أبقراط وتعميم الصناعة الطبية والالتزام الأخلاقي لمزاولها

«أبو الطب»... حظي بمكانة خاصة عند الأطباء المسلمين

أبقراط وتعميم الصناعة الطبية والالتزام الأخلاقي لمزاولها
TT

أبقراط وتعميم الصناعة الطبية والالتزام الأخلاقي لمزاولها

أبقراط وتعميم الصناعة الطبية والالتزام الأخلاقي لمزاولها

يعد الطب من أقدم المعارف الإنسانية، نظرًا لتعلقه بالألم الذي ما هو إلا إنذار بالموت. لهذا فالطب اتخذ من الجسد موضوعًا له، من أجل تخفيف آلامه، وتأجيل حالة الموت عنه ما أمكن. كما أن الطب هو علاقة بين منفعل هو المريض العليل، والفاعل الذي هو الطبيب الذي يسعى إلى تقديم العلاج المناسب. وفي الحقيقة إذا كان المنفعل لم يتغير كثيرًا، فإن الفعل الطبي قد تعرضت طرقه إلى التحول مع مر العصور. وما وصل إليه الطب في زماننا شاهد على ذلك، فإنجازاته أصبحت مذهلة كمًا وكيفًا. إلا أن الأمر لم ينشأ دفعة واحدة. فلا شيء من لا شيء. والحاضر الطبي هو، في حقيقته، مجرد جني لثمرة قد نضجت، عبر تراكمات إنسانية ضاربة في عمق التاريخ ساهمت فيها كل الحضارات. لهذا يمكن أن نتحدث عن طب سومري ومصري وصيني وفارسي وهندي ويوناني وعربي. وإذا ما تحدثنا عن الأشخاص الذين سجلوا حضورًا قويًا، ووضعوا لبنات في صرح المنجز الطبي العالمي، نجد علمًا بارزًا هو أبقراط، الذي يلقب بـ«أبو الطب». فمن هو هذا الطبيب؟ وما إنجازاته؟ وما تأثيره على الأطباء العرب، وقت ازدهار الحضارة الإسلامية في القرون الوسطى؟
في البداية، تجدر الإشارة إلى أن المصادر التاريخية قليلة حول شخصية أبقراط. لكن لا يمكن الحديث عن تاريخ الطب الإنساني من دون ذكر اسم هذا الحكيم اليوناني. وسبب ذلك يعود إلى كونه دوّن الطب وسجّل بعض الملاحظات السريرية «الإكلينيكية». باختصار، يعد أبقراط صاحب أقدم المؤلفات الطبية في التاريخ الإنساني. لقد وردت الإشارات الأولى إلى أبقراط الكوسي الأسكليبادي، في محاورات أفلاطون، خاصة «فيدروس» و«بروتاغوراس». لكن أول ترجمة لأبقراط، كانت من إنجاز الطبيب اليوناني «سورانوس» الذي عاش في النصف الأول من القرن الثاني بعد الميلاد.
ينتمي أبقراط، إلى عائلة طبية يونانية شهيرة، هي أسرة أسكليبوس (Asclepios). وأسكليبوس، شخصية قديمة، عرف عند اليونان كطبيب، لكنهم ما لبثوا أن جعلوه إلهًا، وركزوا له بصولجان يلتف حوله ثعبان. وكانوا يضعونه في معابد اليونان الكثيرة (نحو 320 معبد). وبالعودة إلى كتاب «عيون الأنباء في طبقات الأطباء»، الذي نعتمده كثيرًا في صياغة هذا المقال، لصاحبه ابن أبي أصيبعة، وبالضبط في الباب الرابع المخصص لطبقات الأطباء اليونانيين، نفهم أهمية أبقراط. فهو من أذاع لدى الإغريق صناعة الطب، حيث ظل آل أسكليبوس يتوارثون صناعة الطب حتى قل عددهم في زمن أبقراط، فخاف هذا الأخير، على ضياع الصناعة، فألف فيها محاولاً نشرها وتعميمها وتعليمها حتى للغرباء عن العائلة الأسكليبادية. كان الطب حكرًا على العائلة التي كان ينظر إليها على أنها من نسل الآلهة. وكانوا ينقلون الخبرات بالمخاطبة فيما بينهم، وإذا ما جرى تدوينها، يكون ذلك بشكل مقتضب، وبطريقة ملغزة لا يفهمها إلا الأب وابنه، أما أبقراط ونظرًا لقلة نسل عائلته، وتلمسه أن صناعته تكاد تبيد، فقد قرر تعليم الطب للمستحقين، ولكل راغب فيه، وإن لم ينتم إلى العائلة «الشريفة»، شريطة أن يحلفهم بالأيمان والالتزام بعهد وناموس ووصية وضع ملامحها أبقراط. وما قسمه الشهير، الذي سنقف عنده، إلا واحدًا من هذه الأمانات، التي كانت ولا تزال تلقى إلى وقتنا هذا، على عاتق طالب الطب.
