{ربيع} بوتفليقة

الرئيس الجزائري أجرى تغييرات جذرية في الحكم عدها مراقبون تمهيدا لبقائه ولاية رابعة

{ربيع} بوتفليقة
TT

{ربيع} بوتفليقة

{ربيع} بوتفليقة

تثير تغييرات عميقة أجراها الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، في الحكومة وجهاز المخابرات العسكرية في الآونة الأخيرة، جدلا واسعا في الأوساط السياسية والإعلامية الجزائرية، أشعلت بقوة النقاش حول «رغبة مفترضة لدى الرئيس في البقاء بالحكم لفترة رئاسية رابعة».
وفوجئ غالبية المراقبين بهذه التغييرات غير العادية، لأنهم كانوا يتوقعون انسحاب الرئيس من السياسة منذ أن جلس على كرسي متحرك قبل شهور، بسبب تعرضه لجلطة في الدماغ أفقدته التحكم في بعض وظائفه. وقرأ قطاع من الملاحظين التغيرات الكبيرة، على أنها تمهيد لولاية رابعة كانت واضحة منذ أن عدل بوتفليقة الدستور في 2008 بإلغاء ما يمنع الترشح لأكثر من ولايتين.
ويرى قطاع آخر أن بوتفليقة بصدد التمهيد لإبعاد نافذين يشاركونه السلطة، وأولهم الفريق محمد المدين، الشهير بـ«توفيق» مدير «دائرة الاستعلام والأمن» بوزارة الدفاع (المخابرات العسكرية)، الذي يهيمن على هيئات وأجهزة ومؤسسات في البلاد منذ أكثر من 20 سنة، كخطوة أولى في خطته. وسبق لبوتفليقة أن سئل في بداية حكمه 1999، عن الذين يشاركونه في الحكم، فقال «لن أكون أبدا ثلاثة أرباع رئيس». وأظهر بوتفليقة خلال 14 سنة من الحكم، حرصا شديدا على استعادة كل الصلاحيات التي كانت للرئاسة والتي استحوذ عليها الجيش في تسعينات القرن الماضي، في إطار محاربة الإرهاب.
أصدر بوتفليقة منتصف سبتمبر (أيلول) الماضي، قرارات وصفت بـ«الجريئة». فقد نحى اللواء رشيد لعلالي المعروف حركيا باسم «العطافي»، مدير التوثيق والأمن الخارجي (جهاز مضاد للجاسوسية)، واللواء عثمان طرطاق المعروف بـ«بشير» مدير الأمن الداخلي. وتم إحالة الضابطين الكبيرين إلى التقاعد، بموجب مرسوم رئاسي أمضاه بوتفليقة الذي هو وزير الدفاع والقائد الأعلى للقوات المسلحة بحسب الدستور.
واستخلف «العطافي»، 75 سنة، بضابط برتبة عقيد، يدعى «زهير»، كان الملحق العسكري بسفارة الجزائر بإسبانيا. بينما حل محل طرطاق الجنرال علي بن داود الملحق العسكري بسفارة الجزائر بفرنسا. ويعتبر طرطاق ولعلالي من الضباط النافذين ليس في المؤسسة الأمنية فقط، وإنما أيضا في مصادر القرار السياسي. وكلاهما مقرب من الفريق «توفيق» الذي يسيطر على جهاز المخابرات منذ 23 سنة. والثلاثة لا يظهرون في العلن أبدا، وبالخصوص «توفيق» الذي لم يسبق أن أجرى حوارا مع أي صحيفة منذ وصوله إلى أعلى درجات أجهزة الأمن.
والشائع أنه كان واحدا من النافذين في البلاد، ممن عرضوا على بوتفليقة الترشح للرئاسة عام 1999، بعد استقالة رئيس الجمهورية آنذاك، الجنرال اليمين زروال.
وزيادة على ذلك نزع بوتفليقة من جهاز المخابرات فروعا هامة، مثل «مركز الاتصال والبث» الذي يتحكم في ريوع الإشهار العمومي، وفي الصحافة بشكل عام. و«المديرية المركزية لأمن الجيش» التي ألحقها بقيادة أركان الجيش.
فضلا عن ذلك ألغى بوتفليقة جهاز الشرطة القضائية، الذي كان تابعا لدائرة الاستعلام والأمن، ووضعه في رئاسة أركان الجيش. وكان هذا الجهاز بمثابة العصا التي ضربت بها المخابرات الرئيس بوتفليقة، من خلال فتح تحقيقات ضد أشخاص مقربين منه أفضت إلى اتهامهم بالفساد، وهو ما لم يتقبله بوتفليقة فقرر الانتقام من ضباط المخابرات بتنحيتهم من مناصبهم واستبدالهم بآخرين موالين له. وتركت وتيرة التغييرات السريعة في فروع الأمن، انطباعا قويا بأن بوتفليقة يتجه إلى إحكام قبضته على كل الأجهزة الأمنية النافذة وفروعها في مختلف الهيئات، وتوقع كثير بأن الرئيس سينهي مهام محمد مدين وإحالته إلى التقاعد.

