دير الزور... ملاذ قادة «داعش» الفارين من معقليه العراقي والسوري

البتاغون أكد وجود «انسحاب منظم» من الرقة... ومصادر عراقية تؤكد نزوحهم من الموصل باتجاه سوريا

طفلة نازحة من الموصل عند نقطة تفتيش عسكرية (أ.ب)
طفلة نازحة من الموصل عند نقطة تفتيش عسكرية (أ.ب)
TT

دير الزور... ملاذ قادة «داعش» الفارين من معقليه العراقي والسوري

طفلة نازحة من الموصل عند نقطة تفتيش عسكرية (أ.ب)
طفلة نازحة من الموصل عند نقطة تفتيش عسكرية (أ.ب)

تتحول مدينة دير الزور في شرق سوريا إلى نقطة استقطاب لقادة تنظيم داعش الذين ينزحون إليها من مدينة الرقة السورية ومدينة الموصل العراقية، حيث يتلقى التنظيم ضربات موجعة.
وبعد إعلان البنتاغون الجمعة أن قادة تنظيم داعش بدأوا يغادرون مدينة الرقة السورية التي تعتبر «عاصمتهم» على وقع تقدم «قوات سوريا الديمقراطية» التي يدعمها التحالف الدولي ضد المتطرفين، الساعية إلى قطع الطريق الواصل بين دير الزور والرقة، الذي يستخدمه التنظيم في عمليات النقل والإمداد، بعد سيطرتها على قرية جويس... كشف مصدر عراقي مطلع أمس عن أن العشرات من قادة تنظيم داعش ومسلحيهم هربوا من الموصل وتلعفر باتجاه مدينة دير الزور في سوريا بعد أن تمكنت قوات خاصة من مسلحي التنظيم تُعرف بـ«كتائب الشام» من كسر خط الصد لميليشيات الحشد الشعبي المرابطة غرب الموصل.
وقال الشيخ ثائر عبد الكريم وطبان الجربا، أحد شيوخ قبيلة الشمر التي تنتشر في مناطق غرب محافظة نينوى لـ«الشرق الأوسط»: «هرب نحو ستة وعشرين قياديا بارزا من تنظيم داعش الإرهابي من الموصل باتجاه تلعفر وبالتحديد من منطقة عين حصان إلى مدينة دير الزور السورية». وأردف الجربا: «بحسب مصادرنا، الهروب حدث بعد أن شنت أمس قوات خاصة من التنظيم تدعى (كتائب الشام) - عبرت الحدود العراقية السورية قادمة من مدينة دير الزور لإنقاذ قادة (داعش) الذين هربوا من الموصل وكانوا محاصرين في تلعفر - على القوات الأمنية في قاطع غرب نينوى».
وأضاف الجربا: «أسفر الهجوم الذي شنه مسلحون عن اندلاع اشتباكات بينها وبين ميليشيات الحشد الشعبي، قُتل وأصيب خلالها العشرات من الجانبين، وكان من بين قتلى التنظيم القائد العسكري لولاية الجزيرة الملقب بـ(أبو مريم) وأصيب معاونه أبو قصورة أيضا»، لافتا إلى أن أبو قصورة يوجد حاليا في مستشفى تلعفر.
وبحسب مصادر في الجيش العراقي فضلت عدم الكشف عن اسمها لـ«الشرق الأوسط»، فإن الطوق الذي تفرضه ميليشيات الحشد الشعبي على تلعفر ضعيف ويعاني من كثير من الثغرات التي تساعد مسلحي «داعش» في التنقل بسهولة بين تلعفر والحدود السورية دون أن تتعرض لأي عائق من قبل الحشد. وكشفت هذه المصادر عن أن التنظيم ما زال يحصل على إمداداته عبر الحدود السورية وأن الطريق الواصل من الموصل إلى تلعفر ومنها إلى بعاج والحدود السورية مفتوح أمام التنظيم.
في سوريا، قال النقيب جيف ديفيس متحدثا باسم وزارة الدفاع الأميركية مساء الجمعة: «بدأنا نشهد أن عددا كبيرا من القادة الكبار في تنظيم داعش، وعددا كبيرا من كوادرهم، بدأوا يغادرون الرقة»، مؤكدًا أن مقاتلي التنظيم «أخذوا في الاعتبار بالتأكيد أن نهايتهم وشيكة في الرقة»، لافتا إلى انسحاب «منظم جدا ومنسق جدا».
ولم يحدد عدد أعضاء التنظيم الذي يغادرون المدينة أو الأدوار التي يقومون بها على وجه التحديد، لكنه قال إن الانسحاب يبدو أنه منظم ويشمل أولئك الذين يقومون بأدوار للدعم ولا يشاركون في القتال.
وفي حال قطع الطريق، فإن التنظيم سيخسر طريق الإمداد من شرق سوريا إلى معقله في الرقة، بينما ستبقى مناطق سيطرته في البادية السورية من ريف الرقة الشرقي باتجاه ريف حماه الشرقي وأرياف حمص ودير الزور ودمشق والسويداء، مفتوحة، في حين يحاول النظام قطع آخر خطوط إمداد التنظيم من ريف حلب الشرقي باتجاه ريف الرقة عبر عملية عسكرية، حقق فيها تقدمًا خلال شهر.
