أضواء على نزاع شرق أوكرانيا

مواجهة بين قوى دولية بأيدٍ محلية

أضواء على نزاع شرق أوكرانيا
TT

أضواء على نزاع شرق أوكرانيا

أضواء على نزاع شرق أوكرانيا

لم تنجح الجهود التي بذلتها قوى دولية على مدار 3 سنوات تقريبًا في إخماد نيران النزاع المسلح في مناطق «الدونباس» بجنوب شرقي أوكرانيا، لا سيما في مقاطعتي لوغانسك ودونيتسك. ومنذ مطلع العام الحالي تصاعدت حدة التوتر، وفي النصف الأول من فبراير (شباط) تجددت المواجهات المسلحة هناك بين القوات الأوكرانية التي تحاول استعادة السيطرة الحكومية على المقاطعتين، والميليشيات المحلية المسلحة المدعومة من موسكو هناك، التي تصر على تسوية تضمن لسكان المنطقة حقوقهم السياسية والاقتصادية والثقافية والقومية. ومع أن الأطراف المنخرطة بصورة مباشرة في النزاع الأوكراني قوى أوكرانية، فإن العنوان العريض لما تشهده أوكرانيا من توتر منذ استقلالها عام 1991 وحتى اليوم هو «مواجهة بين روسيا والغرب على النفوذ في أوكرانيا».
تشكل المعارك العنيفة الدائرة حاليًا في مناطق جنوب شرقي أوكرانيا بين القوات الحكومية والميليشيات المحلية، نتيجة لمواجهة سياسية تكمن في جذورها عوامل تاريخية وأخرى قومية، تتصل بطبيعة البنية القومية داخل الدولة الأوكرانية.
في الشق السياسي يمكن القول إن بدايات النزاع المسلح الحالي نشأت منذ استقلال أوكرانيا عن الاتحاد السوفياتي عام 1991. ففي تلك المرحلة كانت النخب السياسية الحاكمة في أوكرانيا، كما في روسيا ذاتها، تعتقد أن «الحرب الباردة» قد ولت بلا رجعة، وأن المواجهة العالمية انتهت، ودخل العالم مرحلة الشراكة عوضًا عن المواجهة بين الأحلاف.
ضمن هذه الرؤية، أقر مجلس الرادا (البرلمان) الأوكراني عام 1993، وثيقة «التوجهات الرئيسية للسياسة الخارجية الأوكرانية» التي جاء فيها: «في ظل تلاشي المواجهة بين الأحلاف في أوروبا، تأخذ الأولوية مشكلة وضع بنى للأمن الأوروبي العام، على أرضية المؤسسات الدولية الموجودة، مثل مؤتمر الأمن والتعاون في أوروبا، ومجلس الشراكة الأوروبية الأطلسية، والناتو، واتحاد أوروبا الغربية». وتضيف تلك الوثيقة أن «إعلان أوكرانيا نيتها أن تصبح مستقبلاً دولة على الحياد خارج الأحلاف، يجب أن يتكيّف مع الظروف المستجدة، ولا يمكن اعتباره عقبة أمام مشاركتها التامة في بنى الأمن الأوروبي».
* سياسة قائمة على التوازن
حينذاك عكست وثيقة التوجهات الرئيسية للسياسة الخارجية الأوكرانية، رغبة النخب الحاكمة في تبني سياسة قائمة على التوازن في العلاقة بين روسيا والغرب، وبموازاة الحفاظ على العلاقات التاريخية مع «الجارة» روسيا، فتحت أوكرانيا، كما فعلت معظم الجمهوريات السوفياتية السابقة، الأبواب أمام تعاون نوعي مع البنى السياسية والعسكرية الأوروبية، باعتبار ذلك الانفتاح من متطلبات المرحلة، فضلاً عن ذلك لم تكن مسألة التعاون مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) تشكل حساسية بالنسبة لروسيا، التي انطلقت في سياستها من تعهدات يقول الرئيس السوفياتي ميخائيل غورباتشوف إن قادة الغرب قدموها للوفد السوفياتي خلال المحادثات حول توحيد ألمانيا، بأن حلف «الناتو» لن يوسع انتشاره العسكري على أي متر من دول أوروبا الشرقية، التي كانت تابعة لحلف «وارسو».
على الرغم من ذلك، برز في تلك المرحلة العامل القومي بقوة على الساحة الأوكرانية، وبدت البلاد منقسمة بين غرب وشرق، حيث الأغلبية في مناطق غرب أوكرانيا أوكرانيون تاريخيًا، يتكلمون اللغة الأوكرانية، ومتعصبون قوميًا ينظرون بعداء نحو روسيا، وذلك كله تحت تأثير عوامل تاريخية عدة؛ منها أن تلك المناطق كانت في مراحل مختلفة جزءًا من بولندا، ومن ثم ليتوانيا، والإمبراطورية النمساوية - المجرية. وفي التاريخ الحديث يُتهم البعض من سكان تلك المناطق بالتعاون مع القوات النازية والمشاركة في حملات التنكيل بحق المواطنين. أما مناطق شرق أوكرانيا فغالبية سكانها من الروس تاريخيًا. وفي مطلع عقد التسعينات من القرن الماضي كانت النسبة السكانية 22 في المائة من المواطنين الأوكرانيين، بينما يشكل الناطقون بالروسية 31 في المائة من السكان. ويختلف الوضع بالنسبة لشبه جزيرة القرم، التي كانت حتى عام 1954 تابعة لروسيا الاتحادية، حيث يشكل المواطنون الروس أغلبية ساحقة هناك.
* شرق... وغرب
حالة الانقسام القومي هذه برزت سياسيًا على شكل انقسام بين تأييد واسع في مناطق غرب أوكرانيا لنهج الابتعاد عن الشراكة مع روسيا والتوجه نحو التكامل مع الغرب، وتأييد في مناطق الشرق للعكس تمامًا. وتظهر نتائج الانتخابات الرئاسية الأوكرانية عام 1994 ذلك الانقسام بوضوح، حين حصل الرئيس الأوكراني حينها ليونيد كرافتشوك، الذي قدم نفسه كشخصية قومية على أصوات الناخبين في 12 مقاطعة في غرب البلاد، بينما حصل ليونيد كوتشما، الذي تلقى دروس محادثة باللغة الأوكرانية، على تأييد 13 مقاطعة في شرق البلاد، وفاز حينها كوتشما بنسبة 52 في المائة من إجمالي أصوات الناخبين.
وتركت مواجهة النخب السياسية على نهج السياسة الخارجية الأوكرانية أثرًا مباشرًا على العلاقات بين شرق وغرب البلاد، وعززت حالة الانقسام القومي بينهما بانقسام سياسي وحالة احتقان، كانت تتصاعد تدريجيًا من عام لآخر، على ضوء خطوات الرئاسة الأوكرانية في مجال التقارب مع «الناتو».