التغيير لا يعدو كونه تدوير أشخاص في المناصب

يقول مسؤول بالرئاسة الجزائرية رفض كشف اسمه لـ«الشرق الأوسط» تعليقا على الأثر الذي خلفته التغييرات: «لا ينبغي أن تنخدعوا فتصدقوا بأن الرئيس في صراع مع قائد جهاز الأمن.. هذا لا يمكن أن يكون أبدا، لأن الرجلين يشتغلان سويا بمنطق التوافق، وأحيانا بمنطق التسوية. بعبارة أخرى أكثر وضوحا، الجنرال توفيق يعرف الحدود التي لا يمكن أن يتعداها عندما يتعلق الأمر بصلاحيات عبد العزيز بوتفليقة، وبوتفليقة يعرف الحدود التي لا يمكن أن يتعداها عندما يصل الأمر إلى السلطات الممنوحة للجنرال توفيق». وأضاف: «التغييرات التي مست الجيش وجهاز الأمن، تمت في جزء منها بطلب أصحابها الذين أرادوا الذهاب إلى التقاعد. وطلب آخرون التوقف بسبب المرض.. هذا ما في الأمر ولا ينبغي البحث عن شيء غير موجود». وتابع: «أما التغيير الواسع الذي أجراه في الحكومة بأن وضع موالين له في وزارتي الداخلية والعدل وفي المجلس الدستوري، فأستطيع أن أقول إنها حكومة انتخابات الرئاسة 2014، بمعنى أن الرئيس يعتزم الترشح لولاية رابعة».
وقال أنور مالك الضابط الجزائري اللاجئ بفرنسا، العارف بخبايا النظام في الجزائر، بشأن ما عده البعض هزة عنيفة في جهاز الأمن: «أرى أن التغييرات التي جرت، شكلية وليست جوهرية، فقد تم تدوير أشخاص في مناصب معينة. الهدف الأساسي الذي أرادته السلطة الحاكمة من وراء ذلك، هو إبراز الرئيس بوتفليقة بأنه قوي يتحكم في دواليب الدولة ومنها جهاز المخابرات أيضا. هذا من جهة ومن جهة أخرى، أرى أن التحولات الكبرى التي تجري في المنطقة وما تعيشه حدود الجزائر من تدهور أمني، زيادة على فضائح الفساد التي طفت إلى السطح، فرضت هذه الإجراءات والتغييرات على مستوى المسؤولين سواء كانوا في الجيش أو في الحكومة. أما القول إنه يوجد صراع بين جناح المخابرات وجناح الرئاسة فهو وهم فقط لإلهاء الرأي العام. إذ لا يوجد أدنى صراع بل هم (الرئاسة والمخابرات) في وئام حقيقي، وكل ما يحدث هو بالاتفاق بين المخابرات والرئاسة ووزارة الدفاع. وهي خطوات اقتضتها المرحلة وفرضت نفسها على الكل، خصوصا مع ما يجري في العالم العربي من تطورات في إطار ما يسمى (الربيع العربي). وحتى التقارير التي ترفع من قبل الجهات الأمنية للرئاسة، أو غيرها كلها تجمع على أن الجزائر مهددة بانفجارات في أي وقت، وتحتاج إلى تنفيس هذا الاحتقان ببعض الخطوات كالتي حدثت».
وأضاف أنور مالك، الذي كان ضمن بعثة المراقبين العرب في سوريا وانسحب بسبب مذابح النظام السوري: «التغيير في الجزائر ليس بتعيين وزير جديد مكان آخر، أو بتدوير آخرين ولا هو بترقية ضابط في منصب معين وتنحية آخر، ولا يعني إلحاق إدارة معينة بجهة وإلغاء أخرى. هذا ليس بتغيير، بل أمر طبيعي أن يحدث ذلك. التغيير الحقيقي الذي يجب أن يحدث هو ذلك الذي ينبغي أن يمس وبصفة عميقة طبيعة النظام، وتعاد فيه عملية بناء الدولة من جديد. وطبعا هذا لن يحدث في الجزائر أبدا مادامت تحت هيمنة مافيا المال والأعمال».
وتابع مالك: «ستجد الجزائر نفسها حتما في حاجة ماسة إلى حل كل المؤسسات وإلغاء الدستور، وإجراء انتخابات حرة ونزيهة لتعيين مجلس تأسيسي يعاد من خلاله بعث الدولة من جديد. وإن لم يحدث ذلك بمبادرة ذاتية، فسيفرض يوما وإلا فستتجه البلاد بخطى متسارعة نحو الانهيار. فالحدود ملغومة والوضع الاجتماعي على براكين حقيقية والتحرش الخارجي واضح، وقد يصل إلى حد تشجيع حركات انفصالية في عمق البلاد. كل هذا يراه النظام ويريد أن يتجاوزه بأقل الخسائر، لكن ليس بالتغيير الحقيقي بل بالترقيع الشكلي عن طريق مسرحيات، يراد منها إظهار إصلاحات وتغييرات مثلما نراه الآن لكن ذلك لن ينجح أبدا مادامت النيات سيئة للغاية ولصالح طرف محدد وليس لأجل البلاد.. شخصيا أرى أن الجزائر تتجه إلى مستقبل مظلم مفتوح على كل الاحتمالات، وسيتعاظم ويتضاعف أكثر فأكثر مع مرور الأيام، وخصوصا إن تم تعديل الدستور وفق ما يخدم بقاء الرئيس بوتفليقة في الحكم».
ويرى مالك أن الجزائر «في حاجة إلى رجل قوي بمعنى الكلمة، جسديا وشعبيا ودستوريا، لديه القدرة بأن يضع حدا للفاسدين وكل من يتلاعب بمصير الجزائر ومستقبلها، وفق منطق الحساب والعقاب. أما ترقيع السلطة لملامحها ووجهها وفق ما نلاحظه حاليا، أعتقد أنه سيغرق الجزائر في متاهات لن يتضرر منها غير عامة الشعب، بينما الذين يوجدون في السلطة فقد ضمنوا مستقبل أبنائهم في الخارج وعندما تغرق السفينة ستكون قوارب النجاة في انتظارهم».

الرئيس وضع الجيش في قلب السياسة

من جهته، ينظر عبد العزيز رحابي، وزير الاتصال الناطق باسم الحكومة الأسبق، لقضية التغييرات من زاوية أخرى، إذ يقول: «بإمكاني القول إننا دخلنا في مرحلة:الرئاسة مدى الحياة. فأنا لا أعتقد تماما بأن البلاد ستشهد انتخابات رئاسية في 2014، لأن الرئيس عازم على تعديل الدستور لتمديد ولايته بعامين ويكون ذلك باعتماد ولايتين رئاسيتين، كل واحدة بسبع سنوات بدل خمس سنوات».
ويقول رحابي، الذي اشتغل مع بوتفليقة في بداية حكمه، إن سابع رؤساء الجزائر «يشبه الرئيس التونسي الأسبق حبيب بورقيبة». مشيرا إلى «إنني كنت مهتما كثيرا بمسار نقل السلطات في عهد بورقيبة، فقد تمكنت ابنة شقيقه من الاستيلاء على جزء هام من السلطة قبل أن تتنازل عنه لكوادر من حزب التجمع الدستوري. واليوم، عندنا، السلطة ليست بين يدي الرئيس بوتفليقة وإنما بين أيدي الأشخاص المحيطين به». يشار إلى أن بوتفليقة أقال رحابي من الحكومة خلال اجتماع لمجلس الوزراء، وأمام كل أعضاء الطاقم الحكومي.
وذكر الوزير الأسبق، أن القرارات التي اتخذها بوتفليقة في الحكومة والجيش، «تندرج في إطار مسعى العصبة المتحكمة في الرئاسة، البقاء في الحكم، والحكومة الجديدة أبلغ دليل على ذلك إذ تتكون من وزراء معروفين بولائهم الشديد لبوتفليقة. وشخصيا أعتبر التعديل الحكومي الأخير، بمثابة أمر واقع أراد بوتفليقة فرضه على الجزائريين. ففي العادة، يكون التعديل الحكومي قبل ستة إلى سبعة أشهر من موعد الانتخابات الرئاسية بطلب من الأحزاب السياسية، بهدف ضمان أكبر قدر ممكن من الشفافية والنزاهة لهذه الانتخابات. وهكذا، في عام 1998، قبل أشهر معدودة من انتخابات الرئاسة التي جرت في أبريل (نيسان) 1999، طالب حزب جبهة التحرير الوطني، وهو حزب المترشح بوتفليقة آنذاك، بتغيير الحكومة فالتحق بالطاقم الجديد شخصيات ليس لها أي انتماء سياسي، وتم تعيينها في مناصب حساسة. فكان أولا إسماعيل حمداني رئيسا للحكومة، وعبد المالك سلال (الوزير الأول الحالي) وزيرا للداخلية وكنت أنا وزيرا للاتصال، عكس حاليا تماما، حيث يوجد موالون للرئيس على رأس المناصب الهامة في الحكومة».
وينتقد رحابي التغييرات التي أدخلت على الأجهزة الأمنية، فيقول: «بهذه الطريقة وضع بوتفليقة مؤسسة الجيش في قلب السلطة السياسية، وهو وضع حاول كل الرؤساء الذين سبقوه تحاشيه. فالرئيس الشاذلي بن جديد مثلا (حكم بين 1979 - 1992 وتوفي العام الماضي)، شرح لي الأسباب التي دفعته إلى إبعاد ضباط الجيش عن اللجنة المركزية والمكتب السياسي لحزب جبهة التحرير الوطني (الحزب الحاكم سابقا). فهو يرى أن هيئات الحزب اخترقتها المصالح السياسية والشخصية والولاءات القائمة على الانتماء لنفس الجهة (جغرافيا)، وكان حريصا على إبقاء الجيش بعيدا عنها حتى يعزز من استقلاله وانسجامه. وسار الشاذلي على نفس النهج في بناء وفاق وطني حول الجيش».

