«أسبوع لندن» لخريف وشتاء 2017... ينظر إلى المستقبل بعيون جديدة

«أسبوع لندن» لخريف وشتاء 2017... ينظر إلى المستقبل بعيون جديدة

مرونة تعامل مع الأحداث المتسارعة واستباق للتغيرات الآتية
الخميس - 27 جمادى الأولى 1438 هـ - 23 فبراير 2017 مـ
من عرض «روكساندا» - من عرض {ديفيد كوما} - المصمم بول كوستيلو في نهاية عرضه - من عرض {إيميليا ويكستيد} - من عرض «فيرسيس فيرساتشي» - من عرض «فيرسيس فيرساتشي» - من عرض {جاسبر كونران}
لندن: جميلة حلفيشي
من دوناتيلا فيرساتشي وخطها «فيرسيس»، وأول مشاركة لرولان موريه بعد غياب 20 عاما، إلى عرض ومعرض «بيربري» واحتفاله بالنحات هنري مور في خطوة جديدة للتعبير عن الفن والحرفية، مرورا بعشرات المصممين الشباب، أكد «أسبوع لندن» لخريف وشتاء 2017، أنه يستحق مكانته بين الكبار، فهم يؤكدون كل موسم على مرونة في التعامل مع التغيرات، والأهم من هذا؛ «لا يبكون على اللبن المسكوب».
مقارنة بـ«أسبوع نيويورك» الذي تراجع عدد المشاركين فيه، لا تشعر فيه بأن التغيرات أثرت عليه؛ لا من ناحية الكم ولا الكيف، بل العكس تماما؛ فأنت تشعر طوال الأسبوع أن هناك تحركات كثيرة تجري وراء الكواليس تحسبا لمستقبل لم تتحدد معالمه بعد، بسبب الخروج المرتقب من الاتحاد الأوروبي تحديدا، فالمسألة أكثر تأثيرا عليهم من سياسات ترمب، على الأقل من ناحية الأولويات، فتأثيرات «بريكست» تمس كثيرا من المصممين والعاملين معهم بشكل مباشر... فبالإضافة إلى احتمالية أن يفقد «الأسبوع» الدعم المالي الذي كان يحصل عليه من الاتحاد، هناك مخاوف من فرض التأشيرات والرسوم وغيرها من الأمور التي من شأنها أن تؤثر على عدد كبير من المهاجرين العاملين في صناعة الموضة عموما، وعلى لندن خصوصا، لأنها حاضنة لكل الثقافات والجنسيات. وما علينا إلا النظر إلى عدد المصممين المشاركين في «أسبوعها»، فروكساندا إلينشيك، مثلا، صربية، وماريا كاترانزو يونانية، والثنائي وراء دار «بيتر بيلوتو» بلجيكيان نمساويان، وبورا أكسو تركي، وإميليا ويكستيد نيوزيلندية... وهلم جرا.
ومع ذلك، ما إن انطلق «الأسبوع» صباح يوم الجمعة الماضي، حتى ذوبت الشمس الساطعة بدفء ربيعي غير معهود في هذا الوقت من السنة، كل المخاوف. فالشمس في بريطانيا لها تأثير خاص على النفوس، وبالتالي كان من الطبيعي أن تزيح غشاوة التشاؤم لتفسح المجال لنظرة متفائلة حتى وإن كانت هروبا من الواقع، كما كانت الحال بالنسبة لمجموعة من المصممين أخذونا إلى وجهات بعيدة وإلى ماض غني. مجموعة أخرى من المصممين قدموا تشكيلات تضمنت تحديا صارخا لما يجري في الساحة السياسية حاليا، كما لو أنهم مقبلون على حرب. ديفيد كوما، مثلا، قدم تشكيلة لعب فيها على الازدواجية بين الأنوثة والقوة من خلال الأقمشة الشفافة والسميكة، لكنه أيضا زين بعضها بما يشبه رصاصات متراصة على جانب الصدر تارة، أو على الخصر تارة أخرى، وكأن «امرأته» داخلة على حرب لتحمي استقلاليتها وكينونتها.
من جهة أخرى، قد يكون الجنون السريالي قد خف في السنوات الأخيرة لصالح التسويق التجاري ومخاطبة الأسواق العالمية، إلا أنه لم يختف تماما. فالمصمم غاريث بيو حمل راية «الفنون جنون» رغم أنه يعرف تماما أن تصاميمه السريالية لا تخاطب الكل. لكنه مثل الجندي المثابر، لخص الحالة السياسية والثقافية بعرض أراده أن يثير الرعب في النفوس بسوداويته وبرودة أجوائه. بعد العرض، شرح وجهة نظره قائلا إنه تعمد أن يعطي «صورة عالم جديد مقبل على الفوضى» بسبب تنامي التطرف والعنصرية. وهذا ما فسر بعض التصاميم التي استوحاها من ملابس شرطة مكافحة الشغب.