وكان لافتًا أن التحولات الجذرية في هذا المجال شهدتها أوكرانيا في عهد الرئيس كوتشما (1994 - 2004)، إذ انضمت أوكرانيا إلى برنامج «الناتو» (شراكة من أجل السلام)، وأخذ التعاون يتوسع بين الجانبين، إلى أن تم تعديل الوثيقة «حول التوجهات الرئيسية للسياسة الخارجية الأوكرانية» عام 2013، وجاء فيها أن «أوكرانيا تمارس سياسة خارجية نشطة بهدف الحصول على عضوية في حلف شمال الأطلسي». وبعد عام تقريبًا، في صيف عام 2014، أدخل الرئيس كوتشما تعديلات على «العقيدة العسكرية الأوكرانية»، تضمنت الإعلان بوضوح عن رغبة أوكرانيا في الانضمام إلى «الناتو» باعتباره «ضمانة الأمن في أوروبا». إلا أن كوتشما، الذي كان يستعد لترك منصب الرئاسة، أدرك على ما يبدو أن مسألة العضوية في حلف شمال الأطلسي، قد تؤدي إلى نزاع داخلي، وفاجأ الجميع خلال قمة لـ«الناتو» في إسطنبول، بإعلانه أن أوكرانيا ليست مستعدة للعضوية في الحلف، ومن ثم أصدر مرسومًا ألغى فيه من العقيدة العسكرية للبلاد الفقرة التي تنص على أن هدف السياسة الخارجية الأوكرانية هو الحصول على عضوية في «الناتو».
* بين روسيا والغرب
إلا أن قرار كوتشما جاء متأخرًا على ما يبدو، حيث طفا على السطح بوضوح في أوكرانيا جدال حول «التوجه نحو الناتو أم نحو روسيا»، وبرز ذلك خلال الانتخابات الرئاسية عام 2004، التي تنافس فيها فيكتور يانوكوفيتش ممثلاً لنهج التقارب مع روسيا وفيكتور يوشينكو ممثلاً لنهج التكامل مع الغرب.
في الجولة الأولى من الانتخابات، حصل يوشينكو على 39.87 في المائة من الأصوات، وحصل يانوكوفيتش على 39.32 في المائة، ونظرًا لعدم تجاوز أي منهما نسبة 50 في المائة زائد صوت، أجريت جولة ثانية. ويمكن القول إن الانتخابات الرئاسية عام 2004 شكلت الشرارة الأولى للمواجهة السياسية الحادة في أوكرانيا، التي تفاقمت خلال 10 سنوات، إلى أن أخذت شكل نزاع مسلح جنوب شرقي البلاد. في تلك المرحلة، لم تُخفِ روسيا دعمها الكبير جدًا للمرشح يانوكوفيتش، زعيم حزب الأقاليم، ولقد عبر عن هذا الدعم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي أجرى عدة زيارات إلى أوكرانيا، وكان سباقًا في تهنئة يانوكوفيتش بعد الانتخابات وقبل الإعلان عن النتائج الرسمية للانتخابات.
تفجرت المواجهة السياسية في أوكرانيا حين أعلنت اللجنة المركزية للانتخابات عن فوز فيكتور يانوكوفيتش، بينما رفض فيكتور يوشينكو قبول النتائج، واتهم خصمه بالتلاعب بالأصوات، وشهدت العاصمة كييف حركة احتجاجية واسعة، أصبحت لاحقًا تُعرف باسم «الثورة البرتقالية».
إثر ذلك جرت إعادة للانتخابات الرئاسية، وفاز فيها يوشينكو، بينما ترأس يانوكوفيتش المعارضة البرلمانية ممثلة بحزبه «حزب الأقاليم» والحزب الشيوعي الأوكراني، وقوى أخرى. وفي عام 2006 أصبح يانوكوفيتش رئيسًا للحكومة الأوكرانية، كونه زعيم الأغلبية البرلمانية. وبعد أزمة برلمانية حادة، وقع كل من الرئيس ورئيس الحكومية ورئيس البرلمان، وقادة الكتل البرلمانية الكبرى وثيقة بعنوان «الوحدة الوطنية» حددت أن أوكرانيا ستواصل تعاونها مع «الناتو»، إلا أن مسألة عضويتها في الحلف يتم إقرارها بموجب استفتاء عام، يجري بعد أن تنفذ أوكرانيا كل الشروط المطلوبة للحصول على العضوية. ورغم ذلك، حاولت القوى الداعية إلى التكامل مع الغرب، الدفع نحو تفعيل العمل بموجب خطة العضوية في «الناتو»، وذلك حين تولت يوليا تيموشينكو رئاسة الحكومة عام 2007، إلا أن تلك المحاولات لم تأتِ بنتيجة.
* الضغط الروسي
طيلة تلك السنوات كانت روسيا تبذل محاولات للتأثير على الوضع في أوكرانيا، وانفتحت على الحوار مع يوليا تيموشينكو وقبلها مع فيكتور يوشينكو، وأكدت رغبتها بتوسيع التعاون بين البلدين، دون تدخل خارجي، لكن على أساس أخذ كل طرف لمصالح الآخر بالحسبان، في إشارة إلى أن عضوية أوكرانيا في «الناتو» تشكل تهديدًا مباشرًا لأمن روسيا ومصالحها. إلا أن تلك المحاولات لم تنجح في تغير الوضع.
وفي عام 2010، تجددت المواجهة عبر صناديق الاقتراع بين النهجين في أوكرانيا، وترشح فيكتور يانوكوفيتش للرئاسة، بينما كانت يوليا تيموشينكو المرشحة الأبرز عن تيار نهج التكامل مع الغرب، الذي شهدت صفوفه تصدعات، انعكست بصورة مباشرة على نتائج الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية، حيث حصلت تيموشينكو على 25.05 في المائة من الأصوات، بينما حصل يانوكوفيتش على 35.32 في المائة من الأصوات. ومن جديد، جاءت نتائج الجولة الثانية لتعكس مدى الانقسام داخل أوكرانيا بين التيارين السياسيين، مع الخلفية القومية لذلك الانقسام، إذ فاز يانوكوفيتش بالرئاسة حاصلاً على 48.95 في المائة من الأصوات، أي بفارق ضئيل نسبيًا عن منافسته تيموشينكو التي منحها 45.47 في المائة من الناخبين أصواتهم. وكالعادة، كانت أصوات مقاطعات الشرق من حصة يانوكوفتيش، والغرب من حصة تيموشينكو.
واستهل يانوكوفيتش رئاسته الثانية بقرار إلغاء كل اللجان الحكومية المتخصصة في مجال إعداد أوكرانيا للعضوية في «الناتو»، ومن ثم قام في عام 2013 بإلغاء البرنامج الوطني لتهيئة أوكرانيا للعضوية في الحلف. وتزامن هذا مع استمرار الصراع السياسي الحاد داخل البلاد. إلا أن الأزمة تفجرت عام 2014 حين رفض يانوكوفيتش توقيع اتفاقية «الشراكة الانتسابية» مع الاتحاد الأوروبي، وهي اتفاقية تمهيدية للحصول على عضوية في الاتحاد. واتخذ يانوكوفيتش قراره بعدما رفض الاتحاد الأوروبي منح أوكرانيا، التي يمر اقتصادها بأزمة خانقة، أي قروض في إطار خطوات إعادة بناء الاقتصاد الأوكراني وفق المعايير الأوروبية. بالمقابل منحته موسكو قرضًا بقدر 15 مليار دولار.
