«شوقي أبي شقرا يتذكر» (3 - 3): فضائل «شعب النهار»... والدسائس

غداء في منزل فيروز وغسان تويني يطرده

من اليمين: رضا خوري وعصام محفوظ وشوقي أبي شقرا وأنسي الحاج في «دار الفن والأدب» بمناسبة صدور «سنجاب يقع من البرج» لأبي شقرا
من اليمين: رضا خوري وعصام محفوظ وشوقي أبي شقرا وأنسي الحاج في «دار الفن والأدب» بمناسبة صدور «سنجاب يقع من البرج» لأبي شقرا
TT

«شوقي أبي شقرا يتذكر» (3 - 3): فضائل «شعب النهار»... والدسائس

من اليمين: رضا خوري وعصام محفوظ وشوقي أبي شقرا وأنسي الحاج في «دار الفن والأدب» بمناسبة صدور «سنجاب يقع من البرج» لأبي شقرا
من اليمين: رضا خوري وعصام محفوظ وشوقي أبي شقرا وأنسي الحاج في «دار الفن والأدب» بمناسبة صدور «سنجاب يقع من البرج» لأبي شقرا

في الحلقة الثالثة والأخيرة من كتاب «شوقي أبي شقرا يتذكر» مزيد من كواليس الكبار المؤسسين بعد أن انتقل إلى جريدة «النهار»، إذ يتحدث الكاتب عن استغناء غسان تويني عنه «بسهولة» بعد ثلث قرن، وعن صمت أنسي الحاج، وكيف أن السيدة فيروز كهربت أنسي ومسّته بسحرها مما أزعج عاصي. كثير من التفاصيل الصغيرة والحميمة، في عالم يضج بالتحولات الجسام، قبل أن تبدأ الفورة الأدبية بالانحسار.
وسيصدر الكتاب يوم 21 من الشهر الحالي عن «دار نلسن» ويوقعه صاحبه الساعة الخامسة من اليوم نفسه، في جامعة الحكمة، في بيروت.

والآن إلى شعب جريدة «النهار»، وإلى غسان تويني، وإلى الشاعرة ناديا تويني التي كانت ليّنة القوة وصلبة الشكيمة، حين هي كانت مريضة، وكانت تعي أنها تصير كذلك، ومع ذلك كانت صباح الخير ومساء الخير، وكانت شاعرة بدأت متردّدة النبرة، ثم تحولت إلى متمكنة من الكلمة باللغة الفرنسية.
وغسان تويني زوجها، لم يكن كلّ الوقت عابسًا، وإنما يضحك ضحكة تعبير نصفية، لا يرتوي ولا يشبع منها، وكان مع ناديا تويني يفتح لنا بيته العالي والفاخر في رأس كفرا، وبيت مري، في المتن الشمالي، ونحن نسهر ونتكلم في الطالع والنازل، ومرة كان يوسف الخال ونزار قباني من الضيوف وبعض المثقفين والشعراء، وكان الصفاء في الأحاديث. وما زلت أسمع تويني ينتقد يوسف الخال، ويأبى أن يطيقه في دور الشاعر الذي يحضن الموهوبين ويتهكم قليلاً. وإلى الطاولة فيما نتناول العشاء كانت ناديا، ولم تدافع عن يوسف الخال، بل أنا فعلت وعاتبته، لأنه ينكر عليه حضوره، وكونه قائمًا بنهضة أو محاولة نهضة في الشعر العربي الحديث، وليس وحده بل نحن معه، وصمت تويني وهو مقتنع بما عنده وليس العكس بتاتًا.
وكان تويني أيضًا قريبًا طبعًا من ناديا تويني في شِعرها، ولم يكن قريبًا من الحركة الثقافية عامة، مثلما فعل فيما بعد، فلا يحدب على أي موضوع ثقافي أمامنا نحن، إذ كنا في «النهار»، ونحمل معنا قلمنا الذي شحذناه في حركة مجلة «شعر» وحملناه إلى المهنة، إلى الصحافة. وكان بنا روح يحفزنا، وبه نتفهم أي تجربة في النثر أو الشعر ولا يستطيع غيرنا، لأنه في السبات، أن يكون في محلّنا في مرصادنا المتين والمشرف على الشاردة وعكسها، على ما يهزّنا هزّة ولو خفيفة، فنعلم أن في هذا الباب صدى واندفاعًا إلى الأشياء، إلى أول المغامرة التي لم نتنازل عنها حتى في الكهولة.
وتويني جزء من جو «النهار»، وكان حقًا لطيفًا وممتلئًا بالأحاسيس الجدية والبسمات والأحلام، وفي مدى هذا الجو ترعرعنا ثانية وصرفنا سنوات ولم نأسف، وكانت الوجوه رضيّة وأليفة منذ الستينات إلى أواخر التسعينات من القرن الماضي. وكنا أوفياء فلا ما يعطّل المسيرة الناعمة، وكان فرنسوا عقل في السلم وفي الحرب هو الأشدّ والأطول باعًا في الصمود وفي دفع الجريدة إلى مصيرها الأوحد، وهي أن تستمرّ، وهكذا استمرّت في الحرب اللبنانية، وتحدّت المخالب من كلّ نوع وقياس، وتويني أحيانًا في موقع المتفرج وموقع غير المصدق، وكأنه ينتظر أن تحدث الخيبة في أول فرصة، وأي زمان.
وشعب «النهار» ما أحلاه كان، فنحن إخوة، ونحن كتاب ونحن سطور وكلمات، ونحن خبر أو قصيدة أو نص مرتفع فوق العادة، ونحن مؤلفون وبنا الأقدام على الثمار وعلى ما يتوافق ويهتدي إلى الغاية الأخيرة، إلى النجاح الثمين والأكيد...
وإلى ميشال أبو جودة الذي تابعناه في عموده على الصفحة الأولى، وفي المضمون الذي له والذي كان الوحيد في وهجه، قبل أن نأتي نحن وأن نعمد نحن إلى التنويع وإلى بسط الوهج على صفحات الملحق، ثم صفحات «النهار». وإلى أن نكون في عزّ المضي إلى الأمام، وإلى أن نحرز قارئًا آخر ليس السياسي، وليس الذي اعتاد اسمًا واحدًا أو لونًا واحدًا مما في الجريدة.

