{ربيع} بوتفليقة

الرئيس الجزائري أجرى تغييرات جذرية في الحكم عدها مراقبون تمهيدا لبقائه ولاية رابعة

{ربيع} بوتفليقة
TT

{ربيع} بوتفليقة

{ربيع} بوتفليقة

تثير تغييرات عميقة أجراها الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، في الحكومة وجهاز المخابرات العسكرية في الآونة الأخيرة، جدلا واسعا في الأوساط السياسية والإعلامية الجزائرية، أشعلت بقوة النقاش حول «رغبة مفترضة لدى الرئيس في البقاء بالحكم لفترة رئاسية رابعة».
وفوجئ غالبية المراقبين بهذه التغييرات غير العادية، لأنهم كانوا يتوقعون انسحاب الرئيس من السياسة منذ أن جلس على كرسي متحرك قبل شهور، بسبب تعرضه لجلطة في الدماغ أفقدته التحكم في بعض وظائفه. وقرأ قطاع من الملاحظين التغيرات الكبيرة، على أنها تمهيد لولاية رابعة كانت واضحة منذ أن عدل بوتفليقة الدستور في 2008 بإلغاء ما يمنع الترشح لأكثر من ولايتين.
ويرى قطاع آخر أن بوتفليقة بصدد التمهيد لإبعاد نافذين يشاركونه السلطة، وأولهم الفريق محمد المدين، الشهير بـ«توفيق» مدير «دائرة الاستعلام والأمن» بوزارة الدفاع (المخابرات العسكرية)، الذي يهيمن على هيئات وأجهزة ومؤسسات في البلاد منذ أكثر من 20 سنة، كخطوة أولى في خطته. وسبق لبوتفليقة أن سئل في بداية حكمه 1999، عن الذين يشاركونه في الحكم، فقال «لن أكون أبدا ثلاثة أرباع رئيس». وأظهر بوتفليقة خلال 14 سنة من الحكم، حرصا شديدا على استعادة كل الصلاحيات التي كانت للرئاسة والتي استحوذ عليها الجيش في تسعينات القرن الماضي، في إطار محاربة الإرهاب.
أصدر بوتفليقة منتصف سبتمبر (أيلول) الماضي، قرارات وصفت بـ«الجريئة». فقد نحى اللواء رشيد لعلالي المعروف حركيا باسم «العطافي»، مدير التوثيق والأمن الخارجي (جهاز مضاد للجاسوسية)، واللواء عثمان طرطاق المعروف بـ«بشير» مدير الأمن الداخلي. وتم إحالة الضابطين الكبيرين إلى التقاعد، بموجب مرسوم رئاسي أمضاه بوتفليقة الذي هو وزير الدفاع والقائد الأعلى للقوات المسلحة بحسب الدستور.
واستخلف «العطافي»، 75 سنة، بضابط برتبة عقيد، يدعى «زهير»، كان الملحق العسكري بسفارة الجزائر بإسبانيا. بينما حل محل طرطاق الجنرال علي بن داود الملحق العسكري بسفارة الجزائر بفرنسا. ويعتبر طرطاق ولعلالي من الضباط النافذين ليس في المؤسسة الأمنية فقط، وإنما أيضا في مصادر القرار السياسي. وكلاهما مقرب من الفريق «توفيق» الذي يسيطر على جهاز المخابرات منذ 23 سنة. والثلاثة لا يظهرون في العلن أبدا، وبالخصوص «توفيق» الذي لم يسبق أن أجرى حوارا مع أي صحيفة منذ وصوله إلى أعلى درجات أجهزة الأمن.
والشائع أنه كان واحدا من النافذين في البلاد، ممن عرضوا على بوتفليقة الترشح للرئاسة عام 1999، بعد استقالة رئيس الجمهورية آنذاك، الجنرال اليمين زروال.
وزيادة على ذلك نزع بوتفليقة من جهاز المخابرات فروعا هامة، مثل «مركز الاتصال والبث» الذي يتحكم في ريوع الإشهار العمومي، وفي الصحافة بشكل عام. و«المديرية المركزية لأمن الجيش» التي ألحقها بقيادة أركان الجيش.
فضلا عن ذلك ألغى بوتفليقة جهاز الشرطة القضائية، الذي كان تابعا لدائرة الاستعلام والأمن، ووضعه في رئاسة أركان الجيش. وكان هذا الجهاز بمثابة العصا التي ضربت بها المخابرات الرئيس بوتفليقة، من خلال فتح تحقيقات ضد أشخاص مقربين منه أفضت إلى اتهامهم بالفساد، وهو ما لم يتقبله بوتفليقة فقرر الانتقام من ضباط المخابرات بتنحيتهم من مناصبهم واستبدالهم بآخرين موالين له. وتركت وتيرة التغييرات السريعة في فروع الأمن، انطباعا قويا بأن بوتفليقة يتجه إلى إحكام قبضته على كل الأجهزة الأمنية النافذة وفروعها في مختلف الهيئات، وتوقع كثير بأن الرئيس سينهي مهام محمد مدين وإحالته إلى التقاعد.