يتفق معظم المؤرخين، على أن أبقراط الكوسي الأسكليبادي ولد بجزيرة كوس سنة 460 قبل الميلاد، وتعلم الطب من والده. كما أنه عرف الكثير من فلاسفة عصره، بل كان صديقًا للكثير من المشاهير آنذاك، أمثال «ديموقريطس» صاحب النظرية الذرية التي ترجع الوجود إلى ذرات، وأيضًا الخطيب الشهير «جورجياس»، الذي يسمى أبو البلاغة، والرياضي الكبير «هيروديكوس» المتفوق في الجمباز.
ذاع صيت أبقراط فطلبه ملوك الأرض. وكانت تطلب مشورته الطبية، لدرجة نسج الأساطير حوله. فقيل مثلاً، أن النحل الذي يعيش حول قبره، يفرز عسلا شافيا للأمراض. لكن الصورة الأكثر واقعية والتي تروج عنه تاريخيًا، هي أنه حكيم قصير القامة، جمع بين الطب والفلسفة. وكان ناسكًا يعالج المرضى بالمال أو من دونه. وكان يرى أن الطب مهارة من إلهام الله. وهو يعد عند الباحثين مؤسس الطب. ألف هو وتلاميذه في علم الطب، وأعراض الأمراض والأوبئة، والحميات، وتكون الأجنة، وعلاقة البيئة والتغذية بالصحة والتربية النفسية. ومعه بدأ يغادر الطب تلك الممارسة العفوية، المرتبطة بمعتقدات وطقوس ذات مرجعية أسطورية، نحو لحظة أصبح فيها العلاج يستند إلى معرفة عقلية نقدية، وعلى الخبرة الصناعية. فهو باختصار، افتتح طريق الطب نحو العلمية، القائم على المعاينة السريرية، وتقديم الأدوية، والبحث عن الأسباب الملموسة. وهو ما سيساعد على التخلص من بعض الخرافات والشعوذة.
ترك لنا أبقراط، الكثير من المؤلفات الطبية سميت «بالمدونة الأبقراطية». وقد ظهرت في مكتبة الإسكندرية في أوائل القرن الثالث ق.م، وقد جمعها ورتبها الطبيب الفرنسي «إميل ليتري»، في القرن التاسع عشر في عشر مجلدات. وعرف المسلمون كتب أبقراط، وترجموا معظمها إلى العربية، في القرن 3 و4 الهجري، أي 9 و10 الميلاديين، وقاموا بشرح بعضها. وكان أصحاب الصناعة الطبية منهم، يوصون بكتب أبقراط، ويركزون على اثني عشر منها، لا غنى عنها لطالب هذه الصناعة، وهي: كتاب الأجنة، الأهوية والمياه والبلدان، تقدمة المعرفة، الأمراض الحادة، أوجاع النساء، الأمراض الوافدة، الغذاء، الكسر والجبر، طبيعة الإنسان، قاطيطرون أو حانوت الطبيب الفصول. وتجدر الإشارة إلى أن لدى أبقراط كتاب بعنوان «المرض المقدس» أي الصرع، وقد حاول فيه إبعاده عن القداسة المزعومة. فأبقراط يرفض تقسيم الأمراض إلى طبيعية ومقدسة. فالصرع مرده إلى أسباب طبيعية صرفة، أما أصله الإلهي، فهو أمر يعكس جهل الناس وعجزهم عن فهمه، واستغرابهم من سلوكيات المصاب. أما عن تعامله مع الأعراض والمظاهر الخارجية، التي تخبر عن نوع المرض، فإننا نجد تفاصيل مهمة عن ذلك، في كتاب منسوب إليه، هو «تقدمة المعرفة»، ذكّر فيه بتفصيل العلامات المأخوذة من الوجه وتلك المأخوذة من البراز والبول والبصاق والقيح... وهي تساعد الطبيب في التشخيص، ومن ثم تقديم العلاج المناسب. هذا العلاج كان عادة، مرتكزًا على تقديم المسهلات، أو المقيئات، أو الفصد، أو الكي، أو التزام بالحمية... كما ترك لنا أبقراط أيضا، صورًا سريرية لداء السل، واستطاع أن يسجل بدقة الملامح المألوفة التي تعلو سحنة المحتضر الذي يموت، وكذلك وجه الجائع ومن أعياه الإسهال... ولا يزال الأطباء إلى يومنا هذا، يتحدثون عن «الوجوه الأبقراطية»، و«الأصابع الأبقراطية»، وهي أعراض خاصة ببعض أمراض القلب المزمنة التي تؤدي إلى تضخم مفاصل الأطراف.
