6 سنوات على «الثورة» الليبية... 7 أعلام و3 حكومات وفوضى عارمة

القذافي رفض نصائح مستشاريه بغلق الحدود مع جيرانه لتجنب الانتفاضة

6 سنوات على «الثورة» الليبية... 7 أعلام و3 حكومات وفوضى عارمة
TT

6 سنوات على «الثورة» الليبية... 7 أعلام و3 حكومات وفوضى عارمة

6 سنوات على «الثورة» الليبية... 7 أعلام و3 حكومات وفوضى عارمة

«أخي القائد.. ربما علينا أن نغلق الحدود مع تونس ومصر». في مثل هذه الأيام من عام 2011 رأى عدد من القيادات العسكرية والأمنية الليبية ضرورة اتخاذ إجراءات سريعة لمنع وصول شرارة الانتفاضة الشعبية من تونس ومصر إلى ليبيا، لكن قائد البلاد حينها معمر القذافي رفض ذلك. وحين زاد الخطر في الأيام التالية، بدأ الحديث مجددا عن غلق الحدود، لكن ذلك كان بعد فوات الأوان.
وطوال السنوات الست الأخيرة، وحتى يومنا هذا، أصبحت كثير من دول الشرق الأوسط تعيش في فوضى عارمة. فقد كانت الشعوب تتطلع إلى مزيد من الحريات بالتخلص من الأنظمة القمعية التي ظلت تحكمها لسنوات طويلة، لكن المحصلة النهائية لكل هذه الآمال، تحولت إلى كابوس مرعب، وبدلا من الاستقرار، ضربت الحروب الأهلية المنطقة، وظهرت الأعلام الملونة للأقليات، كالأكراد والأمازيغ، والأعلام السوداء للجماعات الدينية، ومنها «داعش» وأنصار الشريعة، ما أدى إلى تشريد ملايين الناس. أما في ليبيا فقد أصبح هناك سبعة أعلام وثلاث حكومات وفوضى عارمة.
من خلف شرفة زجاجية تطل على نيل القاهرة، يتذكر أحمد قذاف الدم الأيام الصعبة، حين كان يعمل مبعوثا خاصا للقذافي ومنسقا للعلاقات المصرية - الليبية. يقول قذاف الدم وهو يجلس خلف مكتبه الذي يضع عليه علما أبيض يرمز لـ«نبذ الفرقة»: «لم يتحمس الأخ معمر للأحداث في تونس، ولم يجد في انتفاضة التونسيين ما يعبر عن أي شيء فيه قدر من التفاؤل. فقد كان متشائما جدا».
وقتها لم يكن الرئيس التونسي زين العابدين بن علي قد خرج من البلاد بعد. بينما كان الرئيس المصري حسني مبارك ما زال يكافح في الأيام الأخيرة للإبقاء على سلطته. وفي هذه الظروف اجتمع القذافي مع مساعديه مرة أخرى، وكان من بينهم قذاف الدم، وقرر إلقاء خطاب يدعو فيه سكان الدولتين المجاورتين له من الشمال الغربي ومن الشرق إلى «عدم التوسع في التدمير والحرق».
ووفقا لقذاف الدم فقد تحدث القذافي عن أن دولة مثل تونس ورغم إمكاناتها المحدودة، فإن ما يقوم به بن علي أدى لوصول النمو الاقتصاد إلى 6 في المائة، وهي نسبة جيدة، حسب رأيه، وأبدى الاستعداد لأن تسهم ليبيا في دعم الشعب التونسي من أجل مزيد من النمو والاستقرار.
وخلافا لرؤية القادة العسكريين والأمنيين المحيطين بالقذافي عن ضرورة غلق الحدود مع جيران مضطربين، قرر القذافي مرة أخرى خلال أيام الاستمرار في فتح الحدود مع تونس، وتقديم كل الدعم المادي، من وقود وتموين، في محاولة لمنع نظام بن علي من السقوط.
وعندما رأى القذافي شرارة الانتفاضة التونسية وهي تنتقل إلى جارته مصر، بدأ يعيد التفكير فيما يجري. وفي هذا السياق يقول قذاف الدم إنه حينما بدأت الأحداث في مصر حرص القذافي على متابعة ما يقوله المتظاهرون في ميدان التحرير عبر شاشات التلفزيون. ويبدو أن الزعيم الذي كان يحكم ليبيا منذ عام 1969 شعر بأن القضية أكبر مما يجري في تونس.
يقول قذاف الدم بهذا الخصوص: «لقد كنا معه في الاجتماعات التي سبقت الأحداث الليبية في 17 فبراير (شباط)، وكنا نراقب الأوضاع التي تعصف بالمنطقة. الأخ معمر نظر إلى شعارات المتظاهرين المصريين، وقال لنا إن ما يحدث ليس ثورة، وهذا عمل لدي عليه علامات استفهام كثيرة».
خلال تلك الأيام بدأت تظهر على مواقع التواصل الاجتماعي دعوات للتظاهر في ليبيا، فظهر الارتباك في هذه الدولة الصحراوية ذات الطبيعة القبلية، وتوجه وجهاء من قبائل كثيرة إلى طرابلس لتقديم الولاء للقذافي. يقول قذاف الدم: «لقد فوجئ الأخ معمر بوصول مشايخ لقبائل وقيادات اجتماعية لتقديم البيعة والولاء له.. وكل هذا موثق في أشرطة مرئية. بعضهم قدم البيعات كتابيا والبعض شفاهيا، وكله كان منقولا على الهواء عبر شاشات التلفزيون. وحين بدأت أحداث بنغازي، كان يمكن احتواؤها في البداية».