التغيير لا يعدو كونه تدوير أشخاص في المناصب

يقول مسؤول بالرئاسة الجزائرية رفض كشف اسمه لـ«الشرق الأوسط» تعليقا على الأثر الذي خلفته التغييرات: «لا ينبغي أن تنخدعوا فتصدقوا بأن الرئيس في صراع مع قائد جهاز الأمن.. هذا لا يمكن أن يكون أبدا، لأن الرجلين يشتغلان سويا بمنطق التوافق، وأحيانا بمنطق التسوية. بعبارة أخرى أكثر وضوحا، الجنرال توفيق يعرف الحدود التي لا يمكن أن يتعداها عندما يتعلق الأمر بصلاحيات عبد العزيز بوتفليقة، وبوتفليقة يعرف الحدود التي لا يمكن أن يتعداها عندما يصل الأمر إلى السلطات الممنوحة للجنرال توفيق». وأضاف: «التغييرات التي مست الجيش وجهاز الأمن، تمت في جزء منها بطلب أصحابها الذين أرادوا الذهاب إلى التقاعد. وطلب آخرون التوقف بسبب المرض.. هذا ما في الأمر ولا ينبغي البحث عن شيء غير موجود». وتابع: «أما التغيير الواسع الذي أجراه في الحكومة بأن وضع موالين له في وزارتي الداخلية والعدل وفي المجلس الدستوري، فأستطيع أن أقول إنها حكومة انتخابات الرئاسة 2014، بمعنى أن الرئيس يعتزم الترشح لولاية رابعة».
وقال أنور مالك الضابط الجزائري اللاجئ بفرنسا، العارف بخبايا النظام في الجزائر، بشأن ما عده البعض هزة عنيفة في جهاز الأمن: «أرى أن التغييرات التي جرت، شكلية وليست جوهرية، فقد تم تدوير أشخاص في مناصب معينة. الهدف الأساسي الذي أرادته السلطة الحاكمة من وراء ذلك، هو إبراز الرئيس بوتفليقة بأنه قوي يتحكم في دواليب الدولة ومنها جهاز المخابرات أيضا. هذا من جهة ومن جهة أخرى، أرى أن التحولات الكبرى التي تجري في المنطقة وما تعيشه حدود الجزائر من تدهور أمني، زيادة على فضائح الفساد التي طفت إلى السطح، فرضت هذه الإجراءات والتغييرات على مستوى المسؤولين سواء كانوا في الجيش أو في الحكومة. أما القول إنه يوجد صراع بين جناح المخابرات وجناح الرئاسة فهو وهم فقط لإلهاء الرأي العام. إذ لا يوجد أدنى صراع بل هم (الرئاسة والمخابرات) في وئام حقيقي، وكل ما يحدث هو بالاتفاق بين المخابرات والرئاسة ووزارة الدفاع. وهي خطوات اقتضتها المرحلة وفرضت نفسها على الكل، خصوصا مع ما يجري في العالم العربي من تطورات في إطار ما يسمى (الربيع العربي). وحتى التقارير التي ترفع من قبل الجهات الأمنية للرئاسة، أو غيرها كلها تجمع على أن الجزائر مهددة بانفجارات في أي وقت، وتحتاج إلى تنفيس هذا الاحتقان ببعض الخطوات كالتي حدثت».
وأضاف أنور مالك، الذي كان ضمن بعثة المراقبين العرب في سوريا وانسحب بسبب مذابح النظام السوري: «التغيير في الجزائر ليس بتعيين وزير جديد مكان آخر، أو بتدوير آخرين ولا هو بترقية ضابط في منصب معين وتنحية آخر، ولا يعني إلحاق إدارة معينة بجهة وإلغاء أخرى. هذا ليس بتغيير، بل أمر طبيعي أن يحدث ذلك. التغيير الحقيقي الذي يجب أن يحدث هو ذلك الذي ينبغي أن يمس وبصفة عميقة طبيعة النظام، وتعاد فيه عملية بناء الدولة من جديد. وطبعا هذا لن يحدث في الجزائر أبدا مادامت تحت هيمنة مافيا المال والأعمال».
وتابع مالك: «ستجد الجزائر نفسها حتما في حاجة ماسة إلى حل كل المؤسسات وإلغاء الدستور، وإجراء انتخابات حرة ونزيهة لتعيين مجلس تأسيسي يعاد من خلاله بعث الدولة من جديد. وإن لم يحدث ذلك بمبادرة ذاتية، فسيفرض يوما وإلا فستتجه البلاد بخطى متسارعة نحو الانهيار. فالحدود ملغومة والوضع الاجتماعي على براكين حقيقية والتحرش الخارجي واضح، وقد يصل إلى حد تشجيع حركات انفصالية في عمق البلاد. كل هذا يراه النظام ويريد أن يتجاوزه بأقل الخسائر، لكن ليس بالتغيير الحقيقي بل بالترقيع الشكلي عن طريق مسرحيات، يراد منها إظهار إصلاحات وتغييرات مثلما نراه الآن لكن ذلك لن ينجح أبدا مادامت النيات سيئة للغاية ولصالح طرف محدد وليس لأجل البلاد.. شخصيا أرى أن الجزائر تتجه إلى مستقبل مظلم مفتوح على كل الاحتمالات، وسيتعاظم ويتضاعف أكثر فأكثر مع مرور الأيام، وخصوصا إن تم تعديل الدستور وفق ما يخدم بقاء الرئيس بوتفليقة في الحكم».
ويرى مالك أن الجزائر «في حاجة إلى رجل قوي بمعنى الكلمة، جسديا وشعبيا ودستوريا، لديه القدرة بأن يضع حدا للفاسدين وكل من يتلاعب بمصير الجزائر ومستقبلها، وفق منطق الحساب والعقاب. أما ترقيع السلطة لملامحها ووجهها وفق ما نلاحظه حاليا، أعتقد أنه سيغرق الجزائر في متاهات لن يتضرر منها غير عامة الشعب، بينما الذين يوجدون في السلطة فقد ضمنوا مستقبل أبنائهم في الخارج وعندما تغرق السفينة ستكون قوارب النجاة في انتظارهم».

الرئيس وضع الجيش في قلب السياسة

من جهته، ينظر عبد العزيز رحابي، وزير الاتصال الناطق باسم الحكومة الأسبق، لقضية التغييرات من زاوية أخرى، إذ يقول: «بإمكاني القول إننا دخلنا في مرحلة:الرئاسة مدى الحياة. فأنا لا أعتقد تماما بأن البلاد ستشهد انتخابات رئاسية في 2014، لأن الرئيس عازم على تعديل الدستور لتمديد ولايته بعامين ويكون ذلك باعتماد ولايتين رئاسيتين، كل واحدة بسبع سنوات بدل خمس سنوات».
ويقول رحابي، الذي اشتغل مع بوتفليقة في بداية حكمه، إن سابع رؤساء الجزائر «يشبه الرئيس التونسي الأسبق حبيب بورقيبة». مشيرا إلى «إنني كنت مهتما كثيرا بمسار نقل السلطات في عهد بورقيبة، فقد تمكنت ابنة شقيقه من الاستيلاء على جزء هام من السلطة قبل أن تتنازل عنه لكوادر من حزب التجمع الدستوري. واليوم، عندنا، السلطة ليست بين يدي الرئيس بوتفليقة وإنما بين أيدي الأشخاص المحيطين به». يشار إلى أن بوتفليقة أقال رحابي من الحكومة خلال اجتماع لمجلس الوزراء، وأمام كل أعضاء الطاقم الحكومي.
وذكر الوزير الأسبق، أن القرارات التي اتخذها بوتفليقة في الحكومة والجيش، «تندرج في إطار مسعى العصبة المتحكمة في الرئاسة، البقاء في الحكم، والحكومة الجديدة أبلغ دليل على ذلك إذ تتكون من وزراء معروفين بولائهم الشديد لبوتفليقة. وشخصيا أعتبر التعديل الحكومي الأخير، بمثابة أمر واقع أراد بوتفليقة فرضه على الجزائريين. ففي العادة، يكون التعديل الحكومي قبل ستة إلى سبعة أشهر من موعد الانتخابات الرئاسية بطلب من الأحزاب السياسية، بهدف ضمان أكبر قدر ممكن من الشفافية والنزاهة لهذه الانتخابات. وهكذا، في عام 1998، قبل أشهر معدودة من انتخابات الرئاسة التي جرت في أبريل (نيسان) 1999، طالب حزب جبهة التحرير الوطني، وهو حزب المترشح بوتفليقة آنذاك، بتغيير الحكومة فالتحق بالطاقم الجديد شخصيات ليس لها أي انتماء سياسي، وتم تعيينها في مناصب حساسة. فكان أولا إسماعيل حمداني رئيسا للحكومة، وعبد المالك سلال (الوزير الأول الحالي) وزيرا للداخلية وكنت أنا وزيرا للاتصال، عكس حاليا تماما، حيث يوجد موالون للرئيس على رأس المناصب الهامة في الحكومة».
وينتقد رحابي التغييرات التي أدخلت على الأجهزة الأمنية، فيقول: «بهذه الطريقة وضع بوتفليقة مؤسسة الجيش في قلب السلطة السياسية، وهو وضع حاول كل الرؤساء الذين سبقوه تحاشيه. فالرئيس الشاذلي بن جديد مثلا (حكم بين 1979 - 1992 وتوفي العام الماضي)، شرح لي الأسباب التي دفعته إلى إبعاد ضباط الجيش عن اللجنة المركزية والمكتب السياسي لحزب جبهة التحرير الوطني (الحزب الحاكم سابقا). فهو يرى أن هيئات الحزب اخترقتها المصالح السياسية والشخصية والولاءات القائمة على الانتماء لنفس الجهة (جغرافيا)، وكان حريصا على إبقاء الجيش بعيدا عنها حتى يعزز من استقلاله وانسجامه. وسار الشاذلي على نفس النهج في بناء وفاق وطني حول الجيش».