بالونات اختبار لتجاوز أو ترتيب وضع مصطنع

ويقول الكاتب الصحافي والمحلل السياسي، ناصر الدين السعدي، بشأن الأحداث التي عرفتها الجزائر، إن بوتفليقة إن كان يريد فترة رئاسية رابعة «فهو لا يحتاج لإجراء أي تغيير. فالحكومة وجهاز القضاء وقيادة الجيش وباقي المؤسسات التي شملتها ترتيبات الأيام الأخيرة، سبق أن تحالفت كلها قبل خمس سنوات ومنحته رئاسة ثالثة خارج القانون، فكيف تختلف اليوم حول رابعة محمية بقانون؟!. في عام 2008 وقع تعديل الدستور في ظرف دقائق، وكسب الرئيس رهان الاستمرار لأن النظام أراد ذلك. وإذا فهمنا طبيعة النظام الجزائري المستقرة، قرأنا ما يجري الآن بشكل قريب للواقع. أولا: ثمة (نواة صلبة) في النظام حولها حلقات تشكل في مجملها النسيج المؤسساتي للدولة. وهي التي أتت ببوتفليقة رئيسا عام 1999 واحتضنته وصار عنصرا منها بل واجهتها والمعبر عنها، وهي من جددت له عام 2004 ومددت له عام 2009 وسيحل محله فيها الرئيس الذي سيأتي بعده، كما حل هو مكان من كان قبله».
ويواصل السعدي تحليله للتغييرات التي جرت: «قرارات الرئيس إذن تعكس إرادة هذه النواة أو (قلب النظام)، وتجسدها مؤسسات الدولة المختلفة. وهو في كل الأحوال لا يمكن أن يتخذ قرارات فردية غير متفق عليها. لذلك فالتعديل الأخير الذي مس الحكومة وكذا الترتيبات التي أدخلت على الجهاز الأمني، وما ينتظر أن يتم بخصوص الهيئة القضائية يندرج في سياق إرادة النظام وليس إرادة شخص الرئيس. وسيتبين أن الإعفاءات والتعيينات الجديدة في الجهاز الأمني، التي نالت حصة الأسد من اللغط الحالي حول الصراع المفترض، لن تغير شيئا في أداء هذا الجهاز لأن الولاء به كان دائما للمؤسسة وليس للأفراد».
وأضاف الكاتب الصحافي: «لقد تنبأ كثيرون بوقوع شرخ في المؤسسة العسكرية أو بينها ومؤسسة الرئاسة، حين أحيل الفريق محمد العماري، القائد العام السابق لأركان الجيش عام 2004 على التقاعد، لكن الذي تأكد أن المؤسسة ظلت متماسكة وكانت عنصرا مهما في تمديد حكم الرئيس لفترة ثالثة. ثانيا: إن اختلاف القراءات والتأويلات لما جرى وما سيجري، هو ناتج عن شح في المعلومات لدى القوى السياسية والإعلام. وهي استراتيجية انتهجها النظام الجزائري على الدوام باصطناع معارك كاذبة بشكل بالونات اختبار تستقطب الاهتمام لتجاوز أو ترتيب وضع يحتاج إلى الهدوء. وعادة ما ينتهي مفعول هذه المعارك بلا كاسب ولا خاسر. والأمر الذي يحتاج إلى هدوء في النظام وصخب مصطنع على المحيط - في تقديري - هو ترتيب موعد أبريل 2014. فالوضع الإقليمي والدولي يقتضي تغيير السياسات، ويعلم الجميع أن اضطهاد الدستور قبل خمس سنوات كلف البلاد غاليا. فلو احترم القانون وإرادة الناس وقتها لتمتعت الجزائر اليوم بوضع مريح جدا، في وقت انتفض محيطها على حكام خالدين. فقد حرم ذلك القرار سيء الصيت الجزائر من أن تكون اللاعب الأول في المنطقة بنظر العالم. كانت ستظهر بلد مؤسسات ودولة قانون. لكن تلك الحماقة جعلت منها واحدة من الديكتاتوريات التي تحكم خارج القانون. وتابع السعدي: «وبخصوص ما أثير حول استماتة الرئيس بوتفليقة لحماية أفراد من عائلته، هذا أمر وارد، لكن لن يكون الساعي الوحيد لهذا الغرض.
ففي الجزائر لا توجد آليات محاسبة الفاسدين الكبار.. فالفساد هنا مؤسسة قائمة بذاتها وهي أكثر المؤسسات مناعة وقدرة على تخطي الملاحقات».



إسرائيل تحوّل جنوب لبنان إلى «أرض محروقة»

ما تبقى من كفر كيلا (رويترز)
ما تبقى من كفر كيلا (رويترز)
TT

إسرائيل تحوّل جنوب لبنان إلى «أرض محروقة»

ما تبقى من كفر كيلا (رويترز)
ما تبقى من كفر كيلا (رويترز)

في جنوب لبنان، لا يبدو الدمار مجرّد نتيجة جانبية لحربٍ مفتوحة، بل هو أقرب إلى مسارٍ متكامل يعيد رسم الجغرافيا والواقع الديموغرافي معاً. قرى تُمحى تدريجياً من الخريطة، منازل تُسوّى بالأرض، وجسور ومدارس ومستشفيات تُستهدف بشكل متكرر، فيما يُمنع السكان من العودة إلى أراضيهم. وفي حين «يبرّر» المسؤولون الإسرائيليون ما يقومون به - في هدنة مفترضة مع «حزب الله» - بالسعي لتوسيع «المنطقة العازلة» جنوباً بهدف حماية المستوطنات الشمالية من خطر «حزب الله»، تؤكد الوقائع أن التدمير - الذي يتم بالجرافات والمتفجرات - تحوّل حقاً إلى أداة استراتيجية إسرائيلية تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع الأهداف السياسية. وتُلقى تبعاتها الثقيلة على المدنيين اللبنانيين الذين يشاهدون من بعيد منازلهم وذكرياتهم ومستقبلهم يدمّر أمام أعينهم، وهم ودولتهم عاجزون عن التصدّي لواقع مرير، يرى البعض أن الذي جرّهم إليه «حزب الله»... تنفيذاً لأجندة إيرانية تتحكم بقراره.

