«شوقي أبي شقرا يتذكر» (3 - 3): فضائل «شعب النهار»... والدسائس

غداء في منزل فيروز وغسان تويني يطرده

من اليمين: رضا خوري وعصام محفوظ وشوقي أبي شقرا وأنسي الحاج في «دار الفن والأدب» بمناسبة صدور «سنجاب يقع من البرج» لأبي شقرا
من اليمين: رضا خوري وعصام محفوظ وشوقي أبي شقرا وأنسي الحاج في «دار الفن والأدب» بمناسبة صدور «سنجاب يقع من البرج» لأبي شقرا
TT

«شوقي أبي شقرا يتذكر» (3 - 3): فضائل «شعب النهار»... والدسائس

من اليمين: رضا خوري وعصام محفوظ وشوقي أبي شقرا وأنسي الحاج في «دار الفن والأدب» بمناسبة صدور «سنجاب يقع من البرج» لأبي شقرا
من اليمين: رضا خوري وعصام محفوظ وشوقي أبي شقرا وأنسي الحاج في «دار الفن والأدب» بمناسبة صدور «سنجاب يقع من البرج» لأبي شقرا

في الحلقة الثالثة والأخيرة من كتاب «شوقي أبي شقرا يتذكر» مزيد من كواليس الكبار المؤسسين بعد أن انتقل إلى جريدة «النهار»، إذ يتحدث الكاتب عن استغناء غسان تويني عنه «بسهولة» بعد ثلث قرن، وعن صمت أنسي الحاج، وكيف أن السيدة فيروز كهربت أنسي ومسّته بسحرها مما أزعج عاصي. كثير من التفاصيل الصغيرة والحميمة، في عالم يضج بالتحولات الجسام، قبل أن تبدأ الفورة الأدبية بالانحسار.
وسيصدر الكتاب يوم 21 من الشهر الحالي عن «دار نلسن» ويوقعه صاحبه الساعة الخامسة من اليوم نفسه، في جامعة الحكمة، في بيروت.

والآن إلى شعب جريدة «النهار»، وإلى غسان تويني، وإلى الشاعرة ناديا تويني التي كانت ليّنة القوة وصلبة الشكيمة، حين هي كانت مريضة، وكانت تعي أنها تصير كذلك، ومع ذلك كانت صباح الخير ومساء الخير، وكانت شاعرة بدأت متردّدة النبرة، ثم تحولت إلى متمكنة من الكلمة باللغة الفرنسية.
وغسان تويني زوجها، لم يكن كلّ الوقت عابسًا، وإنما يضحك ضحكة تعبير نصفية، لا يرتوي ولا يشبع منها، وكان مع ناديا تويني يفتح لنا بيته العالي والفاخر في رأس كفرا، وبيت مري، في المتن الشمالي، ونحن نسهر ونتكلم في الطالع والنازل، ومرة كان يوسف الخال ونزار قباني من الضيوف وبعض المثقفين والشعراء، وكان الصفاء في الأحاديث. وما زلت أسمع تويني ينتقد يوسف الخال، ويأبى أن يطيقه في دور الشاعر الذي يحضن الموهوبين ويتهكم قليلاً. وإلى الطاولة فيما نتناول العشاء كانت ناديا، ولم تدافع عن يوسف الخال، بل أنا فعلت وعاتبته، لأنه ينكر عليه حضوره، وكونه قائمًا بنهضة أو محاولة نهضة في الشعر العربي الحديث، وليس وحده بل نحن معه، وصمت تويني وهو مقتنع بما عنده وليس العكس بتاتًا.
وكان تويني أيضًا قريبًا طبعًا من ناديا تويني في شِعرها، ولم يكن قريبًا من الحركة الثقافية عامة، مثلما فعل فيما بعد، فلا يحدب على أي موضوع ثقافي أمامنا نحن، إذ كنا في «النهار»، ونحمل معنا قلمنا الذي شحذناه في حركة مجلة «شعر» وحملناه إلى المهنة، إلى الصحافة. وكان بنا روح يحفزنا، وبه نتفهم أي تجربة في النثر أو الشعر ولا يستطيع غيرنا، لأنه في السبات، أن يكون في محلّنا في مرصادنا المتين والمشرف على الشاردة وعكسها، على ما يهزّنا هزّة ولو خفيفة، فنعلم أن في هذا الباب صدى واندفاعًا إلى الأشياء، إلى أول المغامرة التي لم نتنازل عنها حتى في الكهولة.
وتويني جزء من جو «النهار»، وكان حقًا لطيفًا وممتلئًا بالأحاسيس الجدية والبسمات والأحلام، وفي مدى هذا الجو ترعرعنا ثانية وصرفنا سنوات ولم نأسف، وكانت الوجوه رضيّة وأليفة منذ الستينات إلى أواخر التسعينات من القرن الماضي. وكنا أوفياء فلا ما يعطّل المسيرة الناعمة، وكان فرنسوا عقل في السلم وفي الحرب هو الأشدّ والأطول باعًا في الصمود وفي دفع الجريدة إلى مصيرها الأوحد، وهي أن تستمرّ، وهكذا استمرّت في الحرب اللبنانية، وتحدّت المخالب من كلّ نوع وقياس، وتويني أحيانًا في موقع المتفرج وموقع غير المصدق، وكأنه ينتظر أن تحدث الخيبة في أول فرصة، وأي زمان.
وشعب «النهار» ما أحلاه كان، فنحن إخوة، ونحن كتاب ونحن سطور وكلمات، ونحن خبر أو قصيدة أو نص مرتفع فوق العادة، ونحن مؤلفون وبنا الأقدام على الثمار وعلى ما يتوافق ويهتدي إلى الغاية الأخيرة، إلى النجاح الثمين والأكيد...
وإلى ميشال أبو جودة الذي تابعناه في عموده على الصفحة الأولى، وفي المضمون الذي له والذي كان الوحيد في وهجه، قبل أن نأتي نحن وأن نعمد نحن إلى التنويع وإلى بسط الوهج على صفحات الملحق، ثم صفحات «النهار». وإلى أن نكون في عزّ المضي إلى الأمام، وإلى أن نحرز قارئًا آخر ليس السياسي، وليس الذي اعتاد اسمًا واحدًا أو لونًا واحدًا مما في الجريدة.