لكن على الرغم من كل هذا الجهد السريري، ظل الطب الأبقراطي مرهونًا بتصور فلسفي، أصبح، الآن، متجاوزًا، ويتمثل في نظرية «الأخلاط الأربعة» التي روجها، من بعده، الطبيب الإسكندراني، جالينوس، واستمرت آثارها عند العرب. بل صمدت حتى حدود القرن التاسع عشر الميلادي، وهي نظرية شبيهة بالمواد الأربعة التي كان يفسر بها فلاسفة اليونان تشكَّل الأشياء في العالم الأرضي، ونقصد النار والتراب والهواء والماء، التي تتصف بأربعة صفات هي: الحرارة، والجفاف، والرطوبة، والبرودة. وقياسا على ذلك، تصور أبقراط أن الجسم البشري نفسه، مشكل من أربعة أخلاط، أو سوائل متشابكة ومتداخلة هي: الدم والبلغم والصفراء والسوداء. فإن كانت هذه الأخلاط متوازنة ومتناسبة كمًا وكيفًا، أعطت الصحة. أما إذا فقدت توازنها، إما لندرة خليط أو وفرته، أو امتناعه عن الاختلاط بالأخلاط الأخرى، أدت إلى المرض، أي التهاب أو نخر عضو من الأعضاء. هذا هو التفسير الذي جرى اعتماده آنذاك. وكما نرى، سيصبح غير معتمد خاصة بعد اكتشاف الميكروبات وفهم طريقة نشوء العدوى. وإن كان لنظرية الأخلاط من استمرار، فقد أخذت وجهًا مختلفًا، وهو نظرية الهورمونات.
لكن لا يمكن أبدا الحديث عن أبقراط دون ذكر ريادته في تأسيسه أخلاقيات العمل الطبي. ويكفي الإشارة إلى قسمه الشهير، المسمى بقسم أبقراط، الذي يؤديه إلى حد الساعة خريجو كليات الطب في العالم، وإن بصياغات مختلفة تلائم العصر، لكن بالروح القديمة نفسها. فماذا يقول هذا القسم الأصلي، الذي وثقه لنا ابن أبي أصيبعة (ق13م)، في طبقات الأطباء.
يلزم أبقراط طالب صناعة الطب، بعهد أخلاقي، ولعل أبرز ما فيه: ضرورة احترام المعلم ومساعدته. وتعميم الخبرات الطبية للأبناء، وللمتعاقدين الذين أقسموا يمين الطبيب. لكن الأهم من كل ذلك، هو ضرورة الابتعاد عن فعل الشر أو إلحاق الأذى بالناس، من طريق التسميم تحت الطلب، أو السعي نحو القيام بإجهاض الجنين. واستخدام المبضع عن جهل. كما يدعو أبقراط، كل مقبل على فن الطب، لأن يقدم المساعدة للجميع، ذكورًا أو إناثًا، أحرارا أو أرقاء دون تمييز بينهما، ليختم قسمه، بكون الطبيب النموذجي لا يفشي أبدا أسرار مريضه. ومن يذيعها فقد أخل بفروض مهنته فهو كمن يفشي الأسرار المقدسة. ولم يكتف أبقراط بهذا القسم، بل أضاف نواميس ووصايا، عبارة عن واجبات على الطبيب التقيد بها، كالاحتفاظ بحسن المظهر، وتنظيف الجسم، والتحلي بالهدوء والرصانة، والعمل على إشعار المريض بالثقة، وخلق جو من الطمأنينة أثناء أداء المهمة الطبية. والمثير أيضًا، أن أبقراط ينصح الطبيب بالصبر حتى على شتائم المريض، لأن بعض الحالات من المرضى المبرسمين (البرسام: مرض نفسي) والمصابين بالوسواس السوداوي، قد تصدر منهم سلوكات عدوانية، ويتلفظون بكلمات نابية وجب تحملها من طرف الطبيب، لأن الأمر يتجاوزهم وفوق طاقتهم.
نخلص إلى أن أبقراط، لُقّب بأبي الطب، لأنه أولاً، دوّن خبرات الصناعة الطبية، فيما سمي «بالمدونة الأبقراطية»، وجعلها معممة وذائعة بين كل من يستحقها، وليست حكرًا على عائلة بعينها. ولأنه ثانيًا، قام بإنجازات طبية قائمة على الملاحظات السريرية. وثالثًا طعّم الطب بالتزامات أخلاقية تعطيه جانبه الإنساني. لهذا كله سيحظى أبقراط بمكانة خاصة عند الأطباء المسلمين، وهذا بحث آخر.



الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا

الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا
TT

الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا

الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا

في أقصوصة فرانز كافكا «المسخ» يستيقظ شاب يدعى جريجور سامسا من نومه ذات صباح ليجد نفسه وقد تحول في فراشه إلى حشرة مقلوبة على ظهرها لا تملك أن تعتدل فتروح تتخبط عبثاً بأرجلها النحيلة في الهواء.

وفي رواية الأديب الفلسطيني إميل حبيبي «الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل» (1972) يختفي الفلسطيني بفعل «فضائيين» («فدائيين»؟) جاءوا من السماء، حسب تفسير البعض لاختفائه.

وفي رواية نجيب محفوظ «ليالي ألف ليلة» (1982) حكاية تحمل عنوان «معروف الإسكافي». معروف فقير مطحون يعاني الأمرين على يدي زوجته الشرسة إلى أن يأتيه عفريت من عالم الجن يمنحه خاتم سليمان -رمز القدرة السحرية- فيطلق امرأته الظالمة ويستخدم الخاتم في صنع الخير وإقرار العدل وإسعاد الناس.

هذه نماذج من أدب الفانتازيا أو الإغراق في الخيال. وكلمة «فانتازيا» fantasy -حسب قاموس «النفيس: إنجليزي- عربي» للدكتور مجدي وهبه- تعني عدة أمور: عجيب، غريب، خيالي، وهمي، محال، غير معقول، ضخم إلى حد لا يصدق، خارق. فالفانتازي ضرب من القص نجد فيه أن الممكن وغير الممكن يختلطان إلى حد يحير القارئ (وكثيراً ما يحير الراوي أو الشخصية الرئيسية في القصة) إذ لا يجد تفسيراً متسقاً لأحداث القصة الغريبة. ويذهب تزفتان تودوروف في كتابه «مدخل إلى الأدب الفانتازي» (1970) إلى أن الحكي الفانتازي يتضمن تردداً لا حل له بين التفسيرات الخارقة للطبيعة التي نجدها في قصص العجائب أو الخوارق وبين التفسيرات الطبيعية أو النفسية التي نجدها في حكايات «الغريب».

والفانتازيا قديمة قدم الأدب والفن: فنحن نجدها في أساطير الإغريق، وكتاب «ألف ليلة وليلة»، وحكايات الجنيات والقصص الخيالية في المأثورات الشعبية لمختلف الأمم، والمدن الفاضلة أو نقيضها من مدن كابوسية، وقصص الرعب القوطية مثل «فرانكنشتاين» لماري شِلّى، و«دراكولا» لبرام ستوكر، وروايات الخيال العلمي، والواقعية السحرية عند أدباء أميركا اللاتينية ومن حذوا حذوهم.

