّف مع نظام الصيام، يميل كثيرون إلى تجنّب ما قد يُضاعف الإحساس بالجفاف في اليوم التالي، فتتقدّم الأطباق الغنية بالمرق والطواجن إلى الواجهة.

إقبال لافت على الأسماك في النصف الثاني من رمضان بمصر (فيسبوك)

وتنعكس تلك «الذائقة» الرمضانية أيضاً على حركة السوق؛ فيقول كمال السيد، أحد العاملين في محل لبيع الكشري بشارع جامعة الدول العربية بمحافظة الجيزة (غرب القاهرة): «بات من المألوف أن تُغلق محلات بيع الكشري خلال النصف الأول من شهر رمضان؛ لأن الناس عادة تعزِف عن تناول الكشري في مطلع الشهر، فيما نعاود العمل مع النصف الثاني منه، ليكون الكشري أحياناً وجبة سحور سريعة، وأحياناً يطلب منا القائمون على موائد الرحمن إمدادهم بالأرز أو المكرونة لوجبات الإفطار، لذلك تتغير ملامح نشاطنا خلال الشهر».

مصريون يلجأون للأسماك بعد الاعتماد على اللحوم في الأيام الأولى من رمضان (فيسبوك)

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «هناك محلات كشري تُغلق خلال شهر رمضان بأكمله، حسب قدرة صاحب المحل على تحمّل إجازة بأجر مدفوع للعاملين بها، خصوصاً في المطاعم الكبرى، ويستغل بعضهم أيام الإغلاق تلك كفرصة سنوية لصيانة المحل وتجديده استعداداً للموسم الأكبر للإقبال على الكشري، الذي يبدأ مع صلاة العيد مباشرة»، موضحاً: «الكشري في العيد الصغير يعد طقساً احتفالياً للإفطار، بعد شهر من الصيام والاشتياق».


«البصلي»... طعم البحر الذي عبر الأجيال

مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)
مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)
TT

«البصلي»... طعم البحر الذي عبر الأجيال

مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)
مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)

في قلب جدة التاريخية، وعلى مقربة من سوق السمك، يقف مطعم البصلي للأسماك شاهداً على حكاية لم تبدأ مشروعاً تجارياً، بل حياة يومية تشكّلت حول البحر، وانتقلت من الأب إلى الأبناء، جيلاً بعد جيل.

قبل نحو سبعة وسبعين عاماً، أسّس والد عائلة البصلي مطعماً صغيراً لا يتجاوز طوله مترين ونصف المتر، في منطقة كانت تعيش على إيقاع الصيد والتجارة. لم يكن الاسم مخططاً له، بل خرج من تفاصيل المكان: سوق السمك، وحبة بصلة، واسم «البصلي» الذي التصق بالموقع قبل أن يصبح علامة يعرفها أهل جدة وزوارها.

كبر المطعم، لكن روحه بقيت كما هي. ومع مرور السنوات، تحوّل من مساحة ضيقة إلى عنوان ثابت في ذاكرة المدينة، في حين ظلّ البحر حاضراً في كل طبق يُقدَّم.

تعلُّم بالممارسة... لا بالوصفات

انتقلت المهنة داخل العائلة عبر الحضور اليومي في المكان، لا عبر وصفات مكتوبة أو تعليمات جاهزة. نبيل حامد، الذي تسلّم إدارة المطعم منذ أكثر من عشرين عاماً، تعلّم المهنة كما عاشها من سبقوه: من اختيار السمك في السوق، إلى تنظيفه، وطريقة طهيه، وتبديل الزيت، وحتى ترتيب الأطباق. كانت الخبرة تُبنى خطوة بخطوة، وتتراكم مع الوقت.

يقول إن الوصفات بقيت كما هي، وإن الاسم لم يتغير؛ لأن الزبائن يأتون بحثاً عن «طعم زمان»، الطعم الذي لم تحكمه موضة، ولم يتبدّل مع تغيّر الأذواق.

مرّ المطعم بمحطات دقيقة، خصوصاً مع التحوّل الذي شهدته جدة التاريخية، وانتقالها من منطقة تجارية إلى فضاء تراثي وثقافي وسياحي مسجل في قائمة «يونيسكو» للتراث العالمي. في تلك المرحلة، كان التحدي الأساسي هو كيفية الاستمرار من دون فقدان العلاقة بالمكان أو بالناس الذين اعتادوا عليه. ومع تزايد الإقبال وامتداد طوابير الانتظار، تبلورت قناعة بأن المطعم أصبح جزءاً من تجربة جدة التاريخية نفسها.