كان نشطاء الحركات المدنية، من محامين وحقوقيين وسياسيين، على رأس من قادوا ما أصبح يعرف بـ«ثورات الربيع العربي». لكن الأمور تغيرت سريعا بعد ذلك حين دخلت تيارات وجماعات عنف على الخط، رافعة شعارات تدعو إلى تطبيق الشريعة الإسلامية، أو تأسيس «الخلافة» أو «الجهاد المسلح» ضد الخصوم، بينما كانت عدة تكتلات اجتماعية وقبائل في ليبيا تبحث عن مستقبل، خاصة بعد خطب الرئيس الفرنسي آنذاك نيكولا ساركوزي، التي كانت تدعو إلى توجيه ضربات عسكرية للقوات المسلحة الليبية التي يعتمد عليها نظام الحكم الليبي.
وفي خضم الفوضى كان الكاتب الفرنسي برنار ليفي، المقرب من ساركوزي، يقوم بزيارات إلى دول المنطقة. وظهر ليفي أولا في مدينة مرسى مطروح المصرية الهادئة الواقعة على البحر المتوسط قرب الحدود مع ليبيا، وألف كتابا فيما بعد عن مجمل زياراته إلى مصر وليبيا وغيرهما، تناول فيه تفاصيل ما قام به للمساعدة على الإطاحة بنظام القذافي.
يقول قذاف الدم بهذا الصدد: «بعض زعماء القبائل التي كانت جاءت لمبايعة القذافي، وأنا كنت حاضرا، فوجئنا بأنها للأسف جلست مع ليفي.. كتب لهم البيانات»، ويقصد بها البيانات المعادية لنظام القذافي. ويضيف قذاف الدم موضحا أن «الدول الغربية يبدو أنها خططت لكل هذا منذ زمن. فقد جرى استقدام نحو مليون علم (الأعلام التي رفعها المنتفضون ضد نظام القذافي، وهو علم البلاد في الوقت الراهن) من الصين. وتم تسريب هذه الأعلام إلى داخل البلاد».
وساعد على اشتعال النار في ليبيا ضعف الحكومات التي جاءت عقب سقوط حكم بن علي ومبارك، إلى جانب القوة الضاربة لحلف شمال الأطلسي (الناتو). وبعد مرور كل هذه السنوات، أصبح هناك الألوف في السجون، بينهم قيادات كبيرة، وسقط آلاف القتلى عبر دول المنطقة، كما تشرد ملايين الناس وهم يبحثون عن ملاذ آمن، حتى لو كان في أوروبا والولايات المتحدة. أما في ليبيا فما زال ألوف من القيادات والأنصار لنظام القذافي في سجون حكام ليبيا الجدد، خاصة في طرابلس ومصراتة، يطلق عليهم قذاف الدم لقب «أسرى حرب»، ويقول: «لدينا مئات الآلاف من المشردين في دول الجوار، وعشرات الآلاف من السجناء في داخل ليبيا. وهؤلاء أسرى الحرب كان ينبغي أن يفرج عنهم فور انتهاء الحرب، لكن للأسف لا أحد يتحدث عنهم.. لا الأمم المتحدة ولا المبعوثون الدوليون ولا الدول العربية».
ومنذ خروجه من ليبيا في أيام الانتفاضة، لم يرجع قذاف الدم إليها مرة أخرى. لكنه اليوم أصبح مقتنعا بأن هذه العودة أصبحت قريبة، خاصة مع تمكن طلائع من العسكريين والسياسيين الموالين للقذافي من دخول البلاد، وتغير معظم الحكومات الغربية التي كانت تقف وراء حملة الناتو على ليبيا، ومنها الحكومة الفرنسية والحكومة البريطانية والحكومة الأميركية.
ويعتقد كثير من السياسيين العرب أن التغيرات في النظم الحاكمة في دول غربية، يمكن أن تؤثر على بلدان منطقة الشرق الأوسط، خاصة فيما يتعلق بالحروب وطبيعة النزاعات عقب عاصفة «الربيع العربي». وبهذا الخصوص يقول قذاف الدم «اليوم فاز دونالد ترمب في البيت الأبيض، وهناك حكومة جديدة في بريطانيا. وهؤلاء يسعون للبرهنة على أن ما حدث من الحكومات السابقة في بلدانهم تجاه ليبيا كان خطأ».
ومن أبرز الجماعات التي أسهمت بقوة في «ثورات الربيع العربي» جماعة الإخوان المسلمين، التي تمكنت من تولي الحكم لفترة قصيرة في كل من تونس ومصر وليبيا. وتوجد مساع في الولايات المتحدة لتصنيف الجماعة «منظمة إرهابية».
وقد عقدت الجماعة في ليبيا صفقة قيمتها مليارا دولار لتسلم قذاف الدم من القاهرة في 2013، لكنها فشلت. وفي هذا الشأن يقول قذاف الدم إن محاولات استهدافه من جانب الجماعات المتطرفة في ليبيا لم تنقطع، بما فيها محاولة اغتياله.
وأسس قذاف الدم مع قوى ليبية أخرى «جبهة النضال الوطني». وعن سبب إطلاقه مبادرة رفع علم أبيض، يقول: «في ليبيا أصبحت توجد سبعة أعلام. علم برقة، وعلم الأمازيغ، وعلم التبو، وعلم أنصار الشريعة، والعلم الأخضر، وعلم الاستقلال. وكل علم له مسلحون، وهذا يعبر عن انقسامات خطيرة»، مضيفا: «نحن في جبهة النضال الوطني نسعى لدولة جديدة تحت راية بيضاء مؤقتا، إلى أن تقوم الدولة ويقرر بعدها الشعب الليبي العلم الموحد الذي يريده».