أنسي الحاج والمثالية

وسبق لنا، سنة 1967، حين الهزيمة العربية، أن عمدنا إلى المخاطبة الثنائية أنا وصديقي أنسي الحاج الذي كان يهرب من الارتجال والعفوية الآنية والكتابة المباشرة، ويأخذ نصي أنا وعباراتي أنا، يأخذهما مني ونحن في مقهى «الهورس شو»، ويذهب إلى وحدته، إلى مكتبه، ويردّ على ما كتبت بعبارات تفقد أهميتها اللحظوية، لتكون شغل العقل والتأني. وليس ذلك بالعجيب، بل إنه عمد إلى الطريقة ذاتها مع ناديا تويني، وأظنه فعل كما معي، وأظن ناديا أيضًا ردّت بتأن وهو فعل بتأن، وانتفى الغرض من هذه الطريقة، أي أن تكون بنت الساعة، بنت العمق الإبداعي، لا أن تكون في صنف التأليف المعتاد والاصطناع الزائف، والموهبة هنا في حداد على هذا الموقف الخارج عن البراءة الأولى، وعن الزبد السريع إلى ملاقاة الأرجل على الرمل، ولفّ الأجساد بالأمنيات وبالعطر اليودي.
وحين تركت «النهار» لم يفكّر أنسي الحاج أنه سيصيبه ما أصابني، وأن غسان تويني استعمل كلمات الرثاء وإن في ستار التقييم والكلمات المرسلة بتأن ورحمة.
وأين المثالية فيما يفعل، وأين جلال الكلمة حين يقولها، لتكون هي الرادع له والحاجز دون أن يشطّ وأن ينحرف عن الخلقية وعن الصراط الحقيقي.

وتخلى عني غسان تويني

إذ تخلّى عني غسان تويني بسهولة، وأنبأني أنني مصروف، وأنه يستغني عن خدماتي. قالها لي في مكتبه وأنا قبالته. ثم سألني من ترى أنه صالح ليكون مطرحي، وما أجبت بل بقيت صامتًا، ورغبتي أن أنصرف وأنتهي من هذه اللعبة بين القط والفأرة، بل إن طبعه كما ظهر لي أنه يهوى الفعل الكاسر ولا حاجز دونه ليردعه عن الاستهتار واستعمال المزاج المنقلب. وكان هذا الحاجز يدعى فرنسوا عقل، إذ كان مدير التحرير الساهر على موقفه وعلى كرامة المحرّرين، وكنت أنا كذلك في هذا الفيء المتين، وكنت أعطي نفسي وموهبتي مسرورًا أبدًا. ما عدا الزمن الأخير حيث بلغ انزعاجي من الجو الوقح والدسائس إلى ذروته، وتكسّرت أغصان المحبة والطيبة على حضيض الانفعال والبراهين الصغيرة.

في منزل فيروز وعاصي

وخرجنا من الغداء عند الأخوين الرحباني والسيدة نهاد كما يناديها عاصي، خروجًا كان له الصدى في ملحق «النهار» وكان يوميًا، وتردّد الصدى أيضًا في بعض الإعلام، وحيث الأمر دائم الطرح، لأن العائلة الرحبانية في صدد أعمال وأغان وغيرهما من النشاط الذي يتصاعد إلى عرش العزّ والتجاوب المنداح إلى أقصاه، ولن أرجع إلى تفاصيل، بل أدلّ على سلوك أنسي الحاج رحبانيًا، من قبل في تلك الآونة ومن بعد في آونة المسرحيات والإطلال على الجمهور، بل على الجماهير، وعلى الآذان في وضع إصغاء ونجوى وطرب. وكان الحاج يغالي في إعجابه وتستخفه فيروز بما عندها من امتدادية في الهالة. بل إنها تبثّ النشوة نحوها، بحيث الكثيرون يقعون في هذه البئر العميقة من الجاذبية، وفي هذه الفجوة من الحرير، ويمكن القول ما أحيلى هذا الفخ وما أحيلى أن يسقط فيه الإنسان وأن تلفّه خيوط الشبكة الجميلة، ولا بطولة هنا ألا تتجاوب، وألا تنفعل، بل عليك الإقبال على هذه المساحة العذبة.
وكان أنسي، وهو حرّ وعلى حق، ذاتيا وانفعاليا، منذ «هالة والملك» على مسرح «البيكاديللي» يجلس في الصالة، ولا يفتأ أن يجهر ما يجيش في داخله من الآهات، وأخبرني المرحوم سمير نصري، وكان المقرب من الرحابنة آنئذ، أن عاصي كان ينزعج.
والحاج نفسه في القاعة حيث كنت أحرّر، وكان مكتبي في «النهار»، لا أدري لماذا احتدّ، وكانت الحرب صرفته عن العمل الدؤوب، أما نحن فكنا المحرّرين والمنكبين على أوراقنا، إذ هو أحاط بفيروز إحاطة الشغف والانجراف إلى موجاتها وبحرها الهائج والمنبعثة منه روائح السحر وتلاعب الرياح بالأشجار.
وعندما بلغت «هالة والملك»، خاتمتها سألني أنسي ماذا نفعل احتفاء بالنهاية؟ وماذا تستحق فيروز منا؟ وكان اقتراحي باقة وإرسالها إلى السيّدة العذبة الكهرباء، وبعثنا إليها بباقتين، ولم أدر أي شيء من التأثير، فيما تلا ذلك.
وعاصي، يخبرني سمير نصري، كان شديد الاحتضان لفيروز، وقسّى بكلماتها عليها، وكان يريدها طيّعة، وأن تكون كما يشاء من النظام، نظامه هو، وألا تخرج من أساره، من النهج الذي يخطّه. وكان يثأر من التصرّفات الفيروزية، بالكلمات يناديها، إن تباطأت على المسرح ولم تنسحب من التصفيق والتحيات والأزهار، حين يتطلب ذلك منها.
وعاصي ولو قسّى الكلام نجم رحباني مديد النور، تصل سرعته إلى الأجمل وإلى الأعمق، وهو من نضج التراث اللبناني، متعاونًا أو غير متعاون، بمساحة من الإبداع وبمساحة من اللغة الغنائية، إذ استقى من بلاده ومن هذه الليونة في العبارات والقصائد، بحيث كتب لها أن تكون الخميرة وأن تكون الصاج، وأن تكون المصهر، وأن تكون الرغيف الذي مهما تناولت منه يزداد اتساعًا ويتهادى خصبًا كبيرًا ولا تنتهي الموعظة، بل إن الجموع لن تجوع، ولن يأتيها القحط، ولن ينفد الطعام أبدًا.

