جيمس كومي رئيس «إف بي آي» الجديد.. في قلب العاصفة

جيمس كومي رئيس «إف بي آي» الجديد.. في قلب العاصفة
TT

جيمس كومي رئيس «إف بي آي» الجديد.. في قلب العاصفة

جيمس كومي رئيس «إف بي آي» الجديد.. في قلب العاصفة

بعد موافقة الكونغرس على تعيين جيمس كومي مديرا جديدا لمكتب التحقيقات الفيدرالي، أعلن الرئيس الأميركي باراك أوباما في حفل كبير أقيم بساحة مبنى التحقيقات الفيدرالي (FBI) أن كومي سيحقق التوازن بين تنفيذ القانون وضمان حماية الحريات المدنية. وقال أوباما: «إنه رجل طويل القامة يقف من أجل العدالة وسيادة القانون».
ويأتي تعيين كومي، 52 عاما، في وقت تتسع فيه دائرة فضيحة تجسس أجهزة الاستخبارات الأميركية على الأميركيين من جانب وعلى الدول الأخرى وقادة أوروبا من جانب آخر. ويعد كومي أحد أرفع المسؤولين في وزارة العدل في عهد الرئيس الأميركي السابق جورج بوش ومتخصص في الأمن القومي لأكثر من عشرين عاما، وله سمعة جيدة ومواقف شجاعة واستقلالية كبيرة، حيث رفض بتحدٍّ الاستجابة لمطالب البيت الأبيض عام 2004 للموافقة على عمليات تنصت تابعة لبرنامج «NSA». ورفض جيمس، الذي تولى حينها وزارة العدل بالإنابة بسبب دخول الوزير جون اشكروفت المستشفى، موافقة وزارته على برنامج للتنصت بقيادة الوكالة الوطنية للأمن القومي، وهو البرنامج الذي أصبح هذه الأيام في قلب عملية كشف النظام الأميركي الواسع لمراقبة الاتصالات.
وقد أثار موقف كومي في ذلك الحين الكثير من الانتقادات ضده وخاض بسبب موقفه واحدة من المعارك الداخلية الأكثر شهرة خلال فترة الحرب على الإرهاب التي شنتها إدارة الرئيس جورج بوش، ووقف وزير العدل جون اشكروفت مع صديقه جيمس كومي معا في رفض التوقيع على برنامج للمراقبة اعتبروه غير قانوني، وهدد كومي بالاستقالة من إدارة بوش إذا تم تمرير البرنامج. وبعد معركة طويلة امتدت تسعة أشهر، اضطر الرئيس بوش إلى تغيير البرنامج.
وحول موقف كومي من التنصت في ذلك الوقت قال أوباما: «لقد كان على استعداد للتخلي عن عمله الذي يحبه حتى لا يشارك في أمر رأى أنه سيئ جوهريا»، مشيرا إلى أن كومي هدد وقتها بالاستقالة. وأضاف أوباما: «من يعرف جيمس كومي جيدا يعرف عنه نزعته الاستقلالية القوية ونزاهته الكبيرة، والأهم من ذلك لديه إحساس قوي بالصواب والخطأ، ومن النادر أن نقابل أشخاصا مثله في واشنطن، إنه لا يكترث بالسياسة».
ويتولى كومي منصب مدير مكتب التحقيقات (إف بي آي) خلفا لروبرت مولر الذي تولى هذا المنصب قبل أسبوع من وقوع هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001، وعمل مولر على تحديث المكتب وتعزيز التعاون بينه وبين الوكالات الفيدرالية الأخرى ورفع كفاءة العاملين في مجال مكافحة الإرهاب.
وطلب أوباما منه البقاء في منصبه عامين إضافيين بعد انتهاء ولايته المحددة بعشر سنوات. وأشاد أوباما بما حققه مولر من إنجازات، وقال: «سيذكره التاريخ باعتباره أحد أمهر المديرين في تاريخ مكتب التحقيقات الفيدرالي، وأحد أكثر من خدموا الأمة إثارة للإعجاب والتقدير». وأضاف: «لا أعرف الكثير من الناس الذين أبدوا في حياتهم العامة كل هذه النزاهة والثبات رغم الضغوط مثل روبرت مولر». وقد أثنى مولر على كومي وقال: «لقد أتيحت لي فرصة العمل مع كومي لعدد من السنوات في وزارة العدل ووجدته رجلا يملك الكثير من الصدق والنزاهة والتفاني في العمل وله إحساس قوي بالواجب».