وفي الرقة، بدأ التحالف مرحلة جديدة من حملته في وقت سابق هذا الشهر مستهدفا تطويق الرقة وقطع الطريق إلى معاقل المتشددين في محافظة دير الزور على امتداد نهر الفرات. وتشكل الرقة الهدف الثاني الرئيسي للتحالف الدولي بعد مدينة الموصل العراقية.
وأوضح ديفيس أن هذا الطريق يقع على طول الضفة الشمالية لنهر الفرات وتربط الرقة بدير الزور، مشيرا إلى أن الطرق المؤدية إلى الشمال والغرب قطعتها قوات سوريا الديمقراطية عبر تدمير جسور على الفرات.
وإذا كانت عمليات «عزل» المدينة قد أحرزت تقدما، فإن التحالف الدولي لم يكشف حتى الآن عن خطته لاستعادتها.
وبدأت قوات سوريا الديمقراطية، وهي تحالف من مقاتلين عرب وأكراد، هجوما في السادس من نوفمبر (تشرين الثاني) يهدف أولا إلى «عزل» المدينة السورية عبر قطع كل طرق التواصل بينها وبين الخارج. ويقول البنتاغون إن هذا الهدف بات شبه منجز. وأوضح الجيش الأميركي أنه لم يعد أمام المتشددين سوى طريق واحد في جنوب شرقي المدينة.
في هذا الوقت، تواصلت المعارك بشكل عنيف في ريفي الرقة الشرقي والشمالي الشرقي، بين «قوات سوريا الديمقراطية» مدعومة بطائرات التحالف الدولي من جهة، وتنظيم داعش من جهة أخرى، في استمرار للمرحلة الثالثة من عملية «غضب الفرات» التي تقودها قوات سوريا الديمقراطية، الهادفة لعزل مدينة الرقة معقل التنظيم الرئيسي عن ريفها ومن ثم طرد التنظيم منها، وذلك غداة إعلان قيادة «قوات سوريا الديمقراطية» عن انطلاق الخطوة الثانية من المرحلة الثالثة لعملية «غضب الفرات».
وتمكنت «قوات سوريا الديمقراطية» من السيطرة على قرية جويس، في محاولة للتقدم وقطع الطريق الواصل بين دير الزور والرقة، الذي يستخدمه التنظيم في عمليات النقل والإمداد، حيث سيتيح التقدم بشكل أكبر نحو الريف الشرقي للرقة، لقوات سوريا الديمقراطية، تضييق الخناق على التنظيم في معقله بمدينة الرقة. وقال ناشطون إن الاشتباكات ترافقت مع قصف واستهدافات متبادلة بين الطرفين وقصف من قبل طائرات التحالف على مواقع التنظيم وتمركزاته، فيما تواصلت الاشتباكات بين الطرفين في الريف الشمالي الشرقي لمدينة الرقة، على بعد نحو 8 كيلومترات من مدينة الرقة، بعد تمكن مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية خلال الساعات الـ24 الفائتة من فرض سيطرتهم على جسر شنينة الواصل بين الضفتين الغربية والشرقية لنهر الخابور.
وجاء ذلك بعد يوم من إعلان قيادة «قوات سوريا الديمقراطية» عن انطلاق الخطوة الثانية من المرحلة الثالثة لعملية «غضب الفرات» حيث استطاعت تلك القوات عزل الرقة من الجهة الغربية بعد تحييد الحركة على سد الفرات والسيطرة على قرى الريف الغربي للرقة والتقدم نحو المدينة من جهة الغرب، حيث باتت على مسافة 20 كلم تقريبًا من مركز مدينة الرقة. أما من الشمال، فقد بدأت تلك القوات حاليًا عملياتها العسكرية، فيما تمكنت من الجهة الشمالية الشرقية من الوصول إلى مسافة 10 كلم من مركز المدينة، بعد السيطرة على قرى منطقة شنينة ومزارع أخرى محيطة بها، فيما يبدو أنّها تسعى للتقدم والوصول إلى نهر الفرات خلال الفترة المقبلة، حيث يرجح أنّ تكون منطقة الأحواس هي الوجهة القادمة، إذ تعرضت لعدد من الغارات من قبل طيران التحالف من جهة، ولكونها آخر قرى ريف الرقة من جهة دير الزور.
وقال موقع «الرقة تذبح بصمت» إن التلغيم والتفخيخ اللذين تقوم بهما «داعش» يعتبران من أكبر المعوقات أمام تقدم القوات المهاجمة، حيث يعمد التنظيم إلى زرع الألغام قبل انسحابه من القرى، كما تعتمد القوات المهاجمة على طيران التحالف الدولي بتأمين تقدمها دون مقاومة تذكر من قبل التنظيم، بينما يكتفي التنظيم بإرسال المفخخات لجبهات الاشتباك بهدف إعاقة تقدم «قوات قسد».



العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
TT

العراق: السوداني يدين هجوماً على منزل رئيس إقليم كردستان في دهوك

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)

دان رئيس مجلس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، اليوم السبت، هجوماً الذي استهدف منزل رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني في محافظة دهوك.

وقال المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء، في بيان نشرته وكالة الأنباء العراقية (واع)، إن «رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني، بحث في اتصال هاتفي مع رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني، اليوم السبت، آخر تطورات الأوضاع في العراق والمنطقة، والجوانب الأمنية على المستوى الوطني، وسبل تأكيد الأمن والاستقرار».

وأعرب السوداني عن «استنكاره ورفضه للاستهداف الغاشم الذي تعرض له منزل بارزاني في محافظة دهوك»، مشيداً بـ «مواقفه الوطنية وحرصه على تعزيز الوحدة بين جميع العراقيين».

وأضاف البيان أن «رئيس الوزراء أمر بتأليف فريق أمني وفني مشترك من الأجهزة الأمنية المعنية في الحكومة الاتحادية، وحكومة الإقليم للتحقيق في جوانب الحادث، وتشخيص الجناة، واتخاذ جميع الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم».

وأكد رئيس الوزراء حرص الحكومة على «منع أي جهة خارجة عن القانون أو إقليمية أو دولية، من جرّ العراق إلى الصراع الدائر في المنطقة، مع بذل كل الجهود المتكاملة لتأمين سيادة العراق وأمنه واستقراره، على مختلف الصعد، وفي إطار مسؤولية وطنية شاملة».


إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
TT

إيران تدفع ورقتها الحوثية إلى المعركة بعد شهر من الحرب

نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)
نموذج من الصواريخ التي اعتاد الحوثيون إطلاقها باتجاه إسرائيل (إعلام حوثي)

بعد شهر كامل من بدء الحرب، دفعت إيران أخيراً بورقتها الحوثية إلى خضم المعركة الدائرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل؛ حيث أعلنت الجماعة، السبت، إطلاق دفعة من الصواريخ باتجاه إسرائيل، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخ واحد جاء من اليمن، دون التسبب في أي أضرار.

وخلال الأسابيع الأربعة الأولى من اندلاع الحرب، بدا لافتاً امتناع الحوثيين عن الانخراط العسكري المباشر، رغم تصعيد غير مسبوق من قبل بقية أطراف المحور الإيراني؛ خصوصاً «حزب الله» في لبنان، والفصائل المسلحة في العراق، وهو التريث الذي أثار تساؤلات حول دوافعه، قبل أن تتكشف تدريجياً ملامح حسابات معقدة داخل قيادة الجماعة.