زياد الرحباني... يخرمش الناس

ذات مرّة كان زياد الرحباني قبالة وجهي وهو على الكرسي في مكتبي في الحمراء. وكان من اللطف ومن الحديث الذي يقارب الهمس بحيث يسكب منه الكلمة العابرة أو الرقيقة. كما هي خفة الشراريب في طيارة الورق. وكان الذي أدركته الموسيقى والتراث المتراكم من الوالد عاصي الذي بنى باللمح والسرّ المضاء، مع منصور قصيدة النعومة والذكاء وتلك الخيوط بين حالة وحالة في لغة هي العامية وفي أقصى التجليات ومعالم الدعابة الكلامية. كما من عمّه منصور المنتشر جهده وعبيره. وزياد من الوالدة التي في صفاء النجوم والسفيرة... هو يرث ولا يرث ما سبق من الثروة القائمة على مجدها وعلى بيانها المديد.
لكنه مشرقي فيما هو أيضًا لبناني، وفي ألحانه وفي مسرحه ابتكار فيما تحتوي اللغة المحكية من انعكاس عميق ينزل في النفوس وفي العقول وفي مداها الخفي ويزرع الصدمة الحيّة والسريعة إلى التأثيرات مثلما هو النسر حين يفلش جناحيه ويخرمش الفضاء ويبعث المهابة.
وزياد يخرمش الناس، ويجلب مثلما يفعل الرحابنة، ذلك الإمتاع وتلك العاطفة وتلك الضحكة. وكلها في قالب الفكاهة التي تحتمل التأويل وتلك العبثية في الحركة كما يشتهي الفن الأصيل.
وفي الغناء وفي الأغنية عند زياد، ذلك الحنين الذي في المنطقة المشرقية، وذلك الطرب المختبئ ولا يظهر ولا ينجلي من ناحية التقييم سوى للعارفين، لكنه على سوية فنية ويكسر النسق الآخر ويبقى الطرب والدوخة كما عند الدراويش.

سمير عطا الله يجسّ الأنفاس

كنا معًا في جريدة «النهار» هو في ناحية وأنا في أخرى مفتوح الباب الزجاجي، وفي مكتب من الأوراق والأقلام. وسمير صحافي متذوق ودقيق، وهو على قوامه وعلى سمته المعروف وعلى الموهبة تدربت على الصواب وعلى قول ماذا في الباطن من شعلة ومن غضبة ومن التباس محكم الحلقات...
وهو، نحوي، وفي اتجاهي كلما حانت المناسبة الشعرية. وكما في السياسة هو طويل الروح وطويل الباع ورنان الجملة والتعبير المتصل والمتراكم حجّة وراء حجّة، وهمسة وراء همسة، كذلك هو في الأدب تنفجر النخوة لديه، وتضطرم المعاني خطوة وراء خطوة وجمرة وراء جمرة.
وهكذا الأسلوب عنده ينظر من عقله ومن وجدانه، ويسطع دم التجاوب وعصارة البلاغة. وهو يراني في قطعة كثيفة السطور، نشرت له في جريدة «النهار»، عنوانها «ذو الرنّة». أنني البهجة الشعرية لديه، ولا يدري السبب، وأنني له اللذة والرنّة، ولا يريد أن يدري لماذا. وها أنا ذا عنده «سنجاب يقع من البرج» كما فعل وانتقى عنواني لمقاله في أحد الأربعاء. وممكن القول إنه ذكاء وخيال ومتعة.
... وكيف لا يكون سمير عطا الله ذلك الأحادي الذي من طاولة الخبريات إلى الأوسع والأرحب، ومن التعب ثم التعب إلى النضج وإلى معالم الإحاطة والعبور في مهنة الصحافة وأشواكها وأزهارها. ومن فكرية إلى وقفة إطار يطلطل على لبنان وعلى العرب والعروبة وعلى المشاق والمهام والألوان. وما فتئ يلعب اللعبة بذكاء العبارة الممشوقة والليّنة بغية التأثير، وأن يشرب القارئ عذوبة الأسلوب نوطة ثم نوطة ورقصة ثم رقصة. وتلك، من سمير عطا الله، لمعة خاصة به تزيّن مقاله وتبعث الضوء حتى رؤية الشحوب ورؤية العافية معًا.
والأوفر في خضمّ ذلك، ثقافة الكاتب وكونه في ربيع الكلمة، وكونه في حاضرنا وفي سياقنا وفي النبوءات المتسارعة وليست في الغفلة أو في الطعن، وإنما هي الواقع، حيث الأزمات وحيث الصعاب، وتصوّره كما يفعل أي أديب أو أي روائي، أو أي صحافي مثل سمير عطا الله، وكأنه لا يبحث عن علاج وإنما ينبض ويجسّ الأنفاس، فضلاً عن القلب ونقله إلى الطوارئ المثالية وإلى سرير الحياة المثالي.

حنان الشيخ كأنها الركوة والقهوة

الصديقة والرفيقة والزميلة لي في جريدة «النهار» هي حنان الشيخ، وهي التي فازت ونجحت أمامي قبالة البصر والمنظار في مسح مجتمعها الأنثوي، وفي أنها داومت وغلبت الجفاف.
وتحمل حنان الشيخ الروائية اللبنانية، حيث تكون صورًا من بلادها، مقاطع من حياة ناسها، فسيفساءها، أحوالها، نساءها، رجالها. تحمل معها الشعب في أموره الصغيرة والأوسع في شجونه الكبيرة والأوسع، وكلما صدرت رواية لها تراءت المرأة العربية خصوصا في وهجها المتألق وفي رونقها وفي جفافها، ولعلّها أشد ظهورًا في هذا الذبول وهذا التناقض الذي يقوم بينها وبين العالم حولها...
إذن عالم أقصاه الغرب وأدناه الشرق، وفي هذا الشرق هي المرأة التي تفكر قليلاً... إن كان لها متسع من الحرية، فإنها تتمادى وتعصف بها العاصفة، وتدفعها إلى مواقع ضجر وخيبة، مواقع من أنس هو الأقل الأقل، ومواقع من التهافت الكياني، وتكثر عليها الأسئلة والأخطاء والتردّدات... وهكذا دائمًا لا ترتوي، لا تشعر بالثقة والأمان وتعكس مجتمعًا لها غارقًا في التحولات المتباطئة، ولا ما يوقفها في أرض صالحة...
حنان الشيخ منتجة، ولا يفوتها مجتمع في هلوساته وامتدادها كلما انوجد في مجتمع كالمجتمع اللندني. وهي، في حياتها العادية، لا تفعل سوى الكتابة، وسوى تناول الشوكولا، لذة عابرة من لذائذها، وسوى أن تسرّنا في العمق وفي الصباح كما في أي ساعة. وإنتاجها صادق اللسان والوتيرة يهجم على الطريدة، وينتصر دائمًا في صيد الحميم ولو تصاعد إلى مشارف العنف.
ولا تبخل حنان، بل إنها في علاقاتها الثقافية إنما تنجب، ويكون الجميل هو الذي يبزغ من أصابعها، من قلمها حين تكتب أو تحقق أو تقابل إحداهن. لا سيما هاتيك النسوة المرتفعات عن الواقع، عن العادي، واللواتي من ألوانهن، من أفكارهن، وهن في حركتهن والسلام لديهن. وهن في أدوار ملكة النحل، إنما يطربن للعمل، ولأن يضفن العسل المشتهى إلى طاولة المشتهيات. وحنان الصحافية لا تقلّ شأنًا عن الروائية، بل كانت الحميمة والجريئة والتي تنشد الحق وتنشد المثال حيث يكون مقامها، وحيث تتوسّع ليشمل الكحل عيون جميع السيّدات، ولا عمى البتة، وما تتراجع عنه، ولا تخبّئ الحقيقة بل ترسلها صراخًا وصورة دسمة ومرآة تعكس المطلق...
هي الآنسة، وهي السيّدة، وهي الصبيّة تبقى كذلك وهي الصحافية ذات مرّة وذات أوان. وهي، في الأحوال كلّها، وفي القريب وفي البعيد من الحياة التي عاشت وذاقت والتي كانت طوال الأيام والساعات كأنها على جمرة وعلى نار. وكأنها القهوة والركوة. وهي تحاذر أن تفور وأن يسيل من الفنجان، من الركوة أي شلال أي نقطة على الأرض أو على ثوبها أو على مريولها أو على الورقة البيضاء، لأن هذه الورقة هي التي تكتب عليها مناظر من الشرق، من النسوة من النساء اللواتي يغرقن في التناقضات وفي أصناف من الأسر وفي ركام من القيود...
وحنان لبثت على نقاء في الطوية وفي السيرة. وارتدت بغية الأمانة، ثوبها الحقيقي من الشرق ومن الغرب. وثوب الحقيقة في كلّ مكان وفي كلّ النصوص والروايات والأوراق التي شبعت من الاعتراف ومن الصور الجذابة إلى حدّ الحصول على بطاقة الدخول إلى عمق الدار، أي دار، وعلى الأخصّ هي التي لا تفارق الصبا ولا ذلك الجنون الناعم.