بالونات اختبار لتجاوز أو ترتيب وضع مصطنع

ويقول الكاتب الصحافي والمحلل السياسي، ناصر الدين السعدي، بشأن الأحداث التي عرفتها الجزائر، إن بوتفليقة إن كان يريد فترة رئاسية رابعة «فهو لا يحتاج لإجراء أي تغيير. فالحكومة وجهاز القضاء وقيادة الجيش وباقي المؤسسات التي شملتها ترتيبات الأيام الأخيرة، سبق أن تحالفت كلها قبل خمس سنوات ومنحته رئاسة ثالثة خارج القانون، فكيف تختلف اليوم حول رابعة محمية بقانون؟!. في عام 2008 وقع تعديل الدستور في ظرف دقائق، وكسب الرئيس رهان الاستمرار لأن النظام أراد ذلك. وإذا فهمنا طبيعة النظام الجزائري المستقرة، قرأنا ما يجري الآن بشكل قريب للواقع. أولا: ثمة (نواة صلبة) في النظام حولها حلقات تشكل في مجملها النسيج المؤسساتي للدولة. وهي التي أتت ببوتفليقة رئيسا عام 1999 واحتضنته وصار عنصرا منها بل واجهتها والمعبر عنها، وهي من جددت له عام 2004 ومددت له عام 2009 وسيحل محله فيها الرئيس الذي سيأتي بعده، كما حل هو مكان من كان قبله».
ويواصل السعدي تحليله للتغييرات التي جرت: «قرارات الرئيس إذن تعكس إرادة هذه النواة أو (قلب النظام)، وتجسدها مؤسسات الدولة المختلفة. وهو في كل الأحوال لا يمكن أن يتخذ قرارات فردية غير متفق عليها. لذلك فالتعديل الأخير الذي مس الحكومة وكذا الترتيبات التي أدخلت على الجهاز الأمني، وما ينتظر أن يتم بخصوص الهيئة القضائية يندرج في سياق إرادة النظام وليس إرادة شخص الرئيس. وسيتبين أن الإعفاءات والتعيينات الجديدة في الجهاز الأمني، التي نالت حصة الأسد من اللغط الحالي حول الصراع المفترض، لن تغير شيئا في أداء هذا الجهاز لأن الولاء به كان دائما للمؤسسة وليس للأفراد».
وأضاف الكاتب الصحافي: «لقد تنبأ كثيرون بوقوع شرخ في المؤسسة العسكرية أو بينها ومؤسسة الرئاسة، حين أحيل الفريق محمد العماري، القائد العام السابق لأركان الجيش عام 2004 على التقاعد، لكن الذي تأكد أن المؤسسة ظلت متماسكة وكانت عنصرا مهما في تمديد حكم الرئيس لفترة ثالثة. ثانيا: إن اختلاف القراءات والتأويلات لما جرى وما سيجري، هو ناتج عن شح في المعلومات لدى القوى السياسية والإعلام. وهي استراتيجية انتهجها النظام الجزائري على الدوام باصطناع معارك كاذبة بشكل بالونات اختبار تستقطب الاهتمام لتجاوز أو ترتيب وضع يحتاج إلى الهدوء. وعادة ما ينتهي مفعول هذه المعارك بلا كاسب ولا خاسر. والأمر الذي يحتاج إلى هدوء في النظام وصخب مصطنع على المحيط - في تقديري - هو ترتيب موعد أبريل 2014. فالوضع الإقليمي والدولي يقتضي تغيير السياسات، ويعلم الجميع أن اضطهاد الدستور قبل خمس سنوات كلف البلاد غاليا. فلو احترم القانون وإرادة الناس وقتها لتمتعت الجزائر اليوم بوضع مريح جدا، في وقت انتفض محيطها على حكام خالدين. فقد حرم ذلك القرار سيء الصيت الجزائر من أن تكون اللاعب الأول في المنطقة بنظر العالم. كانت ستظهر بلد مؤسسات ودولة قانون. لكن تلك الحماقة جعلت منها واحدة من الديكتاتوريات التي تحكم خارج القانون. وتابع السعدي: «وبخصوص ما أثير حول استماتة الرئيس بوتفليقة لحماية أفراد من عائلته، هذا أمر وارد، لكن لن يكون الساعي الوحيد لهذا الغرض.
ففي الجزائر لا توجد آليات محاسبة الفاسدين الكبار.. فالفساد هنا مؤسسة قائمة بذاتها وهي أكثر المؤسسات مناعة وقدرة على تخطي الملاحقات».



الأردن بين قرارات حكومية مثيرة للجدل وضغوط «الإخوان»

طائرة حربية أردنية في مناورة فوق مدينة الزرقاء (أ.ب)
طائرة حربية أردنية في مناورة فوق مدينة الزرقاء (أ.ب)
TT

الأردن بين قرارات حكومية مثيرة للجدل وضغوط «الإخوان»

طائرة حربية أردنية في مناورة فوق مدينة الزرقاء (أ.ب)
طائرة حربية أردنية في مناورة فوق مدينة الزرقاء (أ.ب)

انتبهت الحكومة الأردنية متأخرةً لأهمية وضع المواطنين في صورة التحدّيات المتوقعة مع استمرار الحرب الإيرانية الدائرة، والمخاوف من تأثير النمط الاستهلاكي على توافر كميات من المخزونات الاحتياطية للغذاء والدواء والطاقة، والحد من المبالغة في التخزين. الحكومة التي اجتهدت منذ الأيام الأولى للحرب ببث «رسائل تطمينية» حول المخزونات الاستراتيجية من الغذاء والطاقة، اضطرت إلى إعادة ضبط لهجة خطابها مع الشارع المحلي، فأعلنت عن جملة إجراءات تقشفية تتعلق بضبط موازنات السفر الرسمي واستهلاك المؤسسات الحكومية من المحروقات، وقرارات أخرى تتعلق ببث شعور عام بحجم التحديات الاقتصادية المتوقعة.