أنسي الحاج والمثالية

وسبق لنا، سنة 1967، حين الهزيمة العربية، أن عمدنا إلى المخاطبة الثنائية أنا وصديقي أنسي الحاج الذي كان يهرب من الارتجال والعفوية الآنية والكتابة المباشرة، ويأخذ نصي أنا وعباراتي أنا، يأخذهما مني ونحن في مقهى «الهورس شو»، ويذهب إلى وحدته، إلى مكتبه، ويردّ على ما كتبت بعبارات تفقد أهميتها اللحظوية، لتكون شغل العقل والتأني. وليس ذلك بالعجيب، بل إنه عمد إلى الطريقة ذاتها مع ناديا تويني، وأظنه فعل كما معي، وأظن ناديا أيضًا ردّت بتأن وهو فعل بتأن، وانتفى الغرض من هذه الطريقة، أي أن تكون بنت الساعة، بنت العمق الإبداعي، لا أن تكون في صنف التأليف المعتاد والاصطناع الزائف، والموهبة هنا في حداد على هذا الموقف الخارج عن البراءة الأولى، وعن الزبد السريع إلى ملاقاة الأرجل على الرمل، ولفّ الأجساد بالأمنيات وبالعطر اليودي.
وحين تركت «النهار» لم يفكّر أنسي الحاج أنه سيصيبه ما أصابني، وأن غسان تويني استعمل كلمات الرثاء وإن في ستار التقييم والكلمات المرسلة بتأن ورحمة.
وأين المثالية فيما يفعل، وأين جلال الكلمة حين يقولها، لتكون هي الرادع له والحاجز دون أن يشطّ وأن ينحرف عن الخلقية وعن الصراط الحقيقي.

وتخلى عني غسان تويني

إذ تخلّى عني غسان تويني بسهولة، وأنبأني أنني مصروف، وأنه يستغني عن خدماتي. قالها لي في مكتبه وأنا قبالته. ثم سألني من ترى أنه صالح ليكون مطرحي، وما أجبت بل بقيت صامتًا، ورغبتي أن أنصرف وأنتهي من هذه اللعبة بين القط والفأرة، بل إن طبعه كما ظهر لي أنه يهوى الفعل الكاسر ولا حاجز دونه ليردعه عن الاستهتار واستعمال المزاج المنقلب. وكان هذا الحاجز يدعى فرنسوا عقل، إذ كان مدير التحرير الساهر على موقفه وعلى كرامة المحرّرين، وكنت أنا كذلك في هذا الفيء المتين، وكنت أعطي نفسي وموهبتي مسرورًا أبدًا. ما عدا الزمن الأخير حيث بلغ انزعاجي من الجو الوقح والدسائس إلى ذروته، وتكسّرت أغصان المحبة والطيبة على حضيض الانفعال والبراهين الصغيرة.

في منزل فيروز وعاصي

وخرجنا من الغداء عند الأخوين الرحباني والسيدة نهاد كما يناديها عاصي، خروجًا كان له الصدى في ملحق «النهار» وكان يوميًا، وتردّد الصدى أيضًا في بعض الإعلام، وحيث الأمر دائم الطرح، لأن العائلة الرحبانية في صدد أعمال وأغان وغيرهما من النشاط الذي يتصاعد إلى عرش العزّ والتجاوب المنداح إلى أقصاه، ولن أرجع إلى تفاصيل، بل أدلّ على سلوك أنسي الحاج رحبانيًا، من قبل في تلك الآونة ومن بعد في آونة المسرحيات والإطلال على الجمهور، بل على الجماهير، وعلى الآذان في وضع إصغاء ونجوى وطرب. وكان الحاج يغالي في إعجابه وتستخفه فيروز بما عندها من امتدادية في الهالة. بل إنها تبثّ النشوة نحوها، بحيث الكثيرون يقعون في هذه البئر العميقة من الجاذبية، وفي هذه الفجوة من الحرير، ويمكن القول ما أحيلى هذا الفخ وما أحيلى أن يسقط فيه الإنسان وأن تلفّه خيوط الشبكة الجميلة، ولا بطولة هنا ألا تتجاوب، وألا تنفعل، بل عليك الإقبال على هذه المساحة العذبة.
وكان أنسي، وهو حرّ وعلى حق، ذاتيا وانفعاليا، منذ «هالة والملك» على مسرح «البيكاديللي» يجلس في الصالة، ولا يفتأ أن يجهر ما يجيش في داخله من الآهات، وأخبرني المرحوم سمير نصري، وكان المقرب من الرحابنة آنئذ، أن عاصي كان ينزعج.
والحاج نفسه في القاعة حيث كنت أحرّر، وكان مكتبي في «النهار»، لا أدري لماذا احتدّ، وكانت الحرب صرفته عن العمل الدؤوب، أما نحن فكنا المحرّرين والمنكبين على أوراقنا، إذ هو أحاط بفيروز إحاطة الشغف والانجراف إلى موجاتها وبحرها الهائج والمنبعثة منه روائح السحر وتلاعب الرياح بالأشجار.
وعندما بلغت «هالة والملك»، خاتمتها سألني أنسي ماذا نفعل احتفاء بالنهاية؟ وماذا تستحق فيروز منا؟ وكان اقتراحي باقة وإرسالها إلى السيّدة العذبة الكهرباء، وبعثنا إليها بباقتين، ولم أدر أي شيء من التأثير، فيما تلا ذلك.
وعاصي، يخبرني سمير نصري، كان شديد الاحتضان لفيروز، وقسّى بكلماتها عليها، وكان يريدها طيّعة، وأن تكون كما يشاء من النظام، نظامه هو، وألا تخرج من أساره، من النهج الذي يخطّه. وكان يثأر من التصرّفات الفيروزية، بالكلمات يناديها، إن تباطأت على المسرح ولم تنسحب من التصفيق والتحيات والأزهار، حين يتطلب ذلك منها.
وعاصي ولو قسّى الكلام نجم رحباني مديد النور، تصل سرعته إلى الأجمل وإلى الأعمق، وهو من نضج التراث اللبناني، متعاونًا أو غير متعاون، بمساحة من الإبداع وبمساحة من اللغة الغنائية، إذ استقى من بلاده ومن هذه الليونة في العبارات والقصائد، بحيث كتب لها أن تكون الخميرة وأن تكون الصاج، وأن تكون المصهر، وأن تكون الرغيف الذي مهما تناولت منه يزداد اتساعًا ويتهادى خصبًا كبيرًا ولا تنتهي الموعظة، بل إن الجموع لن تجوع، ولن يأتيها القحط، ولن ينفد الطعام أبدًا.

