أضواء على نزاع شرق أوكرانيا

مواجهة بين قوى دولية بأيدٍ محلية

أضواء على نزاع شرق أوكرانيا
TT

أضواء على نزاع شرق أوكرانيا

أضواء على نزاع شرق أوكرانيا

لم تنجح الجهود التي بذلتها قوى دولية على مدار 3 سنوات تقريبًا في إخماد نيران النزاع المسلح في مناطق «الدونباس» بجنوب شرقي أوكرانيا، لا سيما في مقاطعتي لوغانسك ودونيتسك. ومنذ مطلع العام الحالي تصاعدت حدة التوتر، وفي النصف الأول من فبراير (شباط) تجددت المواجهات المسلحة هناك بين القوات الأوكرانية التي تحاول استعادة السيطرة الحكومية على المقاطعتين، والميليشيات المحلية المسلحة المدعومة من موسكو هناك، التي تصر على تسوية تضمن لسكان المنطقة حقوقهم السياسية والاقتصادية والثقافية والقومية. ومع أن الأطراف المنخرطة بصورة مباشرة في النزاع الأوكراني قوى أوكرانية، فإن العنوان العريض لما تشهده أوكرانيا من توتر منذ استقلالها عام 1991 وحتى اليوم هو «مواجهة بين روسيا والغرب على النفوذ في أوكرانيا».
تشكل المعارك العنيفة الدائرة حاليًا في مناطق جنوب شرقي أوكرانيا بين القوات الحكومية والميليشيات المحلية، نتيجة لمواجهة سياسية تكمن في جذورها عوامل تاريخية وأخرى قومية، تتصل بطبيعة البنية القومية داخل الدولة الأوكرانية.
في الشق السياسي يمكن القول إن بدايات النزاع المسلح الحالي نشأت منذ استقلال أوكرانيا عن الاتحاد السوفياتي عام 1991. ففي تلك المرحلة كانت النخب السياسية الحاكمة في أوكرانيا، كما في روسيا ذاتها، تعتقد أن «الحرب الباردة» قد ولت بلا رجعة، وأن المواجهة العالمية انتهت، ودخل العالم مرحلة الشراكة عوضًا عن المواجهة بين الأحلاف.
ضمن هذه الرؤية، أقر مجلس الرادا (البرلمان) الأوكراني عام 1993، وثيقة «التوجهات الرئيسية للسياسة الخارجية الأوكرانية» التي جاء فيها: «في ظل تلاشي المواجهة بين الأحلاف في أوروبا، تأخذ الأولوية مشكلة وضع بنى للأمن الأوروبي العام، على أرضية المؤسسات الدولية الموجودة، مثل مؤتمر الأمن والتعاون في أوروبا، ومجلس الشراكة الأوروبية الأطلسية، والناتو، واتحاد أوروبا الغربية». وتضيف تلك الوثيقة أن «إعلان أوكرانيا نيتها أن تصبح مستقبلاً دولة على الحياد خارج الأحلاف، يجب أن يتكيّف مع الظروف المستجدة، ولا يمكن اعتباره عقبة أمام مشاركتها التامة في بنى الأمن الأوروبي».
* سياسة قائمة على التوازن
حينذاك عكست وثيقة التوجهات الرئيسية للسياسة الخارجية الأوكرانية، رغبة النخب الحاكمة في تبني سياسة قائمة على التوازن في العلاقة بين روسيا والغرب، وبموازاة الحفاظ على العلاقات التاريخية مع «الجارة» روسيا، فتحت أوكرانيا، كما فعلت معظم الجمهوريات السوفياتية السابقة، الأبواب أمام تعاون نوعي مع البنى السياسية والعسكرية الأوروبية، باعتبار ذلك الانفتاح من متطلبات المرحلة، فضلاً عن ذلك لم تكن مسألة التعاون مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) تشكل حساسية بالنسبة لروسيا، التي انطلقت في سياستها من تعهدات يقول الرئيس السوفياتي ميخائيل غورباتشوف إن قادة الغرب قدموها للوفد السوفياتي خلال المحادثات حول توحيد ألمانيا، بأن حلف «الناتو» لن يوسع انتشاره العسكري على أي متر من دول أوروبا الشرقية، التي كانت تابعة لحلف «وارسو».