عصام محفوظ «الهمشري» المتمرد

وهذا وجه عصام محفوظ الذي كانت له معرفة بي منذ «أكياس الفقراء»، إذ شاهدته في مكتبة المر، على ذلك المدخل إلى جنب سينما دنيا، يقلب ديواني الأوّل، صادرًا عن حلقة الثريا، في دار مجلة «شعر»، عام 1959. ومن كلمة إلى كلمة، إلى أنس ناعم، ونشأت صحبة، إذ هو المثقف والبارع في النقد وفي القراءة وفي الحدس التام، وفي الوصول إلى هيبة النص ومعناه الدفين. وكانت له رحلة متأخرًا إلى مجلة «شعر» وإلى يوسف الخال عينه إذ بشّ في قدومه وكان يرافقنا في العمر الأخير من المجلّة، وله ديوان، ثم كانت تجربة المسرح التي فسحت له في تبيان الهدف وما هو منشود ومقصود. وكنت ربما الأول الذي رآه مسرحيًا حين طرحت قصيدته «زليخة» في خميس مجلة «شعر»، وأفصحت عن رأيي حينئذ أن في القصيدة مسرحًا.
وعصام همشري في الواقع، وابن التمرد على الوضع العائلي، إذ لطالما تسكع وعاش منفردًا في عالمه الخاص، وما كان أبدا في خطوة ثابتة أو دائمة، وإنما ينفلت من القاعدة من التقليد إلى الحريّة وشم نسيمها اللذيذ، ولكن ليظهر دائمًا أنه الصحيح، وعندي أنه الصحيح مظهرًا والغريب والشارد باطنًا.
وما كان إلا الغريب حقًا، والمال عنده ليس سوى ورقات وسوى غيمة يطردها الهواء. وتارة هو الغني وتارة هو الفقير، ويظل إياه متماسكًا في السرّاء والضرّاء، على عكس بعض مجايليه الذين تساقطوا وتباينوا، وهو كالزرافة لا يحني هامته ولو قسا عليه الدهر، ولو احتال هو عليه وعلى الآخرين، إذ ضاقت به الحاجة، وكان الهروب أجلّ علامة فيه.
وعصام حين يقود سيارته، إنما يكون في حال الخطر تمامًا، إذ يشرد وإذ يحيد عن الطريق، ولولا العناية ولولا العفوية ولولا الشجاعة لما اكتمل ولما بقي له عمر.
وكم مرّة طرأ عليه حادث؟ ذلك مرارًا في الليل أو في النهار، وكم مرّة ضيّع نظارته، ولا يسأل ولا يحفل بالمصيبة، بل كما هو وعقله يشتغل ونفسه عابرة الحروف، وهو أقرب إلى الأصالة وإلى بعض الأسماء في تاريخ الأدب، مما إلى أن يكون خارجًا عن المألوف وعن الأحكام التي تتراكم عليه وينفضها عن جلده مثلما يفعل أهل الغابة، أو يفعل الفيل وذلك الأبيض والأسود الوحشي.

سعيد عقل إمبراطور الأوزان

وهذا سعيد عقل، والملهم حتى النهاية، ولو قيل إنه رمزي، إنشائي ولغوي، والدليل هنا أنك إن فككت الوزن حيث هو مبدع به، تتسارع الحبات إلى الحضيض، والنضيد الذي كان إنما يبدو ليكون في هباء، وهنا العقدة، عقدة سعيد عقل، وكونه ينتمي إلى التراث أكثر مما ينتمي إلى الحداثة، هذه الحداثة التي تتطلب المعنى الهيولي، المعنى الأسطوري، والنغمة المطلقة، وليس الاكتفاء بالنضيد، لأنه المقصود، ولأنه كما عند المتنبي، هو كذلك وهو الجمال. ويبدو عقل أبدي الإقامة في حضارتنا اللبنانية والعربية مثالاً لهما.

يوسف حبشي الأشقر

وهذا يوسف حبشي الأشقر الذي غاب باكرًا عن الرفقة وعن الأصحاب وعن الأدب الروائي... وكان قادرًا على العبث وعلى الإحاطة بما بين يديه من المادة، وكان يلتفت نحوه جريئًا ومتجرئًا على القول وعلى الوصف، وعلى صيد الأشخاص في أحزانهم وأتراحهم وفي التناقضات المتقاطعة والمختلفة. وطالما نشرت له قصصًا وما يشبه التقدم إلى المجهول، إلى حيث الانطفاء أو الانبعاث وإلى غاية لا تظنها واحدة، بل هي أكثر وتذهب في الاتجاهات حتى الاصطدام بما هو شؤم أو نحس أو بين بين.
كاشف وناقد ومتذوق، وكان في المبتدأ وفي الخبر، ينصرف إلى القصيدة الحرّة، ولكن تعوزه في هذه الناحية، مساحة الوعي الكامل واليقظة الكاملة، ولذلك انتقل من هذه المهنة الأولى إلى الثانية إلى حياة القصة والرواية، وإلى اختطاف الصفات والطباع من نحوه، أي من ثقافته ومن واقعه القائم والمتعدّد الرحابة والأنس...
ولعلّ يوسف مثل بعض الذين وقفوا حيارى ماذا يفعلون وماذا يتذوقون من الشعر الحديث وكيف هو وماذا عليه أن يكون وأي وجه هو وجهه ومحياه الأصيل...