إثر ذلك القرار، نظم خصوم يانوكوفيتش احتجاجات واسعة في المدن الأوكرانية، وبصورة خاصة في العاصمة كييف. وتميزت احتجاجات فبراير عام 2014 عن سابقاتها بالعنف، حيث شهدت بعض الساحات مواجهات مسلحة قام خلالها قناصة ومسلحون بإطلاق النار على عناصر الأمن، كما سقط في تلك المواجهات أعداد كبيرة من المحتجين.
فضلاً عن ذلك، برزت مشاركة واضحة في الاحتجاجات من جانب تيارات قومية متطرفة جاءت من غرب البلاد، بما في ذلك جماعات يمينية مسلحة، ترفع شعارات معادية لروسيا ووجهت تهديدات لكل من يتكلمون اللغة الروسية في أوكرانيا. وقام هؤلاء بالسيطرة على المقار الحكومية في العاصمة، وفي مختلف المقاطعات والأقاليم، بقوة السلاح. ومع أن الرئيس يانوكوفيتش توصل إلى اتفاق لحل الأزمة مع المعارضة، فإن الأمور لم تستقر، وغادر الرئيس العاصمة كييف، بينما أعلنت قوى المعارضة عن تعيين ألكسندر تورشينوف قائمًا بأعمال الرئيس. وكانت أول خطوة أقدم عليها تورشينوف أن عرض على البرلمان الأوكراني مشروع قانون يلغي القانون حول «ضمان الحق باستخدام اللغات المحلية في الأقاليم»، مما يعني حظر استخدام اللغة الروسية.
وبينما كانت مناطق غرب ووسط أوكرانيا تعرب عن دعمها للسلطات الجديدة، لا سيما بعد تشكيل برلمان جديد قوامه من قوى «التكامل مع الغرب وأوروبا»، وقف سكان مناطق «الدونباس» - حوض نهر الدونيتس - ضد تلك السلطات، في الوقت الذي أعلنت فيه موسكو أن تلك السلطات ليست شرعية وسيطرت على السلطة عبر العنف. وشعر أبناء مناطق جنوب شرقي أوكرانيا بتهديد مباشر على خلفية صعود قوى يمينية متطرفة إلى واجهة المسرح السياسي في أوكرانيا، وعمت مدن تلك المناطق احتجاجات، حيث قام المحتجون بالسيطرة على المقار الحكومية في مدن خاركوف ودونيتسك ولوغانسك، ورفعوا على بعضها الأعلام الروسية. وسرعان ما أصبحت غالبية تلك المدن خارجة عن سيطرة كييف، بينما أعلنت القوى السياسية المحلية عن تشكيل قوات دفاع ذاتي، وأعلنت نفسها «جمهوريات» مثل «جمهورية لوغانسك» و«جمهورية دونيتسك».
* احتجاجات القرم
إلا أن أهم ما جرى في تلك المرحلة (فبراير – مارس/ آذار 2014) كانت الاحتجاجات في شبه جزيرة القرم، وسيطرة المحتجين على السلطة هناك، ورفضهم الاعتراف بشرعية السلطات الجديدة في كييف. ولم تكن موسكو بعيدة عن تلك الأحداث، ذلك أن المنطقة تشكل أهمية كبرى لروسيا، التي تشكل مدينة سيفاستوبل (سيباستوبول) مقرًا لأسطولها في البحر الأسود، وهو المخرج الوحيد للقوات البحرية الروسية القريب من المتوسط، فضلاً عن ذلك، يحمل غالبية سكان القرم جنسيات روسية، كما أن روسيا تعتبر القرم جزءًا منها تاريخيًا. لذلك لم يتوانَ الرئيس الروسي بوتين عن تلبية طلب سلطات القرم بالمساعدة، وعرض على المجلس الفيدرالي الروسي طلبًا للسماح باستخدام القوات الروسية على الأراضي الأوكرانية.
وبمساعدة روسية جرى تنظيم استفتاء في شبه الجزيرة في 16 مارس، أعرب فيه غالبية السكان عن رغبتهم في الانفصال عن أوكرانيا والانضمام إلى قوام الاتحاد الروسي. وفي 18 مارس، تم قبول القرم وسيفاستوبول كيانين جديدين في قوام الاتحاد الروسي. وجرى ذلك كله في ظل انتشار عسكري روسي واسع في شبه الجزيرة.
في تلك الأثناء، أخذت المواجهات جنوب شرقي أوكرانيا طابع التصعيد العسكري، وأعلنت سلطات كييف عملية خاصة لاستعادة السيطرة على مناطق «الدونباس»، فأرسلت القوات المسلحة، ومعها مجموعات قومية مقبلة من غرب البلاد، شاركت وما زالت تشارك في الهجمات على مدينتي لوغانسك ودونيتسك والمناطق التابعة لهما. وشهدت المنطقة بعض الهدوء إثر توصل قادة روسيا وأوكرانيا وفرنسا وألمانيا إلى اتفاق للتسوية يعرف باسم «اتفاق مينسك» (نسبة لعاصمة جمهورية بيلاروسيا/ روسيا البيضاء).
إلا أنه رغم ذلك تشهد المنطقة تفجرًا للعنف من حين لآخر، وسط تبادل اتهامات بين الطرفين بانتهاك «اتفاق مينسك». ومنذ 29 فبراير، تجددت مواجهات عنيفة على طول 50 كم من خطوط التماس بين الجانبين. وأصدرت لجنة المراقبين التابعة لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا تقريرًا حول تدهور الوضع هناك، طالبت فيه «القوات الانفصالية الروسية»، في إشارة إلى المسلحين في مناطق جنوب شرقي أوكرانيا، طالبتهم بالعودة إلى اتفاق وقف إطلاق النار. ولقد أثارت هذه العبارات استياء موسكو، التي رفضت على لسان دميتري بيسكوف، المتحدث باسم الكرملين «تقديرات المنظمة حول مشاركة المقاومة في الدونباس بخرق وقف إطلاق النار»، ووصف ما يجري هناك بأنه «عمل استفزازي من جانب القوات الأوكرانية».
ولم تكن المواجهات المسلحة بعيدة عن المواجهة السياسية، إذ أعلن الرئيس الأوكراني الحالي بيوتر بوراشينكو عن نيته إجراء استفتاء عام حول عضوية بلاده في «الناتو»، متوعدًا باتخاذ كل الخطوات الضرورية لذلك. وفي أول رد فعل من مناطق جنوب شرقي أوكرانيا، حذر ألكسندر زاخارتشينكو، رئيس «جمهورية دونيتسك الشعبية»، التي أعلن قادة محليون عن تأسيسها، من أن «محاولات إجراء استفتاء حول عضوية أوكرانيا في الناتو، ستعني تخلي كييف نهائيًا عن مناطق الدونباس». أولاً لأن «الدونباس» لن تشارك في الاستفتاء، وثانيًا لأننا قلنا أكثر من مرة إن أحد أهم مطالب «الدونباس» هي أننا ندعو إلى علاقات صداقة وتحالف مع روسيا كحد أدنى، مما يعني ضد «الناتو»، حسب قوله.



ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
TT

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد، من وجهة نظر كثيرين، «القوة القادرة» على كسر ثنائية الصراع التقليدي بين شرق البلاد وغربها. وبسقوط هذا «الرهان»، لم تعد العملية السياسية في ليبيا تُقرأ بوصفها خريطة نفوذ انتخابي مقسّمة بين «الثلاثة الكبار» كما كانت. إذ زاد «زلزال» اغتيال سيف من تعقيدات المشهد المعقّد بالأساس، ما يؤثر أولاً على مسار «المصالحة الوطنية»، ومن ثم يمدّد الصراع السياسي ويطيل أمد عقد الانتخابات المأمولة.

هاتا تيتيه (وكالة الأنباء الليبية)

 

سيف الإسلام القذافي، الذي رحل عن عمر (53 سنة)، ظل ليبيون - من بينهم أنصاره - يعدونه الوجه الإصلاحي لنظام والده، والوريث المحتمل للسلطة، و«الخيار الثالث» في مواجهة المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وعبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس.

أما الآن، فيتوقّع لهذه المساحة التي تركها «الخيار الثالث» خلفه أن تتحوّل إلى ساحة للصراع بين القوى المهيمنة التي تسابق الزمن لاستقطاب ما تبقى من هذا التيار، في محاولة لإعادة التوازن لمركب سياسي بات يغرق في لجة التجاذبات الإقليمية والجمود الدستوري.

مع هذا، يرى سياسيون ومحللون التقتهم «الشرق الأوسط» أن موت سيف «لن يترتب عليه أي شيء يتعلق بحلحلة الأزمة، ما دام بقيت الأطراف والأجسام السياسية الحالية تتصدر المشهد العام»، بينما يَعِدُ موالون لتياره بـ«لملمة شملهم والاصطفاف من جديد خلف قيادة مرتقبة».

مفترق طرق تاريخي

والحقيقة، أن ليبيا تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن يؤدي التشظي السياسي إلى ولادة بدائل وطنية جديدة تنقذ البلاد، وإما تظل الأوراق مبعثرة بانتظار معجزة تلمّ الشمل في مشهد لم يعد يحتمل مزيداً من المغامرات أو المماطلة.

فليبيا تعاني منذ إسقاط نظام معمر القذافي عام 2011، صراعاً مريراً على السلطة بين جبهتي غرب ليبيا وشرقها. وتسعى البعثة الأممية منذ قدومها إلى ليبيا من أجل العمل على تسوية سياسية بين الأطراف المتنازعة، من دون تقدم حتى الآن.

والمبعوثة الأممية هانا تيتيه تواصل مسارها التحاوري مع الساسة والنخب الليبية، سعياً من أجل التوصل إلى نتيجة قبل الاتجاه إلى مجلس الأمن الدولي في 18 فبراير (شباط) الحالي لتقديم إحاطتها الجديدة، بينما يتمسك المتحكمون في السلطة بـ«اشتراطاتهم» من أجل إجراء الانتخابات. كذلك يستبق ذهاب تيتيه إلى مجلس الأمن تعقيدات عدة تتحكم في المشهد العام، وتصلّب في المواقف بين رئيسي مجلس النواب و«الأعلى للدولة» عقيلة صالح ومحمد تكالة، فضلاً عن دم سيف المسفوح، الذي لم يُعلم - حتى الآن - قاتله، وسط استنتاجات عدة بتمدد الصراع وليس طيه.

بمناطق عدة في وسط وشمال وجنوب ليبيا، لا يزال أنصار سيف الإسلام والقبائل المحبّة له يتلقون فيها العزاء، آملين في «الاقتصاص لدمه» قريباً، وعاقدين العزم على «رصّ الصفوف من جديد». إذ ظلت مدينة الزنتان (غرب ليبيا) تأوي سيف القذافي منذ اعتقلته «كتيبة أبو بكر الصديق» في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011، وبقي تحت حمايتها حتى سقط قتيلاً بعد اغتياله مساء 3 فبراير الحالي.

التحقيق في الاغتيال

النيابة العامة في طرابلس فتحت تحقيقاً في مقتل سيف. إذ أوفد مكتب النائب العام الصديق الصور فريقاً يضمّ أطباء شرعيين وخبراء إلى الزنتان وفحصوا جثته، التي أفادت تقارير غير رسمية بأنها تلقت 18 رصاصة.

وخلّفت جنازة سيف الحاشدة، التي احتضنتها مدينة بني وليد، حالة من التجاذب الحاد؛ فالأنصار - ومن بينهم شقيقه الساعدي - عدّوها «استفتاءً شعبياً ووطنياً على شعبية الرجل الذي فاز بالانتخابات وهو ميت»، بينما رآها المعارضون «صُنعت على مواقع التواصل وبواسطة الذكاء الاصطناعي».

«التهويل» و«التهوين» اللذان اكتنفا الجنازة عكسَا قدراً من الاحتقان المتراكم والمرشح للظهور أكثر في مقبل الأيام، الأمر الذي استدعى الشيخ علي أبو سبيحة، رئيس الفريق السابق لسيف القذافي بملف «المصالحة الوطنية»، للدخول على خط الأزمة. أبو سبيحة عدّ «الجموع الزاحفة» لحضور جنازة سيف، أنها «تريد القول بصوت واحد للذين يحلمون بسقوط مشروعه: أنتم واهمون»، مصعداً من حديثه توبيخاً دون أن يأتي على اسم أحد: «لقد سقط مشروعكم بإذلال الشعب الليبي وتفتيته ورهن خيراته وإرادته وحريته واستقلاله لأعدائه».

إرباك المشهد السياسي

كان ظهور سيف الإسلام - بعد اختفائه لدى الزنتان قرابة 10 سنوات، لتقديم ملف ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2021 - قد تسبب في إرباك المشهد السياسي وحسابات «خصومه». وفي هذه الأثناء، طعنت مفوضية الانتخابات بترشحه، لكن بعد مداولات ومظاهرات من أنصاره قضت محكمة سبها (جنوب ليبيا) برفض الطعن وإلزامها بإعادته إلى السباق، علماً بأن الانتخابات أُجلت بداعي وجود «قوة قاهرة» حالت دون استكمالها.