زياد الرحباني... يخرمش الناس

ذات مرّة كان زياد الرحباني قبالة وجهي وهو على الكرسي في مكتبي في الحمراء. وكان من اللطف ومن الحديث الذي يقارب الهمس بحيث يسكب منه الكلمة العابرة أو الرقيقة. كما هي خفة الشراريب في طيارة الورق. وكان الذي أدركته الموسيقى والتراث المتراكم من الوالد عاصي الذي بنى باللمح والسرّ المضاء، مع منصور قصيدة النعومة والذكاء وتلك الخيوط بين حالة وحالة في لغة هي العامية وفي أقصى التجليات ومعالم الدعابة الكلامية. كما من عمّه منصور المنتشر جهده وعبيره. وزياد من الوالدة التي في صفاء النجوم والسفيرة... هو يرث ولا يرث ما سبق من الثروة القائمة على مجدها وعلى بيانها المديد.
لكنه مشرقي فيما هو أيضًا لبناني، وفي ألحانه وفي مسرحه ابتكار فيما تحتوي اللغة المحكية من انعكاس عميق ينزل في النفوس وفي العقول وفي مداها الخفي ويزرع الصدمة الحيّة والسريعة إلى التأثيرات مثلما هو النسر حين يفلش جناحيه ويخرمش الفضاء ويبعث المهابة.
وزياد يخرمش الناس، ويجلب مثلما يفعل الرحابنة، ذلك الإمتاع وتلك العاطفة وتلك الضحكة. وكلها في قالب الفكاهة التي تحتمل التأويل وتلك العبثية في الحركة كما يشتهي الفن الأصيل.
وفي الغناء وفي الأغنية عند زياد، ذلك الحنين الذي في المنطقة المشرقية، وذلك الطرب المختبئ ولا يظهر ولا ينجلي من ناحية التقييم سوى للعارفين، لكنه على سوية فنية ويكسر النسق الآخر ويبقى الطرب والدوخة كما عند الدراويش.

سمير عطا الله يجسّ الأنفاس

كنا معًا في جريدة «النهار» هو في ناحية وأنا في أخرى مفتوح الباب الزجاجي، وفي مكتب من الأوراق والأقلام. وسمير صحافي متذوق ودقيق، وهو على قوامه وعلى سمته المعروف وعلى الموهبة تدربت على الصواب وعلى قول ماذا في الباطن من شعلة ومن غضبة ومن التباس محكم الحلقات...
وهو، نحوي، وفي اتجاهي كلما حانت المناسبة الشعرية. وكما في السياسة هو طويل الروح وطويل الباع ورنان الجملة والتعبير المتصل والمتراكم حجّة وراء حجّة، وهمسة وراء همسة، كذلك هو في الأدب تنفجر النخوة لديه، وتضطرم المعاني خطوة وراء خطوة وجمرة وراء جمرة.
وهكذا الأسلوب عنده ينظر من عقله ومن وجدانه، ويسطع دم التجاوب وعصارة البلاغة. وهو يراني في قطعة كثيفة السطور، نشرت له في جريدة «النهار»، عنوانها «ذو الرنّة». أنني البهجة الشعرية لديه، ولا يدري السبب، وأنني له اللذة والرنّة، ولا يريد أن يدري لماذا. وها أنا ذا عنده «سنجاب يقع من البرج» كما فعل وانتقى عنواني لمقاله في أحد الأربعاء. وممكن القول إنه ذكاء وخيال ومتعة.
... وكيف لا يكون سمير عطا الله ذلك الأحادي الذي من طاولة الخبريات إلى الأوسع والأرحب، ومن التعب ثم التعب إلى النضج وإلى معالم الإحاطة والعبور في مهنة الصحافة وأشواكها وأزهارها. ومن فكرية إلى وقفة إطار يطلطل على لبنان وعلى العرب والعروبة وعلى المشاق والمهام والألوان. وما فتئ يلعب اللعبة بذكاء العبارة الممشوقة والليّنة بغية التأثير، وأن يشرب القارئ عذوبة الأسلوب نوطة ثم نوطة ورقصة ثم رقصة. وتلك، من سمير عطا الله، لمعة خاصة به تزيّن مقاله وتبعث الضوء حتى رؤية الشحوب ورؤية العافية معًا.
والأوفر في خضمّ ذلك، ثقافة الكاتب وكونه في ربيع الكلمة، وكونه في حاضرنا وفي سياقنا وفي النبوءات المتسارعة وليست في الغفلة أو في الطعن، وإنما هي الواقع، حيث الأزمات وحيث الصعاب، وتصوّره كما يفعل أي أديب أو أي روائي، أو أي صحافي مثل سمير عطا الله، وكأنه لا يبحث عن علاج وإنما ينبض ويجسّ الأنفاس، فضلاً عن القلب ونقله إلى الطوارئ المثالية وإلى سرير الحياة المثالي.