هؤلاء الكبار أنسبائي

وترامت الحقبة على وسعها، وأنا أصفر لها في ملعب المغامرة، وفي حلقة التواصل والانطلاق إلى أي بعيد، ونترك ما ليس يحوي المقدرة ويحوي الحيوية المطلقة، وينبغي الاعتراف بأن الحقبة كانت حقبة ولادة بل الأحرى ولادات، وكان الكبار المتعبون ما زالوا أحياء. وهذا تارّة الأخطل الصغير على إيقاعه الخفيف... وهذا أمين نخلة وخطواته الرقيقة، وظلّه الأخفّ من النملة، وهذه فيروز ونحن عندها ذات مرّة وعند عاصي ومنصور الرحباني، والسفرة متاحة وفيروز في بيتها ذاك وزوجها يناديها نهاد، أي ينادي المرأة، وتهيئ لنا الغداء، والزاد الثاني يموج مع عاصي ولا ينساه، ويسمعنا أغنية بيّاع الخواتم، ونشعر بالرطوبة، بالغيث يسيل علينا ويمدّنا بالجمال الفيروزي والرحباني. وهذا ميخائيل نعيمة في قوامه ولا يتزحزح عن الذكاء في النظرات، في المتابعة، وفي القول الطيب الذي لازمه. والمعاصرون كثر، هؤلاء قومي وأنسبائي، ولا أحد إلا شاركني وألا شاركته، وهكذا حسين مروه ومحمد دكروب.
وهكذا كنت المهر والحصان المجلّي معًا، وأركض على كلّ الرمال، ولا أدع فسحة من أهل القلم إلا أمشي على أصدافها وعلى حصاها وعلى حجرها الأملس، وأرمي من أصادفه، أيًا كان بالتحية وأنزل في ظهرانيه، لأكون الأكول والنهم في صحنه الفكري، وفي أفقه المفتوح، وفي نفسه الحرّى التي تذوب في النخوة وفي الإحاطة، وفي معرفة كنه الوطن، وأعبّ من كبرياء المهنة وإضافة الجديد الذي لا مفر منه...



إطلاق كرسي علمي باسم الأمير عبد القادر بمركز أكسفورد للدراسات الإسلامية

إطلاق كرسي علمي باسم الأمير عبد القادر بمركز أكسفورد للدراسات الإسلامية
TT

إطلاق كرسي علمي باسم الأمير عبد القادر بمركز أكسفورد للدراسات الإسلامية

إطلاق كرسي علمي باسم الأمير عبد القادر بمركز أكسفورد للدراسات الإسلامية

في خطوة أكاديمية وثقافية مهمة تعكس عمق العلاقات الجزائرية - البريطانية وتعزز حضور الجزائر في إحدى أعرق المؤسسات الجامعية العالمية، أطلقت كل من وزارة التعليم العالي والبحث العلمي الجزائرية ومركز أكسفورد للدراسات الإسلامية، كرسياً علمياً باسم مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة، الأمير عبد القادر الجزائري. ووقع الاتفاق عن الجانب الجزائري، وزير التعليم العالي والبحث العلمي، كمال بداري، وعن الجانب البريطاني، فرحان نظامي، مدير مركز أكسفورد للدراسات الإسلامية.

وتم التوقيع ضمن مراسم حفل تدشين حضره عميد جامع الجزائر، الشيخ محمد مأمون القاسمي الحسيني، وسفير الجزائر لدى المملكة المتحدة، نور الدين يزيد، ونظيره البريطاني، جيمس داونر، وشخصيات سياسية وأكاديمية بارزة، ومنهم المختص في الفكر الإسلامي ومؤلف كتاب الأمير عبد القادر: «رسول الأخوة الإنسانية»، وزير التعليم العالي الأسبق، مصطفى الشريف، إلى جانب عدد من أعضاء السلك الدبلوماسي المعتمدين بالمملكة المتحدة ومجموعة من الأكاديميين والباحثين، في تأكيد على الأهمية الدولية لهذه المبادرة التي تستلهم من إرث الأمير عبد القادر وقيمه الإنسانية القائمة على التسامح والحوار والتعايش بين الثقافات،

وأُتبعت مراسم توقيع هذا الاتفاق بتدشين الطرفين لقاعة باسم الجزائر، على مستوى مقر المركز، تكريساً للحضور الجزائري داخل هذه المؤسسة العلمية المرموقة.

وفي كلمته بالمناسبة، أعرب الدكتور فرحان نظامي عن اعتزازه بإطلاق هذا الكرسي العلمي، مؤكداً أنه سيعزز لا محالة البحث الأكاديمي في مجالات القيم الإنسانية والسلام والتفاهم بين الشعوب، وسيبرز مساهمة فكر الأمير عبد القادر في بعث التعاون الدولي والدراسات متعددة التخصصات.

من جهته، صرح وزير التعليم العالي والبحث العلمي أن «بعث هذا الكرسي يرسي للجزائر لبنة تاريخية في تثمين تراثها الفكري والحضاري على الساحة الدولية، ويمثل منعطفاً نوعياً في مسيرة الشراكة العلمية والأكاديمية بين الجزائر والمملكة المتحدة، مشدداً على أن إطلاق كرسي الأمير عبد القادر، إنما هو استئناف لحوار بدأ قبل قرينين بين الأمير والمملكة المتحدة، ويكمل دائرته اليوم».

كما اعتبر أن هذا الحدث يحمل دلالات متعددة؛ إذ يمثل اعترافاً صريحاً بالجزائر بوصفها شريكاً في البناء الفكري والإنساني، وإسهاماً في تجاوز الصورة النمطية الاستشراقية للإسلام والمسلمين، وتعزيز للحوار بين البلدين وتوطيد للشراكة الأكاديمية والثقافية بين شعبيهما.

وفي ختام كلمته، جدد بداري التزام الجزائر بالمساهمة الفعالة في تفعيل هذا الكرسي الأكاديمي، بهدف إحياء فكر الأمير عبد القادر والتعريف بإرثه الحضاري والروحي باعتباره رمزاً عالمياً للتسامح والاعتدال والعدالة والكرامة الإنسانية.

وفي كلمته بمناسبة توقيع هذا الاتفاق، أورد الشيخ محمد مأمون القاسمي، عميد جامع الجزائر، أن الأمير عبد القادر مدرسة قائمة بذاتها، تتجاوز حدود الوطن والأزمنة، وتدخل ضمن الرصيد المشترك للإنسانية.