حينها، قال عماد السايح، رئيس المفوضية، إن عقبات أمنية وقضائية وسياسية شكّلت «قوة قاهرة» منعت عقدها في موعدها، مشترطاً زوالها ومصادقة مجلس النواب لإجرائها، وذلك بالنظر إلى وجود ما سميت «شخصيات جدلية» أرادت خوض السباق الانتخابي.

أما الآن، بعد خروج سيف من دائرة الضوء، لم يتبقَّ من تلك الشخصيات، وفق مراقبين، سوى رئيس حكومة «الوحدة»، بالإضافة إلى القائد العام لـ«الجيش الوطني». ويسود اعتقاد لدى بعض المتابعين أنه برحيل سيف الإسلام، زالت إحدى العقبات التي كانت تعترض إجراء الانتخابات في ليبيا، لكن هذه النظرة التفاؤلية تصطدم بواقع يكرّسه العداء والجهوية و«الدم الجديد» الذي سال في مكان قصي بالزنتان.

محللون كثيرون، منهم ناصر أبو ديب، يرون أن الوضع في ليبيا بعد موت سيف لا يختلف عما قبله، ويعتقدون أن الأمر «سيبقى على ما هو عليه» ما دام ارتبط بـ«سلطة الأمر الواقع». بل إن محمد عمر بعيو، رئيس المؤسسة الليبية للإعلام التابعة للحكومة المكلفة من مجلس النواب، وصف الوضع في ليبيا بأنه «عدميٌّ وعبثيٌّ». ودافع بعيو عن وجهة نظره في حوار مع «الشرق الأوسط» بأنه «لا يوجد شيء يسمى كتلة النظام السابق، وأن سيف الإسلام كان يمثل نتوءاً للغاضبين». وأردف: «هؤلاء ليسوا كتلة بقدر ما هم حالة هلامية، ومَن حضر جنازته ليسوا ملايين بقدر ما كانوا 20 ألفاً على الأكثر». ثم تابع: «لم يكن لدى سيف أي حظوظ لحكم البلاد؛ وليبيا لن يحكمها أحد بعد معمر القذافي؛ وكنت أقول هذا الكلام وهو على قيد الحياة... وأعتقد الوضع في ليبيا سيظل هكذا في حالة سيولة بعيداً عن سلطة موحدة؛ فالدولة لن تتشكل في المدى المنظور، وستكون البلاد ساحة صراعات دولية وتصفية حسابات».

الأسرة القذافية... والولاءات المحلية

تنتمي أسرة القذافي إلى مدينة سرت (وسط ليبيا) الخاضعة حالياً لحكم المشير حفتر، في حين تقع مدينة بني وليد في (شمال غرب)، وكان سيف الإسلام يحظى فيها بدعم اجتماعي وسياسي.

وظلّ فريق سيف القذافي - الذي يقوده أبو سبيحة - منخرطاً في كل الفعاليات السياسية المتعلقة بـ«المصالحة الوطنية» حتى قبل اغتيال سيف بقرابة شهر، إذ حضر الاحتفال الذي عقده المجلس الرئاسي في 7 يناير (كانون الثاني) الماضي للتوقيع على «الميثاق الوطني للمصالحة».

راهناً، يتخوّف متابعون من عودة العنف السياسي على خلفية غضبة موالين لسيف، خصوصاً إذا ما عُرف الطرف الذي قتله، لكن هذا التخوّف يترجم إلى معطى آخر يتمثل في تعطّل مسار «المصالحة» الذي كان يشارك فيه أنصاره، وهو ما يراكم الضغينة والغضب في النفوس.

وحقاً، تتصارع في المشهد الليبي المعاصر عدة تيارات آيديولوجية وسياسية، يسعى كل منها لفرض رؤيته وتثبيت سيطرته على مفاصل الدولة، ما خلق حالة من الاستقطاب الحاد. وتتوزّع الولاءات في ليبيا بين ثلاث كتل رئيسية تمثل محطات مفصلية في تاريخ البلاد الحديث، هي:

- التيار «السبتمبري» أو «الخضر»، وهم الموالون لنظام القذافي.

- تيار «17 فبراير» وتمثله القوى التي ثارت عام 2011، وترفض أي عودة لحكم الفرد أو «النظام الجماهيري».

- وتيار «الكرامة»، وهو التكتل الذي يلتف حول عملية الكرامة والقوات المسلحة بشرق ليبيا.

وهنا يسلّط أبو ديب الضوء على الوضع الراهن، معتقداً أن ليبيا «لن تشهد أي حلحلة سياسية ما دام بقيت ما تسمى (الأجسام الفاعلة في المشهد) التي تحرك الخيوط في شرق البلاد وغربها»، ومن ثم تُمدِّد الصراع، وقال إن «سيف القذافي على مدى 15 عاماً لم يفعل شيئاً، ولم يقدم مشروعاً سياسياً لوطنه». وأضاف: «الأجسام الموجودة في المشهد تعطّل أي حراك سياسي، وتبدد أي نقطة ضوء في الأفق البعيد؛ وبالتالي أعتقد أن المشهد سيبقى على ما هو عليه».

«ليبيا الغد»

جدير بالذكر، أن سيف الإسلام القذافي أطلق مشروع «ليبيا الغد» قبل عام 2011 بوصفه رؤية إصلاحية شاملة لبناء دولة حديثة عبر مشاريع تنموية، تتضمن جامعات ومناطق حرة، أبرزها تطوير «زوارة - رأس أجدير». وهو المشروع الذي توقف بسقوط نظام والده.

ويرجع أبو ديب خلال كلامه إلى «الشرق الأوسط» إشكالية ما يجري في بلده «إلى الليبيين أنفسهم؛ وتأزّم الأمر بوجود بعثة الأمم المتحدة وما تسميه الحوار المهيكل، والتدخلات الأميركية من جهة ثانية، وصفقات البيزنس»، ويزيد: «لن تكون هناك حلحلة سياسية بوجود هذه الأطراف، بل أعتقد أن المسألة ستزداد تعقيداً».

وانتهى أبو ديب إلى أن «الخيار الثالث ذهب دون رجعة؛ ولن يجد أنصار سيف رمزية يضعونها في المقدمة لصعوبة التوافق على شخصية يمكن أن تقود هذا الخيار. فبمقتل سيف انتهى هذا الخيار، وسيذوب المؤيدون في المجتمع الليبي من أجل الإصلاح».