«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
TT

«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)

أقرّ مجلس إدارة البنك المركزي اليمني، في اجتماعه المنعقد بالعاصمة المؤقتة عدن برئاسة المحافظ أحمد غالب، حزمة من الإجراءات النقدية والتنظيمية للتعامل مع ظاهرة شح السيولة من العملة الوطنية في الأسواق، في خطوة تعكس سعي السلطات المالية إلى احتواء الضغوط المتزايدة على الاقتصاد في ظل ظروف داخلية وخارجية معقدة.

وجاءت هذه القرارات بعد تقييم شامل للتدخلات السابقة التي نفذها البنك لضخ السيولة، والتي تمت وفق معايير اقتصادية تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار النقدي دون التسبب في اختلالات إضافية، خصوصاً في ظل استمرار فجوة السيولة وتأثيرها على الأنشطة التجارية والمعيشية.

وبحسب الإعلام الرسمي، ناقش المجلس جملة من الخيارات المتاحة لمعالجة أزمة السيولة، وأقر حزمة إجراءات موزعة بين تدابير فورية وأخرى قصيرة ومتوسطة الأجل، مع تكليف الإدارة التنفيذية بتنفيذها ومتابعة نتائجها بشكل مستمر. كما شدد على أهمية التقييم الدوري للأوضاع النقدية واتخاذ خطوات تصحيحية بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة.