وقال النائب العام أريك هولدر في بيان للتعليق على اختيار كومي: «لقد عرفت كومي لنحو 20 عاما ووجدت شخصا لديه استعداد لاستخدام أساليب جديدة وأدوات مبتكرة في الحفاظ على أمن الشعب الأميركي، وهو مدّعٍ عام محنك ولديه ثقة لا تتزعزع في التفاني لخدمة سيادة القانون». وينظر لكومي الذي سيصبح المدير السابع لمكتب التحقيقات الفيدرالي على أنه من الجيل الجديد الذي يعيد تجديد دماء مكتب التحقيقات، وأنه الخيار الصحيح لقيادة مكتب التحقيقات خلال العقد المقبل. ووفقا للقانون فإن فترة تولي رئاسة مكتب التحقيقات هي عشر سنوات، أي أن كومي سيعمل مع الرئيس أوباما حتى الانتخابات الرئاسية في عام 2016، وبعدها سيكون عليه التعامل مع كل من الجمهوريين والديمقراطيين في الكونغرس، ويحمل الجمهوريين بعض الاستياء من موقف كومي خلال عهد الرئيس بوش.
وفي خلال سنوات عمله، حظي كومي باحترام الجميع ويقولون في وزارة العدل إنه حظي أيضا بإعجاب واحترام المجرمين الذين كان يرسلهم للسجن. فقد تلقى كومي رسالة إعجاب وشكر من أحد المسجونين الذي أشاد بأسلوبه كمدعٍ عام.
وفي أول تصريح له بعد توليه المنصب قال كومي إنه سيوجه جميع العملاء العاملين في مكتب التحقيقات الفيدرالي لزيارة النصب التذكاري للزعيم مارتن لوثر كينغ في واشنطن ليكون بمثابة تذكير حول تجاوزات الوكالة في عصر ما بعد الحقوق المدنية، حيث لاحق مكتب التحقيقات الفيدرالي في تلك الفترة نشطاء الحقوق المدنية وراقبوا لفترة طويلة مارتن لوثر كينغ وتجسسوا على اتصالاته. وشدد كومي على أنه من الخطر أن لا يصبح مكتب التحقيقات الفيدرالي غير خاضع للرقابة والمساءلة، وعلى عملاء المكتب أن يتمكنوا من التفكير في تاريخ مكتب التحقيقات الفيدرالي المشين في مطاردة زعيم الحقوق المدنية.
وتثير كلمات كومي الاهتمام بشكل كبير، فلطالما أساء مكتب التحقيقات الفيدرالي استخدام سلطاته وصلاحياته واستخدم الصلاحيات الواسعة التي منحت له في أعقاب هجمات 11 سبتمبر في انتهاك حقوق الأميركيين الدستورية، ولذا وجد المحللون في إشارات كومي لمارتن لوثر كينغ قدرا كبيرا من الطمأنة والإيمان أنه يمكن أن يفعل الكثير لكبح جماح صلاحيات المكتب في الوقت الحاضر.
ويقول المحللون إن كومي يمكنه أن ينهي أسلوب المكتب المتعصب في ملاحقة بعض الأعراق، حيث يعتمد مكتب التحقيقات على قوالب عنصرية ضد السود والإسبان والمسلمين في قيامه بتحريات وخلال جمع المعلومات الديمغرافية لتحديد مجتمعات يمكن أن تكون مستهدفة لمزيد من التحقيق وجمع المعلومات الاستخباراتية.
وتقول لورا ميرفي مديرة مكتب اتحاد الحريات المدنية والتشريعية بواشنطن إن عملاء مكتب التحقيقات الفيدرالي يراقبون الجاليات الصينية والروسية في سان فرانسيسكو اعتمادا على نظرية متعصبة أن الصينيين والروس شاركوا في كثير من الأحيان في الجريمة المنظمة. ويتم مراقبة المسلمين والمهاجرين الجدد من منطقة الشرق الأوسط على خلفية أن منفذي هجمات 11 سبتمبر كانوا من المسلمين. كما يتخذ المكتب أسلوبا متعصبا في معاملة السود من أصل أفريقي.
وتضيف ميرفي: «ترسم التقارير عن ممارسات مكتب التحقيقات الفيدرالي صورة قبيحة من التمييز الرسمي ضد المجتمعات المختلفة التي تستند كليا على العرق والدين. وقد أعلن الرئيس أوباما والنائب العام أريك هولدر ورئيس مكتب التحقيقات السابق روبرت مولر رفضهم لهذا الأسلوب العنصري النمطي، وأشاروا إلى أنه خاطئ وغير دستوري، لكن لا أحد منهم قام بالخطوات اللازمة لإصلاح هذا الأسلوب العنصري النمطي». وطالبت ميرفي بأن يتوقف مكتب التحقيقات الفيدرالي عن التجسس على النشطاء السياسيين وأن يقوم المدير الجديد جيمس كومي بالتعاون مع المدعي العام أريك هولدر بتعديل المبادئ التي تحكم مراقبة أي نشاط مشكوك فيه قبل أن يبدأ مكتب التحقيقات الفيدرالي في التحقيق، وطالبت بتوقف معاملة المسلمين الأميركيين كجماعة مشتبه فيها. وأشارت إلى قيام عملاء مكتب التحقيقات الفيدرالي بمراقبة المجتمعات الإسلامية والتجسس على المساجد والضغط على المسلمين في تلك المجتمعات لإعطاء معلومات حول زملائهم وأن يصبحوا مخبرين للمكتب.