وتشير تقديرات سياسية إلى أن الحوثيين واجهوا تحدياً مزدوجاً لجهة الرغبة في إثبات الولاء الاستراتيجي لإيران، وتعزيز مكانتهم داخل المحور، في مقابل الخشية من رد عسكري واسع قد يستهدف البنية التحتية الهشة في مناطق سيطرتهم، والتي تعرضت بالفعل لضربات مكثفة خلال العامين الماضيين.

حشد للحوثيين في صنعاء دعا له زعيمهم للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

كما لعب العامل الداخلي دوراً مهماً؛ حيث تخشى الجماعة من أن يؤدي الانخراط في حرب إقليمية مفتوحة إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية والإنسانية، ما قد ينعكس سلباً على قبضتها الأمنية والسياسية في الداخل.

ومع ذلك، يبدو أن الضغوط الإيرانية، إلى جانب الرغبة في عدم الظهور كطرف متردد، رجَّحت كفة التدخل في نهاية المطاف دون الالتفات إلى أي ردود فعل انتقامية.

خطابات تمهيدية

جاء إعلان الانخراط في الحرب في بيان للمتحدث العسكري باسم الجماعة الحوثية، يحيى سريع، السبت، ادَّعى فيه «تنفيذ أول عملية عسكرية بدفعة من الصواريخ الباليستية، استهدفت أهدافاً عسكرية» في جنوبي إسرائيل.

وتوعَّد المتحدث الحوثي بأن عمليات الجماعة ستتواصل بالتزامن مع الهجمات التي تشنها إيران و«حزب الله» في لبنان والفصائل العراقية: «حتى يتوقف العدوان على كافة جبهات المقاومة» وفق تعبيره.

وقبل هذا البيان بساعات، كان سريع قد مهَّد للانخراط في الحرب، وقال إن جماعته ستنضم للقتال «في حال انضمام أي تحالفات أخرى مع أميركا وإسرائيل ضد إيران ومحورها، أو استخدام البحر الأحمر لتنفيذ عمليات عدائية من قبل واشنطن، وبما يقتضيه مسرح العمليات العسكرية».

الحوثيون رفعوا صوراً عملاقة لخامنئي في شوارع صنعاء عقب مقتله بضربة إسرائيلية (إ.ب.أ)

وفي أحدث خطبة لزعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي، الخميس الماضي، كان قد رفع من نبرة المساندة الإعلامية لإيران، ولمَّح بالدخول في الحرب؛ حيث أكد على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه طهران التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته، بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي.

وفي الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة، وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على تأكيد أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

تأثير الدور الحوثي

من خلال سجل المواجهة السابقة التي خاضها الحوثيون ضد إسرائيل، لا يتوقع المراقبون أن يكون هناك أثر ناري مهدد لتل أبيب، وذلك بسبب عدم قدرة الجماعة على إطلاق دفعات كبيرة من الصواريخ في يوم واحد، ما يعني أن التأثير سيقتصر على مشاغلة الدفاعات الإسرائيلية المنهكة بالتصدي للصواريخ الإيرانية وصواريخ «حزب الله»، فضلاً عن الطائرات المُسيَّرة.

وحسب تقارير وثَّقتها «الشرق الأوسط»، أدت الهجمات الحوثية خلال عامين من الانخراط في الهجمات ضد إسرائيل تحت لافتة مناصرة الفلسطينيين في غزة، إلى مقتل إسرائيلي واحد، بعد أن ضربت مُسيَّرة أطلقتها الجماعة شقة سكنية في تل أبيب. وإلى جانب هذا الهجوم سقط صاروخ حوثي بالقرب من مطار بن غوريون محدثاً حفرة كبيرة، إضافة إلى هجوم بمُسيَّرة ضرب مطاراً في جنوب إسرائيل، وتسبب في نحو 20 إصابة.

مُسيَّرة حوثية أطلقتها الجماعة من مكان مجهول باتجاه إسرائيل في وقت سابق (إعلام حوثي)

هذه الوقائع جاءت حصيلة إطلاق الحوثيين على مدار أكثر من عامين نحو مائتي صاروخ على الأقل، ومئات من الطائرات المُسيَّرة، ما يعني أنها كانت محدودة في التأثير القتالي، وأن دورها كان يقتصر على مشاغلة الدفاعات الجوية، وتدافع الإسرائيليين إلى الملاجئ مع كل عملية إطلاق.