وقال إن إطلاق هذا الكرسي بمركز أكسفورد للدراسات الإسلامية، يضطلع بدور متميز في تقريب دوائر الفهم المتبادل بين العالم الإسلامي والغرب، ومن ثم، فإن حضور الأمير عبد القادر فيه، حضور طبيعي؛ لأنه يجسد شخصية خاطبت عصرها ولا تزال، بلغة القيم الكونية، وفي إطار ما يخوله الاتفاق الموقع والمنشئ للكرسي المذكور، تم الإعلان عن فتح باب الترشح أمام الباحثين الجزائريين للاستفادة من منحة «باحث زائر» بمركز أكسفورد للدراسات الإسلامية، وهي خطوة أكاديمية من شأنها تعزيز التبادل العلمي والمعرفي بين الجانبين.


النزعة النرجسية وتمثلاتها في الشعر العربي الحديث

محمود درويش
محمود درويش
TT

النزعة النرجسية وتمثلاتها في الشعر العربي الحديث

محمود درويش
محمود درويش

إذا كان النزوع النرجسي والاهتمام بالذات، قد شكَّلا سمة واضحة المعالم من سمات الشعرية العربية القديمة، فقد حملت تجلياتها الوضوح نفسه في الشعر الحديث، سواء من خلال سفور الأنا عن وجهها على نحو مباشر، أو من خلال اختبائها خلف أقنعة وأساطير وتوريات مختلفة، من مثل تموز والعنقاء وقلقامش وأدونيس وأيوب ولعازر والمتنبي وغيرهم.

إلا أن أي مقاربة لهذه المسألة ستظل موضع ريبة والتباس، ما لم تتم الإشارة إلى نقطتين مهمتين، تتمثل الأولى بكون النزوع النرجسي ليس بحد ذاته هنة أو نقيصة، وهو لا يكون كذلك إلا حين يتفاقم أمره ليصبح نوعاً من البارانويا الخالصة أو العشق المرضي للذات. أما النقطة الأخرى، فتتمثل في كون النرجسية المتمادية لبعض الشعراء والكتاب، لم تقلل بأي حال من فرادة نتاجهم الإبداعي، ولم تحُلْ دون تصدُّر بعضهم للمشهد الشعري العربي المعاصر برمته.

ومع أن الظلال الوارفة للنزعة للنرجسية، تتبدى على نحو ملحوظ في تجارب الشعراء الرواد والأجيال التي تبعتهم، فإننا نجد لدى سعيد عقل وأدونيس ونزار قباني ومحمود درويش، على نحو خاص، الكثير من الشواهد الدالة على تأصل هذه النزعة وتعاظمها، وحضورها الراسخ في تجاربهم وأعمالهم المختلفة.

أدونيس

وإذا كان اسم سعيد عقل هو أول ما يتبادر إلى الذهن لدى حديثنا عن تعاظم الأنا وتفاقمها؛ فلأن شعره ومواقفه يزخران بقدر من الاعتداد بالهويتين الفردية والجمعية، قلّ نظيره عند أي شاعر آخر. لا، بل إن صاحب «قدموس» لا يترك للباحث عن الشواهد الدالة على نرجسيته أن يبذل الكثير من الجهد، ليكتشف أن أعماله برمتها ليست سوى انعكاس لزهوه النرجسي وذاته المتعالية. وسواء دارت قصيدته حول موضوع الوصف أو الغزل أو المديح أو الرثاء، فهي لا تكف عن الدوران حول محور واحد هو الفخر بالنفس، وإعلاء الذات وتعظيمها إلى حدود الغلو المفرط.

حين قام شولوخوف، صاحب «الدون الهادئ»، بزيارة إلى بيروت، وطُلب من سعيد عقل المشاركة في حفل تكريمه، لم يستطع الأخير تجنب الإشادة بنفسه إلى جانب المكرّم، فخاطبه قائلاً:

لئن تحكِ عن نهرٍ فشطر قصيدتي

يطلّ وهزّ السيف يكتملِ الشطرُ

وحتى في مقام الرثاء لا يتوانى عقل عن مقاسمة المرثي مكانته وصفاته، فيقول في رثاء أمين تقي الدين، ممتدحاً نفسه:

أقول الحياة العزم حتى إذا أنا

انتهيتُ تولى القبر عزميَ من بعدي

وحيث لا يتوانى عقل عن الغمز من قناة بعض مرثييه، كأن يسأل أحمد شوقي، في حفل إزاحة الستار عن تمثاله في مدينة زحلة اللبنانية: «أنا النهر، شوقي، أينا اليوم أشعر؟»، فإن الاعتداد النرجسي بالذات، بتقمص أحياناً مع صورة الوطن والجماعة الأهلية، كقوله بلسان اللبنانيين: «نتحدى الدنيا شعوباً وأمصاراً، ونبني أنّى نشأ لبنانا».

أما نزار قباني، فقد حملت تجربته وأعماله وعلاقته بالمرأة أشكالاً من الزهو والانتشاء بالذات، لم يشهد الشعر العربي مثيلاً لها منذ تجربة عمر بن أبي ربيعة. فنزار كعمر، هو المهيمن والمعشوق الوسيم الممسك بخيوط اللعبة، وقائد أوركسترا المتعة والإغواء. وهو إذ يوزع الأدوار والمقادير في لعبة الحب والأسرّة ومسارات العلاقة وأقدارها، لا يتردد في مخاطبة امرأة مفرطة الإلحاح على المتعة بالقول:

لفّي تحارير الهوى وامضي

أنا في السماء وأنت في الأرضِ

ما أنتِ من بعدي سوى طللٍ

أنقاضهُ تبكي على بعضِ

وإذا استثنينا أعمال نزار السياسية التي تضطر فيها ذات الشاعر إلى تنحية نفسها عن المشهد العربي الموغل في قتامته، فإن نتاج قباني المترع بعشرات المغامرات والتجارب العاطفية، ما هو إلا انعكاس لصور الأنا المترامية التي تكرر نفسها في مرايا الفحولتين الشعرية والعشقية. والأرجح أن الجذور العميقة لنرجسية نزار متأتية من نشأته المترفة، ووسامته الظاهرة، وموهبته العالية.

كما لا يتحرج قباني من إظهار براعته في الإيقاع بالنساء، وصولاً إلى تنصيب نفسه زعيماً بلا منافس لجمهورية العشق والعاشقين. لذلك؛ فهو يخاطب إحدى نسائه الساذجات في قصيدة «نرجسية» بالقول: «هل ممكنٌ أيتها الساذجة السطحية الحمقاءْ. هل ممكنٌ أن تجهلي أنّي الذي أسس جمهورية النساءْ».