حنان الشيخ كأنها الركوة والقهوة

الصديقة والرفيقة والزميلة لي في جريدة «النهار» هي حنان الشيخ، وهي التي فازت ونجحت أمامي قبالة البصر والمنظار في مسح مجتمعها الأنثوي، وفي أنها داومت وغلبت الجفاف.
وتحمل حنان الشيخ الروائية اللبنانية، حيث تكون صورًا من بلادها، مقاطع من حياة ناسها، فسيفساءها، أحوالها، نساءها، رجالها. تحمل معها الشعب في أموره الصغيرة والأوسع في شجونه الكبيرة والأوسع، وكلما صدرت رواية لها تراءت المرأة العربية خصوصا في وهجها المتألق وفي رونقها وفي جفافها، ولعلّها أشد ظهورًا في هذا الذبول وهذا التناقض الذي يقوم بينها وبين العالم حولها...
إذن عالم أقصاه الغرب وأدناه الشرق، وفي هذا الشرق هي المرأة التي تفكر قليلاً... إن كان لها متسع من الحرية، فإنها تتمادى وتعصف بها العاصفة، وتدفعها إلى مواقع ضجر وخيبة، مواقع من أنس هو الأقل الأقل، ومواقع من التهافت الكياني، وتكثر عليها الأسئلة والأخطاء والتردّدات... وهكذا دائمًا لا ترتوي، لا تشعر بالثقة والأمان وتعكس مجتمعًا لها غارقًا في التحولات المتباطئة، ولا ما يوقفها في أرض صالحة...
حنان الشيخ منتجة، ولا يفوتها مجتمع في هلوساته وامتدادها كلما انوجد في مجتمع كالمجتمع اللندني. وهي، في حياتها العادية، لا تفعل سوى الكتابة، وسوى تناول الشوكولا، لذة عابرة من لذائذها، وسوى أن تسرّنا في العمق وفي الصباح كما في أي ساعة. وإنتاجها صادق اللسان والوتيرة يهجم على الطريدة، وينتصر دائمًا في صيد الحميم ولو تصاعد إلى مشارف العنف.
ولا تبخل حنان، بل إنها في علاقاتها الثقافية إنما تنجب، ويكون الجميل هو الذي يبزغ من أصابعها، من قلمها حين تكتب أو تحقق أو تقابل إحداهن. لا سيما هاتيك النسوة المرتفعات عن الواقع، عن العادي، واللواتي من ألوانهن، من أفكارهن، وهن في حركتهن والسلام لديهن. وهن في أدوار ملكة النحل، إنما يطربن للعمل، ولأن يضفن العسل المشتهى إلى طاولة المشتهيات. وحنان الصحافية لا تقلّ شأنًا عن الروائية، بل كانت الحميمة والجريئة والتي تنشد الحق وتنشد المثال حيث يكون مقامها، وحيث تتوسّع ليشمل الكحل عيون جميع السيّدات، ولا عمى البتة، وما تتراجع عنه، ولا تخبّئ الحقيقة بل ترسلها صراخًا وصورة دسمة ومرآة تعكس المطلق...
هي الآنسة، وهي السيّدة، وهي الصبيّة تبقى كذلك وهي الصحافية ذات مرّة وذات أوان. وهي، في الأحوال كلّها، وفي القريب وفي البعيد من الحياة التي عاشت وذاقت والتي كانت طوال الأيام والساعات كأنها على جمرة وعلى نار. وكأنها القهوة والركوة. وهي تحاذر أن تفور وأن يسيل من الفنجان، من الركوة أي شلال أي نقطة على الأرض أو على ثوبها أو على مريولها أو على الورقة البيضاء، لأن هذه الورقة هي التي تكتب عليها مناظر من الشرق، من النسوة من النساء اللواتي يغرقن في التناقضات وفي أصناف من الأسر وفي ركام من القيود...
وحنان لبثت على نقاء في الطوية وفي السيرة. وارتدت بغية الأمانة، ثوبها الحقيقي من الشرق ومن الغرب. وثوب الحقيقة في كلّ مكان وفي كلّ النصوص والروايات والأوراق التي شبعت من الاعتراف ومن الصور الجذابة إلى حدّ الحصول على بطاقة الدخول إلى عمق الدار، أي دار، وعلى الأخصّ هي التي لا تفارق الصبا ولا ذلك الجنون الناعم.

عصام محفوظ «الهمشري» المتمرد

وهذا وجه عصام محفوظ الذي كانت له معرفة بي منذ «أكياس الفقراء»، إذ شاهدته في مكتبة المر، على ذلك المدخل إلى جنب سينما دنيا، يقلب ديواني الأوّل، صادرًا عن حلقة الثريا، في دار مجلة «شعر»، عام 1959. ومن كلمة إلى كلمة، إلى أنس ناعم، ونشأت صحبة، إذ هو المثقف والبارع في النقد وفي القراءة وفي الحدس التام، وفي الوصول إلى هيبة النص ومعناه الدفين. وكانت له رحلة متأخرًا إلى مجلة «شعر» وإلى يوسف الخال عينه إذ بشّ في قدومه وكان يرافقنا في العمر الأخير من المجلّة، وله ديوان، ثم كانت تجربة المسرح التي فسحت له في تبيان الهدف وما هو منشود ومقصود. وكنت ربما الأول الذي رآه مسرحيًا حين طرحت قصيدته «زليخة» في خميس مجلة «شعر»، وأفصحت عن رأيي حينئذ أن في القصيدة مسرحًا.
وعصام همشري في الواقع، وابن التمرد على الوضع العائلي، إذ لطالما تسكع وعاش منفردًا في عالمه الخاص، وما كان أبدا في خطوة ثابتة أو دائمة، وإنما ينفلت من القاعدة من التقليد إلى الحريّة وشم نسيمها اللذيذ، ولكن ليظهر دائمًا أنه الصحيح، وعندي أنه الصحيح مظهرًا والغريب والشارد باطنًا.
وما كان إلا الغريب حقًا، والمال عنده ليس سوى ورقات وسوى غيمة يطردها الهواء. وتارة هو الغني وتارة هو الفقير، ويظل إياه متماسكًا في السرّاء والضرّاء، على عكس بعض مجايليه الذين تساقطوا وتباينوا، وهو كالزرافة لا يحني هامته ولو قسا عليه الدهر، ولو احتال هو عليه وعلى الآخرين، إذ ضاقت به الحاجة، وكان الهروب أجلّ علامة فيه.
وعصام حين يقود سيارته، إنما يكون في حال الخطر تمامًا، إذ يشرد وإذ يحيد عن الطريق، ولولا العناية ولولا العفوية ولولا الشجاعة لما اكتمل ولما بقي له عمر.
وكم مرّة طرأ عليه حادث؟ ذلك مرارًا في الليل أو في النهار، وكم مرّة ضيّع نظارته، ولا يسأل ولا يحفل بالمصيبة، بل كما هو وعقله يشتغل ونفسه عابرة الحروف، وهو أقرب إلى الأصالة وإلى بعض الأسماء في تاريخ الأدب، مما إلى أن يكون خارجًا عن المألوف وعن الأحكام التي تتراكم عليه وينفضها عن جلده مثلما يفعل أهل الغابة، أو يفعل الفيل وذلك الأبيض والأسود الوحشي.

سعيد عقل إمبراطور الأوزان

وهذا سعيد عقل، والملهم حتى النهاية، ولو قيل إنه رمزي، إنشائي ولغوي، والدليل هنا أنك إن فككت الوزن حيث هو مبدع به، تتسارع الحبات إلى الحضيض، والنضيد الذي كان إنما يبدو ليكون في هباء، وهنا العقدة، عقدة سعيد عقل، وكونه ينتمي إلى التراث أكثر مما ينتمي إلى الحداثة، هذه الحداثة التي تتطلب المعنى الهيولي، المعنى الأسطوري، والنغمة المطلقة، وليس الاكتفاء بالنضيد، لأنه المقصود، ولأنه كما عند المتنبي، هو كذلك وهو الجمال. ويبدو عقل أبدي الإقامة في حضارتنا اللبنانية والعربية مثالاً لهما.

