{ربيع} بوتفليقة

الرئيس الجزائري أجرى تغييرات جذرية في الحكم عدها مراقبون تمهيدا لبقائه ولاية رابعة

{ربيع} بوتفليقة
TT

{ربيع} بوتفليقة

{ربيع} بوتفليقة

تثير تغييرات عميقة أجراها الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، في الحكومة وجهاز المخابرات العسكرية في الآونة الأخيرة، جدلا واسعا في الأوساط السياسية والإعلامية الجزائرية، أشعلت بقوة النقاش حول «رغبة مفترضة لدى الرئيس في البقاء بالحكم لفترة رئاسية رابعة».
وفوجئ غالبية المراقبين بهذه التغييرات غير العادية، لأنهم كانوا يتوقعون انسحاب الرئيس من السياسة منذ أن جلس على كرسي متحرك قبل شهور، بسبب تعرضه لجلطة في الدماغ أفقدته التحكم في بعض وظائفه. وقرأ قطاع من الملاحظين التغيرات الكبيرة، على أنها تمهيد لولاية رابعة كانت واضحة منذ أن عدل بوتفليقة الدستور في 2008 بإلغاء ما يمنع الترشح لأكثر من ولايتين.
ويرى قطاع آخر أن بوتفليقة بصدد التمهيد لإبعاد نافذين يشاركونه السلطة، وأولهم الفريق محمد المدين، الشهير بـ«توفيق» مدير «دائرة الاستعلام والأمن» بوزارة الدفاع (المخابرات العسكرية)، الذي يهيمن على هيئات وأجهزة ومؤسسات في البلاد منذ أكثر من 20 سنة، كخطوة أولى في خطته. وسبق لبوتفليقة أن سئل في بداية حكمه 1999، عن الذين يشاركونه في الحكم، فقال «لن أكون أبدا ثلاثة أرباع رئيس». وأظهر بوتفليقة خلال 14 سنة من الحكم، حرصا شديدا على استعادة كل الصلاحيات التي كانت للرئاسة والتي استحوذ عليها الجيش في تسعينات القرن الماضي، في إطار محاربة الإرهاب.
أصدر بوتفليقة منتصف سبتمبر (أيلول) الماضي، قرارات وصفت بـ«الجريئة». فقد نحى اللواء رشيد لعلالي المعروف حركيا باسم «العطافي»، مدير التوثيق والأمن الخارجي (جهاز مضاد للجاسوسية)، واللواء عثمان طرطاق المعروف بـ«بشير» مدير الأمن الداخلي. وتم إحالة الضابطين الكبيرين إلى التقاعد، بموجب مرسوم رئاسي أمضاه بوتفليقة الذي هو وزير الدفاع والقائد الأعلى للقوات المسلحة بحسب الدستور.
واستخلف «العطافي»، 75 سنة، بضابط برتبة عقيد، يدعى «زهير»، كان الملحق العسكري بسفارة الجزائر بإسبانيا. بينما حل محل طرطاق الجنرال علي بن داود الملحق العسكري بسفارة الجزائر بفرنسا. ويعتبر طرطاق ولعلالي من الضباط النافذين ليس في المؤسسة الأمنية فقط، وإنما أيضا في مصادر القرار السياسي. وكلاهما مقرب من الفريق «توفيق» الذي يسيطر على جهاز المخابرات منذ 23 سنة. والثلاثة لا يظهرون في العلن أبدا، وبالخصوص «توفيق» الذي لم يسبق أن أجرى حوارا مع أي صحيفة منذ وصوله إلى أعلى درجات أجهزة الأمن.
والشائع أنه كان واحدا من النافذين في البلاد، ممن عرضوا على بوتفليقة الترشح للرئاسة عام 1999، بعد استقالة رئيس الجمهورية آنذاك، الجنرال اليمين زروال.
وزيادة على ذلك نزع بوتفليقة من جهاز المخابرات فروعا هامة، مثل «مركز الاتصال والبث» الذي يتحكم في ريوع الإشهار العمومي، وفي الصحافة بشكل عام. و«المديرية المركزية لأمن الجيش» التي ألحقها بقيادة أركان الجيش.
فضلا عن ذلك ألغى بوتفليقة جهاز الشرطة القضائية، الذي كان تابعا لدائرة الاستعلام والأمن، ووضعه في رئاسة أركان الجيش. وكان هذا الجهاز بمثابة العصا التي ضربت بها المخابرات الرئيس بوتفليقة، من خلال فتح تحقيقات ضد أشخاص مقربين منه أفضت إلى اتهامهم بالفساد، وهو ما لم يتقبله بوتفليقة فقرر الانتقام من ضباط المخابرات بتنحيتهم من مناصبهم واستبدالهم بآخرين موالين له. وتركت وتيرة التغييرات السريعة في فروع الأمن، انطباعا قويا بأن بوتفليقة يتجه إلى إحكام قبضته على كل الأجهزة الأمنية النافذة وفروعها في مختلف الهيئات، وتوقع كثير بأن الرئيس سينهي مهام محمد مدين وإحالته إلى التقاعد.