حتى الساعة، يبدو من الصعب جداً الوصول إلى معطيات دقيقة حول حجم الدمار ووضعية القرى الحدودية في جنوب لبنان، التي بات من المستحيل الوصول إليها بعدما صارت خاضعة تماماً للاحتلال الإسرائيلي الذي تمدّد إلى بلدات ومناطق جديدة خلال فترة الهدنة.

دخان القصف الإسرائيلي يغلف إحدى البلدات الحدودية في جنوب لبنان (أ ف ب)

عدد القرى المدمّرة

وفق تحليل أجرته «هيئة الإذاعة البريطانية» (البي بي سي) فقد جرى تدمير أكثر من 1400 مبنى في جنوب لبنان منذ يوم 2 مارس (آذار) الماضي، استناداً إلى أدلة بصرية موثّقة.

ومن ناحية ثانية، وفق معطيات أولية ومصادر متقاطعة، تأكد تدمير أكثر من 25 ألف منزل في المنطقة الحدودية خلال جولة الحرب الحالية وحدها، بينها 56 مدرسة دمّرت بالكامل، بينما تضرّرت 120 مدرسة أخرى. كذلك طال التدمير 15 مستشفى، خرج 8 منها عن الخدمة تماماً، وهذا بالإضافة إلى 10 جسور حيوية، من بينها 4 جسور رئيسة على نهر الليطاني.

العميد المتقاعد منير شحادة يوضح خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، أنه «حتى الآن لا توجد لائحة رسمية مكتملة تحدد القرى التي دُمّرت كلياً - أي بنسبة 100 في المائة - لكن المعطيات الميدانية المتقاطعة تشير إلى أن نحو 24 قرية حدودية باتت مفرغة بالكامل أو بشكل شبه كامل من سكانها. وثمة عشرات آلاف الوحدات السكنية دُمّرت أو تضرّرت، وآلاف المنشآت (منازل، مؤسسات، بنى تحتية) خرجت من الخدمة، كما أنه في بعض المناطق الحدودية، تم تجريف شريط بعرض مئات الأمتار بشكل كامل»، قبل أن يعلّق قائلاً: «ما حصل تدمير واسع ومنهجي لشريط القرى الأمامية يصل في بعض البلدات إلى شبه إبادة عمرانية».

أبرز المدن والقرى التي تعرّضت لدمار كبير أو شبه كامل في قضاء مرجعيون (القطاع الشرقي من الحدود اللبنانية - الإسرائيلية) فهي: كفركِلا، والعُدَيسة، ومَركَبا، الطَّيّبة والخِيام.

أما تلك الواقعة في قضاء بنت جبيل (القطاع الأوسط) فهي عَيتا الشعب، ورامية، يارون، ومارون الراس، بليدا، ومَيس الجبل.

وأما تلك الواقعة في قضاء صور (القطاع الغربي) فهي: الضُّهَيرة، ومَروَحين، وأم التوت، وعلما الشعب، والناقورة. وهذا إضافة إلى بلدات أخرى متضرّرة بشدة هي من الشرق إلى الغرب: حُولا ودير سريان وعَيترون وبيت ليف وكَفرا ومجدل زون.

«التبريرات» الإسرائيلية

في الحقيقة، لم يعد خافياً أن إسرائيل تنتهج سياسة «الأرض المحروقة» في مسعى واضح منها لإفراغ المنطقة وفرض واقع جديد بالقوة. وبالفعل، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، صراحةً، نية الجيش الإسرائيلي هدم المنازل في القرى الحدودية جنوب لبنان، «على غرار ما جرى في مدينتي رفح وخان يونس جنوبي قطاع غزة»، بزعم استخدامها من جانب «حزب الله».

وتتقاطع تصريحات كاتس هذه مع مواقف سابقة لرئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو الذي كان أعلن اعتزامه توسيع «المنطقة العازلة»، ومنع عودة آلاف النازحين اللبنانيين إلى مناطقهم جنوبي نهر الليطاني.

وفي منتصف الشهر الماضي، تكلّم الجيش الإسرائيلي لأول مرة عن «خط أصفر» في لبنان، على غرار الخط الذي «رسمته» إسرائيل في قطاع غزة، وأقرّ بالاستهداف المتعمد لأشخاص بزعم اقترابهم من المنطقة، مشيراً إلى أن السكان اللبنانيين «لن يُسمح لهم بالعودة إلى 55 قرية لبنانية تقع داخل هذه المنطقة».

إسرائيل تعتبر أنها مخوّلة بـ«مواصلة تدمير» ما تصفه بـ«البنى التحتية لـ(حزب الله)»، حتى خلال فترة وقف إطلاق النار. وبالتالي، يعتمد «المشروع» الإسرائيلي الساري على استراتيجية تدمير شامل للمرافق الحيوية ومقوّمات الحياة تحت مسمى «عمليات تطهير وتنظيف»، باستخدام معدّات وشركات مقاولات سبق لها أن شاركت في عمليات هدم وتجريف مشابهة بقطاع غزة، وفق ما ورد في تقرير لصحيفة «هآرتس» Haaretz الإسرائيلية. كذلك كشفت الصحيفة الإسرائيلية، نقلاً عن شهادات ميدانية لضباط وجنود يعملون في جنوب لبنان، عن أن جزءاً محورياً من النشاط العسكري الإسرائيلي هناك «لا يتركز على القتال المباشر»، بل على «عمليات هدم واسعة و«ممنهجة» تطال المباني والمنشآت في القرى والبلدات اللبنانية». وبحسب الشهادات ذاتها، فإن هذه العمليات تشمل تدمير كل ما يمكن الوصول إليه داخل مناطق الانتشار الإسرائيلي «من دون استثناء يُذكر».

ويوم الثلاثاء الماضي، في تصعيد ميداني لافت، أعلن الجيش الإسرائيلي تدمير ما وصفه بأكبر نفق تابع لـ«حزب الله» في جنوب لبنان، في عملية وُصفت بأنها من الأضخم من حيث حجم التفجير والرسائل العسكرية المرافقة لها. وسبق هذه العملية تحذير استثنائي وُجّه إلى سكان المستوطنات الشمالية، الممتدة من رأس الناقورة غرباً حتى هضبة الجولان شرقاً، طُلب فيه منهم الابتعاد عن النوافذ والشرفات، «تحسباً لقوة الانفجار».

وبالتوازي، أفادت وسائل إعلام إسرائيلية بأن العملية نُفذت باستخدام نحو 570 طناً من المتفجّرات، مستهدفة نفقاً وبنىً تحتية على عمق يقارب 10 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، في خطوة اعتُبرت من بين الأكبر في سياق العمليات الميدانية الأخيرة.