يوسف حبشي الأشقر

وهذا يوسف حبشي الأشقر الذي غاب باكرًا عن الرفقة وعن الأصحاب وعن الأدب الروائي... وكان قادرًا على العبث وعلى الإحاطة بما بين يديه من المادة، وكان يلتفت نحوه جريئًا ومتجرئًا على القول وعلى الوصف، وعلى صيد الأشخاص في أحزانهم وأتراحهم وفي التناقضات المتقاطعة والمختلفة. وطالما نشرت له قصصًا وما يشبه التقدم إلى المجهول، إلى حيث الانطفاء أو الانبعاث وإلى غاية لا تظنها واحدة، بل هي أكثر وتذهب في الاتجاهات حتى الاصطدام بما هو شؤم أو نحس أو بين بين.
كاشف وناقد ومتذوق، وكان في المبتدأ وفي الخبر، ينصرف إلى القصيدة الحرّة، ولكن تعوزه في هذه الناحية، مساحة الوعي الكامل واليقظة الكاملة، ولذلك انتقل من هذه المهنة الأولى إلى الثانية إلى حياة القصة والرواية، وإلى اختطاف الصفات والطباع من نحوه، أي من ثقافته ومن واقعه القائم والمتعدّد الرحابة والأنس...
ولعلّ يوسف مثل بعض الذين وقفوا حيارى ماذا يفعلون وماذا يتذوقون من الشعر الحديث وكيف هو وماذا عليه أن يكون وأي وجه هو وجهه ومحياه الأصيل...

هؤلاء الكبار أنسبائي

وترامت الحقبة على وسعها، وأنا أصفر لها في ملعب المغامرة، وفي حلقة التواصل والانطلاق إلى أي بعيد، ونترك ما ليس يحوي المقدرة ويحوي الحيوية المطلقة، وينبغي الاعتراف بأن الحقبة كانت حقبة ولادة بل الأحرى ولادات، وكان الكبار المتعبون ما زالوا أحياء. وهذا تارّة الأخطل الصغير على إيقاعه الخفيف... وهذا أمين نخلة وخطواته الرقيقة، وظلّه الأخفّ من النملة، وهذه فيروز ونحن عندها ذات مرّة وعند عاصي ومنصور الرحباني، والسفرة متاحة وفيروز في بيتها ذاك وزوجها يناديها نهاد، أي ينادي المرأة، وتهيئ لنا الغداء، والزاد الثاني يموج مع عاصي ولا ينساه، ويسمعنا أغنية بيّاع الخواتم، ونشعر بالرطوبة، بالغيث يسيل علينا ويمدّنا بالجمال الفيروزي والرحباني. وهذا ميخائيل نعيمة في قوامه ولا يتزحزح عن الذكاء في النظرات، في المتابعة، وفي القول الطيب الذي لازمه. والمعاصرون كثر، هؤلاء قومي وأنسبائي، ولا أحد إلا شاركني وألا شاركته، وهكذا حسين مروه ومحمد دكروب.
وهكذا كنت المهر والحصان المجلّي معًا، وأركض على كلّ الرمال، ولا أدع فسحة من أهل القلم إلا أمشي على أصدافها وعلى حصاها وعلى حجرها الأملس، وأرمي من أصادفه، أيًا كان بالتحية وأنزل في ظهرانيه، لأكون الأكول والنهم في صحنه الفكري، وفي أفقه المفتوح، وفي نفسه الحرّى التي تذوب في النخوة وفي الإحاطة، وفي معرفة كنه الوطن، وأعبّ من كبرياء المهنة وإضافة الجديد الذي لا مفر منه...



ضياع «المركز الثقافي للكتاب» بعد قصفه في بيروت

بسام كردي في دار «المركز الثقافي للكتاب» قبل التدمير
بسام كردي في دار «المركز الثقافي للكتاب» قبل التدمير
TT

ضياع «المركز الثقافي للكتاب» بعد قصفه في بيروت

بسام كردي في دار «المركز الثقافي للكتاب» قبل التدمير
بسام كردي في دار «المركز الثقافي للكتاب» قبل التدمير

لا يزال بسّام كردي، صاحب دار نشر «المركز الثقافي للكتاب» تحت هول الصدمة. فقد أتى القصف الإسرائيلي على مستودع كتبه، ومقره اللبناني، في حارة حريك، في الضاحية الجنوبية لبيروت. تم تدمير المبنى المكون من 14 طابقاً، في أثناء إحدى الغارات الإسرائيلية، احترق برمته، ودفن تحت ركامه ورماده مئات العناوين، بنسخها، وفكرها، وتعب كتّابها، وكدّ ناشرها.

الناشر لا يشعر بأمل في إنقاذ أي بقايا من تعب العمر. «كنت قد زودت المستودع الموجود تحت الأرض، بخزانات ماء ونظام إنذار مضاد للحرائق. فكيف أصبحت حال الكتب وقد هوت العمارة عن بكرة أبيها، لا بد أن المياه أغرقت محتويات المستودع»، يقول كردي لـ«الشرق الأوسط».

«المركز الثقافي للكتاب» دار نشر مغربية، ارتأى صاحبها أن يكون له مستودع في بيروت لتبقى العناوين التي يطبعها، قريبة من معارض الكتب، والنقل أخفّ تكلفة. ويشرح: «كان هدفي من إنشاء الدار، تعريف المثقف العربي في المشرق بالكتاب المغربي. غالباً ما كانت كتب المشرق هي التي تصلنا، ولا يحدث العكس، فأحببت أن أقوم بهذه المهمة».

ما آل اليه مبنى من 12 طابقاً وتحته مستودعا «المركز الثقافي للكتاب» و«مؤمنون بلا حدود»

تطبع الدار في المغرب لكبار الأسماء، وتأتي بكتبهم إلى بيروت، حيث توضع في هذا المستودع الذي فقدت محتوياته. «أما الكتب ذات البعد العربي أو اللبناني فتطبع في بيروت، وتنقل منها نسخ إلى المغرب». هكذا يعمل الناشر كردي، بين بلدين محاولاً تغطية المنطقة العربية. لكن «غالبية الكتب هي التي كانت موجودة في بيروت، لأنها من هنا تشارك في المعارض المختلفة. فأنا أعتبر بيروت نقطة تلاقٍ للعالم العربي. في بيروت وضعت كل ما أملك، شقاء العمر، وخمسين سنة من الكدّ في عالم النشر. هذه المهنة التي مارستها كل حياتي ولا أجيد غيرها، وها أنا أفقد كل شيء».

كان بسّام كردي، مديراً عاماً في المغرب ولبنان لـ«المركز الثقافي العربي» طوال 38 عاماً، قبل أن يؤسس داره «المركز الثقافي للكتاب» عام 2016، التي يصفها بأنها دار مغربية، لكنها في بيروت تجد امتدادها الجغرافي.