على الرغم من ذلك، برز في تلك المرحلة العامل القومي بقوة على الساحة الأوكرانية، وبدت البلاد منقسمة بين غرب وشرق، حيث الأغلبية في مناطق غرب أوكرانيا أوكرانيون تاريخيًا، يتكلمون اللغة الأوكرانية، ومتعصبون قوميًا ينظرون بعداء نحو روسيا، وذلك كله تحت تأثير عوامل تاريخية عدة؛ منها أن تلك المناطق كانت في مراحل مختلفة جزءًا من بولندا، ومن ثم ليتوانيا، والإمبراطورية النمساوية - المجرية. وفي التاريخ الحديث يُتهم البعض من سكان تلك المناطق بالتعاون مع القوات النازية والمشاركة في حملات التنكيل بحق المواطنين. أما مناطق شرق أوكرانيا فغالبية سكانها من الروس تاريخيًا. وفي مطلع عقد التسعينات من القرن الماضي كانت النسبة السكانية 22 في المائة من المواطنين الأوكرانيين، بينما يشكل الناطقون بالروسية 31 في المائة من السكان. ويختلف الوضع بالنسبة لشبه جزيرة القرم، التي كانت حتى عام 1954 تابعة لروسيا الاتحادية، حيث يشكل المواطنون الروس أغلبية ساحقة هناك.
* شرق... وغرب
حالة الانقسام القومي هذه برزت سياسيًا على شكل انقسام بين تأييد واسع في مناطق غرب أوكرانيا لنهج الابتعاد عن الشراكة مع روسيا والتوجه نحو التكامل مع الغرب، وتأييد في مناطق الشرق للعكس تمامًا. وتظهر نتائج الانتخابات الرئاسية الأوكرانية عام 1994 ذلك الانقسام بوضوح، حين حصل الرئيس الأوكراني حينها ليونيد كرافتشوك، الذي قدم نفسه كشخصية قومية على أصوات الناخبين في 12 مقاطعة في غرب البلاد، بينما حصل ليونيد كوتشما، الذي تلقى دروس محادثة باللغة الأوكرانية، على تأييد 13 مقاطعة في شرق البلاد، وفاز حينها كوتشما بنسبة 52 في المائة من إجمالي أصوات الناخبين.
وتركت مواجهة النخب السياسية على نهج السياسة الخارجية الأوكرانية أثرًا مباشرًا على العلاقات بين شرق وغرب البلاد، وعززت حالة الانقسام القومي بينهما بانقسام سياسي وحالة احتقان، كانت تتصاعد تدريجيًا من عام لآخر، على ضوء خطوات الرئاسة الأوكرانية في مجال التقارب مع «الناتو».
وكان لافتًا أن التحولات الجذرية في هذا المجال شهدتها أوكرانيا في عهد الرئيس كوتشما (1994 - 2004)، إذ انضمت أوكرانيا إلى برنامج «الناتو» (شراكة من أجل السلام)، وأخذ التعاون يتوسع بين الجانبين، إلى أن تم تعديل الوثيقة «حول التوجهات الرئيسية للسياسة الخارجية الأوكرانية» عام 2013، وجاء فيها أن «أوكرانيا تمارس سياسة خارجية نشطة بهدف الحصول على عضوية في حلف شمال الأطلسي». وبعد عام تقريبًا، في صيف عام 2014، أدخل الرئيس كوتشما تعديلات على «العقيدة العسكرية الأوكرانية»، تضمنت الإعلان بوضوح عن رغبة أوكرانيا في الانضمام إلى «الناتو» باعتباره «ضمانة الأمن في أوروبا». إلا أن كوتشما، الذي كان يستعد لترك منصب الرئاسة، أدرك على ما يبدو أن مسألة العضوية في حلف شمال الأطلسي، قد تؤدي إلى نزاع داخلي، وفاجأ الجميع خلال قمة لـ«الناتو» في إسطنبول، بإعلانه أن أوكرانيا ليست مستعدة للعضوية في الحلف، ومن ثم أصدر مرسومًا ألغى فيه من العقيدة العسكرية للبلاد الفقرة التي تنص على أن هدف السياسة الخارجية الأوكرانية هو الحصول على عضوية في «الناتو».