التغيير لا يعدو كونه تدوير أشخاص في المناصب

يقول مسؤول بالرئاسة الجزائرية رفض كشف اسمه لـ«الشرق الأوسط» تعليقا على الأثر الذي خلفته التغييرات: «لا ينبغي أن تنخدعوا فتصدقوا بأن الرئيس في صراع مع قائد جهاز الأمن.. هذا لا يمكن أن يكون أبدا، لأن الرجلين يشتغلان سويا بمنطق التوافق، وأحيانا بمنطق التسوية. بعبارة أخرى أكثر وضوحا، الجنرال توفيق يعرف الحدود التي لا يمكن أن يتعداها عندما يتعلق الأمر بصلاحيات عبد العزيز بوتفليقة، وبوتفليقة يعرف الحدود التي لا يمكن أن يتعداها عندما يصل الأمر إلى السلطات الممنوحة للجنرال توفيق». وأضاف: «التغييرات التي مست الجيش وجهاز الأمن، تمت في جزء منها بطلب أصحابها الذين أرادوا الذهاب إلى التقاعد. وطلب آخرون التوقف بسبب المرض.. هذا ما في الأمر ولا ينبغي البحث عن شيء غير موجود». وتابع: «أما التغيير الواسع الذي أجراه في الحكومة بأن وضع موالين له في وزارتي الداخلية والعدل وفي المجلس الدستوري، فأستطيع أن أقول إنها حكومة انتخابات الرئاسة 2014، بمعنى أن الرئيس يعتزم الترشح لولاية رابعة».
وقال أنور مالك الضابط الجزائري اللاجئ بفرنسا، العارف بخبايا النظام في الجزائر، بشأن ما عده البعض هزة عنيفة في جهاز الأمن: «أرى أن التغييرات التي جرت، شكلية وليست جوهرية، فقد تم تدوير أشخاص في مناصب معينة. الهدف الأساسي الذي أرادته السلطة الحاكمة من وراء ذلك، هو إبراز الرئيس بوتفليقة بأنه قوي يتحكم في دواليب الدولة ومنها جهاز المخابرات أيضا. هذا من جهة ومن جهة أخرى، أرى أن التحولات الكبرى التي تجري في المنطقة وما تعيشه حدود الجزائر من تدهور أمني، زيادة على فضائح الفساد التي طفت إلى السطح، فرضت هذه الإجراءات والتغييرات على مستوى المسؤولين سواء كانوا في الجيش أو في الحكومة. أما القول إنه يوجد صراع بين جناح المخابرات وجناح الرئاسة فهو وهم فقط لإلهاء الرأي العام. إذ لا يوجد أدنى صراع بل هم (الرئاسة والمخابرات) في وئام حقيقي، وكل ما يحدث هو بالاتفاق بين المخابرات والرئاسة ووزارة الدفاع. وهي خطوات اقتضتها المرحلة وفرضت نفسها على الكل، خصوصا مع ما يجري في العالم العربي من تطورات في إطار ما يسمى (الربيع العربي). وحتى التقارير التي ترفع من قبل الجهات الأمنية للرئاسة، أو غيرها كلها تجمع على أن الجزائر مهددة بانفجارات في أي وقت، وتحتاج إلى تنفيس هذا الاحتقان ببعض الخطوات كالتي حدثت».