هذا، ولا تزال في ليبيا مدن عدة على ولائها للنظام السابق، من بينها سرت (في الوسط) وبني وليد (شمال غرب)، بالإضافة إلى غات وأوباري (جنوباً) وزليتن وصبراتة (غرباً). وكل عام تلوّح بصور القذافي ونجله سيف الإسلام، والرايات الخضراء المعبرة عن الحقبة «الجماهيرية» أثناء الاحتفال بـ«ثورة الفاتح». ويُعتقد تصادم أصحاب هذه المشاريع الثلاثة وهم: «السبتمبريون» و«الفبرايريون» و«الكرامة». يبقى الصراع على السلطة هو المحرك الأساسي الذي يعيق الوصول إلى توافق وطني شامل يجمع شتات هذه التوجهات تحت مظلة دولة مدنية واحدة. ويخلص الدكتور مصطفى الزايدي، رئيس حزب «الحركة الوطنية» أمين «اللجنة التنفيذية للحركة الشعبية» إلى أن جريمة اغتيال سيف الإسلام سيكون لها تأثير مدمر على عملية «المصالحة الوطنية»، ذلك أن «الرصاصات الغادرة التي أُطلقت عليه أصابت، فيمن أصابت، مشروعَ المصالحة الذي رُفع كشعار من كثير من القوى الوطنية للخروج من المأساة التي سببتها (مؤامرة 2011) على ليبيا والليبيين».

وأضاف الزايدي في مقال لصحيفة «الموقف الليبي» عن أن «نسبة كبيرة من (الخضر)، وفي مقدمتهم الشهيد الدكتور سيف الإسلام، صدَّقوا أو تقبَّلوا لأسباب أخلاقية، كذبة روّجها المجتمع الدولي بأن انتخابات حرة ونزيهة قد تكون نقطة البداية لعملية مصالحة تاريخية، هدفها مساعدة الليبيين في طيِّ ملف الأزمة». واختتم: «لكن مع مضي الوقت ثبت أن ذلك لم يكن سوى دعاية في محاولة لمكياج وجه المؤامرة، وإعادة تقديمها في صورة مقبولة لليبيين».

 

حقائق

ليبيا: جرائم كثيرة... و«الفاعل مجهول»

اتسعت قائمة الجرائم التي تعذّر التوصل إلى مرتكبيها في ليبيا لتشمل فئات متنوعة من المجتمع، بجانب عمليات الإخفاء القسري منذ إسقاط النظام السابق في عام 2011، لكنها تبرز نمط «الإفلات من العقاب» الذي ساد في فترات كثيرة.

وخلال الحروب والمعارك التي شهدتها ليبيا، حدثت اشتباكات واسعة وانتهاكات ضد المدنيين أدّت إلى قتل واختفاء عشرات الأشخاص في مناطق متعددة، وأحياناً بقيت هويات من ارتكبوا أعمال القتل مجهولة بسبب تداخل الجماعات المسلحة وتغيّر السيطرة على الأراضي. واستهلت عملية الاغتيالات في ليبيا بمقتل اللواء عبد الفتاح يونس رئيس أركان الجيش الوطني الليبي الأسبق عام 2011، في ظروف غامضة بعد استدعائه للتحقيق، رغم وجود اتهامات لجهات معينة، من بينها ما كان يسمى «مجلس شورى ثوار بنغازي». وفيما يلي بعض أبرز جرائم الاغتيال:

- عام 2013: اغتيال المحامي والناشط السياسي عبد السلام المسماري، في مدينة بنغازي.

- عام 2014: اغتيال كل من الصحافية نصيب ميلود وخطيبها في مدينة سبها. ومفتاح بوزيد رئيس تحرير صحيفة «برنيق»، وسلوى بوقعيقيص المحامية والناشطة الحقوقية البارزة في بنغازي. والشيخ محمد بن عثمان في مصراتة. وفريحة البركاوي عضو «المؤتمر الوطني العام» السابقة، في درنة.

- عام 2016: اختطاف الشيخ نادر العمراني عضو دار الإفتاء بطرابلس، وتصفيته في ظروف غامضة.

- عام 2019: تصفية عضوة مجلس النواب سهام سرقيوة في بنغازي.

يضاف إلى ما سبق، صُدم المجتمع الليبي عام 2025 إثر مشاهدة مقاطع مصورة «مسربة» للنائب إبراهيم الدرسي، وهو على ما يبدو معتقلاً في زنزانة، والأغلال معلقة في عنقه، وكانت أسرته أعلنت عن خطفه في 18 مايو (أيار) 2024 من منزله ببنغازي، ومذاك التاريخ لم يكشف عن مصيره ولا عن الجناة.

 


أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
TT

أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة

منذ الأحد الماضي، تهبّ على البرتغال «رياح ثورية» جديدة، فيها من نكهة «ثورة القرنفل» التي أطاحت ديكتاتورية الدكتور أنطونيو سالازار في ربيع عام 1974 من غير إطلاق رصاصة واحدة، وتجدّد الأمل المتلاشي منذ سنوات في تغليب الخطاب السياسي المعتدل والجامع على جموح التطرّف اليميني والشعبوي الذي يهدد بإعادة أوروبا إلى عهد الظلمات الذي قطّع أوصالها في النصف الأول من القرن الفائت. هذه الرياح الثورية الجديدة تحمل اسم الاشتراكي أنطونيو خوسيه سيغورو، الذي كان غائباً عن المشهد السياسي البرتغالي مند عشر سنوات، لكنه عاد ليقرّر، ضد رغبة القيادات التاريخية للحزب، خوض الانتخابات الرئاسية التي أجريت دورتها الثانية مطلع هذا الشهر. وهذا ما حصل، بالفعل، وحقق سيغورو فوزاً كاسحاً على منافسه الشعبوي أندريه فنتورا، حامل لواء اليمين المتطرف والمفعم بالحنين إلى الحقبة الديكتاتورية التي طوى البرتغاليون صفحتها منذ خمسين سنة.

ثمة انتصارات عدة في الانتصار الذي حققه أنطونيو سيغورو، الأحد الماضي، في انتخابات البرتغال الرئاسية، منها: انتصار الأسلوب التوافقي الرزين على أسلوب التفرقة والتحريض الذي اتسم به الخطاب اليميني والشعبوي المتطرّف. ومنها أيضاً انتصار النهج اليساري الوسطي الذي يواجه أصعب مراحله في البرتغال منذ سقوط الحكم العسكري، ويعاني من تراجع مطّرد على امتداد المشهد السياسي الأوروبي. وهذا، ناهيك من انتصار الرجل الذي قرّر وحده الإبحار عكس رياح حزبه وخاض معركته منفرداً ضد الزعامات الاشتراكية الراسخة.

بالتالي، ليس مستغرباً أن قوى وأوساطاً أوروبية عدة، يسارية ومحافظة، سارعت إلى الإعراب عن ارتياحها لهذا الفوز، كونها ترى فيه تباشير انعطاف في المشهد السياسي الأوروبي القلق من تمدّد اليمين المتطرّف الذي بات يدقّ أبواب الحكم في أكثر من عاصمة.

النشأة والمسيرة

أبصر أنطونيو خوسيه سيغورو النور قبل 63 سنة في واحدة من أفقر القرى البرتغالية. وكان قد قرر العودة إليها عام 2014 عندما تخلّى عن النشاط السياسي بعدما خسر الانتخابات الأولية في حزبه ضد أنطونيو كوستا، الرئيس الحالي للمجلس الأوروبي.