هذه الفانتازيا موضوع كتاب باللغة الإنجليزية صدر في هذا الصيف عن مطبعة جامعة إدنبرة. يقع الكتاب في قرابة ثلاثمائة صفحة وهو من تأليف ألكسندرا شريتح الأستاذة المساعدة للأدب العربي والدراسات الأدبية والبصرية الدولية في جامعة تفتس الأميركية. وعنوان الكتاب

Alexandra Shraytekh، The Modern Arabic Fantastic، Edinburgh University Press، 2026

تقول شريتح إن الفانتازيا بما تشتمل عليه من حكايات عجيبة وأخبار غريبة نمط من الكتابة يرتبط عادة بأزمة اجتماعية أو سياسية أو جمالية، ونقلة من اليقين إلى الشك ناجمة عن تقحم عنصر خارجي على الواقع اليومي المألوف. إنه نتاج مواجهات مع غرباء (قد يكونون أشباحاً أو موتى عادوا إلى الحياة، أو كائنات من خارج الأرض). فالفانتازي موقع للالتباس أو الغموض، واختراق لقوانين العلية والزمان والمكان، ومسرح لما هو خارق وسحري.

وتسلط المؤلفة عدسة منظارها التحليلي على عدد من الأعمال الأدبية لكتاب عرب من مختلف الأجيال: «قنديل أم هاشم» ليحيى حقي، «عالمي المجهول» لأليفة رفعت، «فرانكشتاين في بغداد» لأحمد السعداوي، «فقهاء الظلام» لسليم بركات وغيرهم. وفي هذه الأعمال نجد جدلاً بين عالم الغيب وعالم الشهادة، وإبحاراً بين عوالم العلم والصوفية، ومجالاً للتفريج عما هو مكبوت وقد يحمل أبعاداً سياسية.

توجه المؤلفة اهتماماً خاصاً إلى رواية القاص الرائد محمود تيمور «موباسان المصري» «نداء المجهول»

وتوجه المؤلفة اهتماماً خاصاً إلى رواية القاص الرائد محمود تيمور «موباسان المصري» «نداء المجهول» (1939) وهي مروية على لسان سائح مصري في لبنان يزور قرية صغيرة وينطلق منها للبحث عن قلعة أسطورية سحرية في قلب الجبل. ويقع الراوي في حب مستشرقة إنجليزية تجيد اللغة العربية، ومهتمة بالفكر الصوفي، تدعى مس إيفانز. إن أحداث الرواية تدور في عام 1908 ولكنها ترتد بالذاكرة إلى صراع الدروز والطائفة المارونية في لبنان في 1860. والرحلة إلى القلعة أشبه برحلة حج وضرب من رياضة النفس يستخدم فيها تيمور مصطلحاً لفظياً وصوراً شعرية أشبه بما نجده في نثر جبران خليل جبران. إن «الاستشراق» الغربي يتحول هنا إلى «إشراق» صوفي. واتجاه إيفانز إلى المشرق وهي الأوروبية يمثل امتزاجاً بين الشرق والغرب، الذات والآخر، الحاضر والماضي.

وللكتاب ببليوغرافيا في قرابة خمسين صفحة تشهد بسعة علم المؤلفة وإحاطتها الموسوعية بموضوعها. ولكني افتقدت فيه أي إشارة إلى كتاب باللغة الإنجليزية يبدو أنه لم يقع لها، وهو كتاب صدر عن دار إلياس للنشر في القاهرة في 1985، حررته الدكتورة ملك هاشم والدكتورة سيزا قاسم دراز، عنوانه «سبحات الخيال» Flights of Fantasy وهو يضم ترجمات إلى الإنجليزية لعدد من القصص العربية القصيرة الفانتازية لنجيب محفوظ ويوسف إدريس وشفيق مقار وآخرين.