يصعب على الناشر تصديق ما وقع له، أو أن يقدّر عدد النسخ أو العناوين التي فقدها. «لا أزال غير قادر على إجراء جردة، أو حصر الأضرار. يلزمني عدة أيام، كي أستفيق من الصدمة، وأقدّر الموجودات التي تبخرت. لكن الخسارة هي حتماً تفوق المليوني دولار». يصف ما حدث بأنه «ضربة للمغرب والثقافة المغربية، وضربة لوجودي في المعارض العربية، وضربة لي شخصياً، وللبنان طبعاً».

قضى بسّام كردي عمره كله ناشراً يقوم بالمهمات كلها، «أتسلم المخطوطة، أقرأها، أتناقش مع الكاتب، نجري التعديلات، أدفع بها إلى الطبع، وأصححها، حتى تخرج بحلتها النهائية».

بسّام كردي يقيم في المغرب، وعرف بالخبر الأليم عن بعد «ولم أتمكن حتى الآن من إرسال أحدٍ لتفقد الوضع. كل ما أعرفه هو ما يخبرني به الأصدقاء هناك والصور التي أتسلمها. ولم يتمكن أحد من من المخاطرة والوصول إلى المبنى المنهار».

في الضاحية الجنوبية التي تتعرض لقصف كثيف بشكل شبه يومي، العديد من المكتبات احترقت واختفت بسبب الحرب، وتضررت دور نشر منها «مؤمنون بلا حدود» الموجودة في المبنى نفسه، ملاصقة لـ«المركز الثقافي للكتاب» ودفنت كتبها أيضاً تحت الركام.

كان بسّام كردي على علم منذ مدة أن ثمة خطر حرب يلوح في الأفق. «ذهبت وحاولت نقل محتويات المستودع. جاء جيراني في المنطقة، ولاموني. أقنعوني أن أبقى وأن لا شيء يستحق عناء الانتقال. ملت إلى هذا الحلّ، لأن الإيجارات في الضاحية لا تقارن بخارجها. فإذا كنت أدفع ألف دولار فسأضطر لأن أضرب المبلغ بثلاثة أضعاف في حال قررت الذهاب إلى مكان آخر. لهذا أبقيت المستودع حيث هو وعدت أدراجي إلى المغرب، وكانت النتيجة ما وصلنا إليه».

نعم، دور كثيرة تأثرت بهذه الكوارث التدميرية، يقول كردي، «لكن أغلبهم عندهم أكثر من مستودع، يفقدون أحدها فيبقى لهم مستودع أو اثنان. أما أنا فقد وضعت كل ما عندي في مكان واحد، ومن هنا حجم الكارثة التي تعرضت لها».

وإذا ما أضفنا إلى الخسارة التي وقعت على الدار، أن حال النشر متراجعة جداً، والسوق ليست على ما كانت عليها، كما يؤكد لنا كردي الذي يشارك في غالبية المعارض العربية، نفهم الصعوبات الجمّة التي على ناشر أن يذللها.

يطبع «المركز الثقافي للكتاب» لكبار كتّاب المغرب، لديه الأعمال الكاملة لمحمد عابد الجابري، وكتب سعيد بنكراد، حسن أوريد، الغالي أحرشاو، وأحمد المديني وغيرهم. وكان المديني من أوائل من نشروا خبر ضياع مركز الدار في بيروت تحت عنوان «شخصيات روايتي شهيدة القصف الإسرائيلي» وطالب بالتنديد بهذا العمل الهمجي وبالتضامن مع ناشره. وعدّ المديني على صفحته «فيسبوك» أن ما خسرناه هو «رصيد كبير وفخم» لخيرة الكتاب العرب مغاربة ومشارقة، مبدعين وباحثين. وقال عن الكتب وشخصياتها التي عدّها «شهيدة الأدب»: «أسمعها تصرخ قتيلة الكلمات، تبعثرت أشلاءً، والصور رفاتاً ووجوهها دماءً. إنما يقيناً سوف يبعثون بإرادة كاتبها وعزم وتصميم ناشرها، وبتضامن القراء والكتاب والناشرين العرب أجمعين والجهات الثقافية العربية الرسمية والمدنية». وختم: «لا يجوز السكوت على هذه الجريمة الشنعاء وأدعوهم لشجبها ودعم المركز الثقافي للكتاب بكل الوسائل الممكنة».

يصف صاحب «المركز الثقافي للكتاب» ما حدث بأنه «ضربة للمغرب والثقافة المغربية... وللبنان»

الناشر كان قد اتخذ كل الاحتياطات اللازمة، فعدا نظام مكافحة الحريق، لديه عقد تأمين «لكن الشركات لا تعوض عن دمار الحروب. هذا موجود كأول بند. هم يعوضون عن الغريق والحريق والكوارث الطبيعية، لكن الحروب ليست مشمولة. لماذا إذن نتكلف عناء التأمين، لست أدري؟». هكذا يتساءل كردي، الذي لا يتوقف هاتفه عن الرنين منذ انتشر الخبر. كتّاب، ناشرون، قرّاء، أصدقاء، الجميع يحاول أن يخفف عنه وقع الخسارة. فعلاقته مع كتّابه وثيقة، ويعتقد أنه لا بد لما تلف أن يتم تعويضه «فمن ألّف الكتاب الأول والثاني، بمقدوره أن يكتب الثالث. لكن في النهاية، التضامن معي والذي أقدره كثيراً هو عاطفي. أنا لا أتوقع، كما أنني لا أطلب، ولن أقبل بمساعدة مادية من أحد، إلا إذا كانت مؤسسة كبيرة، تعرض الدخول في مشروع معي».

ليس واضحاً بعد عند ناشر «المركز الثقافي للكتاب» ما يمكن أن يفعله للخروج من هذه المحنة. فبعض الكتب ضاع، وبعضها الآخر، بقي بنسخ محدودة. «سأعيد طباعة الكتب الموجودة، بكميات قليلة، أسميها (طبعة حرب) أو (طبعة استثنائية)، وربما (طبعة قصف)، لست أدري؟ كتبي لها طبيعة استثنائية، هي كتب حداثية، لا تتوجه للجمهور العريض، جامعية، تخصصية أو فلسفية، وكتّابي هم أصدقاء يتفهمون ما وقع ويتضامنون ويشجعون».

إعادة بناء مؤسسة من الصفر أو ما أشبه لرجل ضيّع خميرة خمسين سنة، أمر يصفه بأنه «صعب ومكلف جداً»، ولا بد أنه يحتاج إلى شجاعة استثنائية. بسّام كردي رغم بحّة الحزن في صوته، يحتفظ بالأمل والعزيمة، ويقول إنه يبحث عن موقع جديد في لبنان، بعيد عن المناطق الأكثر خطراً، شرط أن يكون السعر مقبولاً.