يُجمع الخبراء على أن الهدف الأكثر واقعية هو إقامة «منطقة عازلة» بحكم الأمر الواقع من دون إعلان رسمي عبر التدمير

الأهداف ليست عسكرية حصراً

ومما يؤكد أن الكثير من عمليات التدمير الحاصلة جنوباً لا تلحظ حصراً أهدافاً عسكرية، بل لها أبعاد أخرى، أقدم الجيش الإسرائيلي هذا الأسبوع على تفجير «ملعب بنت جبيل» بمدينة بنت جبيل الذي كان قد ألقى فيه أمين عام «حزب الله» الأسبق حسن نصر الله خطابه الشهير قبل 26 سنة. ويُذكَر أن نصر الله قال في ذلك الخطاب - الذي أُلقي بعد إجبار القوات الإسرائيلية على الانسحاب من جنوب لبنان عام 2000 - إن إسرائيل «أوهن من بيت العنكبوت». ولقد حرصت وسائل إعلام إسرائيلية على بث عملية التفجير التي ترافقت مع هتافات لجنود إسرائيليين يعبّرون عن فرحهم وغبطتهم.

الأهداف الإسرائيلية الحقيقية

وهنا يوضح العميد المتقاعد منير شحادة عن وجود «أكثر من هدف وراء التدمير المنهجي الإسرائيلي»، أبرزها اثنان: الأول، الهدف العسكري المباشر الذي يلحظ إزالة أي غطاء ميداني يمكن استخدامه في القتال، وتحويل المنطقة إلى أرض مكشوفة نارياً، ما يؤدي تلقائياً لمنع نصب الكمائن، وقطع الطريق على التسلل واستخدام المنازل كنقاط قتال. وهنا لفت شحادة إلى أن «هذه سياسة عسكرية معروفة تقوم على تدمير بيئة القتال، وليس فقط استهداف المقاتلين».

أما الهدف الثاني، بحسب شحادة، فهو «تكتيكي قصير المدى، ويقوم على إنشاء ما يشبه حزاماً أمنياً بالنار؛ وهو إبعاد السكان ومنع عودتهم وتقليل الاحتكاك المباشر مع المقاومة».

ومن ثم يتابع شحادة شارحاً الهدف النفسي والاجتماعي «للضغط على البيئة الحاضنة ومنعها من العودة لإحداث خلل ديموغرافي في الجنوب، ورفع كلفة الحرب على المجتمع المحلي، وأيضاً ضرب الاقتصاد الحدودي، وخصوصاً قطاع الزراعة».

وفي هذا السياق، يُجمع الخبراء على أن الهدف و«السيناريو» الأكثر واقعية هو إقامة «منطقة عازلة» بحكم الأمر الواقع (de facto) أي من دون إعلان رسمي عبر التدمير، ومنع العودة والسيطرة النارية. وهذه المنطقة قد تمتد بعمق يتراوح بين مئات الأمتار وعدة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية.

أما على المدى المتوسط، فيبدو أن الهدف الإسرائيلي هو تثبيت هذا الواقع كـ«أمر دائم» شبيه بتجارب سابقة، وبخاصة «الشريط الحدودي» قبل عام 2000.

مشهد مأساوي صادم

من جهته، يرى عباس ضاهر، مدير «مركز الاستشراف للمعلومات»، أن «التدمير الممنهج الذي تمارسه إسرائيل في جنوب لبنان يهدف إلى فرض أمر واقع، لا يقتصر على ما يُعلن عن تدمير أنفاق لـ(حزب الله)؛ فمتابعة مسار العمليات تُظهر سعياً لخلق واقع جديد في الجنوب، وبالأخص في القرى الأمامية المصنّفة ضمن ما يُعرف بـ«الخط الأصفر»... إذ إن هذا التدمير يطال منازل وقرى وأحياء بكاملها، بما فيها مناطق لا صلة لها، لا من قريب ولا من بعيد، بالحزب؛ أي بيوت المدنيين اللبنانيين».

وبحسب ضاهر، تُظهر المعطيات أن «الرغبة الإسرائيلية تتّجه نحو واحد من ثلاثة سيناريوهات، هي: أولاً، احتلال دائم لهذه المنطقة، وهو احتمال وارد. ثانياً، إنشاء منطقة عازلة خالية من السكان، وهو ما يعزّزه التدمير الممنهج. وثالثاً، سيناريو يرتبط بفرض واقع معيّن حيث لا يكون هناك سيادة كاملة للدولة اللبنانية على أراضيها في الجنوب».

ويصف ضاهر، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، المشهد الحالي جنوباً بـ«المأساوي الذي قد يُدخل اللبنانيين في حالة صدمة، وسيزيد إرباك النازحين، مع اتساع حجم الدمار الذي طال المنشآت والمباني والمدارس والبنى التحتية والآبار. وذلك لأن كل ما أُنجِز خلال عقود، لا سيما عبر مجلس الجنوب، يتعرّض اليوم للتدمير».

ومن ثم، يشدد على أن «ما يجري راهناً جريمة حرب، لاعتبارات أساسية عدّة أهمها: أولاً، استهداف بيوت ومنازل اللبنانيين الآمنين. وثانياً، تدمير مراكز الخدمات العامة التابعة للدولة اللبنانية، بما فيها مراكز التعليم والمؤسسات التربوية، ومرافق الري والآبار، إضافة إلى مباني البلديات، وهي جميعها مرافق مدنية. كما يشمل ذلك تدمير وسائل العيش في المنطقة الجنوبية، من اقتلاع الأشجار إلى سرقة الممتلكات، فضلاً عن تهجير السكان من أرضهم».

ويختتم عباس ضاهر قراءته للوضع بالقول: «كل هذه الممارسات يُفترض أن يُحاسَب عليها وفق القانون الدولي، في حال قرر لبنان المضي في ملاحقتها. لكن الشرط الأساسي لذلك هو وحدة الموقف الداخلي اللبناني. فإذا لم تتحقق هذه الوحدة، ولم يحصل تقدّم رسمي في اتخاذ خطوات قانونية لمتابعة الملف دولياً، وبقي السجال الداخلي قائماً بين أكثر من خط، فلن يؤدي ذلك إلا إلى مزيد من الارتباك والضياع والتعقيد السياسي، وهو ما لا يفيد اللبنانيين إطلاقًاً.

تدمير القرى: انتهاك للقانون الدولي

وفعلاً، ثمة المفاعيل القانونية للتدمير الإسرائيلي الممنهج، يتطرق إليها المحامي والأستاذ الجامعي الدكتور عادل يمين قائلاً إن «القانون الدولي الإنساني يفرض قيوداً صارمة على كيفية إدارة العمليات العسكرية، وتُعتبر مخالفتها جرائم حرب في حال ثبوت القصد أو الإهمال الجسيم».