* بين روسيا والغرب
إلا أن قرار كوتشما جاء متأخرًا على ما يبدو، حيث طفا على السطح بوضوح في أوكرانيا جدال حول «التوجه نحو الناتو أم نحو روسيا»، وبرز ذلك خلال الانتخابات الرئاسية عام 2004، التي تنافس فيها فيكتور يانوكوفيتش ممثلاً لنهج التقارب مع روسيا وفيكتور يوشينكو ممثلاً لنهج التكامل مع الغرب.
في الجولة الأولى من الانتخابات، حصل يوشينكو على 39.87 في المائة من الأصوات، وحصل يانوكوفيتش على 39.32 في المائة، ونظرًا لعدم تجاوز أي منهما نسبة 50 في المائة زائد صوت، أجريت جولة ثانية. ويمكن القول إن الانتخابات الرئاسية عام 2004 شكلت الشرارة الأولى للمواجهة السياسية الحادة في أوكرانيا، التي تفاقمت خلال 10 سنوات، إلى أن أخذت شكل نزاع مسلح جنوب شرقي البلاد. في تلك المرحلة، لم تُخفِ روسيا دعمها الكبير جدًا للمرشح يانوكوفيتش، زعيم حزب الأقاليم، ولقد عبر عن هذا الدعم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي أجرى عدة زيارات إلى أوكرانيا، وكان سباقًا في تهنئة يانوكوفيتش بعد الانتخابات وقبل الإعلان عن النتائج الرسمية للانتخابات.
تفجرت المواجهة السياسية في أوكرانيا حين أعلنت اللجنة المركزية للانتخابات عن فوز فيكتور يانوكوفيتش، بينما رفض فيكتور يوشينكو قبول النتائج، واتهم خصمه بالتلاعب بالأصوات، وشهدت العاصمة كييف حركة احتجاجية واسعة، أصبحت لاحقًا تُعرف باسم «الثورة البرتقالية».
إثر ذلك جرت إعادة للانتخابات الرئاسية، وفاز فيها يوشينكو، بينما ترأس يانوكوفيتش المعارضة البرلمانية ممثلة بحزبه «حزب الأقاليم» والحزب الشيوعي الأوكراني، وقوى أخرى. وفي عام 2006 أصبح يانوكوفيتش رئيسًا للحكومة الأوكرانية، كونه زعيم الأغلبية البرلمانية. وبعد أزمة برلمانية حادة، وقع كل من الرئيس ورئيس الحكومية ورئيس البرلمان، وقادة الكتل البرلمانية الكبرى وثيقة بعنوان «الوحدة الوطنية» حددت أن أوكرانيا ستواصل تعاونها مع «الناتو»، إلا أن مسألة عضويتها في الحلف يتم إقرارها بموجب استفتاء عام، يجري بعد أن تنفذ أوكرانيا كل الشروط المطلوبة للحصول على العضوية. ورغم ذلك، حاولت القوى الداعية إلى التكامل مع الغرب، الدفع نحو تفعيل العمل بموجب خطة العضوية في «الناتو»، وذلك حين تولت يوليا تيموشينكو رئاسة الحكومة عام 2007، إلا أن تلك المحاولات لم تأتِ بنتيجة.
* الضغط الروسي
طيلة تلك السنوات كانت روسيا تبذل محاولات للتأثير على الوضع في أوكرانيا، وانفتحت على الحوار مع يوليا تيموشينكو وقبلها مع فيكتور يوشينكو، وأكدت رغبتها بتوسيع التعاون بين البلدين، دون تدخل خارجي، لكن على أساس أخذ كل طرف لمصالح الآخر بالحسبان، في إشارة إلى أن عضوية أوكرانيا في «الناتو» تشكل تهديدًا مباشرًا لأمن روسيا ومصالحها. إلا أن تلك المحاولات لم تنجح في تغير الوضع.
وفي عام 2010، تجددت المواجهة عبر صناديق الاقتراع بين النهجين في أوكرانيا، وترشح فيكتور يانوكوفيتش للرئاسة، بينما كانت يوليا تيموشينكو المرشحة الأبرز عن تيار نهج التكامل مع الغرب، الذي شهدت صفوفه تصدعات، انعكست بصورة مباشرة على نتائج الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية، حيث حصلت تيموشينكو على 25.05 في المائة من الأصوات، بينما حصل يانوكوفيتش على 35.32 في المائة من الأصوات. ومن جديد، جاءت نتائج الجولة الثانية لتعكس مدى الانقسام داخل أوكرانيا بين التيارين السياسيين، مع الخلفية القومية لذلك الانقسام، إذ فاز يانوكوفيتش بالرئاسة حاصلاً على 48.95 في المائة من الأصوات، أي بفارق ضئيل نسبيًا عن منافسته تيموشينكو التي منحها 45.47 في المائة من الناخبين أصواتهم. وكالعادة، كانت أصوات مقاطعات الشرق من حصة يانوكوفتيش، والغرب من حصة تيموشينكو.