وإذ يحاول نزار مواراة اعتداده بنفسه خلف أقنعة كثيرة تحفل بها قصائده ومقطوعاته، وبينها شهريار وديك الجن وكازانوفا ودون جوان وراسبوتين وغيرهم، فهو يؤثِر في قصائد أخرى إظهار هذه النرجسية على نحو مكشوف، كما في قصيدته «الرسم بالكلمات» التي توصل جنوحه النرجسي إلى ذراه القصوى.

النرجسية المتمادية لبعض الشعراء والكتاب لم تقلل بأي حال من فرادة نتاجهم الإبداعي

وإذا كان أدونيس واحداً من الشعراء الذين تستبطن تجربتهم الكثير من ملامح النزعة النرجسية ومواصفاتها، فإن رغبة الشاعر في التفرد تظهر من خلال اتخاذه من الإله الفينيقي أدونيس، الذي قتله الخنزير البري على ضفاف نهر إبراهيم، اسماً بديلاً عن اسمه الأصلي. ومن يتابع مسيرة أدونيس الشعرية والفكرية، فلا بد أن يلحظ عدم اكتفائه بمجد التسمية الناجز، ومحاولته النهوض بأسطورته الشخصية بمختلف السبل المتاحة.

ولن نعدم في هذا السياق الشواهد الدالة على البعد النرجسي في تجربة أدونيس وأعماله. لا، بل إن الأساطير والرموز التي يستخدمها في شعره، هي نفسها قناعه ووجهه في آن. ولعل في ديوانه «مفرد بصيغة الجمع»، ما يقدم الشواهد الدالة على الأنا المتفاقمة التي تجعل من التاريخ والجغرافيا والبشر والطبيعة، مجالها الحيوي ومنطقة نفوذها المشتهى. وإذ يضع الشاعر لفصل الكتاب الأول اسم «تكوين» وللفصل الثاني اسم «تاريخ»، فلكي يماهي بين سفْر تكوينه الفردي وسفر تكوين الخليقة من جهة، وبين تاريخه وتاريخها من جهة أخرى.

كما تتنازع هويته القلقة أسماء كثيرة لخوارج الأرض ومجانينها ومشعلي ثوراتها، فهو القرمطي والبهلول بقدر ما هو علي أحمد سعيد وعلي أحمد إسبر، وهو أدونيس الذي «أحبته عشتار وتستدعيه الشعوب». واللافت، أن النرجسية التي اتخذت شكلاً موارباً على امتداد الكتاب، ما يلبث الشاعر أن يفصح عنها في نهاياته على نحو صريح، وإن اتخذت شكل سؤال حائر «من أنت أيها السيد؟ من يقول لأدونيس من هو؟ يسأل، لا جواب. فليكسر مرآة نرسيس، مرآة نرسيس ظلٌّ، كيف يكسر الظل؟».

ولا يختلف الأمر في أعمال أدونيس الأخرى، حيث يرتدي الشاعر قناع مهيار، الهادم المؤسس «الذي لا أسلاف له وفي هويته جذوره». وهو الذي يبشر العالم بظهوره في قصيدته «هذا هو اسمي»، ليعلن دون تردد «لغم الحضارة / هذا هو اسمي». وهذه الأنا بالذات هي التي تدفع صاحبها إلى أن يختبئ في ديوانه «الكتاب» خلف قناع المتنبي، الشاعر الأكثر فرادة وتأثيراً في تاريخ العرب، فضلاً عما تحيل إليه التسمية من محاكاة واضحة للمقدس. وهو ما ينسحب على كتاب أدونيس «الأدونيادا»، الذي تحيل تسميته إلى إلياذة هوميروس وإنياذة فيرجيل.

وإذا كان في شخصية محمود درويش وشعره، الكثير من الزهو النرجسي الذي يظهر جلياً في قصائده، فإن صاحب «الهدهد» قد نجح في تصريف جزء من نرجسيته عبر التماهي مع صورة فلسطين، التي نقلها التغييب والظلم إلى خانة القداسة. إلا أن الشاعر في مقاربته لشخصية نرسيس، يعبّر عن اعتقاده بأن البشر الذين يصنعون طاغيتهم بأيديهم، هم أنفسهم الذين يصنعون نرسيسهم؛ لكي يخبئوا انبهارهم بذواتهم خلف صورته.

والأرجح أن درويش حين حاول أن يرسم صورة تقريبية ونقدية لنرسيس، في قصيدته الأخيرة «لا أريد لهذه القصيدة أن تنتهي»، لم يكن يقصد سوى نفسه، حين قال: «كان يمكن أن يربح الشعر أكثر، لو لم يكن هو لا غيره: هدهداً فوق فوّهة الهاوية. ربما قال: لو كنتُ غيري لصرتُ أنا مرةً ثانية. هكذا أتحايل، نرسيس ليس جميلاً كما ظنّ، لكن صنّاعه ورّطوه بمرآتهِ، فأطال تأمله في الهواء المقطّر بالماء، لو كان في وسعه أن يرى غيره، لأحبَّ فتاة تحملق فيه وتنسى الأيائلَ، تركض بين الزنابق والأقحوانْ. ولو كان أذكى قليلاً لحطّم مرآتهُ، ورأى كم هو الآخرونْ».


قصر هشام في أريحا

مدخل قصر هشام في نواحي شمال أريحا
مدخل قصر هشام في نواحي شمال أريحا
TT

قصر هشام في أريحا

مدخل قصر هشام في نواحي شمال أريحا
مدخل قصر هشام في نواحي شمال أريحا

تحوي البادية السورية قصرين يحملان اسم «قصر الحير»، وينسبان إلى هشام بن عبد الملك. يقع أحدهما شمال شرق تدمر، ويُعرف بقصر الحير الشرقي، ويقع الآخر جنوب غرب تدمر، ويُعرف بقصر الحير الغربي، ويتميّز بثراء حلله المنقوشة التي كشفت عنها حملة فرنسية في السنوات الأخيرة من ثلاثينات القرن الماضي. تحوي البادية الفلسطينية قصراً آخر يُنسب كذلك إلى هذا الخليفة، كشفت بعثة بريطانية عن حلله البديعة في تلك الفترة. يقع في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، وهو مؤلف من طابقين، ويرتفع وسط مجمّع يحوي حماماً كبيراً تزيّنه أرضية فسيفسائية توصف بـ«أكبر لوحة فسيفساء في العالم».

ظهرت أول معالم هذا القصر خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حين شرعت الجمعية الإنجليزية المعروفة باسم «صندوق استكشاف فلسطين» في البحث عن آثار «الأراضي المقدّسة»، وقادها بعض السكان العرب إلى خربة تُعرف باسم «خربة المفجر»، تقع على الضفة الشمالية لوادي النعيمة، وتبعد بضعة كيلومترات من شمال مدينة أريحا. في عام 1894، أرسلت هذه الجمعية عالم الآثار الأميركي فريديريك جون بليس لإجراء بحث تمهيدي في هذه الخربة، فزار الموقع، وكتب تقريراً أوّلياً صدر في النشرة الخاصة بهذه الجمعية، وضمّ مجموعة من الصور، تمثّل عينة من الزخارف الجصية التي عُثر عليها. هكذا بدأ استكشاف هذا الموقع الأموي في الأراضي الفلسطينية خلال السنوات الأخيرة من الحكم العثماني، وتواصل بعد انهيار هذا الحكم، إثر نهاية الحرب العالمية الأولى.