بخلاف هذا التأثير المحدود، يظهر خطر الجماعة الحوثية الحقيقي في الهجمات البحرية من خلال الحوادث السابقة؛ حيث تبنت مهاجمة 228 سفينة خلال عامين، وأدت الهجمات فعلاً إلى غرق 4 سفن شحن، وقرصنة سفينة خامسة، وتضرر أكثر من 30 سفينة، فضلاً عن مقتل نحو 10 بحارة.

وأدت هذه الهجمات البحرية المميتة إلى توقف أكثر من 50 في المائة من الملاحة الدولية عبر باب المندب؛ إذ بدَّلت كبريات شركات الشحن الدولية مساراتها إلى طريق الرجاء الصالح، وهو ما تسبب في أضرار اقتصادية تتعلق بارتفاع أجور الشحن وزيادة التأمين، فضلاً عن تكبيد قناة السويس خسائر بمليارات الدولارات.

ردود الفعل المتوقعة

لم يكن الانخراط الحوثي مفاجئاً لإسرائيل؛ إذ كانت تصريحات المسؤولين فيها تتوقع مثل هذا السلوك، وهو ما قد يدفع تل أبيب إلى تكرار ضرباتها الانتقامية السابقة التي كانت قد بدأت في 20 يوليو (تموز) 2024، وشملت 19 موجة امتدت حتى توقف هجمات الحوثيين، بعد إبرام هدنة غزة في أواخر العام الماضي.

وكانت أبرز الضربات الإسرائيلية في 28 أغسطس (آب) الماضي، حين قُتل رئيس حكومة الحوثيين أحمد غالب الرهوي و9 من وزرائه في صنعاء، إضافة إلى ضربات أخرى أدت إلى مقتل رئيس أركان الجماعة محمد الغماري، وكذا قيادات مسؤولة عن إطلاق الصواريخ والمُسيَّرات.

طوربيد بحري استعرضه الحوثيون ضمن ترسانتهم المهددة للسفن في البحر الأحمر (إعلام حوثي)

كما استهدفت الموجات الانتقامية الإسرائيلية مواني الحديدة ومطار صنعاء ومصانع أسمنت ومنشآت كهرباء وطاقة، وتسببت في مقتل وإصابة مئات الأشخاص.

ومنذ بدأت تل أبيب ضرباتها الانتقامية، اتخذ قادة الجماعة الحوثية تدابير أمنية مشددة، خشية الاستهداف، كما اختفوا عن الظهور المباشر، وحتى عن مواقع التواصل الاجتماعي، واكتفى زعيمهم كما هي عادته بالظهور في خطبه المسجلة.

بالنسبة للولايات المتحدة، لا يُستبعد أن تعود لشن حملة جديدة ضد الجماعة الحوثية بعد حملتَي «حارس الازدهار» و«الفارس الخشن»؛ ليس لمنع إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل، ولكن إذا خرقت الجماعة تعهدها السابق في منتصف العام الماضي بعدم مهاجمة السفن الأميركية.

وكانت الولايات المتحدة قد شنت حملة عسكرية واسعة ضد مواقع الحوثيين، بمشاركة بريطانيا في بعض الأوقات، ابتداء من يناير (كانون الثاني) 2024، تضمنت نحو ألفي ضربة جوية وبحرية، خلال فترتي الرئيسين جو بايدن ودونالد ترمب، واستهدفت منصات إطلاق الصواريخ ومخازن الأسلحة والبنى العسكرية للجماعة.

نوع من الصواريخ التي استعرضتها الجماعة الحوثية في صنعاء (رويترز)

وبعد أقل من 8 أسابيع توقفت الحملة العسكرية الأميركية الثانية (الفارس الخشن) التي كان قد أمر بها ترمب في مارس (آذار) 2025، وذلك بناء على وساطة قادتها سلطنة عمان، تعهدت خلالها الجماعة الحوثية بعدم استهداف السفن الأميركية في البحر الأحمر، مقابل وقف الحملة.