 

 

الإعلان الحكومي لفت انتباه الساسة الأردنيين إلى احتمال «إعلان حالة الطوارئ» التي تسمح للحكومة بإصدار أوامر دفاع تمكّنها من تنفيذ قراراتها بضبط الإنفاق العام، ويسمح بمرور القرارات الاقتصادية الصعبة الحاصلة على قبول شعبي نسبي، بعيداً عن استفزاز غضب المواطنين من تصريحات بعض المسؤولين التنفيذيين.

ثم إن الارتباك الحكومي تسبّب في اندفاع المواطنين لشراء وتخزين المواد الغذائية والمحروقات، وهو ما يعكس نسبة الثقة الشعبية المتدنية بالرواية الرسمية، وحسب مراقبين فإن الفريق الاقتصادي في الحكومة «أخفق في رسم خريطة إجراءات تتناسب مع تطورات القلق واستمرار أيام الحرب». والحال أن الأردنيين لا يخافون التجمهر عند سقوط شظايا الصواريخ والمسيّرات المتفجرة في سماء المملكة، لكنهم يخشون من صحة التصريحات الرسمية حول توافر مخزون السلع والمواد الغذائية والأدوية في الأسواق، ويخشون من قفزات صادمة في الأسعار، وسط غياب الرقابة الرسمية، حسب متابعين.

تقدير عسكري أمني لمخاطر محتملة

في الواقع، لا يتوقع رسميون أردنيون توقّف الحرب بين إيران من جهة وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، بل اعتبروا أن استئناف العمليات العسكرية النوعية سيحمل معه اشتداداً للقصف والقصف المضاد خلال الأيام القليلة المقبلة.

وهذا ما ينعكس بالتهديد عبر زيادة الضغط الإيراني في استهداف دول الخليج والأردن، وهي استراتيجية صار واضحاً أن الإيرانيين يرغبون في استخدامها ورقة ضغط لتخفيف الشروط والتنازلات المطلوبة من سلطات طهران.

طبيعة الاستهداف الذي يتوقعه مطلعون في العاصمة الأردنية قد تهدّد حياة المدنيين، لأن زيادة الهجمات قد يقابلها محدودية جهود الدفاع والتصدي للأجسام الصاروخية الموجهة نحو أهداف أردنية. ولقد بات معلوماً في الأردن طبيعة التهديدات الإيرانية وسعيها لاستهداف انتقامي من المملكة. ومع أن عمّان، قد لا تكون أولوية في «بنك الاستهدافات» الإيرانية في حربها اليوم، تبقى طهران راغبة في تحقيق انتصارات على الجبهة الأردنية التي لطالما سعت إلى استهدافها في أكثر من مناسبة.

عمليات إرهابية محتملة

المخاوف التي نقلتها مصادر خاصة لـ«الشرق الأوسط» تتمثل في سعي إيران لتنفيذ «عمليات إرهابية داخل الأراضي الأردنية». وفي ضوء ذلك، كثفت الجهات المختصة عمليات الرقابة على الحدود الشرقية مع العراق، والشمالية مع سوريا، لقطع الطريق على استمرار محاولات النظام الإيراني استهداف الأمن الأردني عبر متسللين.

وقبل أيام نفذت طائرات سلاح الجو الأردني في الجنوب السوري «غارات قصفت من خلالها مجموعات كانت تُحضّر لإدخال متفجرات عبر متسلّلين محسوبين على بقايا الميليشيات الإيرانية في سوريا إلى الأردن، مستغلّة غياب الاستقرار على طول الحدود البالغة نحو (375 كلم)». وشدّد مصدر مطلع في كلامه لـ«الشرق الأوسط» على أن «جهوداً استخباراتية متقدّمة قطعت الطريق على استكمال تنفيذ مخططات انتقامية وتخريبية في البلاد».

وقريباً من المسألة عينها، فإن «المعلومات المتوفرة تؤكد نشاطاً مسلحاً لميليشيات عراقية شيعية تتموضع في مناطق من محافظة الأنبار وصحرائها على الحدود العراقية الأردنية. وأن تلك الميليشيات تتسلّح بما يزعج الأمن الأردني بعد إعادة تزويدها بصواريخ ومسيّرات إيرانية بقدرات نارية متقدمة». ويشدد المصدر نفسه على أنه «تم توجيه ضربات دفاعية استباقية لتدمير قدرات تلك الميليشيات، التي تصرّ على استهداف إسرائيل عبر الأراضي الأردنية وليس عبر حليفها (حزب الله) اللبناني الأقرب جغرافياً لتل أبيب».

بالتوازي ثمة معلومات موثقة بأن القوات المسلحة الأردنية (الجيش العربي) تحتاط بـ«معلومات استخبارية من شأنها إفشال هجمات أو الحد من فعالية أي مخططات إرهابية ضد الأمن الأردني»، مع الإشارة إلى أن العناصر المنتمية لميليشيات مسلحة تابعة للنظام الإيراني تتحرك بذريعة محاربة إسرائيل ومناصرة إيران في الحرب المستعرة.

دور سلاح الجو

حتى كتابة هذا التقرير، نجحت طائرات سلاح الجو الأردني في إسقاط جميع الصواريخ والمسيّرات الإيرانية التي استهدفت مراكز سيادية في البلاد بإسناد من القوات البريطانية والفرنسية والأميركية الموجودة في قواعد عسكرية أردنية. وقد استمرت هذه الجهود في حماية البلاد، على الرغم من تدمير «رادارات منظومة صواريخ الثاد المنشورة في شرقي المملكة»، حسب المصادر. وباستثناء شظايا الأجسام المتفجّرة في السماء، لم تتمكّن الصواريخ أو المسيّرات الإيرانية من تحقيق أهدافها.

تقديرات أردنية

تشير التقديرات الرسمية الأردنية إلى أن استمرار الحرب متوقع، ولا نهاية في الأفق لعهد إيران في استهداف أمن المنطقة. ووفقاً لمصدر رسمي «القتل والدمار من أهداف إيران الصريحة»، وسياسة «الغريق لا يخشى البلل» قد تزيد من حدة استهدافاتها، والتركيز على ترك أثرٍ يشفع لها في مسلسل الانكسارات المتحققة بفعل واقعها الاقتصادي الذي قد لا يسعفها في معركة الصمود والنفس الطويل في هذه الحرب.

أيضاً، وفق المصادر الرسمية المتابعة، فإن استمرار الحرب المشتعلة هو النتيجة الحتمية بعد «عسكرة» الشرق الأوسط بالقوات الأميركية، وطبيعة أنواع الأسلحة التي وصلت إلى المنطقة، وهذا طبعاً، إلى جانب رغبة تل أبيب في إطالة أمد الحرب من أجل تحقيق أهداف سياسية تتعلق بمستقبل حكومة اليمين المتطرف بقيادة بنيامين نتنياهو.

من جانب آخر، بعدما كشف «حزب الله» اللبناني عن مستودعات أسلحة وصواريخ ما زال يهدد إسرائيل بها، لا بد من القول إن دخول الحزب على جبهة الحرب إسناداً لطهران ونظامها الديني والسياسي إنما جاء بعد سلسلة الاغتيالات التي نفذتها إسرائيل لقيادات الحزب، والتي تسببت فعلياً في اختلالات داخل مراكز القيادة والقوة داخل تنظيمه، كذلك رفعت الاغتيالات التي نفذتها إسرائيل خلال الأشهر الماضية، مستويات الارتباك في قرارات الحزب داخلياً وخارجياً.