جانب من اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني في عدن (إعلام حكومي)

وأكد المجلس التزام البنك المركزي بمواصلة تبني سياسات نقدية احترازية متحفظة، تستهدف الحفاظ على استقرار سعر صرف العملة الوطنية وكبح الضغوط التضخمية، مع تجنب الاستجابة لتوقعات غير مبنية على أسس اقتصادية، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية ودولية غير مستقرة.

وأشار إلى عزمه استخدام كل الأدوات المتاحة، بما في ذلك السياسات النقدية والإجراءات الإدارية والوسائل القانونية، لضمان تحقيق أهداف الاستقرار المالي والنقدي، وهو ما يعكس توجهاً أكثر تشدداً في إدارة السياسة النقدية خلال المرحلة المقبلة.

تحديات اقتصادية

واستعرض مجلس إدارة البنك المركزي اليمني خلال الاجتماع، مؤشرات الأداء المالي والاقتصادي الأولية للربع الأول من العام الحالي، بما في ذلك وضع الموازنة العامة ومستوى الاحتياطيات الخارجية والالتزامات المالية، إلى جانب تقييم آفاق الاقتصاد الوطني في ضوء التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة.

وأورد الإعلام الرسمي أن النقاش سلط الضوء على التداعيات الاقتصادية للتوترات الإقليمية، التي أسهمت في رفع تكاليف النقل والتأمين وأسعار الطاقة، إضافة إلى اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، وهي عوامل تضغط بشكل مباشر على الاقتصادات الهشة، ومنها الاقتصاد اليمني الذي يعاني أساساً من اختلالات هيكلية وعجز مزمن في الموارد.

طفل يمني يحمل ورقة نقدية من فئة 500 ريال في مأرب (أ.ب)

وفي هذا السياق، اطلع المجلس على الجهود الحكومية الرامية إلى التخفيف من آثار هذه التحديات، بدعم من القيادة السياسية، بما في ذلك التنسيق مع الشركاء الدوليين لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والحد من تداعيات الأزمات الخارجية.

وضمن مساعي تحديث البنية التحتية المالية، أقر المجلس عدداً من القرارات التنظيمية؛ أبرزها اعتماد معيار وطني موحد لخدمة رمز الاستجابة السريع لجميع المؤسسات المالية، بما يسهم في تسهيل المعاملات وتعزيز الشمول المالي.

كما أقر ربط المحافظ الإلكترونية ضمن منظومة موحدة ترفع كفاءة التشغيل، إلى جانب مساهمة البنك المركزي بوصفه مسهماً رئيسياً في شركة تشغيل نظام المدفوعات الفورية، في خطوة تهدف إلى تسريع التحول نحو الاقتصاد الرقمي وتقليل الاعتماد على النقد.

وفد من البنك الدولي

ورحب مجلس الإدارة بالتطورات الإيجابية في علاقات اليمن مع المؤسسات المالية الدولية، مشيراً إلى زيارة وفد البنك الدولي رفيع المستوى إلى عدن، وإلى عرض تقرير مشاورات المادة الرابعة مع اليمن على مجلس إدارة صندوق النقد الدولي، وهو ما يعكس تنامي الانخراط الدولي في دعم الاقتصاد اليمني.

وفي السياق ذاته، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي، أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات التعافي، مع التركيز على تحسين الخدمات الأساسية والبنية التحتية وبناء القدرات المؤسسية.

اجتماع يمني في عدن مع وفد من البنك الدولي (إعلام حكومي)

وأكدت الزوبة أهمية مواءمة برامج الدعم مع أولويات الحكومة لعام 2026، داعية إلى زيادة التمويلات المخصصة لليمن، خصوصاً في قطاعات الصحة والتعليم والمياه وخلق فرص العمل، إلى جانب تمكين النساء اقتصادياً.

وشدد الجانبان على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع استمرار دعم الفئات الأكثر احتياجاً، والتركيز على القطاعات الحيوية كالكهرباء والبنية التحتية والتعليم، بما يضمن تحقيق أثر طويل الأمد على الاقتصاد والمجتمع.


مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
TT

مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)

مع إعلان الجماعة الحوثية انخراطها في الحرب دفاعاً عن النظام الإيراني، دخلت العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرتها مرحلة جديدة من التوتر والقلق، انعكست مباشرةً على الحياة اليومية لملايين السكان، الذين يواجهون اليوم سيناريوهات مفتوحة على احتمالات أمنية واقتصادية معقدة.