وعندما نسأله إن كان قد قرر تغيير البلد كلياً يقول: «أنا باقٍ في لبنان، ليس هذا ما أناقشه. الأمر محسوم بالنسبة لي، ولا بديل. إنما أبحث عن مستودع جديد يكون في مكانٍ أكثر أمناً، وأعيد التأسيس رويداً رويداً، كي أسترجع ما خسرته». يضيف: «أسست عبر سنوات طويلة، علاقات، أصدقاء، مؤلفين. هذا لا يلغي أنني في صدمة، وقد أصبح مخزوني صفراً بعد نصف سنة من العمل. سأبدأ من جديد، لأنه ليس أمامي من خيار آخر».

يصف ما حدث بأنه «عملية محو لذاكرة مغربية» في هذا الجزء من العالم العربي، ولا بد من استعادتها. «أعتقد رغم كبر مصيبتي، أنها أسهل من حال من فقد بيته، أو ابنه أو عائلته بأكملها. أنا عائلتي بخير، ورصيدي محبة الناس لي، وتقديرهم، وهذا هو رأس مالي الأكبر».


لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة
TT

لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

ضمن سلسلة «الدراسات الشعبية» الصادرة عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة صدر كتاب «سيوة... واحة الأحلام والأساطير- دراسة إثنوغرافية» للباحث محمد أمين عبد الصمد. والكتاب، كما هو واضح من العنوان، يشير إلى تلك الواحة الشهيرة التي تقع في شمالي غرب مصر على بعد نحو 340 كم من ساحل البحر المتوسط وعلى بعد 450 كم من وادي النيل وتقترب بشدة من الحدود السياسية لليبيا، ويتحدث سكانها اللغة الأمازيغية «باللهجة الشاوية» بجانب اللغة العربية المتداولة رسمياً.

يعتمد أهل سيوة في حياتهم الاقتصادية على الزراعة ويشتهرون بإنتاج أنواع متعددة من البلح، وذلك لانتشار النخيل وزراعته في الواحة بأنواعه المتعددة، حيث كان تعداد النخيل في سيوة عام 1960 نحو 100 ألف نخلة، فضلاً عن 30 ألف شجرة زيتون تعطي بعد عصرها 200 طن من زيت الزيتون.

ويبدي المؤلف اهتماماً خاصاً، بواحدة من أشهر الأحداث التاريخية التي ارتبطت بسيوة، وهي زيارة الإسكندر الأكبر للواحة، في واقعة نادرة اكتنفها الكثير من الغموض، بهدف أن يستقي الكثير من معارفه منها ومن كهنتها ومعبودها «آمون»، كما قوي حضوره وذاع صيته بعد إعلانه من جانب الكهنة ابناً لهذا الإله الشهير بين آلهة مصر القديمة.

اتجه الإسكندر الأكبر إلى واحة سيوة في شتاء عام 331، قبل الميلاد، وذلك بعد أن وضع تخطيطاً لمدينة تحمل اسمه وهي الإسكندرية، فوصل أولاً إلى مدينة «باراتونيوم» وهي مكان مدينة «مرسى مطروح» حالياً وتلقى هدايا رسل ملوك المدن الليبية وإعلان طاعتهم له، ثم انطلق بعدها جنوباً قاصداً الواحة.

ويذكر مؤرخ بلاط الإسكندر الذي رافقه في هذه الرحلة أنهم تعرضوا للهلاك عطشاً أثناء الرحلة بعد نفاد الماء منهم، ولم ينقذهم سوى سقوط أمطار بشكل مفاجئ فارتووا منها وخزنوا بعضها لبقية الطريق، كما تعرضوا للهلاك مرة ثانية بعد أن ضلوا الطريق ولم ينقذهم سوى ظهور غراب في السماء فأمرهم الإسكندر بتتبعه والاتجاه معه فوصلوا الواحة بعد سبعة أيام واعتبرت حاشية الإسكندر أن نجاة الإسكندر ونجاة من معه من معجزات الإله آمون.

وصل الإسكندر بركبه إلى «معبد النبوءات» فاستقبله كهنة آمون واحتفوا به وبمن معه وتلقى الكهنة تساؤلات مرافقي الإسكندر الأكبر وأجابوهم عنها في بهو المعبد الشهير، أما الإسكندر الأكبر فقد طلب من الكهنة أن يسأل الإله آمون في خلوة فاصطحبه رئيس الكهنة إلى الهيكل ولم يرافقه أحد من حاشيته وسأل ما شاء من أسئلة وعندما خرج من الهيكل إلى رفاقه لم يخبرهم بأي شيء مما دار معه في الداخل واكتفى فقط بقوله: «سمعت من الإله آمون ما طابت له نفسي».

ولم يذكر التاريخ أو يسجِّل لنا أي شيء عما دار داخل الهيكل أو غرفة النبوءات تصريحاً أو تلميحاً وكل ما سجله التاريخ هو ما كتبه الإسكندر الأكبر في رسالته إلى والدته «أوليمبياس» عن تلك الزيارة فقال: «إنه سمع من الإله أشياء مهمة جداً لا يستطيع أن يذكرها في خطابه وسيرويها لها عندما يراها» ولكن هذا اللقاء لم يتم، فقد مات الإسكندر الأكبر وأخذ معه سره وسر ما قيل له في غرفة النبوءات.

يذكر المؤرخون حرص الإسكندر الأكبر فيما بعد على زيارة سيوة وإرسال رسله ليسأل كهنة آمون كلما كان مقدماً على أمر مهم، وهو ما يدل على الأثر الكبير الذي تركه آمون وكهنته في نفسه، حتى إنه عندما كان يعاني من سكرات الموت في مرضه الأخير في مدينة بابل تقدم إليه صديقه المقرب أريدوس وسأله: هل يوصي بشيء بخصوص ابنه وزوجته؟ فأعرض عنه الإسكندر الأكبر، فجاءه أريدوس مرة أخرى وسأله عمن يخلفه في القيادة بعد موته فأجابه بأن القيادة للأقوى منهم.

سأله «أريدوس» إن كان له طلب خاص ففتح الإسكندر الأكبر عينيه وقال إنه «يوصي بأن يدفنوه إلى جوار أبيه آمون في واحة سيوة». تم وضع الجثمان في تابوت ذهبي وسار وراءه الجيش كله منكس الرأس والسلاح والأعلام من مدينة بالمي في العراق حتى وصل إلى مدينة منف في مصر وكانت كل مدينة يمر عليها موكب الجنازة تخرج لتحييه وتبجل رحيله.