أيضاً، على صعيد ما يشغل الأردن إقليمياً، قللت مصادر مطلعة من مخاوف دخول الحوثيين في اليمن على خط جبهات الإسناد. واعتبرت جهات رسمية في عمّان أن «دخولهم الحرب قد لا يُحدث أثراً عسكرياً فارقاً، لا سيما بعد إقدام إسرائيل سابقاً على تدمير القدرات العسكرية للجماعة التي تشكل خطراً كبيراً على سلامة المرور في البحر الأحمر ومضيق باب المندب»، الأمر الذي يهدد الأمن الغذائي والطاقي لعدد من دول المنطقة.

ولكن، في المقابل، شخصيات سياسية قريبة من الخط الرسمي «قدّرت أن تضخم الوجود الأميركي في المنطقة قد يمهّد لدخول عسكري أميركي في اليمن».

كذلك، في ظل التطورات المتلاحقة أخيراً، والأخذ في الحسبان جميع الاحتمالات، فإن انخفاض نسبة الثقة لدى جمهور الساسة الرسميين الأردنيين بقرارات الرئيس الأميركي دونالد ترمب فيما يتعلق بمسألة «الثبات على موقف» أو «الالتزام بالمدد والمواعيد» التي يطلقها ارتجالياً، يفتح باب التكهنات.

هذه التكهنات التي غدت مألوفة محلياً، ترى أن «قرارات ترمب تشبه تصرفاته» وأن مناورات «سيد البيت الأبيض» هي رسالة ثلاثية التأثير:

- أولاً لإسرائيل لجهة ضرورة سرعة إنهاء سلة استهدافاتها داخل إيران.

- وثانياً لإيران المُستفزة من بث رسائل تفاوضية سرّية تكشف عن أسرار التنازلات الإيرانية بجرأة لا يملكها النظام السياسي في طهران.

- وثالثاً لدول الخليج والأردن بأن الحرب لن تطول.

مع هذا، يبدو الأردن مطمئناً لقدراته الدفاعية التي جنّبته ويلات الحرب الدائرة، وقد قطع من خلالها الطريق على مخطّطات إرهابية قادمة عبر القرار السياسي الإيراني. إلا أن استمرار الحرب وتطور القوة النارية المستخدمة بين أطراف المعركة لن تأتي بضمانات أمنية تحصن من المخاطر حتى نهاية فصول الحرب المشتعلة.

الجبهة الداخلية: تهديدات مصدرها منصات التواصل

داخلياً، ما زالت «جماعة الإخوان المسلمين»، المحظورة بعد تنفيذ قرار قضائي أردني سابق، فاعلة في المشهد السياسي من خلال ذراعها الحزبي والبرلماني حزب «جبهة العمل الإسلامي» الذي يشغل في البرلمان الأردني 31 مقعداً من أصل 138 مقعداً هي كامل أعضاء مجلس النواب الأردني.

هنا نذكر، أن حزب «جبهة العمل الإسلامي»، الذي أبدى مرونة باستجابته لمتطلبات قانونية تجبره على حذف كلمة «إسلامي» أو تغيير اسمه قبل نهاية شهر أبريل (نيسان) وتحت طائلة الحل ومصادرة ممتلكاته ومقراته، ما زال يمارس الضغط على عصب الدولة من خلال مطالباته الحكومة الأردنية بـ«إدانة الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل لاستخدامهما الأجواء والأراضي الأردنية في عدوانهما على إيران».

ولكن مقابل هذا، لم يصدر عن الحزب أي إدانة لطهران على استهدافها حياة الأردنيين، وهو ما يمكن متابعته من تصريحات رئيس «الكتلة الإسلامية» في المجلس الحالي صالح العرموطي. هذا الواقع دفع الجهات الرسمية إلى تثبيت فقرة الإحصائية اليومية لعدد الصواريخ والمسيّرات التي يتم إسقاطها بدفاعات جوية أردنية قبل استهدافها لمناطق حيوية في البلاد ومدن الكثافة السكانية في الشمال والوسط وخليج العقبة جنوب البلاد.

العرموطي كان قد حصد أعلى الأصوات في الدوائر الانتخابية المحلية في الانتخابات الأخيرة التي أجريت في سبتمبر (أيلول) عام 2024. وراهناً يجري تداول مداخلاته على نطاق واسع في منصات التواصل الاجتماعي (فيسبوك وX وإنستغرام وتيك توك ومجموعات الواتساب). وفي هذه المداخلات يشن رئيس «الكتلة الإسلامية» هجمات خطابية على الولايات المتحدة وإسرائيل، وعلى الرغم من محاولات وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي «تصويب الأخطاء المعلوماتية عند العرموطي»، فإن الأخير، الذي سبق أن كان نقيباً للمحامين الأردنيين لأكثر من دورة نقابية، يعرف تماماً ما «يُطرب الجمهور»، بصرف النظر عن مدى دقة تصريحاته، حسب مصدر نيابي فضل عدم الكشف عن نفسه.

ديناميكيات التعامل الإعلامي

بالتالي، في المشهد الرسمي أمام البرلمان الأردني، قد يصح القول، حسب مراقبين، إن رئيس الحكومة اختصر الأمر في مجلس النواب بضرورة التعامل «بحذر ناعم» مع «الكتلة الإسلامية»، من دون التعمق بتحالفات مع كتل محسوبة على الخط الرسمي تضمن له دعم جميع قراراته بالأغلبية المريحة.

وفي هذا المشهد يجد محلّلون أن رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان، وإن ترك أثراً على المستوى التنفيذي، فإنه يبتعد عن أي مواجهات أمام الإعلام، ما يمكن أن يترك انطباعاً بأنه يريد لفترته المتبقية في الحكومة أن تكون بعيدة عن المواجهات الشعبية. وحقاً، على الرغم من إصراره على إرسال تشريعات قد تفجر غضب الشارع مثل تعديلات قانون الضمان الاجتماعي وقانون الإدارة المحلية، يغيب رئيس الوزراء عن مشهد التعبير في السياسة الخارجية، كونه لا يميل إلى الظهور الإعلامي، ويفضّل البقاء بعيداً عن الكاميرات والتصريحات.

الموقف الرسمي... غير مفهوم شارعياً

بناءً عليه، يمكن القول إن التصريحات المتعلقة بالسياسة الخارجية تُختزل بشخص وزير الخارجية أيمن الصفدي. فهو رجل التواصل المتخصص، وصاحب القُدرة على تقديم رواية متصلة، حظيت بقبول شعبي إبان فترة العدوان الإسرائيلي على غزة، ونجح في إبراز الكارثة الإنسانية التي لحقت بسكان القطاع خلال حرب وصفها الأردن الرسمي بـ«حرب إبادة».