واستهل يانوكوفيتش رئاسته الثانية بقرار إلغاء كل اللجان الحكومية المتخصصة في مجال إعداد أوكرانيا للعضوية في «الناتو»، ومن ثم قام في عام 2013 بإلغاء البرنامج الوطني لتهيئة أوكرانيا للعضوية في الحلف. وتزامن هذا مع استمرار الصراع السياسي الحاد داخل البلاد. إلا أن الأزمة تفجرت عام 2014 حين رفض يانوكوفيتش توقيع اتفاقية «الشراكة الانتسابية» مع الاتحاد الأوروبي، وهي اتفاقية تمهيدية للحصول على عضوية في الاتحاد. واتخذ يانوكوفيتش قراره بعدما رفض الاتحاد الأوروبي منح أوكرانيا، التي يمر اقتصادها بأزمة خانقة، أي قروض في إطار خطوات إعادة بناء الاقتصاد الأوكراني وفق المعايير الأوروبية. بالمقابل منحته موسكو قرضًا بقدر 15 مليار دولار.
إثر ذلك القرار، نظم خصوم يانوكوفيتش احتجاجات واسعة في المدن الأوكرانية، وبصورة خاصة في العاصمة كييف. وتميزت احتجاجات فبراير عام 2014 عن سابقاتها بالعنف، حيث شهدت بعض الساحات مواجهات مسلحة قام خلالها قناصة ومسلحون بإطلاق النار على عناصر الأمن، كما سقط في تلك المواجهات أعداد كبيرة من المحتجين.
فضلاً عن ذلك، برزت مشاركة واضحة في الاحتجاجات من جانب تيارات قومية متطرفة جاءت من غرب البلاد، بما في ذلك جماعات يمينية مسلحة، ترفع شعارات معادية لروسيا ووجهت تهديدات لكل من يتكلمون اللغة الروسية في أوكرانيا. وقام هؤلاء بالسيطرة على المقار الحكومية في العاصمة، وفي مختلف المقاطعات والأقاليم، بقوة السلاح. ومع أن الرئيس يانوكوفيتش توصل إلى اتفاق لحل الأزمة مع المعارضة، فإن الأمور لم تستقر، وغادر الرئيس العاصمة كييف، بينما أعلنت قوى المعارضة عن تعيين ألكسندر تورشينوف قائمًا بأعمال الرئيس. وكانت أول خطوة أقدم عليها تورشينوف أن عرض على البرلمان الأوكراني مشروع قانون يلغي القانون حول «ضمان الحق باستخدام اللغات المحلية في الأقاليم»، مما يعني حظر استخدام اللغة الروسية.
وبينما كانت مناطق غرب ووسط أوكرانيا تعرب عن دعمها للسلطات الجديدة، لا سيما بعد تشكيل برلمان جديد قوامه من قوى «التكامل مع الغرب وأوروبا»، وقف سكان مناطق «الدونباس» - حوض نهر الدونيتس - ضد تلك السلطات، في الوقت الذي أعلنت فيه موسكو أن تلك السلطات ليست شرعية وسيطرت على السلطة عبر العنف. وشعر أبناء مناطق جنوب شرقي أوكرانيا بتهديد مباشر على خلفية صعود قوى يمينية متطرفة إلى واجهة المسرح السياسي في أوكرانيا، وعمت مدن تلك المناطق احتجاجات، حيث قام المحتجون بالسيطرة على المقار الحكومية في مدن خاركوف ودونيتسك ولوغانسك، ورفعوا على بعضها الأعلام الروسية. وسرعان ما أصبحت غالبية تلك المدن خارجة عن سيطرة كييف، بينما أعلنت القوى السياسية المحلية عن تشكيل قوات دفاع ذاتي، وأعلنت نفسها «جمهوريات» مثل «جمهورية لوغانسك» و«جمهورية دونيتسك».