ويتابع يمين شارحاً لـ«الشرق الأوسط»، أن «المادة الـ53 من اتفاقية جنيف الرابعة، تحظر على دولة الاحتلال أو القوة المهاجمة تدمير الممتلكات الثابتة أو المنقولة الخاصة بالأفراد أو الجماعات. وفوق ذلك، فإنّ تحويل قرى كاملة إلى (مناطق عازلة) عبر التدمير الشامل يمثل انتهاكاً جسيماً؛ لأنه يؤدي إلى تهجير قسري طويل الأمد، وهو ما يرقى إلى مستوى التطهير العرقي أو النقل القسري للسكان».

ثم يضيف أنه على مستوى القانون البيئي الدولي، تنتهك إسرائيل في جنوبيّ لبنان «بروتوكولات الأسلحة التقليدية» التي تحظّر استخدام الأسلحة القاتلة للبيئة. وفيما خصّ التراث، فـ«إن حماية المواقع التاريخية في الجنوب (مثل صور أو القلاع التاريخية) مكفولة بموجب «اتفاقية لاهاي لعام 1954»، وأي تدمير يلحق بها يُعدّ جريمة ضد التراث الإنساني».

ويشدد يمين على أنه «يترتّب على لبنان توثيق الجرائم الإسرائيلية وجمع الأدلة وحفظها، وتقديم شكاوى متلاحقة إلى مجلس الأمن الدوليّ بها، وعند الاقتضاء للجمعية العمومية للأمم المتحدة، مع طلب إدانة إسرائيل وإلزامها بوقف اعتداءاتها والانسحاب الكامل من جميع الأراضي اللبنانية. وكذلك عليه أن يطلب من مجلس الأمن الدولي تحريك المحكمة الجنائية الدولية لملاحقة المسؤولين الإسرائيليين عن جرائم الحرب والادعاء ضد إسرائيل، أمام محكمة العدل الدولية، لانتهاكها المعاهدات الدولية المرتبطة بالقانون الإنساني والدولي والقانون الدولي العام والقانون الدولي البيئي، وطلب إلزامها بالتوقف عن جرائمها والتعويض عن الأضرار المباشرة وغير المباشرة للبنان».


تود بلانش... محامي ترمب يرث وزارة العدل الأميركية

تكمن مفارقة بلانش في أن خبرته القانونية حقيقية... لكنها لم تعد منفصلة عن العلاقة الشخصية والسياسية المباشرة بالرئيس
تكمن مفارقة بلانش في أن خبرته القانونية حقيقية... لكنها لم تعد منفصلة عن العلاقة الشخصية والسياسية المباشرة بالرئيس
TT

تود بلانش... محامي ترمب يرث وزارة العدل الأميركية

تكمن مفارقة بلانش في أن خبرته القانونية حقيقية... لكنها لم تعد منفصلة عن العلاقة الشخصية والسياسية المباشرة بالرئيس
تكمن مفارقة بلانش في أن خبرته القانونية حقيقية... لكنها لم تعد منفصلة عن العلاقة الشخصية والسياسية المباشرة بالرئيس

لم يكن صعود تود بلانش إلى رأس وزارة العدل الأميركية، ولو بالوكالة حتى الآن، انتقالاً إدارياً عادياً في واشنطن. فالرجل الذي بدأ حياته المهنية داخل الوزارة نفسها، ثم غادرها إلى عالم الدفاع الجنائي الرفيع، عاد إليها من أضيق أبواب السياسة وأوسعها حساسية: بوصفه أحد محامي دونالد ترمب الشخصيين في القضايا الجنائية التي لاحقته قبل عودته إلى البيت الأبيض. لذلك؛ فإن تكليفه مهام وزير العدل بعد خروج بام بوندي لا يختصر فقط قصة رجل قانون صعد بسرعة، بل يكشف أيضاً عن طبيعة المرحلة الثانية من إدارة ترمب، حيث تتداخل مفاهيم العدالة، والولاء، والثأر السياسي، وإعادة تشكيل مؤسسات الدولة وفق رؤية الرئيس. إذ تزامن هذا الصعود مع إعادة فتح ملف جيمس كومي، مدير «مكتب التحقيقات الفيدرالي» (إف بي آي) الأسبق، في قضية بدت في ظاهرها مرتبطة بصورة أصداف على شاطئ حملت عبارة «86 47»، لكنها في جوهرها أعادت إلى الواجهة سؤالاً أوسع، هو: هل ستبقى وزارة العدل في عهد بلانش أداة تنفيذية لرغبات ترمب ضد خصومه، أم يستطيع الرجل الذي يعرف الوزارة من داخلها أن يعيد إليها شيئاً من التوازن المؤسسي؟ هذا الاتهام الجديد لكومي يضع بلانش مباشرة في قلب هذه المعضلة، من خلال دفاعه العلني عن القضية وتجنبه الإجابة بوضوح عن طبيعة الأدلة التي تثبت نية كومي تهديد الرئيس.

وُلد تود والاس بلانش في مدينة دنفر عاصمة ولاية كولورادو وكبرى مدنها عام 1974، لأب كندي كان لاعب هوكي وأم تعمل ممرضة. ونشأ في دنفر قبل أن تنتقل عائلته إلى مدينة غينزفيل بشمال ولاية فلوريدا عام 1987 إثر نزاع قانوني بين والده، الذي كان يدير جماعة دينية في قبو منزله، والسلطات المحلية بسبب مخالفات تقسيم المناطق.

تلقى بلانش تعليمه في معهد نيومكسيكو العسكري، حيث برز رياضياً، ثم تنقّل بين جامعة ولاية لويزيانا وكلية بيلويت (ولاية ويسكونسن)، قبل أن يتخرّج في الجامعة الأميركية بالعاصمة واشنطن، ثم حصل على إجازة في الحقوق كلية بروكلين للحقوق عام 2003. وبعدها التحق بوزارة العدل وعمل فيها نحو 15 سنة، وفق السيرة الرسمية المنشورة على موقع الوزارة.

بلانش متزوّج من كريستين، الاختصاصية في علم الأحياء في الجامعة الكاثوليكية الأميركية، وكان التقاها في أستراليا، وأنجبا طفلين.

ووظيفياً، تنقل بلانش في مناصب إدارية وقانونية. ثم صار مساعداً للمدعي العام الفيدرالي في المنطقة الجنوبية من نيويورك، وهي واحدة من أكثر النيابات الفيدرالية نفوذاً في الولايات المتحدة، قبل أن يصبح مشرفاً فيها. ووفق وزارة العدل، يشرف بلانش الآن، بصفته وزيراً بالوكالة ونائباً للوزير، على أكثر من مئة ألف موظف في الوزارة، بما في ذلك «مكتب التحقيقات الفيدرالي»، وإدارة مكافحة المخدرات، والمارشالات، ومكاتب المدعين الفيدراليين الـ93.

الشرعية المهنية

هذه الخلفية تمنح الرجل شيئاً من الشرعية المهنية التي لا يملكها كثيرون ممن دخلوا إدارة ترمب من بوابة الولاء السياسي وحده. فهو ليس ناشطاً حزبياً طارئاً على سلك القانون، ولا محامياً تلفزيونياً جاء مباشرة من استوديوهات التعليق السياسي. بيد أنه في الوقت عينه ليس بيروقراطياً محايداً بالمعنى التقليدي. ذلك أنه غادر الوزارة إلى القطاع الخاص، وعمل محامياً للدفاع. ثم مثّل ترمب في ثلاث من القضايا الجنائية التي واجهها في 2023 و2024، حسب السيرة الرسمية نفسها.