وأقرَّت الجماعة الحوثية بأن الضربات الغربية والإسرائيلية تسببت في مقتل وجرح أكثر من 1676 شخصاً من المدنيين، من ضمنهم 319 قتيلاً، ولكن الجماعة تواصل التعتيم على خسائرها العسكرية جرَّاء هذه الضربات.

ودائماً ما تحذر الحكومة اليمنية من تهور الحوثيين، وتقول إن انخراطهم في الحرب الإقليمية سيؤدي إلى مزيد من التدهور في الأوضاع الإنسانية، ويقوِّض فرص التوصل إلى تسوية سياسية للصراع الداخلي، ويفتح الباب لإسرائيل لتدمير ما تبقى من البنية التحتية التي تعاني أصلاً من الهشاشة في ظل الانقلاب الحوثي.


سيول جارفة تضرب تعز وتُخلف ضحايا ودماراً واسعاً

السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
TT

سيول جارفة تضرب تعز وتُخلف ضحايا ودماراً واسعاً

السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)
السيول جرفت منازل وممتلكات السكان في قرية النجيبة (إعلام محلي)

اجتاحت سيول جارفة ناجمة عن أمطار غزيرة مناطق واسعة في جنوب محافظة تعز اليمنية (جنوب غرب)، مخلفة ما لا يقل عن 9 قتلى، بينهم أطفال، إضافة إلى دمار واسع طال المنازل والممتلكات، وجرف مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية، في مشهد يعكس هشاشة البنية التحتية وتفاقم معاناة السكان في المناطق الريفية.

وتزامنت الكارثة مع تحذيرات متجددة أطلقها «المركز الوطني اليمني للأرصاد» من استمرار تأثير المنخفض الجوي خلال الساعات الـ24 المقبلة، وسط مخاوف من ارتفاع حصيلة الضحايا واتساع رقعة الأضرار، خصوصاً في القرى المعزولة التي يصعب الوصول إليها.

ووجّه سكان في أرياف مديريات المخا وموزع والوازعية، لا سيما في قرى الغرافي والثوباني والنجيبة والهاملي، نداءات استغاثة عاجلة إلى السلطات الحكومية والمنظمات الإنسانية، مطالبين بالتدخل السريع لإنقاذهم من تداعيات السيول التي داهمت منازلهم بشكل مفاجئ.

السيول أغلقت الطريق الرابط بين تعز وميناء المخا على البحر الأحمر (إعلام محلي)

وأوضح السكان أن السيول القادمة من المرتفعات المجاورة اجتاحت القرى خلال وقت قصير، متسببة في تهدم عدد من المنازل بشكل كلي أو جزئي، وجرف محتوياتها من مواد غذائية وأثاث، فضلاً عن نفوق أعداد من المواشي التي تُمثل مصدر الدخل الرئيسي للأهالي.

وأكَّدت شهادات محلية أن عدداً من الأسر باتت بلا مأوى، في ظل غياب الاستجابة العاجلة، وافتقار المناطق المتضررة إلى مراكز إيواء مجهزة أو مخزون كافٍ من المواد الغذائية والإغاثية.

وفي وادي العقمة بمديرية موزع، أفاد السكان بأن السيول جرفت رجلاً سبعينياً ما أدّى إلى وفاته على الفور، في حين شهد وادي الهاملي حادثة مماثلة تمثلت في جرف امرأتين، إلى جانب تسجيل أضرار مادية جسيمة في الممتلكات العامة والخاصة.

كما تعرضت الأراضي الزراعية في مديرية الوازعية لانجرافات واسعة، الأمر الذي يُنذر بخسائر طويلة الأمد في الأمن الغذائي المحلي، خصوصاً مع اعتماد السكان على الزراعة بوصفها مصدراً رئيسياً للعيش.

خسائر بشرية وأضرار متزايدة

قال مدير عام مديرية المخا، سلطان محمود، إن الأمطار الغزيرة التي شهدتها المديرية خلال اليومين الماضيين أسفرت عن وفاة 5 أشخاص وتضرر نحو 50 منزلاً، وفق حصيلة أولية، مشيراً إلى استمرار عمليات التقييم الميداني.

وأضاف أن فرق الطوارئ، بدعم من معدات مكتب الأشغال العامة، باشرت العمل على فتح الطرقات المتضررة وتأمين وصول فرق الإنقاذ إلى المناطق المنكوبة، تنفيذاً لتوجيهات محافظ تعز نبيل شمسان.