على العكس من غاريث بيو، قدم المصمم هنري هولاند مؤسس «هاوس أوف هولاند» تشكيلة سهلة من ناحية أنها تجارية تخاطب كل الأذواق والأسواق. لم يغير أسلوبه المتعارف عليه، الذي يُركز فيه على لندن، لكن طعم لندن في هذه التشكيلة طبعته لمسة «كاوبوي» أميركية. أطلق على عرضه عنوان: «دادي أين سيارتي؟» وتوجه به لفتاة شقية ومغامرة تريد أزياء لكل مناسباتها اليومية. كان هناك كثير من الأقمشة المطبوعة بنقشات طيور وأخرى كاريكاتورية، فضلا عن جاكيتات منفوخة وكنزات مغزولة من صوف الأنغورا وما شابهها من قطع منفصلة، بعضها بشراشب متدلية، أو بنطلونات واسعة، نسق أغلبها بأحذية «كاوبوي» مطرزة بالنجوم أو بلهيب النار.
مثله قدم جاسبر كونران في فندق «الريتز» تشكيلة تجارية، شملت فساتين من الجلد وتنورات بكل الأشكال وكنزات قال إنه صممها لكل المناسبات والأيام بألوانها التي تباينت بين البنفسجي والمستردي والبني والأخضر. كانت هناك أيضا جاكيتات جلدية «سبور» مع بنطلونات جريئة وضيقة للغاية. وفيما كان الأخضر هو اللون الغالب، ظهرت بين الحين والآخر ألوان مثل البيج والبني، تنافسه بتسللها إلى معاطف مفصلة وأخرى واسعة وقصيرة. الفساتين المرصعة بالترتر والخرز، رغم عددها المحدود، تميزت بشجاعة تميل إلى الجرأة، مقارنة بما عودنا عليه المصمم في السابق، لا سيما أن التطريز شمل الـ«تي - شيرتات» وفساتين قصيرة بأقمشة تباينت بين القطن والأورغنزا وصوف الموهير. بيد أن كونران البالغ من العمر 57 عاما يُدرك تماما أن التفصيل الرجالي أحد مكامن قوته، لهذا، لم يتجاهله، فقد ظهر في كثير من القطع، باعتراف المصمم الذي صرح أنه تعمده «لأنه عنصر مألوف بالنسبة لي... ما قمت به هذه المرة أني استعملته كأساس، فيما أعدت صياغة الأشكال والأحجام حتى يصبح المألوف غير مألوف وجديدا».
في عرض «فيرسيس» الخط الأصغر لـ«فيرساتشي» كانت الأجواء مختلفة تماما عما هو مألوف في لندن؛ ففي كل عرض تقدمه الدار، سواء في ميلانو أو باريس أو لندن، نتوقع كثيرا من البريق، ليس بمعنى التطريز وأحجار الكريستال فحسب؛ بل أيضا بمعنى ضيوفها النجوم والعارضات السوبر. وحتى إذا لم يحضر كيني ويست وبيونسيه وبرينس العرض مساء يوم السبت الماضي، فإنهم كانوا موجودين فيه بموسيقاهم، التي صدحت في قاعة «كينغستون» خلفيةًً لعرض افتتحته الأختان بيلا وجيجي حديد، تأكد فيما بعد أن اختيارهما كانت له دلالاته، لأن التشكيلة استوحيت من أسلوب حياتهما وحياة بنات جيلهما. فكل ما فيها مناسب للحفلات والنوادي الليلية، وإن تتخلله لمسات من التفصيل الرجالي؛ بل وحتى لمسات عسكرية ظهرت في جاكيتات قصيرة وبنطلونات بخصور منخفضة. كانت هناك مجموعة أنيقة من الجلد، وأخرى مزج فيها بين الرجالي والنسائي، ما أعطى العرض ككل صورة مبهمة، لكن ساحرة تتأرجح بين الأنوثة والذكورة، فيما غلب اللون الأسود مع رشات من البنفسجي والأزرق ممزوجة في الغالب بالأسود على كل التشكيلة تقريبا. تشعر طوال الوقت بأن روح التسعينات تطغى على العرض. فقد تجلت في نقشات قالت دوناتيلا فيرساتشي إنها أخذتها من صور موجودة في أرشيف الدار، التقطتها عدسة المصور بروس ويبر وأُعيد رسمها على أقمشة نايلون، ومنها على شبكات معدنية، كما تجلت في «اللوغو» الكبير الذي اعتقد الكل أنه مات مع نهاية التسعينات، لكنه ظهر من جديد في كثير من القطع والإكسسوارات؛ بما في ذلك الجوارب.