تلك كانت معركة قاسية جداً، بل من أبشع المعارك التي دارت داخل «البيت الاشتراكي» البرتغالي، شبيهة بتلك التي دارت ذات يوم بين الزعيم التاريخي خورخي سامبايو وأنطونيو غوتيريش، الأمين العام الحالي لمنظمة الأمم المتحدة. ويومذاك انتهت بشرخ حزبي عميق بقيت آثاره حتى اليوم، وساعدت اليمين المتطرف على مواصلة صعوده.

سيغورو تولّى حقائب وزارية عدة في الحكومات الاشتراكية السابقة، وكان عضواً في البرلمان الأوروبي. وهو ينتمي إلى «تيار» غوتيرّيش الذي سبق أن ترأس عدة حكومات برتغالية نهجت خطاً يسارياً معتدلاً، وتميّز بالانفتاح على الحوار مع القوى الأخرى. وعندما وقعت البرتغال تحت وطأة الأزمة المالية والاقتصادية الطاحنة - وكانت حينذاك تخضع لحكومة يمينية محافظة - أيّد سيغورو التدابير التقشّفية القاسية التي فرضها الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وبرّر موقفه هذا بأن رئيس الوزراء الاشتراكي السابق جوسيه سقراط هو الذي كان تقدّم بطلب المساعدة من المؤسسات الدولية للخروج من الأزمة. وأطلق يومها عبارته الشهيرة التي تحولّت إلى شعاره السياسي الذي خاض به الانتخابات الرئاسية؛ إذ قال: «الحوار هو الأداة الأساسية لأي عمل سياسي».

لغة الحوار

من ثم، لعل انفتاح سيغورو الدائم على الحوار كان السبب الرئيس في حصوله على دعم قوى سياسية أخرى، من كتل اليمين واليسار؛ إذ أيّده كل من الرئيس اليميني السابق هنيبعل كافاكو سيلفا، والمرشح الشيوعي أنطونيو فيليبي الذي نافسه في الجولة الأولى. لكن الأغرب من ذلك كان الدعم الذي حصل عليه من أنصار رئيس المجلس الأوروبي والأمين العام السابق للحزب الاشتراكي، أنطونيو كوستا، الذي يعدّ ألدّ خصومه السياسيين داخل الحزب منذ سنوات. وكان كوستا قد سرّب عشية الانتخابات قراره دعم سيغورو، رغم تمايز الأخير عن نهجه، مردّداً: «كوستا يمثّل رجال الأعمال والشركات داخل الحزب الاشتراكي».

ما يُذكر أنه عندما أعلن سيغورو، مطالع الصيف الماضي، ترشحه للانتخابات الرئاسية، واجه معارضة واسعة وشديدة داخل الحزب الاشتراكي الذي ما زال يخضع لتأثير قوي من أنطونيو كوستا والقيادات الموالية له. إلا أن إصراره على الترشّح سواء بتأييد من الحزب أو من دونه، دفع معارضيه إلى التراجع، خاصة أن الشخصيات الاشتراكية النافذة فشلت في التوافق حول مرشح آخر، بل ربما لأن حظوظ أي مرشح اشتراكي في الفوز بدت شبه معدومة، كما كانت تظهر استطلاعات الرأي.

التدريس بعيداً عن السياسة

خلال السنوات الـ12 التي انكفأ سيغورو طيلتها عن العمل السياسي، انصرف إلى التدريس في جامعة لشبونة المستقلة والمعهد العالي للعلوم الاجتماعية والسياسية. وأسّس عدة مؤسسات صغيرة للسياحة الريفية والتصنيع الزراعي في مسقط رأسه بيناماكور. إلا أنه لمح بعد إعلان فوزه في الانتخابات أنه سيتخلّى عن أنشطته التجارية قبل تسلّم مهامه، مدركاً أن الحكومة السابقة التي شكّلها اليميني لويس مونتينغرو بعد هزيمة الاشتراكيين الأخيرة، إنما سقطت بسبب تضارب المصالح الذي نشأ عن إبقائه على المؤسسة العائلية التي كان يديرها بعد توليه رئاسة الحكومة.

لكن يبدو سيغورو مصراً على ألا يتخلّى عن حياته العائلية العادية؛ إذ أفاد بأن زوجته ستواصل نشاطها المهني في إدارة الصيدلية التي تملكها في العاصمة، وأنه لن يقيم في قصر بيليم (بيت لحم) الرئاسي إلا في الحالات الاستثنائية، بل سيقيم في منزله الواقع على بعد 90 كيلومتراً من لشبونة.

وللعلم، الرئيس المنتخب أمضى الأسبوعين الأخيرين من حملته الانتخابية في زيارات إلى المناطق المنكوبة بسبب الأعاصير المتلاحقة التي ضربت البرتغال وما زالت تداعياتها الكارثية ظاهرة إلى اليوم. ولقد وعد بتخصيص قدر كبير من اهتمامه في الأسابيع الأولى من ولايته لمتابعة ملف الأضرار التي نجمت عن تلك الأعاصير.

فوز تحدّى التوقعات

أبرز ما في الفوز الذي حققه سيغورو، ضد كل التوقعات، كان حصوله على ضعفي الأصوات التي نالها في الجولة الأولى من الانتخابات. وهو ما يؤكد تضافر الغالبية الساحقة من الناخبين لتأييد مرشح رئاسي يحترم قواعد اللعبة الديمقراطية بمواجهة منافسه الشعبوي المتطرف فنتورا، الذي أظهر غير مرة مناسبة ازدراءه بهذه القواعد واستعداده لتجاوز الأحكام الدستورية من أجل تحقيق أهداف مشروعه السياسي.

ناهزت حصيلة سيغورو 67 في المائة من الأصوات، بينما لم يتعدّى فنتورا الـ33 في المائة، مع أن هذا الأخير كان جمع في الجولة الأولى نسبة 31 في المائة متقدماً على 11 مرشحاً.

انعكاسات وتوقعات

في تصريحاته الأولى بعد الفوز، أعرب سيغورو عن شديد تأثره بالدعم الواسع الذي ناله من «الناخبين الذين يحرصون على القيم والمبادئ الدستورية التي رسختها ثورة القرنفل»، مذكراً ومفتخراً بانتمائه إلى الطبقة المتواضعة. وقال إن الغالبية التي صوّتت له أصبحت اليوم مجمل الشعب البرتغالي، وكرّر ما ردده مراراً خلال الحملة الانتخابية: «أنا حرّ، أعيش حياتي من غير مَراسٍ، وحريتي هي ضمان استقلاليتي». وكذلك شدّد على التزامه الثابت بـ«ثقافة الوفاق» لمعالجة المشاكل التي تعاني منها البلاد، معترفاً بأن نتيجة الاقتراع تجاوزت توقعاته.

وحقاً، يشكّل انتصار سيغورو أيضاً عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد عشرين سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية محافظة على رأس الدولة، لكنه بالتأكيد ليس انتصاراً للحزب الاشتراكي. أولاً، لأن الترشيحات لمنصب رئيس الجمهورية لها طابع شخصي وليست حزبية بموجب الدستور. وثانياً لأن ترشح سيغورو كان مرفوضاً في المرحلة الأولى من القيادات الاشتراكية.