وهنا تكمن مفارقة بلانش... إذ إن خبرته القانونية حقيقية، لكنها لم تعد منفصلة عن علاقة شخصية وسياسية مباشرة بالرئيس. وفي واشنطن، لا يُقاس المسؤولون الكبار فقط بما يعرفونه، بل أيضاً إلى مَن يدينون بصعودهم. وبلانش، منذ ترشيحه نائباً لوزير العدل، حمل معه سؤالاً يصعب تجاوزه هو: هل يستطيع محامي ترمب السابق أن يتحوّل حارساً مستقلاً للقانون، أم أن موقعه الجديد هو امتداد لعلاقة الدفاع عن الرئيس، ولكن بأدوات الدولة؟

تثبيت... بصعوبة

في مارس (آذار) 2025، ثبّت مجلس الشيوخ بلانش نائباً لوزير العدل بغالبية 52 صوتاً مقابل 46. ولم يكن ذلك التصويت مجرد انقسام حزبي مألوف، بل عَكَس قلقاً عميقاً من أن يتولّى محامي ترمب السابق موقع «الرجل الثاني» في الوزارة التي يُفترض بها أن تشرف على التحقيقات الفيدرالية، ومكاتب الادعاء، والوكالات الأمنية.

وللعلم، ذكرت وكالة «رويترز» أن بلانش، بصفته نائباً للوزير، كان مسؤولاً عن الإشراف على المدّعين الفيدراليين الـ93 وعلى أجهزة مثل «إف بي آي» و«دي إي آيه» (إدارة مكافحة المخدّرات) و«آيه تي إف» (مكتب الكحول والتبغ والأسلحة النارية والمتفجّرات) والمارشالات (وهي من وكالات إنفاذ القانون الأميركية).

الأهم، أن تثبيت بلانش السابق جاء في سياق أوسع من مجرّد إعادة توجيه وزارة العدل. إذ إن بام بوندي، في يومها الأول كوزيرة للعدل، كلّفت مكتب نائب الوزير إطلاق مجموعة عمل لـ«مراجعة» ما وصفته الإدارة بـ«تسليح» العدالة ضد ترمب، بما يشمل قضايا المحقق الخاص جاك سميث، وقضية الوثائق السرّية، ومحاولة قلب نتائج انتخابات 2020، وقضية نيويورك المتعلقة بمدفوعات إسكات الممثلة ستورمي دانييلز.

كذلك، أشارت «رويترز» إلى أن بلانش تفادى خلال جلسة تثبيته الإجابة بوضوح عما إذا كان سيتنحّى عن مراجعة قضايا شارك سابقاً في الدفاع عن ترمب فيها. ومن هنا، لم يكن وصوله إلى منصب الوزير بالوكالة، بعد بوندي، قفزة مفاجئة تماماً. فهو كان موجوداً في قلب الآلة منذ البداية. لكنه بعد خروج بوندي لم يعد مجرّد منفّذ ثانٍ أو مشرف خلفي، بل صار الوجه العلني للوزارة في لحظة تتّهم فيها المعارضة الديمقراطية الإدارة بأنها حوّلت وزارة العدل ذراعاً لمحاسبة الخصوم لا لمحاسبة المخالفين.

قضية كومي

من جهة ثانية، جاء اتهام جيمس كومي ليمنح بلانش أول اختبار كبير في موقعه الجديد. فالقضية، كما ورد في الصحف الأميركية، تستند إلى صورة نشرها كومي عام 2025 لأصداف مرتبة على هيئة «86 47». وبما أن ترمب هو الرئيس السابع والأربعون، اعتبر مسؤولون جمهوريون العبارة تهديداً مبطناً؛ لأن «86» قد تُستخدم عامياً بمعنى التخلّص من شخص أو قتله. أما كومي فأزال المنشور لاحقاً، مؤكداً أنه لم يكن يدعو إلى العنف، وأنه افترض أنها رسالة سياسية لا أكثر.

المشكلة القانونية هنا ليست في حساسية أي تهديد محتمل ضد رئيس الولايات المتحدة؛ فالقانون الأميركي يتعامل مع ذلك بجدّيّة قصوى. بل تكمن المشكلة في إثبات النية. ذلك أن القضايا المتعلقة بالتهديدات لا تقوم عادة على العبارة وحدها، وإنما على السياق، والقصد، ومدى إدراك المتهم لمعناها، وما إذا كان الشخص العاقل سيفهمها كتعبير جاد عن نية إلحاق الأذى. لذا؛ بدا بلانش، في مؤتمره الصحافي، كأنه يحاول تثبيت معادلة سياسية أكثر منها قانونية، عندما قال: «لا يُسمح لك بتهديد رئيس الولايات المتحدة!».

العبارة صحيحة من حيث المبدأ، لكنها لا تجيب عن السؤال الأصعب: هل ما فعله كومي تهديد جنائي... أم تعبير سياسي فجّ، غامض، أم غير موفّق؟

إبستين جُرح أسقط بوندي ويلاحق بلانش

من جانب آخر، إذا كانت قضية كومي تمثّل اختباراً لهوية وزارة العدل تحت قيادة بلانش، فإن ملف جيفري إبستين يمثل اختباراً لصدقيتها. فقد تحوّل هذا الملف عبئاً سياسياً على إدارة ترمب الثانية، ليس فقط بسبب حساسيته الأخلاقية والقانونية، بل أيضاً بسبب اتهامات بالتلاعب بالإفراج عن الوثائق، أو استخدام حجب واسع يمنع الجمهور والصحافيين والضحايا من معرفة الحقيقة الكاملة.

وفق «الغارديان» البريطانية، رفعت الصحافية والمحلّلة القانونية كايتي فانغ دعوى ضد بلانش، متّهمة وزارة العدل بـ«انتهاك قانون الشفافية» المتعلق بملفات إبستين عبر الإحجام عن نشر كل الوثائق المطلوبة، أو الإفراط في حجبها، أو تفويت المهل القانونية. وذكرت الصحيفة أن بلانش، الذي كان نائباً للوزير قبل أن يصبح وزيراً بالوكالة بعد إقالة بوندي، واجه اتهامات بتعطيل العملية وإصدار جزء فقط من الوثائق.

هذا الملف، تحديداً، يفسّر جانباً من معضلة بلانش. فإذا كشف عن الكثير من المعطيات، قد يثير غضب دوائر قريبة من السلطة، أو يفتح أسئلة محرجة عن علاقات قديمة بإبستين. وإذا حجب الكثير فسيعزّز اتهامات التستر. أما إذا حاول الموازنة بين الخيارين فسيبدو في نظر قاعدة ترمب متردّداً، وفي نظر خصومه متواطئاً.