وأضاف أنور مالك، الذي كان ضمن بعثة المراقبين العرب في سوريا وانسحب بسبب مذابح النظام السوري: «التغيير في الجزائر ليس بتعيين وزير جديد مكان آخر، أو بتدوير آخرين ولا هو بترقية ضابط في منصب معين وتنحية آخر، ولا يعني إلحاق إدارة معينة بجهة وإلغاء أخرى. هذا ليس بتغيير، بل أمر طبيعي أن يحدث ذلك. التغيير الحقيقي الذي يجب أن يحدث هو ذلك الذي ينبغي أن يمس وبصفة عميقة طبيعة النظام، وتعاد فيه عملية بناء الدولة من جديد. وطبعا هذا لن يحدث في الجزائر أبدا مادامت تحت هيمنة مافيا المال والأعمال».
وتابع مالك: «ستجد الجزائر نفسها حتما في حاجة ماسة إلى حل كل المؤسسات وإلغاء الدستور، وإجراء انتخابات حرة ونزيهة لتعيين مجلس تأسيسي يعاد من خلاله بعث الدولة من جديد. وإن لم يحدث ذلك بمبادرة ذاتية، فسيفرض يوما وإلا فستتجه البلاد بخطى متسارعة نحو الانهيار. فالحدود ملغومة والوضع الاجتماعي على براكين حقيقية والتحرش الخارجي واضح، وقد يصل إلى حد تشجيع حركات انفصالية في عمق البلاد. كل هذا يراه النظام ويريد أن يتجاوزه بأقل الخسائر، لكن ليس بالتغيير الحقيقي بل بالترقيع الشكلي عن طريق مسرحيات، يراد منها إظهار إصلاحات وتغييرات مثلما نراه الآن لكن ذلك لن ينجح أبدا مادامت النيات سيئة للغاية ولصالح طرف محدد وليس لأجل البلاد.. شخصيا أرى أن الجزائر تتجه إلى مستقبل مظلم مفتوح على كل الاحتمالات، وسيتعاظم ويتضاعف أكثر فأكثر مع مرور الأيام، وخصوصا إن تم تعديل الدستور وفق ما يخدم بقاء الرئيس بوتفليقة في الحكم».
ويرى مالك أن الجزائر «في حاجة إلى رجل قوي بمعنى الكلمة، جسديا وشعبيا ودستوريا، لديه القدرة بأن يضع حدا للفاسدين وكل من يتلاعب بمصير الجزائر ومستقبلها، وفق منطق الحساب والعقاب. أما ترقيع السلطة لملامحها ووجهها وفق ما نلاحظه حاليا، أعتقد أنه سيغرق الجزائر في متاهات لن يتضرر منها غير عامة الشعب، بينما الذين يوجدون في السلطة فقد ضمنوا مستقبل أبنائهم في الخارج وعندما تغرق السفينة ستكون قوارب النجاة في انتظارهم».