وإذ يسجل كتاب شريتح جانباً من رحلة الرواية العربية من الواقعي إلى الفانتازي فإنه يلقي ضوءاً مهماً على الفانتازيا بين الشرق والغرب ويوضح كيف أن الفانتازيا حساسية من لون معين وأجرومية قصصية وتوتر بين أقطاب متقابلة: اليقظة والحلم، الحقيقة والوهم، الإيمان والعقل، الموروث والحداثة. والنتيجة التي تنتهي إليها هي أن الفانتازي يستعصي على أي معنى ثابت، ويتسع لعديد من التفسيرات، ولكنه يحدث تحولاً في نفس القارئ. إنه عابر للثقافات والأزمنة والأمكنة. ونحن أحوج ما نكون إلى أن ندرسه اليوم، خاصة وأننا نعيش في ظل مفارقة يلخصها قولها: «لقد غدا الفانتازي هو الواقعية الجديدة في زماننا».


«ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي

«ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي
TT

«ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي

«ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي

بعين حساسة تجاه ثراء المشاهد البصرية ووجدان مرهف الحس، يحول الفنان التشكيلي المصري سمير فؤاد مذكراته إلى لوحة بانورامية دافئة يمتزج فيها الحنين بالأسى تجاه تحولات الأماكن من الجمال إلى الفوضى، ومن الهدوء إلى الصخب عبر كتابه «ميدان سفير - مذكرات الطفولة والصبا»، الصادر في القاهرة عن دار «الشروق».

من شرفة تطل على «ميدان سفير» الذي يتوسط حي «مصر الجديدة»، أحد أرقى أحياء القاهرة، وفي الشقة نفسها التي شهدت مولده عام 1944، يفتح الفنان نافذة واسعة على زمن كان الجمال فيه ركناً يومياً من أركان الحياة.

ويأخذنا في رحلة داخل مجتمع كان يضج بالتنوع والتعايش، حيث كانت الشوارع ملاعب آمنة للأطفال، والمترو وسيلة لاكتشاف العالم بلا خوف، ودور السينما طقساً اجتماعياً حميماً ومصدر بهجة للعائلات، لكن هذا لا يمنع أن الذاكرة اليقظة لا تزال تحفل بمشهد حرائق وسط العاصمة 1952.

وتلتقط عينا الفنان مشاهد المدارس التي شغلت قصوراً تاريخية، وحفلت بمعلمين كانوا قامات ثقافية وفنية لا مجرد ملقنين، ومنهم معلم الرسم الذي رعى المواهب البازغة، وفتح لها أبواب الفن العالمي، ومعلم اللغة الذي قاد تلميذه إلى صالون العقاد، وصولاً إلى مدرس الموسيقى الذي شكلت حصته وجدان الطلاب.

عبر صفحات الكتاب، نرى المباني على طراز «الآرت ديكو» البديع، وقصر البارون الشامخ، والحدائق الغنَّاء، وكيف مثّل الحي وعاء حاضناً لسلوكيات راقية، ونمط حياة متزناً. كل ذلك عبر شهادة حية لفنان يرى حاضره تحول إلى خيال مشوه لماضيه، فيقرر أن الفن هو فعله الوحيد للمقاومة، وأن استعادة تفاصيل هذا العالم المفقود هي محاولة جادة لترميم الذاكرة الجمعية ضد معاول النسيان والتجريف.

يتوقف فؤاد بشكل خاص أمام عام 1952، الذي عرف الأحداث الجسام في مصر، من حريق القاهرة في يناير (كانون الثاني)، إلى ثورة الضباط الأحرار في يوليو (تموز)، حيث لا يزال يتذكر كيف عاد والده من العمل مبكراً على غير العادة قائلاً: «إنهم يحرقون وسط البلد!».

وتوالت الأنباء عن الدمار الذي شمل الكثير من دور السينما والفنادق والمحلات التجارية. كان الأب مضطرباً ويريد الاطمئنان على زوج ابنته «سوسو» ومحله في شارع عماد الدين، لا سيما أن المحل يحمل «دانش»، ويمكن أن يوحي بأن صاحبه من الأجانب المستهدفين بالحرائق.