ففي صنعاء، تتجلَّى ملامح القلق في تفاصيل الحياة اليومية. الشوارع أقل ازدحاماً في ساعات النهار، وحركة الأسواق تشهد تراجعاً ملحوظاً، فيما يفضِّل كثير من السكان البقاء قرب منازلهم.

وبالرغم من غياب أي موجة نزوح واسعة حتى الآن في صنعاء، فإنَّ شهادات محلية تشير إلى تحركات فردية لعائلات بدأت بمغادرة أحياء ومناطق قريبة من مواقع حساسة. في المقابل، يلجأ كثيرون إلى ما يمكن وصفه بـ«الاستعداد الصامت» يتضمن تخزين بعض الغذاء وتوفير كميات إضافية من المياه، وتجهيز خطط بديلة في حال تدهور من الأوضاع.

مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)

ويخشى السكان في صنعاء من أن يؤدي انضمام الحوثيين للدفاع عن إيران إلى مزيد من المعاناة، خصوصاً وأن الملايين من اليمنيين يعيشون منذ سنوات ظروفاً متدهورة جرَّاء الانقلاب والحرب واستمرار سياسات الفساد والنهب والتجويع الحوثية.

وأبدى سكان العاصمة المختطفة رفضهم لهذه التحركات التي قد تستدعي، بحسبهم، ضربات عسكرية جديدة تطال ما تبقى من البُنى الحيوية دون اكتراث للمعاناة.

توقع ردود انتقامية

ويُحذِّر مراقبون من أن انخراط الحوثيين في الحرب قد يضع صنعاء وبقية مدن سيطرتهم ضمن بنك أهداف مُحتمل لقوى مثل الولايات المتحدة أو إسرائيل، خاصة إذا استمرت وتيرة ارتباط عمليات الجماعة بتطورات ميدانية في الصراع الإقليمي.

ويقول مراد، وهو مواطن يعيش في شمال صنعاء لـ«الشرق الأوسط»: «نحن لا نعرف حجم ما سيحدث، لكننا متأكدون أن الأمور لن تبقى كما هي. كل الاحتمالات واردة».

ويضيف: «إن القلق لا يرتبط حالياً بالخوف من ردة فعل أمريكية - إسرائيلية انتقامية ومُحتملة، بل أيضاً بانعدام وضوح المستقبل، في ظل تصاعد الخطاب العسكري للجماعة باستمرار شن مزيد من الهجمات باتجاه إسرائيل، وصولاً إلى معاودة استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر وباب المندب».

الحوثيون رفعوا صوراً لخامنئي في شوارع صنعاء (إ.ب.أ)

أما أم محمد، وهي ربه منزل تقطن حي قريب من موقع عسكري غرب صنعاء، فتقول: «فكرت مع عائلتي بترك منزلنا بعد دخول الحوثيين في الحرب، لكن إلى أين نذهب؟ الإيجارات مرتفعة، والوضع صعب. وإن بقينا فالخوف لن يُفارقنا، خصوصاً على الأطفال».

وتشير إلى أن أطفالها أصبحوا أكثر توتراً، خصوصاً مع تداول أخبار التصعيد الحوثي عبر الهواتف ووسائل التواصل.

ولا تقتصر هذه الحالة على صنعاء، بل تمتد إلى مدن عدة خاضعة تحت سيطرة الحوثيين، حيث يُبدي كثير من السكان مخاوف مُشابهة، وإن كانت أقل حدة.

تصعيد تدريجي

ويرى محللون أن المرحلة المقبلة قد تشهد نمطاً من «التصعيد التدريجي»، الذي يسمح للجماعة بالمشاركة دون الانجرار إلى مواجهة شاملة، غير أن هذا التوازن يبقى، حسبهم، هشاً وقابلاً للانهيار.

وبحسب هذه التقديرات فإنَّ الحوثيين وضعوا أنفسهم جرَّاء هذا التحرك أمام معادلة صعبة، حيث أنهم يسعون لتعزيز موقعهم ضمن محور تقوده إيران، لكنهم يدركون في الوقت نفسه أن التصعيد المفرط قد يستجلب ردوداً عسكرية قاسية.