وقالت مديرة مكتب اتحاد الحريات المدنية والتشريعية: «إن هناك الكثير من الأمثلة لسوء معاملة مكتب التحقيقات الفيدرالي في تقاريرنا، وإشارة المدير الجديد جيمس كومي واعترافه بأن للمكتب تاريخا من انتهاك حقوق الأميركيين، وتجاوز القانون هو خطوة جيدة ونأمل أن يطبقها بوضع حد لتلك الممارسات الحالية».
ويرى المحلل السياسي ريتشارد كوهين أن رفض كومي وجون اشكروفت الموافقة على برنامج للتنصت في أعقاب هجمات 11 سبتمبر يعد نوعا من أعمال العصيان المدني، مشيرا إلى أن وقوف كومي في وجه هذا البرنامج لا ينفي دوره في التجسس على الصحافيين وإعطاءه الإذن لصديقه المحامي العام باتريك فيتزجيرالد لملاحقة الصحافيين والنشطاء السياسيين. وقال كوهين: «إذا قارنا بين مزايا الرجل وعيوبه نجد أنه رجل نزيه ومخلص ولديه أخلاق، لكنه يحتاج إلى التسامح والتدقيق في العمل، خصوصا في ظل الصلاحيات الواسعة التي يمنحها المنصب الجديد، لذا فإن كومي ليس رجلا سيئا لكن منصبه وصلاحياته الواسعة هو الشيء السيئ».
وينتقد أحد مساعدي الرئيس بوش اختيار كومي لهذا المنصب (رفض نشر اسمه) ويقول: «كومي لديه ميل للإثارة ورغبة أن يمارس دور البطل الذي ينقذ البشرية، وعندما توضع الكثير من القوة والصلاحيات في يد شخص يميل إلى تصوير نفسه على أنه بطل ينتصر على الأشرار، فإنه لديك ما يثير الكثير من القلق».
وقد لاحق جيمس كوكي المحامية لين ستيورات التي تولت الدفاع عن الشيخ الضرير عمر عبد الرحمن وأدينت بتهمة التآمر لإحداث فتنة، وتقضي الآن حكما بالسجن عشر سنوات بعد إدانتها بعرقلة سير العدالة والتآمر وتقديم الدعم المادي للإرهاب، لكن بعض الأدلة التي استخدمت ضد المحامية ستيورات تم الحصول عليها من خلال التنصت على المكالمات الهاتفية لها ومن خلال كاميرات لتسجيل محادثاتها مع الشيخ عمر عبد الرحمن.
وقبل أن يتولى جيمس كومي منصب مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي كان يعمل باحثا في كلية الحقوق بجامعة كولومبيا ويشغل في الوقت نفسه منصب عضو بمجلس إدارة بنك «HSBC»، وفي الفترة من 2010 إلى 2013 عمل كومي مستشارا لشركة «بريدجووتر»، وهي شركة لإدارة أموال المؤسسات في ولاية كونتيكيت، وقبلها عمل كنائب رئيس ومستشار عام في شركة «لوكهيد مارتن» العالمية.
ولد جيمس كومي في 14 ديسمبر 1960 في نيويورك، وهو متزوج وله خمسة أطفال. وينتمي كومي إلى الحزب الجمهوري، وقد تبرع لحملة السيناتور الأميركي جون ماكين في الانتخابات الأميركية عام 2008 كما تبرع لحملة المرشح ميت رومني في انتخابات 2012 الرئاسية. تولى كومي منصب نائب المدعي العام للولايات المتحدة من 2003 إلى 2005، وتدرج في عدة مناصب أخرى في وزارة العدل، منها منصب المدعي العام الأميركي للمنطقة الجنوبية من نيويورك، حيث تولى التحقيق في عدد من جرائم الإرهاب والقضايا الجنائية الكبيرة، ومن عام 1996 إلى عام 2001 تولى منصب المدعي العام للمنطقة الشرقية من ولاية فيرجينيا ومنصب مساعد وزير العدل الأميركية للمنطقة الجنوبية من نيويورك. وفي بداية حياته المهنية شغل منصب أستاذ مساعد بكلية الحقوق بجامعة رتشموند، وقد حصل على درجة البكالوريوس من كلية ويليام وماري وعلى درجة الدكتوراه في القانون من كلية الحقوق بجامعة شيكاغو.