الرئيس وضع الجيش في قلب السياسة

من جهته، ينظر عبد العزيز رحابي، وزير الاتصال الناطق باسم الحكومة الأسبق، لقضية التغييرات من زاوية أخرى، إذ يقول: «بإمكاني القول إننا دخلنا في مرحلة:الرئاسة مدى الحياة. فأنا لا أعتقد تماما بأن البلاد ستشهد انتخابات رئاسية في 2014، لأن الرئيس عازم على تعديل الدستور لتمديد ولايته بعامين ويكون ذلك باعتماد ولايتين رئاسيتين، كل واحدة بسبع سنوات بدل خمس سنوات».
ويقول رحابي، الذي اشتغل مع بوتفليقة في بداية حكمه، إن سابع رؤساء الجزائر «يشبه الرئيس التونسي الأسبق حبيب بورقيبة». مشيرا إلى «إنني كنت مهتما كثيرا بمسار نقل السلطات في عهد بورقيبة، فقد تمكنت ابنة شقيقه من الاستيلاء على جزء هام من السلطة قبل أن تتنازل عنه لكوادر من حزب التجمع الدستوري. واليوم، عندنا، السلطة ليست بين يدي الرئيس بوتفليقة وإنما بين أيدي الأشخاص المحيطين به». يشار إلى أن بوتفليقة أقال رحابي من الحكومة خلال اجتماع لمجلس الوزراء، وأمام كل أعضاء الطاقم الحكومي.
وذكر الوزير الأسبق، أن القرارات التي اتخذها بوتفليقة في الحكومة والجيش، «تندرج في إطار مسعى العصبة المتحكمة في الرئاسة، البقاء في الحكم، والحكومة الجديدة أبلغ دليل على ذلك إذ تتكون من وزراء معروفين بولائهم الشديد لبوتفليقة. وشخصيا أعتبر التعديل الحكومي الأخير، بمثابة أمر واقع أراد بوتفليقة فرضه على الجزائريين. ففي العادة، يكون التعديل الحكومي قبل ستة إلى سبعة أشهر من موعد الانتخابات الرئاسية بطلب من الأحزاب السياسية، بهدف ضمان أكبر قدر ممكن من الشفافية والنزاهة لهذه الانتخابات. وهكذا، في عام 1998، قبل أشهر معدودة من انتخابات الرئاسة التي جرت في أبريل (نيسان) 1999، طالب حزب جبهة التحرير الوطني، وهو حزب المترشح بوتفليقة آنذاك، بتغيير الحكومة فالتحق بالطاقم الجديد شخصيات ليس لها أي انتماء سياسي، وتم تعيينها في مناصب حساسة. فكان أولا إسماعيل حمداني رئيسا للحكومة، وعبد المالك سلال (الوزير الأول الحالي) وزيرا للداخلية وكنت أنا وزيرا للاتصال، عكس حاليا تماما، حيث يوجد موالون للرئيس على رأس المناصب الهامة في الحكومة».
وينتقد رحابي التغييرات التي أدخلت على الأجهزة الأمنية، فيقول: «بهذه الطريقة وضع بوتفليقة مؤسسة الجيش في قلب السلطة السياسية، وهو وضع حاول كل الرؤساء الذين سبقوه تحاشيه. فالرئيس الشاذلي بن جديد مثلا (حكم بين 1979 - 1992 وتوفي العام الماضي)، شرح لي الأسباب التي دفعته إلى إبعاد ضباط الجيش عن اللجنة المركزية والمكتب السياسي لحزب جبهة التحرير الوطني (الحزب الحاكم سابقا). فهو يرى أن هيئات الحزب اخترقتها المصالح السياسية والشخصية والولاءات القائمة على الانتماء لنفس الجهة (جغرافيا)، وكان حريصا على إبقاء الجيش بعيدا عنها حتى يعزز من استقلاله وانسجامه. وسار الشاذلي على نفس النهج في بناء وفاق وطني حول الجيش».