تلى ذلك فرض الأحكام العرفية بعد الحريق، فالمحال أغلقت أبوابها، والمترو توقف عن السير بعد الغروب، لكن سُمح للأفراد بالخروج. أصاب الأب الكمد بسبب ما حدث من تدمير لمنطقة وسط البلد التي امتلك ذكريات طويلة فيها، وتحدث بأسى عن فندق «شبرد»، أحد الفنادق العالمية الذي جري تدميره تماماً، وبالطبع عن مكانه المفضل «جروبي» بشارع عدلي، لكن حزنه كان أكثر على سينما «ريفولي» التي اعتادت العائلة الذهاب إليها في فصل الشتاء والجلوس في قاعة حفل الشاي الملحقة بها في الدور الأول.

من الذكريات المحفورة في ذاكرة سمير فؤاد من فترة الصبا، أحداث العدوان الثلاثي على مصر في نوفمبر (تشرين الثاني) 1956 بعد تأميم قناة السويس، والحماس الذي غلف الجو العام، حيث بقيت الإذاعة والصحف في حالة استنفار وشحن مستمريَّن، وكان الأب من المتحمسين لجمال عبد الناصر ووقوفه في وجه بريطانيا العظمى، أما الصبية فكانوا إما لاهين عن الأمر برمته، وإما يسيرون مع التيار العام.

يتذكر فؤاد جيداً ليلة الهجوم، حيث زارتهم ابنة خالته «رجاء بكري»، وجلس الجميع في الغرفة الغربية المطلة على ميدان سفير في جو خريفي جميل، وقد انتهى موسم السينمات الصيفية، وأغلقت سينما «رفييرا» أبوابها، والميدان يمتد خارج النافذة يغلفه الهدوء والسكينة، وأكملت المشهدَ أضواءُ المحلات المتناثرة في جنباته، وفجأة دوَّت صفارة الإنذار تمزق هدوء اللحظة، وبعد فترة سُمعت أصوات أزيز الطائرات، وبدأت طلقات المدفعية المضادة للطائرات تدوي، ثم امتلأت السماء بأضواء القناديل التي ألقتها الطائرات.

لم يمض الكثير وبدأت انفجارات القنابل تهز المنزل؛ لأن من الأهداف الرئيسية كان مطار ألماظة القريب منه، وشعرت العائلة أن مصدر الانفجارات كما لو أنه فوق رءوسهم. الضوء الساطع أضاء الميدان مثل وميض البرق، وبعده بلحظات أتى هزيم الانفجار الذي اهتز له المنزل بعنف كأنه سيهوي على الرؤوس.

اللقاء مع العقاد

تنوعت قراءات سمير فؤاد في شتى المجالات من العلوم والفلسفة والأدب، وفي المرحلة الثانوية تصدَّر عباس العقاد، حيث شغف بأسلوبه وتطويعه للمنطق لإثبات وجهة نظره، ثم أتيح له في نهاية الخمسينات، وهو في العام الثاني من المرحلة الثانوية، أن ينضم لندوته الأسبوعية بواسطة أستاذ اللغة الفرنسية عبد الوهاب المصري.

كان المصري شخصية استثنائية؛ فهو مثقف وقارئ نهم، وما إن علم بحب فؤاد لكتابات العقاد حتى بدأ يناقشه فيها، ووعده بأن يزور ندوته الأسبوعية يوم الجمعة صباحاً، وما زاد من شغفه بتلك الزيارة أنه قرأ وأعجب بكتاب العقاد «في بيتي» الذي يتحدث فيه عن منزله وكتبه ولوحاته، فأراد أن يشاهد بعينه بعض ما وصفه في كتابه.

في اليوم الموعود، ذهبا إلى منزل العقاد في شارع شفيق غربال بميدان «روكسي» بعمارة جميلة ما زالت قائمة حتى اليوم، لكنها تشتكي من الإهمال بدلاً من جعلها مزاراً ومتحفاً له. وكان العقاد قد شغل الطابق الأول بكامله.

ويذكر المؤلف أنهما دخلا صالة فسيحة، وعلى اليمين منها غرفة الاستقبال، حيث كان العقاد يجلس في صدارتها. صافحهما ولم يبد أي استغراب من حداثة سن الصبي، فيما تراصت المقاعد حول الغرفة، وكان هناك عدد من مريدي الرجل، بينما دارت المناقشات حول موضوعات عديدة كيفما اتفق.