بيد أن العرض لم يكتف بأخذنا إلى أرشيف الدار، وذكرنا بأن مؤسس الدار، جياني فيرساتشي، كان المسؤول عن ولادة ما أصبح يُعرف بـ«العارضة السوبر» في أواخر الثمانينات وبداية التسعينات من القرن الماضي، وهذا ما حاولت دوناتيلا أن تعيده للأذهان باستعانتها بالأختين حديد (بيلا وجيجي) اللتين افتتحتا العرض واختتمتاه، وعارضات عالميات أخريات. النيوزيلندية إيمليا ويكستيد، التي ظهرت دوقة كمبردج، كيت ميدلتون، بتصاميمها في كثير من المناسبات، قدمت بدورها عرضا رومانسيا تراقص فيه المخمل والدانتيل مع الورود، شرحت المصممة قبل العرض أنها استلهمته من ملابس المسرح الروسي. كان هناك كثير من الفساتين المنسدلة إلى الكاحل تُكملها أكمام منفوخة وتغطيها طبقات من الحرير الشفاف المطرز بأحجار الكريستال. المسرحي لم يتوقف عند حد الأكمام والترصيع، وامتد إلى الألوان المتوهجة مثل الوردي السكري والليلكي، الذي ظهر مثلا في تايور مكون من جاكيت مزدوج وبنطلون واسع. كعادتها، كانت اقتراحاتها محتشمة بطولها وأكمامها، لكن دائما مفعمة بالأنوثة، وكأن لسان حالها يقول إنها توصلت إلى وصفة ناجحة وليست هناك أدنى حاجة لتغييرها فيضيع ما بنته. هذا لا يعني أنها خاصمت الجديد، فقد قدمت مجموعة بعدد محدود أكثر جرأة، تجسدت في بنطلونات بخصور عالية نسقتها مع قمصان قصيرة تكشف عن قليل من البشرة، لتختتم العرض بمجموعة فساتين للمساء والسهرة تبرق من الرأس إلى أخمص القدمين، تركت انطباعا دراميا قويا، فقد تعاونت مع شركة «سواروفسكي» واستعملت ما لا يقل عن 130 ألف حجر كريستال، لتزاوج بين الهندسي والورود، وبين الصوف والمخمل والدانتيل. وكانت النتيجة طبقات متعددة من الأقمشة شكلت فيها التطريزات لوحة فنية لصور وجدتها المصممة بالصدفة التقطتها كاميرا مصورة روسية مغمورة من القرن التاسع عشر، كان موضوعها المفضل هو نساء روسيات عاديات في ملابس مزخرفة بشكل مسرحي. المصممة ويكستيد أضفت عليه نكهة عصرية لذيذة.
المخضرم بول كوستيلو اختار فندق «وولدورف» الواقع على بُعد خطوات من مقر منظمة الموضة البريطانية في «سومرست هاوس» ومكان عروضها في «180 ذي ستراند»، ليقدم عرضه أمام باقة من وسائل الإعلام وزبوناته المخلصات. هو الآخر لم يُقدم جديدا صادما على غرار ما يقدمه مصممو لندن الشباب غالبا، لكن ما يشفع له أن تجربته الطويلة تقول إنه تقبل أن الهدف من هذه العروض ليس الفذلكة بقدر ما هو بيع منتجاته أولا وأخيرا. وهذا ما ركز عليه: أزياء عملية وأنيقة لم تفتقد الابتكار من ناحية أنه تلاعب بالأحجام وبعض التفاصيل مثل الجيوب في فساتين السهرة، مع محافظتها على كلاسيكية عصرية تخاطب امرأة تريد الأناقة المضمونة. صحيح أن الأقمشة كانت سميكة وثقيلة في بعض الحالات، إلا أن انسيابية التصاميم وخطوطها الأنثوية الواسعة، جعلتها تبدو خفيفة على العين، فيما منحتها التفاصيل ثقلها الفني. هذه التفاصيل ظهرت إما على ياقة مستوحاة من العهد الإليزابيثي، أو الأكمام المنفوخة التي كانت سائدة في بلاط العهد التيودوري عموما، إلى جانب ألوان خريفية «مطفية» طبعت أقمشة تراوحت بين الجلد والتويد والبروكار.

اختيارات المحرر