مطعم محلي ومحطة سياحية

ومع هذا الحضور المتراكم، لم يعد مطعم البصلي وجهة لأهالي جدة أو زوارها من داخل المملكة فقط، بل أصبح جزءاً من خريطة السياحة في المدينة، ومحطة تُدرج ضمن برامج زيارة جدة التاريخية. فكما تُزار الأسواق القديمة والمعالم، بات المطعم حاضراً في خطط كثير من القادمين إلى الحي.

الترانزيت الذي لم يكتفِ بالانتظار

ضمن هذا السياق، يروي نبيل حامد قصة مسافر بريطاني من أصول هندية، كان يمر عبر مطار جدة في رحلة ترانزيت لا تتجاوز خمس ساعات. سمع عن «البصلي» قبل وصوله، فقرّر أن يخرج من المطار، يتجه مباشرة إلى جدة التاريخية، يتناول وجبته، ثم يعود ليكمل رحلته.

قال لي: «عندي ساعتان فقط، وجئت خصيصاً لأجرب المطعم»، يذكرها كواقعة تعبّر عن تحوّل المكان إلى وجهة يُقصد لها، حتى في الرحلات العابرة.

اعتراف عالمي جاء بصمت

هذا الحضور لم يكن محلياً فقط. ففي عام 2025، نال مطعم البصلي جائزة أفضل مطعم سمك من مجلة Time Out العالمية، بعد زيارات متكررة قام بها فريق التقييم من دون تعريف مسبق، وفق آلية تعتمد على التجربة الفعلية والتصويت.

وبالنسبة للعائلة، جاءت الجائزة تتويجاً لمسار طويل حافظ فيه المطعم على طعمه وهويته، من دون أن يسعى إلى الشهرة.

جائزة تايم آوت العالمية التي حصل عليها مطعم البصلي لعام 2025 (الشرق الأوسط)

قديم وجديد... بلا قطيعة

اليوم، يعمل «البصلي» بصيغتين: مطعم قديم حافظ على شكله وروحه، وتجربة أحدث استوعبت الإقبال المتزايد. لم يكن التوسع رغبة في الانتشار، بقدر ما كان محاولة لتخفيف الضغط عن المكان الأصلي، مع الإصرار على أن يبقى الطعم واحداً.

نسبة كبيرة من الزبائن اليوم من خارج السعودية، إلى جانب عائلات جدة التي تؤكد، في كل زيارة، أن النكهة لم تتغير. بعضهم يقطع عشرات الكيلومترات، بل يزور المطعم مرات عدة في الأسبوع؛ بحثاً عن مذاق لا يجده في مكان آخر.

مأكولات بحرية يقدمها مطعم البصلي باهتمام دقيق بالتفاصيل (الشرق الأوسط)

السمك... التفاصيل تصنع الفارق

حين يُسأل نبيل حامد عن سر الاستمرارية، لا يتحدث عن التسويق، بل عن التفاصيل: نوعية السمك، نظافته، طريقة التعامل معه منذ خروجه من البحر وحتى وصوله إلى الطبق. ويؤكد أن الحضور اليومي في المطعم، ومتابعة الفريق، وسماع الملاحظات، كلها جزء من فلسفة العمل.

تحضير السمك الطازج داخل مطعم البصلي (الشرق الأوسط)

الماضي... أساس المستقبل

لا يرى «البصلي» المستقبل بعيداً عن الماضي. فالطعم الذي بقي لعقود هو ما منح المطعم شرعيته اليوم، وهو ما يدفعه للتفكير في أي خطوة قادمة بحذر، من دون أن يفقد المكان جذوره.

في مطعم البصلي، لا يُقدَّم السمك بوصفه وجبة فقط، بل بوصفه حكاية عائلة، وذاكرة مدينة، ودليلاً على أن بعض الأماكن تصبح جزءاً من السياحة... لأنها بقيت صادقة مع نفسها.


«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر
TT

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

في قلب حي مصر الجديدة بالقاهرة، الذي يجمع بين العراقة والرقي، يقع واحد من أهم المطاعم العائلية ذات التاريخ الطويل، هو مطعم Le Chantilly «لو شانتييه» الذي يقدم أطباقاً سويسرية ببعض اللمسات الأوروبية المتنوعة.