الولاء كمعيار حكم

واقع الأمر، أنه في إدارة ترمب الثانية، لا يبدو الولاء شرطاً جانبياً، بل جزءاً من هندسة الحكم.

بام بوندي، التي جاءت إلى الوزارة وهي محسوبة أصلاً على عالم ترمب السياسي، غادرت أو أُقيلت لأنها، حسب تقارير أميركية، لم تكن فعالة بما يكفي في ملاحقة أعداء الرئيس. وهذا يعني أن المشكلة لم تكن مقتصرة فقط على اتجاه الوزارة، بل أيضاً في سرعة تنفيذ هذا الاتجاه وحدّته.

بلانش يفهم هذه الرسالة جيداً. فهو لم يأت من خارج تجربة ترمب القضائية، بل من داخلها.

لقد دافع عن الرئيس في لحظة كان فيها الأخير يرى نفسه ضحية «دولة عميقة» وقضاء مسيّس. ومن ثم، فإن ترمب لا ينظر إليه كموظف قانوني فحسب، بل كشاهد سابق على «المظلومية» التي بنى عليها حملته للعودة إلى السلطة. وهذا، وإن منح بلانش ثقة الرئيس، فإنه يضعف، في المقابل، قدرته على إقناع خصوم الإدارة بأنه مستقل عنها.

وهنا يصبح السؤال عن النساء اللواتي غادرن أو تعرّضن للتهميش في إدارة ترمب، جزءاً من نمط أوسع. وذلك ليس لأن المشكلة مرتبطة بالنوع الاجتماعي وحده، بل لأن إدارة ترمب تُخضع كبار مسؤوليها، رجالاً ونساءً، لاختبار ولاء دائم.

بلانش وتحدي إصلاح ما كسرته السياسة

في أي حال، قدرة بلانش على معالجة أسباب سقوط بوندي تبدو محدودة. فهو يملك خبرة قانونية لا يمكن إنكارها، ويعرف وزارة العدل من الداخل، ويفهم آليات الادعاء الفيدرالي، لكنه وصل إلى المنصب محمولاً على موجة سياسية لا تشجّع «الاستقلالية». وإذا كانت بوندي فشلت لأنها لم تذهب بعيداً بما يكفي لإرضاء ترمب، فإن نجاح بلانش، في قاموس البيت الأبيض، قد يعني الذهاب أبعد لا التراجع.

في قضية كومي، سيُقاس نجاح بلانش بقدرته على تحويل الغضب السياسي إلى قضية قابلة للصمود أمام قاضٍ وهيئة محلفين. وفي ملف إبستين، سيُقاس بقدرته على إقناع الرأي العام بأن الوزارة لا تخفي ما يجب كشفه ولا تكشف ما يضرّ بالضحايا. وفي ملفات خصوم ترمب، من مسؤولي عهد أوباما إلى شخصيات ديمقراطية أخرى، سيُقاس بمدى الفصل بين المساءلة القانونية والانتقام الرئاسي.

المؤشرات الأولى لا تمنح الرجل هامشاً كبيراً. فوزارة العدل، التي يقودها الآن، ليست مؤسسة تدخل مرحلة تهدئة، بل مؤسسة يُطلب منها أن تكون رأس الحربة في معركة سياسية داخلية. وبلانش، مهما بلغت مهارته القانونية، لا يستطيع الهروب من أصل تعيينه: فهو محامي ترمب السابق، الذي صار حارس القانون الاتحادي.

هذه الجملة وحدها تكفي لتفسير قوته وضعفه معاً.


صلاحيات وزارة العدل الأميركية والمكاتب التابعة لها... وأبرز وزرائها

جانيت رينو (آ ب)
جانيت رينو (آ ب)
TT

صلاحيات وزارة العدل الأميركية والمكاتب التابعة لها... وأبرز وزرائها

جانيت رينو (آ ب)
جانيت رينو (آ ب)

وزير العدل الأميركي هو عملياً رأس وزارة العدل وكبير مسؤولي إنفاذ القانون الفيدرالي. وهو يمثّل الحكومة الأميركية في المسائل القانونية، ويقدّم المشورة القانونية للرئيس ورؤساء الوزارات والوكالات، ويشرف على تطبيق القوانين الفيدرالية والتحقيقات والادعاءات الكبرى. كما يدير جهازاً واسعاً يشمل مكاتب المدعين العامين الفيدراليين في الولايات والدوائر القضائية، ويؤثر في أولويات الملاحقة الجنائية، من الإرهاب والفساد والجرائم المالية إلى الحقوق المدنية والهجرة والمخدرات والسلاح.

إريك هولدر (آ ب)

تتبع الوزارة، أو تعمل تحت مظلتها، وكالات ومكاتب بالغة الأهمية، أبرزها «إف بي آي» (مكتب التحقيقات الفيدرالي)، و«دي إي إيه» (إدارة مكافحة المخدرات) و«آيه تي إف» (مكتب الكحول والتبغ والأسلحة النارية والمتفجرات) وخدمة المارشالات الأميركية ومكتب السجون الفيدرالي، إضافة إلى أقسام متخصّصة مثل الحقوق المدنية، ومكافحة الاحتكار، والقسم الجنائي، وقسم الأمن القومي، ومكتب المستشار القانوني، ومكتب مكتب المحامي العام للحكومة (السوليسيتور جنرال) الذي يترافع أمام المحكمة العليا. وتقول الوزارة إن لديها أكثر من 40 مكوّناً، بينها 94 مكتباً للمدّعين الفيدراليين.

من أبرز وزراء العدل الأميركيين خلال العقود الأخيرة، جانيت رينو في عهد بيل كلينتون، وكانت أول امرأة تتولى المنصب، وارتبط اسمها بملفات كبرى، مثل حصار واكو عام 1993 في ولاية تكساس، عندما حاصرت السلطات الفيدرالية مجمّع جماعة دينية تُعرف باسم «فرع داود»، وقضية الطفل الكوبي إليان غونزاليس عام 1999 الذي كان في السادسة ونجا من الغرق بعدما أقدمت والدته التي توفيت على تهريبه بقارب من كوبا إلى فلوريدا، وهناك اندلع خلاف بين أقاربه ووالده الذي طالب بإعادته.

جون آشكروفت (غيتي)

أيضاً، برز جون آشكروفت وألبرتو غونزاليس إبان عهد جورج بوش الابن، في مرحلة ما بعد «هجمات 11 سبتمبر (أيلول)»، حين توسّعت صلاحيات الأمن القومي ومكافحة الإرهاب. وجاء بعدهما مايكل موكاسي في نهاية عهد بوش.

أما في عهد باراك أوباما، فقد برز إريك هولدر، أول أميركي من أصل أفريقي يتولى المنصب، ثم لوريتا لينش. وفي عهد ترمب الأول تولى المنصب جيف سيشنز ثم وليام بار، الذي صار أشد منتقديه، قبل أن يأتي ميريك غارلاند في عهد جو بايدن، ثم بام بوندي في إدارة ترمب الثانية.