حفرة أحدثها سقوط صاروخ حوثي استهدف إسرائيل (أرشيفية - أ.ف.ب)

ويشير ناشطون يمنيون إلى أن المخاوف الحالية لا تقتصر على الجانب العسكري، مؤكدين أن سكان صنعاء وبقية المدن لا يخافون فقط من الضربات، بل أيضاً من أي إجَّراءات داخلية قد تشمل الاعتقالات أو التضييق، بتهم التخابر مع من تصفهم الجماعة بـ«الأعداء».

ويتخوف المراقبون من أنه في حال استمرار انخراط الحوثيين في الحرب بوتيرة عالية، قد تتجه الأوضاع في اليمن نحو مرحلة أكثر تعقيداً، فالخوف يتصاعد، والضغوط المعيشية والاقتصادية تتزايد، والسيناريوهات تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة.

وكانت الجماعة الحوثية أعلنت، السبت، إطلاق دفعتين من الصواريخ باتجاه إسرائيل، في إطار ما تسميه نصرة إيران، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخين أطلقا من اليمن، دون التسبب في أية أضرار.


هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

مع انقضاء الشهر الأول للحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

هذا التدخل الذي لم يكن مفاجئاً في سياق ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، يفتح الباب أمام تحولات ميدانية وسياسية عميقة داخل اليمن؛ إذ يرى محللون أنه قد يسرِّع إعادة تشكيل خريطة المواجهة، ويدفع نحو استئناف عمليات عسكرية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة على ساحل البحر الأحمر، وربما أبعد من ذلك.

ويأتي ذلك بالتزامن مع قرار الأمم المتحدة إنهاء مهمة بعثتها لدعم اتفاق الحديدة (أونمها) بنهاية مارس (آذار) الجاري، ما يعزز التقديرات بعودة جبهة الساحل الغربي إلى مربع الصراع المسلح، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتراجع مسارات التهدئة.

وتتصاعد المخاوف الإقليمية والدولية من احتمال إقدام جماعة الحوثي على إغلاق مضيق باب المندب، في خطوة قد تأتي امتداداً لتحركات طهران في مضيق هرمز، بما يعكس اتساع نطاق الضغط على الممرات البحرية الحيوية.

يقول عدنان الجبرني، المتخصص في الشؤون العسكرية، إن «مغادرة البعثة الأممية بالتزامن مع دخول الحوثيين في حرب جديدة لصالح إيران، وما قد يترتب على هذا الانخراط من تداعيات على مستقبل اليمن والمنطقة، يجعل جميع الاحتمالات مفتوحة».

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «انخراط الحوثيين يؤكد أن محركات الجماعة وأولوياتها مرتبطة بشكل أساسي بإيران ومحورها، وهو ما يشكل تحدياً خطيراً لليمنيين ومصالحهم ومستقبلهم، وكذلك للمنطقة عموماً، رغم حرص الجماعة على توظيف خطاب إسرائيل والقضية الفلسطينية».

انخراط الحوثيين في الحرب الإقليمية قد يؤدي لعملية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة (وكالات)

وحسب الجبرني، فإن «الحوثيين وصلوا داخلياً إلى حالة من الانسداد والانكشاف؛ حيث بلغ السخط الشعبي ضدهم وعزلتهم المجتمعية مستويات غير مسبوقة»، مضيفاً أن «ذلك يدفعهم نحو مزيد من الانخراط في معارك خارجية، وهو ما قد يرتد بتكلفة عالية على الجماعة ومستقبلها».

من جهتها، لم تستبعد المهمة الأوروبية (أسبيدس) استهداف الحوثيين السفن في البحر الأحمر وخليج عدن، داعية السفن العابرة في هذه المنطقة إلى توخي الحذر.

في المقابل، يرى مروان نعمان، الباحث في مركز واشنطن للدراسات اليمنية لدى الأمم المتحدة، أن «الأوان قد حان لتحرير مدينة الحديدة من الميليشيات الحوثية»، مشيراً إلى أن «قرار نقل السلطة في عام 2022، الذي تم بموجبه تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، أكد أن حل الأزمة في اليمن سيكون سلماً أو حرباً».