* احتجاجات القرم
إلا أن أهم ما جرى في تلك المرحلة (فبراير – مارس/ آذار 2014) كانت الاحتجاجات في شبه جزيرة القرم، وسيطرة المحتجين على السلطة هناك، ورفضهم الاعتراف بشرعية السلطات الجديدة في كييف. ولم تكن موسكو بعيدة عن تلك الأحداث، ذلك أن المنطقة تشكل أهمية كبرى لروسيا، التي تشكل مدينة سيفاستوبل (سيباستوبول) مقرًا لأسطولها في البحر الأسود، وهو المخرج الوحيد للقوات البحرية الروسية القريب من المتوسط، فضلاً عن ذلك، يحمل غالبية سكان القرم جنسيات روسية، كما أن روسيا تعتبر القرم جزءًا منها تاريخيًا. لذلك لم يتوانَ الرئيس الروسي بوتين عن تلبية طلب سلطات القرم بالمساعدة، وعرض على المجلس الفيدرالي الروسي طلبًا للسماح باستخدام القوات الروسية على الأراضي الأوكرانية.
وبمساعدة روسية جرى تنظيم استفتاء في شبه الجزيرة في 16 مارس، أعرب فيه غالبية السكان عن رغبتهم في الانفصال عن أوكرانيا والانضمام إلى قوام الاتحاد الروسي. وفي 18 مارس، تم قبول القرم وسيفاستوبول كيانين جديدين في قوام الاتحاد الروسي. وجرى ذلك كله في ظل انتشار عسكري روسي واسع في شبه الجزيرة.
في تلك الأثناء، أخذت المواجهات جنوب شرقي أوكرانيا طابع التصعيد العسكري، وأعلنت سلطات كييف عملية خاصة لاستعادة السيطرة على مناطق «الدونباس»، فأرسلت القوات المسلحة، ومعها مجموعات قومية مقبلة من غرب البلاد، شاركت وما زالت تشارك في الهجمات على مدينتي لوغانسك ودونيتسك والمناطق التابعة لهما. وشهدت المنطقة بعض الهدوء إثر توصل قادة روسيا وأوكرانيا وفرنسا وألمانيا إلى اتفاق للتسوية يعرف باسم «اتفاق مينسك» (نسبة لعاصمة جمهورية بيلاروسيا/ روسيا البيضاء).
إلا أنه رغم ذلك تشهد المنطقة تفجرًا للعنف من حين لآخر، وسط تبادل اتهامات بين الطرفين بانتهاك «اتفاق مينسك». ومنذ 29 فبراير، تجددت مواجهات عنيفة على طول 50 كم من خطوط التماس بين الجانبين. وأصدرت لجنة المراقبين التابعة لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا تقريرًا حول تدهور الوضع هناك، طالبت فيه «القوات الانفصالية الروسية»، في إشارة إلى المسلحين في مناطق جنوب شرقي أوكرانيا، طالبتهم بالعودة إلى اتفاق وقف إطلاق النار. ولقد أثارت هذه العبارات استياء موسكو، التي رفضت على لسان دميتري بيسكوف، المتحدث باسم الكرملين «تقديرات المنظمة حول مشاركة المقاومة في الدونباس بخرق وقف إطلاق النار»، ووصف ما يجري هناك بأنه «عمل استفزازي من جانب القوات الأوكرانية».
ولم تكن المواجهات المسلحة بعيدة عن المواجهة السياسية، إذ أعلن الرئيس الأوكراني الحالي بيوتر بوراشينكو عن نيته إجراء استفتاء عام حول عضوية بلاده في «الناتو»، متوعدًا باتخاذ كل الخطوات الضرورية لذلك. وفي أول رد فعل من مناطق جنوب شرقي أوكرانيا، حذر ألكسندر زاخارتشينكو، رئيس «جمهورية دونيتسك الشعبية»، التي أعلن قادة محليون عن تأسيسها، من أن «محاولات إجراء استفتاء حول عضوية أوكرانيا في الناتو، ستعني تخلي كييف نهائيًا عن مناطق الدونباس». أولاً لأن «الدونباس» لن تشارك في الاستفتاء، وثانيًا لأننا قلنا أكثر من مرة إن أحد أهم مطالب «الدونباس» هي أننا ندعو إلى علاقات صداقة وتحالف مع روسيا كحد أدنى، مما يعني ضد «الناتو»، حسب قوله.



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.