واللافت أن اعتراض زملائه على ترشحه في البداية، تبدّد فور إعلان فوزه؛ إذ سارع الجميع إلى إعلان اصطفافهم بجانبه، بينما كان هو يؤكد طي صفحة الماضي بقوله: «ما يهمني هو المستقبل الذي سنبنيه معاً».

في المقابل، لا شك في أن هذا الفوز يعطي جرعة زائدة من التفاؤل للحزب الاشتراكي الذي يمرّ في أصعب مرحلة من تاريخه، لا سيما بعد الهزيمة القاسية التي تعرّض لها في الانتخابات العامة الأخيرة عندما حلّ في المرتبة الثالثة، وراء حزب «شيغا» اليميني المتطرف الذي أسسه فنتورا عام 2019.

وكان أوّل المحتفلين بفوز سيغورو، زعيم الحزب الاشتراكي جوزيه لويس كارنيرو، الذي وصف هذا الفوز بأنه انتصار «لجميع الديمقراطيين وللحقوق الدستورية»، ونوّه بالدعم الواسع الذي حظي به سيغورو خارج الدائرة الاشتراكية، بدليل نيله دعم العديد من الشخصيات اليمينية.

وعلى غرار ما فعل خلال الحملة الانتخابية، تعهّد سيغورو باحترام الولاء الدستوري للحكومة التي يقودها اليميني لويس مونتينغرو. وقال إنه لن يقف حجر عثرة في وجه تنفيذها برنامجها، لكنه نبّه إلى أنه سيكون حازماً في مطالبتها بالحلول الناجعة للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، وكان تفاقم بعضها بفعل الأعاصير الشديدة التي ضربت البرتغال خلال الأسابيع المنصرمة، وأحدثت دماراً واسعاً في المصانع والمحاصيل الزراعية والبنى التحتية. وشملت الخسائر وفاة العشرات وتشرّد الآلاف من المواطنين، ما استوجب تدخل القوات المسلحة إلى جانب أجهزة الدفاع المدني والإسعاف.

وفي المقابل، لقد أكد الرئيس المنتخب أنه لن يصادق على مشروع تعديل قانون العمل الذي وضعته الحكومة ولاقى معارضة شعبية واسعة انتهت بإضراب عام شلّ الحركة في البلاد.

أما فنتورا، فقد سارع من ناحيته إلى الاعتراف بفوز سيغورو، لكنه اعتبر أن نيله أكثر من ثلث الأصوات يشكّل إنجازاً بحد ذاته؛ لأنه كان يواجه «كل المنظومة التي أعلنت الحرب» ضد ترشحه.ويطمح فنتورا، الآن، من خلال هذا التأييد الذي ناله إلى تجاوز شعبية التحالف الحاكم بقيادة رئيس الحكومة مونتينغرو، ثم تشكيل الحكومة بعد الانتخابات المقبلة، معتبراً أن حصوله على 1.7 مليون صوت بعد ست سنوات فقط من تأسيس «شيغا»، يمنحه الحق في قيادة اليمين البرتغالي، ومتوقعاً الوصول إلى سدة الحكم قريباً.


«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
TT

«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)

شاعت تسمية «ثورة القرنفل» (Revolucao dos Carvos) على الانقلاب العسكري الذي أطاح النظام الديكتاتوري في البرتغال الذي كان يُعرف باسم «الدولة الجديدة»، وكان يحكم سيطرته على البلاد منذ عام 1926. أما سبب التسمية فكان أن الضبّاط والجنود الذين نفّذوا الانقلاب - والذين ينتمون إلى «تيار القوات المسلحة» - كانوا يجوبون شوارع العاصمة لشبونة صباح 25 أبريل (نيسان) 1974 واضعين أزهار القرنفل في فوهات بنادقهم ومدافع دباباتهم، بعدما أسقطوا النظام من غير إطلاق رصاصة واحدة.

ذلك الانقلاب قادته مجموعة من الضباط الشيوعيين واليساريين الذين سئموا الحروب التي زجّهم فيها النظام ضد الانتفاضات الشعبية والحركات المسلحة في المستعمرات البرتغالية. ولقد كانت إشارة انطلاقه أغنية بعنوان «وبعد الوداع» منتصف ليل 24 أبريل.

كان الانقلاب بداية مسار سريع تمخّض عن إعادة النظام الديمقراطي، وإجراء أول انتخابات حرة في العام التالي. وقبل نهاية ذلك العام، كانت جميع مستعمرات البرتغال في أفريقيا وآسيا؛ أي أنغولا والرأس الأخضر وغينيا بيساو وموزامبيق وسانتو تومي/ برنسيبي وتيمور الشرقية، قد نالت استقلالها. وبجانب ذلك تنازلت السلطة البرتغالية الجديدة عن جزيرة ماكاو لصالح الصين الشعبية (التي ضمّت الجزيرة رسمياً إليها عام 1999).

بعد أيام قليلة من إسقاط الديكتاتورية أطلق الانقلابيون سراح جميع المعتقلين السياسيين، وعاد الزعماء المنفيون في الخارج، يتقدّمهم الاشتراكي ماريو سواريش، والشيوعي آلفارو كونيال، اللذان لعبا دوراً سياسياً رئيساً في السنوات اللاحقة.

بعدها حاول الضباط الشيوعيون في الحركة الانقلابية توجيه دفّة التغيير نحو نظام اشتراكي إثر تأميم القطاع المصرفي بكامله، ومعظم الشركات الصناعية الكبرى. ولكن في الانتخابات الأولى التي أُجريت ربيع العام التالي كان الفوز حليف الاشتراكيين الديمقراطيين الذين كانوا يتمتعون بدعم من الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) في ألمانيا، ومن الحزب الاشتراكي الفرنسي.

وفي خريف عام 1975 فشلت مجموعة من الضباط الشيوعيين في محاولتها لقلب النظام، فأجرت الحكومة حملة تطهير واسعة في صفوف القوات المسلحة؛ أبعدت الشيوعيين عن المراكز القيادية، وأحالت المسؤولين عن المحاولة الانقلابية إلى المحاكمة.

وكان من الطبيعي أن يكون لـ«ثورة القرنفل» تأثير على الوضع في «الجارة» إسبانيا، حيث كان النظام الديكتاتوري يعيش مرحلة صعبة مع تدهور صحة الجنرال فرنشيسكو فرنكو، وبات يخشى تكرار التجربة البرتغالية التي شكّلت قفزة نوعية في الانتقال السلمي والسريع إلى الديمقراطية.

وهذا ما حصل فعلاً بعد وفاة فرنكو خريف عام 1975؛ إذ انتقلت إسبانيا بشكل سلمي إلى نظام ملكي دستوري، في عملية انتقال مثالية أصبحت مادة تدرّس في العديد من كليات العلوم السياسية في العالم.