فيه يمكنك أن تستمتع بمذاقات مختلفة، يجمع بينها المطبخ السويسري الذي يتمتع بتاريخ يعكس التنوع اللغوي والثقافي والجغرافي لسويسرا.

ولا تقتصر خصوصية «لو شانتييه» على هذا الثراء في النكهات والمكونات، لكنه يُعد كذلك وجهة لاستعادة ذكريات رواده، واستدعاء لحظات دافئة من الماضي، فالمطعم الذي أُنشئ في نهاية عشرينات القرن الماضي يُعد من معالم الحي الهادئ.

داخل المطعم تلتقي بزبائن من مختلف الأعمار والفئات، بعضهم من كبار السن الذين اعتادوا تناول الإفطار من قائمة المعجنات والمخبوزات الموجودة في السلة، برائحتها المميزة، وأبرزها الباتيه و«لاوجن كرواسون» بالسالمون المدخن والجبن الأبيض، أو «حلومي بريس» التي تجمع بين خبز الشيباتا، والروكا، والريحان، والطماطم، والجبن الحلومي.

في «لو شانتييه» قد يفضل البعض اختيار أحد أنواع الكيك الذي يشتهر المكان بتقديمه ساخناً في الصباح، مثل «ماربل كيك»، أو «بسكويت كيك» أو «إنجلش كيك» بالـ«دراي فروت»، فضلاً عن الباتيه والكرواسون بالجبن أو سادة، وذلك مع القهوة في الصباح الباكر في منطقة «الأوبن إريا» الملحق بها تراس؛ ليستمتعوا بالشمس مع قراءة الصحف المتوفرة يومياً فيها باللغات الفرنسية، والإنجليزية، والعربية.

وينتظرهم كذلك الـcold cuts بأنواعها، مثل «كروك شانتييه» وهو خبز التوست الأسمر أو الأبيض باللحم الرومي المدخن مع الطماطم والفلفل وغراتين بالجبن مع البطاطس والسلطة الخضراء بالذرة، فضلاً عن ساندوتشات اللحم المدخن بصوص الفلفل، والتركي بالزعتر.

تقول مديرة المطعم السيدة جميلة لـ«الشرق الأوسط»: «(لو شانتييه) من أقدم المطاعم، بل الأماكن الموجودة على الإطلاق في حي مصر الجديدة، وهو وجهة لأبناء العائلات العريقة التي لا يزال معظمهم يعرف بعضهم الآخر». وتتابع: «حتى هؤلاء الذين هاجروا منذ عشرات السنوات فإنهم حين يعودون لزيارة مصر يأتون إلينا لطلب نفس الأطباق القديمة التي كانوا يطلبونها قبل؛ فقد حافظ المطعم على (كلاسيكيته) وأصالته وجودة الطعام بشهادة الضيوف».

دفء الأجواء

وتتابع بابتسامة: «بعض الزوار كانوا صغاراً إلى حد أنهم كانوا يشبون ليختاروا طلباتهم المفضلة من ثلاجة عرض الحلويات المخصصة (للتيك آواي)، الآن صاروا يصطحبون أحفادهم».

غالباً ما تعكس مطاعم المطبخ السويسري ثقافة جبال الألب الهادئة والدافئة؛ ولعل ذلك ما يفسر لنا بقاء هذا المطعم في وجدان أبناء حي مصر الجديدة؛ حيث يتميز بأجواء الترحاب والدفء المنزلي، مع عناصر ديكور ريفية مثل الأثاث الخشبي والمدافئ والأعمال الفنية المستوحاة من الجبال، وفي ظل هذه الأجواء الهادئة والمريحة يتناول رواد الطعام أطباقهم على مهل، كما لو كانوا في المنزل.

تنوع الأطباق

يقدم Le Chantilly قوائم متنوعة من الطعام، ما بين الإفطار والغداء والعشاء مع مجموعة واسعة من الجبن، بما في ذلك «فوندو الجبن السويسري».

ومن أشهر أطباقه شرائح الفيليه المشوية التي تقدم بطريقة «جنيفواز» بزبدة «الكافيه دي باري»، وتقدم مع السلطة المكونة من الخس بالمستردة، والخضراوات السوتيه والبطاطس. وكذلك يقدم طبق «فيل إسكالوب» مشوي بصوص المشروم الكريمي، مع «الجرين نودلز»، و«سكالوب بتلو» محشو بالجبن واللحم البقري المدخن.