بالونات اختبار لتجاوز أو ترتيب وضع مصطنع

ويقول الكاتب الصحافي والمحلل السياسي، ناصر الدين السعدي، بشأن الأحداث التي عرفتها الجزائر، إن بوتفليقة إن كان يريد فترة رئاسية رابعة «فهو لا يحتاج لإجراء أي تغيير. فالحكومة وجهاز القضاء وقيادة الجيش وباقي المؤسسات التي شملتها ترتيبات الأيام الأخيرة، سبق أن تحالفت كلها قبل خمس سنوات ومنحته رئاسة ثالثة خارج القانون، فكيف تختلف اليوم حول رابعة محمية بقانون؟!. في عام 2008 وقع تعديل الدستور في ظرف دقائق، وكسب الرئيس رهان الاستمرار لأن النظام أراد ذلك. وإذا فهمنا طبيعة النظام الجزائري المستقرة، قرأنا ما يجري الآن بشكل قريب للواقع. أولا: ثمة (نواة صلبة) في النظام حولها حلقات تشكل في مجملها النسيج المؤسساتي للدولة. وهي التي أتت ببوتفليقة رئيسا عام 1999 واحتضنته وصار عنصرا منها بل واجهتها والمعبر عنها، وهي من جددت له عام 2004 ومددت له عام 2009 وسيحل محله فيها الرئيس الذي سيأتي بعده، كما حل هو مكان من كان قبله».
ويواصل السعدي تحليله للتغييرات التي جرت: «قرارات الرئيس إذن تعكس إرادة هذه النواة أو (قلب النظام)، وتجسدها مؤسسات الدولة المختلفة. وهو في كل الأحوال لا يمكن أن يتخذ قرارات فردية غير متفق عليها. لذلك فالتعديل الأخير الذي مس الحكومة وكذا الترتيبات التي أدخلت على الجهاز الأمني، وما ينتظر أن يتم بخصوص الهيئة القضائية يندرج في سياق إرادة النظام وليس إرادة شخص الرئيس. وسيتبين أن الإعفاءات والتعيينات الجديدة في الجهاز الأمني، التي نالت حصة الأسد من اللغط الحالي حول الصراع المفترض، لن تغير شيئا في أداء هذا الجهاز لأن الولاء به كان دائما للمؤسسة وليس للأفراد».
وأضاف الكاتب الصحافي: «لقد تنبأ كثيرون بوقوع شرخ في المؤسسة العسكرية أو بينها ومؤسسة الرئاسة، حين أحيل الفريق محمد العماري، القائد العام السابق لأركان الجيش عام 2004 على التقاعد، لكن الذي تأكد أن المؤسسة ظلت متماسكة وكانت عنصرا مهما في تمديد حكم الرئيس لفترة ثالثة. ثانيا: إن اختلاف القراءات والتأويلات لما جرى وما سيجري، هو ناتج عن شح في المعلومات لدى القوى السياسية والإعلام. وهي استراتيجية انتهجها النظام الجزائري على الدوام باصطناع معارك كاذبة بشكل بالونات اختبار تستقطب الاهتمام لتجاوز أو ترتيب وضع يحتاج إلى الهدوء. وعادة ما ينتهي مفعول هذه المعارك بلا كاسب ولا خاسر. والأمر الذي يحتاج إلى هدوء في النظام وصخب مصطنع على المحيط - في تقديري - هو ترتيب موعد أبريل 2014. فالوضع الإقليمي والدولي يقتضي تغيير السياسات، ويعلم الجميع أن اضطهاد الدستور قبل خمس سنوات كلف البلاد غاليا. فلو احترم القانون وإرادة الناس وقتها لتمتعت الجزائر اليوم بوضع مريح جدا، في وقت انتفض محيطها على حكام خالدين. فقد حرم ذلك القرار سيء الصيت الجزائر من أن تكون اللاعب الأول في المنطقة بنظر العالم. كانت ستظهر بلد مؤسسات ودولة قانون. لكن تلك الحماقة جعلت منها واحدة من الديكتاتوريات التي تحكم خارج القانون. وتابع السعدي: «وبخصوص ما أثير حول استماتة الرئيس بوتفليقة لحماية أفراد من عائلته، هذا أمر وارد، لكن لن يكون الساعي الوحيد لهذا الغرض.
ففي الجزائر لا توجد آليات محاسبة الفاسدين الكبار.. فالفساد هنا مؤسسة قائمة بذاتها وهي أكثر المؤسسات مناعة وقدرة على تخطي الملاحقات».



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.