ولفت نعمان -في تعليق لـ«الشرق الأوسط»- إلى أن «الرئيس رشاد العليمي دعا مؤخراً إلى تشكيل تحالف دولي لمواجهة التهديدات الحوثية في البحر الأحمر»، مضيفاً أن «التطورات الجديدة في المنطقة تجعل من تحرير مدينة الحديدة أمراً لازماً».

وأكد أن «انخراط الجماعة، بتوجيه من (الحرس الثوري) الإيراني، في خدمة أجندة إيران التوسعية الهادفة إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، يدق المسمار الأخير في نعشها».

الجماعة الحوثية تعيش أسوأ حالاتها حسب محللين (إ.ب.أ)

من جانبه، يتفق الكاتب السياسي اليمني همدان العليي على أن «انتهاء اتفاق استوكهولم، ومغادرة البعثة الأممية، يمثلان فرصة حقيقية لليمنيين والإقليم والمجتمع الدولي، لاستعادة مؤسسات الدولة في الحديدة، وصولاً إلى صنعاء».

ويرى العليي أن «أي عملية لتحرير الحديدة ومينائها ستسهم في حماية الممرات البحرية في باب المندب من الهجمات الحوثية، التي يُتوقع أن تتصاعد خلال الفترة المقبلة»، مضيفاً: «يبدو أننا أمام مواجهة جديدة (...) وأي خرق جديد من الحوثيين يعني الدخول في مرحلة مختلفة قد تقود إلى تحرير هذه المنطقة الجغرافية المهمة».

بدوره، يؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الله إسماعيل، أن «هناك كثيراً من المؤشرات التي تدل على أن معركة تحرير الحديدة واليمن قادمة»، ولكنه يرى أن الإشكالية تكمن في التوقيت. وقال: «في تقديري، فإن معركة تحرير الحديدة والمناطق الأخرى قادمة، ولكن تحديد موعدها يخضع لجملة من المعايير والترتيبات التي تحول دون استفادة الحوثيين من عمليات التحشيد أو استغلالها في تغرير اليمنيين».

وأضاف: «نحن أمام متغيرات واضحة، وربما تكون الانتفاضة من الداخل اليمني هي الحاسمة، بينما يرى كثيرون أن الجماعة تحفر قبرها بيدها».

من الناحية العسكرية، يرى العقيد محمد جابر، مستشار قائد العمليات اليمنية المشتركة، أن «المعطيات المحلية والإقليمية الحالية تشير إلى أننا مقبلون على معركة (كسر عظم) مع مشروع نظام الملالي».

وأشار -في تصريح لـ«الشرق الأوسط»- إلى أنه «بعد سقوط اتفاق استوكهولم سياسياً وعسكرياً، تبرز مؤشرات واضحة على فتح جبهة الحديدة والساحل الغربي، وتحولها إلى ساحة مواجهة مفتوحة خلال الأيام المقبلة».

قوات تابعة للمقاومة الوطنية في الساحل الغربي (الجيش اليمني)

وحذَّر جابر من أن «الحوثيين استبقوا هذا التحول بتحشيد عسكري غير مسبوق منذ بداية عام 2026، بهدف تحويل الساحل إلى قاعدة صاروخية تخدم النظام الإيراني في صراعه الإقليمي، واستخدام باب المندب كورقة للمقايضة السياسية».

ووفقاً لوزير الإعلام اليمني معمر الإرياني، فقد وصلت قيادات وخبراء إضافيون من «الحرس الثوري» إلى صنعاء خلال الأسبوع الماضي، بالتزامن مع التصعيد الأخير.

وأوضح جابر أن «التحركات الأخيرة للحكومة الشرعية واللجنة العسكرية، بإشراف المملكة العربية السعودية، تعكس وجود ترتيبات جادة لتوحيد الجبهات تحت قيادة مشتركة، والاستعداد لسيناريو ردع جماعة الحوثي واستعادة المواني».

وأضاف: «اختار الحوثيون الانخراط في المعركة الإقليمية بإرادتهم، وقدَّموا أنفسهم كأداة تنفيذية ضمن غرفة عمليات مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، مقدِّمين أولويات الصراع الإقليمي على حساب مصلحة اليمن واليمنيين، هذا القرار سيضعهم أمام مواجهة داخلية مع اليمنيين، ومواجهة مباشرة مع البيئة الإقليمية والدولية، بما قد يعجِّل بنهايتهم».