مع هذا، يرى كثيرون أن غياب التصريحات السياسية عن لسان وزير الإعلام أو وزراء الواجهة السياسية للحكومة، أمر يُعمّق أزمة عدم فهم الموقف الرسمي. وهو موقف يرفض العدوان الإيراني على الأردن، ولا يسمح لأطراف الحرب بانتهاك السيادة الأردنية على سمائها وأرضها ضمن الإمكانات المتاحة. لكن فضاءات التواصل الاجتماعي تُصّر على اجتزاء الموقف واللعب بكلماته لبث رسائل التشكيك والتشويش.

حساسيات ومحاذير

بالتالي، غياب الحياة السياسية في الأردن ترك فراغاً واسعاً. ويجد البعض أن كلفة «التغريد خارج سرب التصريحات الرسمية لا يخدم بعض النخب في نيل نصيبها من الرعاية الرسمية». وهذا، في حين وجد البعض الآخر أن هناك حاجةً إلى «إعادة تفسير المواقف الرسمية بعبارات مرنة سهلة الوصول بشكل مباشر للفهم العام»، ولا سيما، أمام خلفية إقصاء الرأي الآخر، وممارسات التضييق على الحريات الصحافية حفاظاً «على مشاعر الحكومة»، كما قال قيادي إعلامي لم يرغب بذكر اسمه.

عودة إلى مداخلات العرموطي النيابية، نشير إلى أنه سبق له أن كان واحداً من فريق الدفاع عن الرئيس العراقي السابق صدام حسين خلال فترة محاكمته ما بين عامي (2005-2006). وبالفعل، تحظى مداخلاته بشعبية جارفة على الرغم من محدودية المعلومات التي يطرحها واندفاعه العاطفي الذي يلعب على وتر الجماهير الكارهة لتل أبيب وواشنطن.

من ثم، تبدو الحالة الأردنية وكأنها على وجه الانقسام على منصات التواصل الاجتماعي. ولقد سعى البعض، بالذات، إلى ضرب العلاقة الأردنية - الفلسطينية، وهذا عنوان له حساسيته محلياً، وسط ضرورات تؤكد مصلحة البلاد العليا فيما يتعلق بأولوية حشد الصفوف وسد الثغرات أمام الفتن الموجهة من الخارج.


نبيل فهمي... دبلوماسي مخضرم على أعتاب رئاسة «بيت العرب»

امتازت رحلته في أروقة الدبلوماسية بـ«الواقعية الحذرة» و«الخطاب الرزين» والقدرة على إدارة التعقيدات السياسية بحنكة وهدوء
امتازت رحلته في أروقة الدبلوماسية بـ«الواقعية الحذرة» و«الخطاب الرزين» والقدرة على إدارة التعقيدات السياسية بحنكة وهدوء
TT

نبيل فهمي... دبلوماسي مخضرم على أعتاب رئاسة «بيت العرب»

امتازت رحلته في أروقة الدبلوماسية بـ«الواقعية الحذرة» و«الخطاب الرزين» والقدرة على إدارة التعقيدات السياسية بحنكة وهدوء
امتازت رحلته في أروقة الدبلوماسية بـ«الواقعية الحذرة» و«الخطاب الرزين» والقدرة على إدارة التعقيدات السياسية بحنكة وهدوء

في وضع سياسي مضطرب ووسط أزمات تعصف بالعالم العربي، يقترب الدبلوماسي المصري المخضرم السفير نبيل فهمي من رئاسة «بيت العرب»، بعدما اعتمد وزراء الخارجية العرب في اجتماعهم الأخير قراراً برفع توصية إلى القمة العربية المقبلة بترشيحه أميناً عاماً لـ«جامعة الدول العربية» بدايةً من يوليو المقبل، ولمدة 5 سنوات، خلفاً للأمين العام الحالي أحمد أبو الغيط، ليكون بذلك الأمين العام التاسع للجامعة العربية منذ إنشائها عام 1945. إنها مسؤولية أقر الدبلوماسي، الذي قاد حقيبة الخارجية المصرية عقب «ثورة 30 يونيو 2013» بأنها «كبيرة» في ظل ما تواجهه المنطقة من «تحديات غير مسبوقة، ومخالفات صارخة للقانون الدولي، من قِبل أطراف معتدية غدراً على دولنا وسلامتنا، وأخرى طال احتلالها لأراضينا وتعرقل تمكين أشقائنا من ممارسة حقوقهم المشروعة، فضلاً عن تعرض منطقتنا لمخططات تستهدف الهيمنة، والمساس بأمن واستقرار العالم العربي»، وفق تصريحاته تعقيباً على الترشيح.

يدخل نبيل فهمي معترك العمل العربي، مازجاً الخبرة العملية والأكاديمية، وعازماً على «التشاور مع أعضاء الجامعة العربية، للتصدي للتحدّيات من أجل تأمين مستقبل عربي أكثر أمناً واستقراراً وازدهاراً»، و«تعزيز مسارات البناء، وتنمية المصالح المشتركة والمتبادلة بين الدول الأعضاء».

من الاقتصاد إلى السياسة

ولد نبيل إسماعيل فهمي في نيويورك عام 1951 لعائلة دبلوماسية، فهو نجل وزير الخارجية المصري الأسبق إسماعيل فهمي، ما أتاح له الاحتكاك المبكّر بعالم السياسة والعلاقات الدولية. لكن رغم وجوده في عرين الدبلوماسية اختار فهمي لتخصصه الجامعي مجالاً آخر، فحصل على درجة بكالوريوس علوم في الفيزياء والرياضيات من الجامعة الأميركية بالقاهرة عام 1974.

ومن ثم، اتبع نصيحة والده بالبحث عن مسارات مهنية وفقاً لتفضيلاته المهنية، التي كانت آنذاك تتجه إلى العمل في المجال الاقتصادي، وهذا ما ذكره في كتاب صدر عام 2022، وثّق فيه سيرته الذاتية ورحلة الدبلوماسية المصرية تحت عنوان «في قلب الأحداث: الدبلوماسية المصرية في الحرب والسلام وسنوات التغيير».

بيد أن القدر كان يرسم لنبيل فهمي طريقاً آخر، ليتغير مسار حياته المهنية باتصال هاتفي تلقاه عقب تخرّجه من أشرف مروان، سكرتير الرئيس الراحل أنور السادات، دعاه فيه للعمل معه في مكتب الرئيس. ومع أن فهمي «لم يكن، بحسب تعبيره، يتطلع للعمل في الحكومة أو في مكتب رئيس الجمهورية، فإن شخصية مروان جذبته»، فقبل العمل وبدأ أولى خطواته المهنية في مسار مختلفٍ تماماً عمّا كان يخطط له.

من جهة ثانية، تزامن عمله في مكتب الرئيس مع استكماله لدراسة الماجستير في إدارة الأعمال، حيث كان لا يزال يسعى للعمل في الاقتصاد، في خطوة أجلّها لحين إتمام خدمته العسكرية. ولكن مرة أخرى قادته الصدفة إلى مسار آخر، عندما تحدّاه صديقه رمزي عز الدين رمزي للتقدّم والنجاح في اختبارات القبول بالسلك الدبلوماسي، ودفعه حماس الشباب لقبول التحدي.