وحسب مصادر رسمية، توفي 3 أشخاص غرقاً في مديرية موزع، في حين لا تزال فرق الإنقاذ تواصل البحث عن مفقودين في عدد من القرى التي تضررت بشدة جرّاء السيول.

مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية جرفتها السيول في جنوب تعز (إعلام محلي)

وأكد مسؤولون محليون العثور على جثث 4 أطفال جرفتهم السيول، إلى جانب 5 ضحايا آخرين، بينهم 3 من كبار السن، مع توقعات بارتفاع العدد مع استمرار عمليات البحث والوصول إلى المناطق المعزولة.

وأشار المسؤولون إلى أن الطريق الرئيسي الرابط بين ميناء المخا وجنوب محافظة تعز تعرّض لأضرار كبيرة، وأُغلق لساعات قبل أن تُستأنف الحركة جزئياً، ما أعاق جهود الإغاثة وزاد من معاناة السكان.

كما لفتوا إلى أن عضو «مجلس القيادة الرئاسي»، طارق صالح، وجّه بتدخل عسكري للمساعدة في عمليات الإنقاذ، وكلّف خلية العمل الإنساني بتقديم مساعدات عاجلة للمتضررين.

طرق مقطوعة

وشهدت مناطق عدة في محافظة تعز أمطاراً غزيرة مصحوبة بسيول جارفة، أدّت إلى قطع طرق رئيسية وفرعية، ما تسبب في شلل جزئي لحركة التنقل بين المديريات.

وفي منطقة الكدحة، أفاد السكان بأن السيول أوقفت حركة السيارات على الطريق الوحيد الذي يربط المدينة بميناء المخا، ما أدى إلى تشكل طوابير طويلة من المركبات في الاتجاهين.

المناخ المتطرف في اليمن يتسبب موسمياً في سيول جارفة وأضرار واسعة (إ.ب.أ)

وأعرب الأهالي عن مخاوفهم من انهيار جسر متآكل على الطريق في حال استمرار هطول الأمطار، وهو ما قد يؤدي إلى عزل كامل لريف تعز الجنوبي، خصوصاً مع استمرار إغلاق الطريق البديل منذ سنوات.

وفي مديرية جبل حبشي، تحدّث السكان عن ظهور تشققات أرضية واسعة في إحدى المناطق السكنية بالتزامن مع هطول الأمطار، محذرين من احتمال توسعها أو تحولها إلى انهيارات أرضية، في ظل تشبع التربة بالمياه.

وطالب الأهالي بإرسال فرق جيولوجية متخصصة لتقييم الوضع واتخاذ التدابير اللازمة، تفادياً لوقوع كارثة جديدة قد تُهدد حياة السكان.

من جهته، جدّد المركز الوطني للأرصاد والإنذار المبكر تحذيراته للمواطنين في المناطق المتوقع هطول الأمطار عليها، داعياً إلى تجنب الوجود في مجاري السيول أو عبورها أثناء هطول الأمطار وبعدها.

كما نصح بالابتعاد عن أعمدة الكهرباء والأشجار العالية، نظراً لمخاطر الصواعق والانهيارات، مع توقع استمرار حالة عدم الاستقرار الجوي نتيجة تعمق المنخفض.

مخاوف يمنية من تفاقم الأوضاع الإنسانية جرّاء الأمطار الموسمية والسيول الجارفة (إ.ب.أ)

وأشار المركز إلى احتمال هطول أمطار غزيرة إلى شديدة الغزارة مصحوبة بعواصف رعدية وتساقط البَرَد أحياناً على عدد من المحافظات، بينها تعز وصنعاء وإب والضالع، إضافة إلى مناطق أخرى في البلاد.

بدوره، قال الخبير في الطقس جميل الحاج إن عدداً من المناطق اليمنية شهدت سيولاً جارفة خلال الساعات الماضية، متوقعاً استمرار هطول الأمطار بوتيرة متفاوتة خلال الأيام المقبلة.

وأوضح أن السيول قد تتجدد بشكل متكرر في محافظات عدة، بينها تعز ولحج وإب، مع احتمال امتداد الحالة الجوية إلى حضرموت ومأرب وشبوة، ما يزيد من مخاطر الفيضانات والانهيارات الأرضية.