في زمن الانتداب البريطاني، عمدت دائرة الآثار إلى دراسة موقع «خربة المفجر» ومسحه بشكل موسّع في عام 1934. اكتشفت البعثة البريطانية أن الآباء الفرنسيسكان سبقوها إلى هذا الموقع، واقتلعوا منه العديد من الحجارة والأعمدة لبناء ديرهم في أريحا سنة 1927، كما أنهم نقلوا منه مجموعة من الأعمدة والتيجان وألواح المرمر والنقوش الجصية لتزيين مدخل مقرّهم، فطالبت باستعادة هذه القطع، واستجاب الآباء الفرنسيسكان لطلبها. أجرت دائرة الآثار البريطانية الحفريات الأثرية في الموقع على مدى اثني عشر عاماً، تحت إشراف عالم فلسطيني يُدعى ديمتري برامكي، وكان يومها مفتشاً وباحثاً في هذه الدائرة. رافق هذا الخبير حملات التنقيب المتعاقبة في الموقع، ورصد نتائجها في سلسلة من التقارير، صدرت تباعاً في النشرة العلمية الخاصة بدائرة الآثار. خلال الحفريات التي جرت بين عامي 1936 و1937، عُثر على لوح مكسور من المرمر يذكر اسم «عبد الله هشام أمير المؤمنين»، أي هشام بن عبد الملك. إثر هذا الاكتشاف، أُطلق على الموقع اسم «قصر هشام»، وعُرف به منذ تلك الحقبة.

نقلت دائرة الآثار البريطانية ما جمعته من لقى في هذا القصر إلى متحف بدأت بتشييده سنة 1930 في القدس الشرقية، وافتتحته سنة 1938، وأطلقت عليه يومها اسم «متحف فلسطين للآثار». تمثّلت هذه اللقى في الدرجة الأولى بمجموعة هائلة من النقوش النحتية، إضافة إلى عدد من التماثيل الآدمية، وشكّلت هذه الشواهد مادة استثنائية للتعريف بالفنون الأموية المدنية المرتبطة بهذا الميدان. تزامن هذا الاكتشاف مع اكتشاف مشابه لا يقلّ عنه إثارة، تَمثّل في ظهور مجموعة مشابهة من اللقى، خرجت من قصر الحير الغربي في البادية السورية. قامت باستكشاف هذا القصر بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938، وصدر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939. تبيّن أن القصر شُيّد في عام 727 بأمر من هشام بن عبد الملك على أنقاض دير يعود إلى زمن الغساسنة، وتحوّل مع مرور الزمن إلى أطلال، خرجت من بين أنقاضها مجموعة هائلة من النقوش النحتية، تُماثل بأسلوبها الفني المتقن تلك التي خرجت من خربة المفجر.

مع نهاية الانتداب على فلسطين ونشوء دولة إسرائيل في 1948، توقّفت أعمال دائرة الآثار البريطانية، وأصبح «متحف فلسطين للآثار» تحت إدارة المملكة الهاشمية الأردنية. في ظل هذه الإدارة، أنجز ديمتري برامكي رسالة دكتوراه في 1953 حملت عنوان «الحضارة والعمارة العربية في الفترة الأموية: دراسة مقارنة بالإشارة الخاصة إلى تنقيبات قصر هشام». بعدها، قام عالم الآثار البريطاني جورج هاملتون بدارسة الموقع بشكل شامل وموثّق بالتعاون مع العالم الفرنسي أوليغ غاربار، ونشرت جامعة أوكسفورد هذه الدراسة الشاملة في سنة 1959 تحت عنوان: «خربة المفجر: قصر عربي في الصحراء». أثبتت هذه الدراسة أن الموقع يعود فعلاً إلى عهد الخليفة هشام بن عبد الملك، واستمرّت حركة البناء فيه بعد وفاة الخليفة، إلى أن تعرّض لزلزال ضخم في عام 746، والأرجح أن جزءاً من منشآته تعود إلى عهد الوليد بن يزيد الذي خلف عمه هشام، وحكم بين 743 و744.

يتألّف هذا القصر من دار رحبة، ومسجد عام، ومسجد خاص، وبركة ماء، وحمام فخم كبير. يقع المدخل الرئيسي في الزاوية الجنوبية الشرقية، ويؤدّي إلى ساحة مكشوفة تحوي اليوم مجموعة من اللقى الأثرية، أشهرها نجمة سداسية الأطراف تضمّ ست دوائر مجدولة، تشكّل إطاراً لدائرة كبيرة تتوسّط تأليفها. في الجهة الشمالية من هذه الساحة، شُيّدت بركة تزيّن أرضيتها سجادة فسيفسائية. وفي الجهة الغربية لهذه البركة، يقع المدخل الداخلي الرئيسي للقصر، ويفضي إلى ساحة رحبة تحدّها مجموعة من الغرف. في وسط رواق الساحة الجنوبي، يقع المسجد الصغير الخاص بالخليفة، وفي شمال الرواق الشرقي، يقع المسجد العام. في الجهة الشمالية للقصر، يقع ممر يربط بين القصر والحمّام الملكي، وتزيّن قاعة هذا الحمّام سجادة فسيفسائية مربّعة، طول ضلعها 30 متراً. في شمال هذا الحمام، قاعة خاصة توصف بقاعة الاستقبال، تزيّنها كذلك سجادة فسيفسائية.

تحوي البادية الأردنية موقعاً أموياً يُعرف باسم قصير عمرة، تزيّنه جداريات تمتدّ على مساحة تقارب 380 متراً مربعاً، وتشكّل أكبر برنامج تصويري معروف من الألفية الأولى في العالم المتوسطي. في المقابل، يحوي قصر خربة المفجر فسيفساء توصف بأكبر فسيفساء معروفة في هذا العالم. زُيّن هذا القصر برسوم جدارية ضاعت كلّها للأسف، ولم يبق منها إلا بضع شذرات عُثر عليها وسط طبقات الردم، مبعثرة ومتساقطة. في المقابل، خرجت من هذا الموقع مجموعة عظيمة من القطع النحتية متعدّدة الأنواع، تُعتبر اليوم من أجمل شواهد الفن الأموي، ودراستها تكشف عن ثراء هذا الميراث، وتعدّديته الثقافية المدهشة.