ولعشاق البطاطس بنكهاتها المختلفة، فإن «لو شانتييه» هو وجهتهم؛ حيث تُعد مكوناً منتشراً بكثرة في المطبخ السويسري، وتُستخدم بشكل خاص في طبق «روشتي»، وهو طبق شعبي يُؤكل في جميع أنحاء سويسرا، لكنك يمكنك الاستمتاع به في القاهرة داخل هذا المطعم مع شرائح البتلو بصوص المشروم الكريمي، التي تقدم مع بطاطس «روشتي» أو شرائط المكرونة الخضراء.

أما محبو الدجاج فتنتظرهم قائمة طويلة، منها «جريلد تشيكن بريست»، «تشيكن ستروغانوف»، صدور الدجاج المحشوة بالجبن واللحم البقري المدخن، «جريلد تشيكن» التي يعلوها جبن الموتزاريلا الذائبة، وتقدم مع نودلز بالزبدة والخضراوات، إضافة إلى أنواع الحساء المختلفة.

السيدة جميلة (إدارة المطعم)

«السلمون ستيك»، «جريلد» أو «فريد فيش فيليه» مع صوص الليمون، «جريلد سلمون فيليه» مع صوص الشبت الكريمي، «ريد سي شريمب»، هي أطباق تنتظر عشاق المأكولات البحرية في المطعم.

والرائع أن المطبخ يتيح لك المزج بين اللحوم والدجاج أو الأسماك في طبق واحد، في تجربة طعام مختلفة، على سبيل المثال يمكنك اختيار طبق «بيف ميداليون» مع صوص الفلفل مع «التشيكن كوردون بلو»، أو الدجاج المشوي مع صوص المشروم الكريمي، أو «جريلد بيف فيليه» يعلوه الجمبري «البترفلاي» والـ«هيرب بتر صوص».

«الطعام الصحي»

يجد محبو «الطعام الصحي» ترحيباً داخل المطعم أيضاً عبر قائمة من السلطات المميزة ذات النكهات المتنوعة والدريسنج الشهي، ومنها «فيجي حلومي تشيز سالاد» وتتكون من جرجير، خضار مشوي، جبنة حلومي مشوية يعلوها الريحان، تقدم مع «الفيردي دريسنج».

وأيضاً، «كينوا سالاد» وتتكون من ميكس خس، كينوا، الطماطم الشيري، خيار، مكعبات البصل، نعناع وفاكهة الموسم، والإيطاليان دريسنج، أو «شيف سالاد»، وهو طبق غني من السلطات مع شرائح الدجاج والجبن واللحم البارد بصوص «ثاوزند آيلاند».

أما إذا كنت من هواة سلطات «السي فود» فينتظرك «سلمون كراب سالاد» ويتكون من «سلمون مدخن» يقدم على شرائح الكابوريا المتبلة بصوص ميكس الخس، الجزر والـ«ريد بينز»، أو «سويت كورن» تقدم مع «مايو ليمون دريسنج».

ويعيش المطعم مع المصريين في كل مناسباتهم السعيدة مثل الكريسماس من خلال تقديم أفخر أنواع الشوكولاتة والحلوى التي تتخذ أشكال بابا نويل وعربة الغزالة وغير ذلك، كما يقدم الكنافة والقطائف في رمضان، والكعك والبسكويت في عيد الفطر، وفق جميلة.

وتلفت: «يركز المطعم على الضيافة وتجربة تناول طعام مختلفة معاً، منذ اللحظة الأولى يفتح لك باب المحل عامل بأسلوب خاص يسوده التهذيب، وكذلك الجرسونات أيضاً».

وبالرغم من أن «لو شانتييه» مطعم عتيق، فإنه على العكس من المطاعم المماثلة يسمح بتوصيل الأطباق إلى المنازل، بل إنه من مطاعم الـ«كاترينج» حيث يرحب بتقديم الطعام للمناسبات والتجمعات الكبيرة مثل الحفلات، والمؤتمرات، وغيرهما. وذلك في مختلف أنحاء مصر «من الإسكندرية (شمال مصر) إلى أسوان (جنوبها)».