بالفعل، نجح نبيل فهمي وصديقه في الاختبارات «بعد جهد شاق ومن دون تدخل» من والده - وزير الخارجية آنذاك - حسب ما ذكر في كتابه.

مع هذا، ورغم أن حلم الاقتصاد ظل يطارده حتى بعد نجاحه في الاختبارات، وحصل بالفعل على عرض للعمل بأحد البنوك براتب يعادل 21 ضعف ما سيتلقاه في بداية تعيينه بوزارة الخارجية المصرية، فإنه في النهاية اختار إكمال المسار الذي اقتيد إليه بالصدفة، والتحق بالعمل في وزارة الخارجية المصرية عام 1976، وحسب قوله «باعتباره مهنة تحتاج إلى اقتناعات عميقة وتنطوي على مسؤوليات جسام»، وبذا صار أبوه رئيسه في العمل، وانضم للعمل بمكتبه برغبة الأب الذي كان يريد «التأكد من أنه يعامل المعاملة العادية ملحقاً تحت الاختبار، ولا يدلل أو يعامل بشكل استثنائي في قطاعات أخرى بالوزارة».

رحلة دبلوماسية ممتدة

امتدت مسيرة نبيل فهمي داخل أروقة الدبلوماسية المصرية لنحو أربعة عقود، كانت تموج بالأحداث السياسية المهمة. إذ تنقّل إبّان عمله في الخارجية المصرية بين مناصب ومهمات وملفات حساسة عدة، من نزع السلاح في الأمم المتحدة إلى العمل مستشاراً سياسياً لوزير الخارجية الأسبق عمرو موسى.

لكن كثيرين يعتبرون محطته الأبرز هي عمله سفيراً لمصر لدى الولايات المتحدة بين 1999 و2008، لا سيما أن تلك الفترة شهدت أحداثاً مفصلية، على رأسها هجمات «11 سبتمبر/أيلول 2001». ولقد جاء تعيينه في سفارة مصر بواشنطن بناء على اختيار الرئيس الأسبق حسني مبارك.

ويروي فهمي في أحد لقاءاته أن «مبارك سأله في ختام زيارة لليابان، حيث كان آنذاك سفيراً لمصر في طوكيو، عن عمره دون أن يوضح سبب السؤال، ليجيبه في الـ47».، وبعد ذلك عيّن سفيراً لمصر في واشنطن، وقال له مبارك بعد ذلك إنه «اختاره للمنصب لأنه لا يخشى قول رأيه، وأنه لن يخشى الرد على الأميركان إذا اتخذوا مواقف خشنة بعض الشيء».

امتازت رحلة نبيل فهمي في أروقة الدبلوماسية بـ«الواقعية الحذرة»، و«الخطاب الرزين»، حسب مراقبين يرون في فهمي القدرة على إدارة التعقيدات السياسية بحنكة وهدوء يتمازجان بدرجة من الصراحة والواقعية.

وحقاً، شغل فهمي مناصب حكومية ودولية عدة، وركز عمله على قضايا الأمن الدولي والإقليمي، ونزع السلاح وحظر الانتشار النووي، وتسوية النزاعات، والدبلوماسية العربية - الإسرائيلية، كما شغل منصب رئيس المجلس الاستشاري للأمم المتحدة لشؤون نزع السلاح، ونائب رئيس اللجنة الأولى للجمعية العامة للأمم المتحدة المعنية بنزع السلاح والأمن الدولي. وكان عضواً في الوفد المصري في مؤتمر مدريد للسلام عام 1991، ومؤتمرات مراجعة معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، ولجنة المبادئ في مؤتمر الأمم المتحدة لتعزيز التعاون الدولي في الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، والعديد من الفعاليات متعددة الأطراف الأخرى. وعلى صعيد التقديرات، منح الإمبراطور الياباني ناروهيتو، فهمي، «الوشاح الأكبر لوسام الشمس المشرقة».

وزيراً للخارجيّة

على خطى أبيه، تولّى نبيل فهمي حقيبة الخارجية المصرية في فترة صعبة بين يوليو (تموز) 2013 ويونيو (حزيران) 2014، بعد أحداث «30 يونيو» التي شهدت الإطاحة بحكم تنظيم «الإخوان» الذي تصنّفه السلطات المصرية «إرهابياً».

اكتنفت تلك الفترة تحديات على الصعيدين الداخلي والدولي دفعت فهمي لصياغة استراتيجية «إعادة التوجيه»، إيماناً منه بأن قوة الدولة تقاس بتعدد خياراتها. وفتح فهمي، بالفعل، آفاقاً جديدةً في علاقات مصر الدولية والإقليمية مكرّساً مبدأ «الندّيّة الاستراتيجية».

لقد كان دائم التأكيد على أن العلاقات الدولية لا تُدار بمنطق «التحالفات المطلقة»، وأن العلاقات مع الدول تحكمها المصالح المتبادلة ولا يوجد فيها اتفاق دائم أو اختلاف دائم. وإبّان هذه الفترة أثار فهمي جدلاً بعدما تداولت وسائل الإعلام تصريحاً قاله في مقابلة مع الإذاعة الحكومية الأميركية، شبّه فيه العلاقة بين مصر والولايات المتحدة بـ«الزواج» لا «علاقة ليلة واحدة»، تعليقاً على التوتّر الذي يشوب العلاقات أحياناً. ودفعت تلك التصريحات إلى موجة من الهجمات على فهمي، لترد وزارة الخارجية المصرية، آنذاك، بالتأكيد على أن «ترجمة الحوار للعربية كانت غير دقيقة»، وأن فهمي قال إنه «بخلاف العلاقات العابرة بين الدول فإن العلاقات المصرية - الأميركية علاقات ممتدة على مدى طويل ومتشعبة، ومثل الزواج تحتاج للكثير من الجهد والمتابعة، ويُتخذ خلالها قرارات عديدة وفي مجالات متعددة، وقد تتعرّض بين الحين والآخر إلى بعض المشاكل».

العمل الأكاديمي... وبناء الأجيال

بعد انتهاء فترة عمل نبيل فهمي في واشنطن عام 2008 عاد إلى مصر، وانخرط في العمل الأكاديمي، حيث أسس «كلية الشؤون الدولية والسياسات العامة» (GAPP) في الجامعة الأميركية بالقاهرة عام 2009، وهي كلية متخصصة في القضايا الراهنة المتعلقة بالشؤون العامة، والقانون، والصحافة، فضلاً عن دراسات الشرق الأوسط، واللاجئين، ودراسات النوع الاجتماعي والدراسات الأميركية.

كذلك شغل منصب العميد المؤسّس للكلية من عام 2009 إلى 2022. وشارك في مراكز بحثية دولية، مقدّماً تحليلات حول الأمن الإقليمي وإعادة تشكيل النظام الدولي. ولنبيل فهمي العديد من المقالات والكتب التي يشرح فيها رؤيته للنظام الدولي والصراعات الدائرة على الساحة، ويحلل «تحديات فن إدارة الدولة»، وكيف يمكن للدبلوماسية أن تكون الدرع الأول لحماية الوطن في زمن الانتقال.