وعندما أراد اليونانيون استكمال مسيرتهم إلى واحة سيوة، أقنعهم بطليموس الذي كان يحكم مصر باسم الإسكندر الأكبر بأن يدفنوه في مدينة الإسكندرية التي دشن بناءها الإسكندر نفسه فاقتنع قادة الجيش اليوناني ووافقوا على دفن الإسكندر الأكبر في الإسكندرية.


«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز
TT

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز

لاحظ الناقد الأميركي ذو الأصل الفلسطيني إدوارد سعيد يوماً ما أن «تناول الكثير من حياة المنفى يتم بالتعويض عن خسارة محيّرة من خلال إقامة عالم جديد يفرض سيطرته». وأعتقد أن هذا ربما يفسر الحقيقة المثيرة للفضول بأن كثيراً من المغتربين يلعبون الشطرنج أو يؤلفون روايات. وذلك كتب إدوارد سعيد أن المنفي أو المغترب يصل إلى عالم جديد «غير طبيعي» ويكتشف أن «عدم واقعيته تشبه القصة الروائية المتخيلة».

ربما يكون لاعب الشطرنج أو الروائي من بين مغتربين ومنفيين كثيرين موجودين رواية «حرب زائفة»، وهي الرواية الثانية التي تشبه الحلم للكاتب الكوبي كارلوس مانويل ألفاريز، الذي دارت روايته الأولى «ذا فولين» (الساقطون)، التي تُرجمت إلى الإنجليزية عام 2020، حول حياة شخص كوبي مهاجر منقسم بين جيل قديم ذي شخصيات مثالية ثورية وجيل شاب أيقظه الفقر والقهر من ضلالات الأوهام. روايته «حرب زائفة» تدور في أماكن أخرى، وهي ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا الجزيرة. ويُعتقد أن نحو مليوني كوبي قد هاجروا منذ 2021، وهو عدد يقارب ثمانية أمثال من هاجروا خلال السنوات الأربع التي أعقبت الثورة.

وإذا كان يُقال إن حياة المنفى والاغتراب محيرة ومشتتة ومتفككة، فيبدو أن ألفاريز قد قرر تصوير تلك التجربة للقارئ بشكل قريب من الواقع. يوجد في الرواية عشرات الشخصيات، الكثير منها إما بلا اسم أو يحملون أسماء مختلفة في لحظات مختلفة. وتُروى قصصهم في أجزاء متفرقة مختلطة مضطربة تتنقل بسرعة بين الماضي والحاضر والحلم والواقع.

من الأمثلة على ذلك، هناك حلاق غادر كوبا على متن قارب في نهاية السبعينات، واستقر به المُقام في مدينة هياليه بولاية فلوريدا، حيث شهد مرض الإيدز يهلك ويفني الناس. وهناك أيضاً شخصية لاعب شطرنج اُعتقل في غوانتانامو يقضي أيامه في لعب مباريات مع الحراس، وثمة رجل هناك أتى إلى ميامي بعد وفاة خطيبته في زلزال في مكسيكو سيتي، وهو يؤلف رواية متعددة المستويات بشكل معقد يأمل أن يصف فيها «مهجر بلا حنين».

لقد قرأت رواية «حرب زائفة» مرتين حتى الآن، وأعترف أنني ما زلت غير قادر على استيعاب كل الشخصيات جيداً. مع ذلك من الأمور الممتعة في أي رواية هي كيف تحولك، وتحدث ضبابية في حدود الأشياء، وتتحايل على ذاكرتك وتخدعها. ومن الأمور الأخرى الممتعة أيضاً الأسلوب السردي الراقي الرشيق المكثف. لا يمكن مقارنتها إلا بقصيدة لجون آشبيري: «في الخارج تتحرك سيارة أجرة باللون الأخضر الداكن بشكل متعرج وفجأة تنقلب في وسط الشارع. وعلى ملاءة سريره البيضاء، وهو بين اليقظة والمنام، لا يمكن أن نصف فريدي أولموس بالقبيح ولا الجميل. في حلمه كان مجموعة من أشخاص يعرفهم يرسمون علامة الصليب في الهواء ويقفزون في الماء». يختبر أولئك المغتربون الحياة كشيء عشوائي لا شكل له، ولقد تعلموا التعامل مع كل شعور بالحميمية على أنه شعور عابر سريع الزوال. جاء على لسان إحدى الشخصيات وهي تتأمل: «راودني شعور بأننا رُسمنا على ورقة وتم إضرام النار في حافة تلك الورقة»، وهو وصف ملائم لما تبدو عليه تجربة قراءة هذه الرواية.

مع ذلك، أكثر ما يدهشني، وللغرابة، هو المزاج العام للرواية.

رواية «حرب زائفة» تدور في ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا جزيرة كوبا

لقد منحتنا العولمة نوعين من روايات الهجرة على الأقل، نوع عن الشتات، هو يكون عرضة أحياناً إلى شعور بالاشتياق يحمل طابع الورع، والنوع الآخر عن مغتربين من الغرب ينتمون إلى طبقة المهنيين المتخصصين المبتلين باغتراب وضياع عالمي مضجر. وتحمل رواية «حرب زائفة»، في نسختها التي ترجمتها ناتاشا ويمر، عناصر من النوعين، لكن مع مزاج خاص بها يتسم بالمرح والمزاح والوقاحة والتهكم والغضب.

وسبب الغضب فيها راجع إلى «وابل سوء الحظ الذي يمطر باستمرار على رؤوس أهل كوبا الذين لا حول لهم ولا قوة»، حياة المهاجرين المحفوفة بالمخاطر في أميركا، حيث لا يهم مدى كدحك في العمل، ففي النهاية سيحدث «شيء ما» فقد يصدمك أحدهم على طريق بالميتو السريع، أو تجد خصم مبلغ مالي بلا سبب مفهوم على بطاقتك، أو يرتفع سعر الوقود، أو يحمل الرئيس الجديد في نفسه ضغينة تجاهك وينوي إيذائك. لقد كتب ألفاريز رواية تتناول البحث عن بيت في عالم تحكمه القوة. وهذا هو آخر ما لديه ليقوله: «إنك لا تنتمي إلى مكان حتى تشعر نحوه بالازدراء».

* تشارلي لي محرر مراجعات نقدية

في مجلة «هاربرز ماغازين» ويكتب أيضاً لـ«ذا هاربرز إنديكس»

* خدمة «نيويورك تايمز»