داوم سمير فؤاد على زيارة ندوة العقاد من باب الفضول، ويروي أنه في يوم أخذ لوحة من لوحاته ليريها للرجل على أساس أن له باعاً في النقد الفني، ولا يذكر الآن تعليقه؛ كلُّ ما يذكره أنه كان كلاماً عاماً. وسُمح له بالتجول بحرّية في منزل العقاد، حيث انتشرت أرفف الكتب في كل مكان، وتعجب لكيفية إيجاده الكتاب الذي يريده في هذه المتاهة؛ «لأنني لم أجد أي علامات تدل على أي نظام تبويب». وعلى الحوائط مجموعة من اللوحات الفنية، منها اثنتان للعقاد بريشة «صلاح طاهر» واحدة زيتية كبيرة والأخرى جانبية بالباستيل. ومن المجموعة لوحة لقطعة من التورتة تقف عليها ذبابة ذكر العقاد في كتابه «أنها ارتبطت بقصة غرامه الفاشلة للفنانة مديحة يسري التي أوحت إليه بروايته الوحيدة (سارة)».


حكايات بين مدينتين

حكايات بين مدينتين
TT

حكايات بين مدينتين

حكايات بين مدينتين

صدرا أخيراً عن مؤسسة شمس للنشر والإعلام بالقاهرة؛ للأديبة العراقية «عالية طالب» كتابها الجديد «القاهرة - بغداد: حكايات على ضفاف النهرين». يقع الكتاب في 208 صفحات من القطع المتوسط، ويتضمن 45 حكاية تتنوع ما بين حوارات ومقاربات وشواهد تاريخية، تحمل في سرديتها ملامح من الحاضر والماضي تجمع بين المدينتين، ليصبح المكان جسراً بين حضارتين وذاكرتين.

لكن الكتاب، رغم ذلك، ليس مجرد مقالات عن مكانين، بل يعدّ محاولة لفتح حوار بين مدينتين، القاهرة وبغداد،، واستعادة ما يجمعهما في الذاكرة والوجدان، عبر عين كاتبة عاشت التجربة وتأملتها من الداخل. وتأخذ عالية طالب القارئ في رحلة ثقافية وإنسانية بين مدينتين تختصران جانباً كبيراً من ذاكرة الحضارة العربية. ومن خلال مقالات ومشاهدات ومقاربات، تقرأ المؤلفة الأمكنة والشواخص والآثار، لا بوصفها حجارة صامتة، إنما بوصفها ذاكرة حيّة تستمر في مخاطبة الإنسان والحاضر، ورحلة ممتدة، مفتوحة دائماً على تخوم البدايات والنهايات.

بين النيل ودجلة، والقاهرة وبغداد، تتقاطع الحكايات والتاريخ والتراث، وتتجاور أهرامات مصر مع بابل العراق، لتكشف المقارنة عن وشائج عميقة، واختلافات ثرية، وتجارب إنسانية وحضارية تستحق أن تُقرأ من جديد.

وسبق أن أصدرت عالية طالب عدداً من الأعمال الأدبية، منها روايات «أُمٌّ هنا... أُمٌّ هُناك» و«الوجوه» و«قيامة بغداد»، وعدداً من المجموعات القصصية، منها: «الممرات» و«بعيداً داخل الحدود»، و«امرأة في العراء» و«بحر اللؤلؤ»، و«حكايات الرمل»، و«امرأة بلا نساء»، و«نُواح الآلهة».

من أجواء الكتاب، تقول الكاتبة:«...وقد عرفت المنافي قبل ذلك في وطني نفسه، خلال سنوات الخوف والإرهاب وانعدام الطمأنينة، حين تناثر الأهل والأحبة والأصدقاء بعيداً عن أرض العراق. ومن هنا جاءت مقارناتي بين القاهرة التي احتضنتني، والعراق الذي ظل حبة القلب. أحببت القاهرة التي ربتت على جراحي حتى تشافت، وودعتني بكل حب حين عدت إلى بلدي، ثم عدت إليها بعد سنوات، حاملة لها ولأهلها امتناناً لا ينتهي، لما منحتني وعائلتي من حب وسلام واحتواء».