هذا المزج بين الخبرة العملية والتنظير الأكاديمي منح رؤية فهمي بعداً تحليلياً، وحضوراً واضحاً في النقاشات حول النظام الدولي وإصلاح المنظومة العربية. وراهناً، لا ينشغل بالجدل حول «ترجيح القوة أو القانون» في تفسير آليات النظام الدولي، كما أورد في أحد مقالاته، بل يرى أن «توسع الدول القوية في استخدام القوة» مؤشر على الاندفاع نحو «ترجيح المعادلات الصفرية» والاتجاه نحو «الانفرادية الأحادية المصلحة» على حساب «الجماعية والمصالح المتبادلة».

الجامعة العربية وتحديات المستقبل

اليوم يقترب نبيل فهمي من رئاسة «جامعة الدول العربية»، بينما تشهد المنطقة تحديات جساماً، وسط تشكيك في قدرة الجامعة على مواجهة التحدّيات. لكن، لم يكن العمل العربي غائباً عن فهمي الذي شرح في عدد من المقالات والحوارات رؤيته للعمل العربي المشترك، مؤكّداً أن «سياسة المرحلة المقبلة يجب أن تركّز على التطلع للمستقبل»، وضرورة أن يكون العالم العربي كتلةً واحدةً في مواجهة التحدّيات والأزمات الإقليمية، مع الاتجاه للتطوير والبناء لدعم الهوية العربية.


8 أمناء تعاقبوا على قيادة جامعة الدول العربية منذ تأسيسها

عمرو موسى (وكالة أنباء الأناضول)
عمرو موسى (وكالة أنباء الأناضول)
TT

8 أمناء تعاقبوا على قيادة جامعة الدول العربية منذ تأسيسها

عمرو موسى (وكالة أنباء الأناضول)
عمرو موسى (وكالة أنباء الأناضول)

تعاقب ثمانية أمناء على قيادة جامعة الدول العربية منذ تأسيسها عام 1945، جميعهم مصريون باستثناء تونسي واحد ترأس البيت العربي خلال فترة تعليق عضوية مصر بالجامعة ونقل مقرها إلى تونس عقب اتفاقية السلام مع إسرائيل. أما الأمناء الثمانية فهم:

عبد الرحمن عزام (1945 - 1952)

ولد يوم 8 مارس (آذار) 1893 في محافظة الجيزة، ودرس الطب في كلية سانت توماس الطبية بجامعة لندن عام 1912، ولقب بـ«غيفارا العرب» لمشاركته في حرب البلقان وفي النضال ضد الاستعمار الإيطالي في ليبيا والبريطاني في مصر.

كان أول مستشار للجمهورية الليبية الأولى. وانتخب في أول مجلس نواب مصري عام 1924. كما كان عضواً في الوفد المصري لوضع ميثاق جامعة الدول العربية، واختير بالإجماع كأول أمين عام للجامعة.

توفي يوم 2 يونيو (حزيران) 1976.

محمد عبد الخالق حسّونة (1952 - 1972)

ولد في القاهرة يوم 28 أكتوبر (تشرين الأول) عام 1898، وتخرّج في كلية الحقوق بجامعة القاهرة عام 1921. وحصل على درجة الماجستير في الاقتصاد والعلوم السياسية من جامعة كمبريدج ببريطانيا عام 1925.

كان عضواً في أول بعثة للسلك الدبلوماسى لوزارة الخارجية. وعُين محافظاً للإسكندرية، ووزيراً للشؤون الاجتماعية، ووزيراً للمعارف ثم للخارجية.

تولى أمانة الجامعة العربية من سبتمبر (أيلول) 1952، وتوفي عام 1992.

محمود رياض (1972 - 1979)

ولد يوم 8 يناير (كانون الثاني) 1917، وتخرّج في الكلية الحربية عام 1936. عيّن مديراً للمخابرات الحربية في غزة بشهر أغسطس (آب) 1948. وشغل مناصب عدة من بينها مستشار للشؤون السياسية للرئيسين جمال عبد الناصر وأنور السادات، ومندوباً لمصر في الأمم المتحدة، ووزيراً للخارجية. انتخب أميناً عاما للجامعة العربية في يونيو (حزيران) 1972 واستقال في مارس (آذار) 1979. توفي عام 1992.

الشاذلي القليبي (1979 - 1990)

ولد يوم 6 سبتمبر (أيلول) 1925 بمدينة تونس. وتخرّج في كلية الآداب بجامعة باريس - السوربون بفرنسا، وحصل على الإجازة في اللغة والآداب العربية عام 1947. وعُين مديراً عاماً للإذاعة والتلفزة الوطنية في تونس، وأسندت إليه مهمة تأسيس وزارة الشؤون الثقافية، كما تولى وزارتي الثقافة والإعلام. وانتخب أميناً عاماً لجامعة الدول العربية عام 1979.

د. أحمد عصمت عبد المجيد (1991 - 2001)

ولد في الإسكندرية يوم 22 مارس (آذار) عام 1923، وحصل على ليسانس الحقوق من جامعة الإسكندرية عام 1944، والدكتوراه في القانون الدولي من جامعة باريس.

شغل مناصب عدة في السلك الدبلوماسي المصري وصولاً إلى تولي حقيبة الخارجية عام 1984، وحصد عدة جوائز وأوسمة دولية، وانتخب أميناً عاماً للجامعة العربية بعد عودة مقرها للقاهرة عام 1991. توفي عام 2013.

عمرو موسى (2001 - 2011)

ولد يوم 3 أكتوبر (تشرين الأول) 1936، وتقلّد مناصب عدة وحصل على عدد من الأوسمة والأوشحة والجوائز من دول العالم. تخرّج في كلية الحقوق بجامعة القاهرة عام 1957، والتحق بالسلك الدبلوماسي المصري حيث عمل بعدد من السفارات المصرية حول العالم. وتولّى وزارة الخارجية المصرية عام 1991. انتخب أميناً عاماً للجامعة العربية عام 1991.

د. نبيل العربي (2011 - 2016)

ولد يوم 15 مارس (آذار) عام 1935، وتقلد مناصب عدة كما حصل على عدد من الأوسمة والأوشحة والجوائز من دول العالم. تخرّج في كلية الحقوق بجامعة القاهرة عام 1955، وحصل على درجة الدكتوراه في العلوم القانونية من كلية الحقوق بجامعة نيويورك، وتولى وزارة الخارجية المصرية عام 2011. كما شغل مناصب دولية عدة.

انتخب أميناً عاماً للجامعة العربية عام 2011. توفي عام 2024.

أحمد أبو الغيط (2016 - حتى الآن)

ولد يوم 12 يونيو (حزيران) 1942. وتخرج في كلية التجارة بجامعة عين شمس عام 1964. التحق بالسلك الدبلوماسي وشغل عدة مناصب وصولاً إلى حقيبة الخارجية عام 2004. وحصل على عدد من الأوسمة من دول عدة بينها؛ فرنسا وإيطاليا واليابان.