مهام مكتب الـ«إف بي آي»

• بجانب أهمية من يتولى منصب المدير العام لمكتب التحقيقات فإن للمكتب نفسه أسلوب عمل وأهمية خاصة.
• يعمل المكتب كوكالة استخبارات داخلية لتطبيق القانون ومكافحة التجسس. وتأتي مكافحة الإرهاب وحماية الولايات المتحدة من الهجمات الإرهابية في أولوية أعماله، التي تشمل أيضا مكافحة أي عمليات استخباراتية أجنبية ضد الولايات المتحدة، ومكافحة التجسس وجرائم الإنترنت والمنظمات الإجرامية العابرة للحدود الوطنية، إضافة إلى الجرائم الاقتصادية والجرائم العنيفة.
• يتحمل المكتب أيضا مهمة حماية حقوق السكان الأصليين من الهنود الحمر (يوجد 565 قبيلة من الهنود الحمر معترف بها من قبل الحكومة الفيدرالية الأميركية).
• يحقق مكتب التحقيقات الفيدرالي في أكثر من 200 فرع من فروع الجرائم الفيدرالية، ويتبع وزارة العدل الأميركية وتبلغ إجمالي ميزانية المكتب (وفقا للسنة المالية 2012) نحو 8.1 مليار دولار. ويعمل بالمكتب ما يقرب من 36 ألف موظف ما بين عملاء وإخصائيين ومحللي استخبارات ومتخصصين في اللغة وتكنولوجيا المعلومات وغيرهم من المهنيين.
• قانونيا وسع قانون باتريوت من صلاحيات مكتب التحقيقات الفيدرالي وأعطي له حق التنصت على المكالمات الهاتفية ورصد نشاط الإنترنت، وغالبا ما يعمل مكتب التحقيقات الفيدرالي مع وكالات فيدرالية أخرى، منها حرس السواحل والجمارك والحدود والموانئ والهجرة والجمارك. وبعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) أصبح مكتب التحقيقات الفيدرالي المنظمة المعنية في تحقيقات الإرهاب بعد إنشاء وزارة الأمن الداخلي.
• يتكون مكتب التحقيقات الفيدرالي من خمسة فروع، الأول هو المكتب الرئيس الذي يتم فيه التحكم بكل العمليات الإدارية المتعلقة بمكتب التحقيقات الفيدرالي، والثاني هو فرع الأمن القومي ومسؤوليته مكافحة الإرهاب وإحباط عمليات وكالات الاستخبارات الأجنبية، والثالث هو فرع التحقيقات الجنائية ووظيفته التحقيق في الجرائم المنظمة والفساد، والرابع هو فرع التكنولوجيا والمعلومات ومهمته تقديم الدعم التكنولوجي، والأخير هو فرع الموارد البشرية المسؤول عن تعيين وتدريب وتأهيل العملاء والفنيين والإداريين.



ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
TT

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد، من وجهة نظر كثيرين، «القوة القادرة» على كسر ثنائية الصراع التقليدي بين شرق البلاد وغربها. وبسقوط هذا «الرهان»، لم تعد العملية السياسية في ليبيا تُقرأ بوصفها خريطة نفوذ انتخابي مقسّمة بين «الثلاثة الكبار» كما كانت. إذ زاد «زلزال» اغتيال سيف من تعقيدات المشهد المعقّد بالأساس، ما يؤثر أولاً على مسار «المصالحة الوطنية»، ومن ثم يمدّد الصراع السياسي ويطيل أمد عقد الانتخابات المأمولة.

هاتا تيتيه (وكالة الأنباء الليبية)

 

سيف الإسلام القذافي، الذي رحل عن عمر (53 سنة)، ظل ليبيون - من بينهم أنصاره - يعدونه الوجه الإصلاحي لنظام والده، والوريث المحتمل للسلطة، و«الخيار الثالث» في مواجهة المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وعبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس.

أما الآن، فيتوقّع لهذه المساحة التي تركها «الخيار الثالث» خلفه أن تتحوّل إلى ساحة للصراع بين القوى المهيمنة التي تسابق الزمن لاستقطاب ما تبقى من هذا التيار، في محاولة لإعادة التوازن لمركب سياسي بات يغرق في لجة التجاذبات الإقليمية والجمود الدستوري.

مع هذا، يرى سياسيون ومحللون التقتهم «الشرق الأوسط» أن موت سيف «لن يترتب عليه أي شيء يتعلق بحلحلة الأزمة، ما دام بقيت الأطراف والأجسام السياسية الحالية تتصدر المشهد العام»، بينما يَعِدُ موالون لتياره بـ«لملمة شملهم والاصطفاف من جديد خلف قيادة مرتقبة».

مفترق طرق تاريخي

والحقيقة، أن ليبيا تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن يؤدي التشظي السياسي إلى ولادة بدائل وطنية جديدة تنقذ البلاد، وإما تظل الأوراق مبعثرة بانتظار معجزة تلمّ الشمل في مشهد لم يعد يحتمل مزيداً من المغامرات أو المماطلة.

فليبيا تعاني منذ إسقاط نظام معمر القذافي عام 2011، صراعاً مريراً على السلطة بين جبهتي غرب ليبيا وشرقها. وتسعى البعثة الأممية منذ قدومها إلى ليبيا من أجل العمل على تسوية سياسية بين الأطراف المتنازعة، من دون تقدم حتى الآن.

والمبعوثة الأممية هانا تيتيه تواصل مسارها التحاوري مع الساسة والنخب الليبية، سعياً من أجل التوصل إلى نتيجة قبل الاتجاه إلى مجلس الأمن الدولي في 18 فبراير (شباط) الحالي لتقديم إحاطتها الجديدة، بينما يتمسك المتحكمون في السلطة بـ«اشتراطاتهم» من أجل إجراء الانتخابات. كذلك يستبق ذهاب تيتيه إلى مجلس الأمن تعقيدات عدة تتحكم في المشهد العام، وتصلّب في المواقف بين رئيسي مجلس النواب و«الأعلى للدولة» عقيلة صالح ومحمد تكالة، فضلاً عن دم سيف المسفوح، الذي لم يُعلم - حتى الآن - قاتله، وسط استنتاجات عدة بتمدد الصراع وليس طيه.

بمناطق عدة في وسط وشمال وجنوب ليبيا، لا يزال أنصار سيف الإسلام والقبائل المحبّة له يتلقون فيها العزاء، آملين في «الاقتصاص لدمه» قريباً، وعاقدين العزم على «رصّ الصفوف من جديد». إذ ظلت مدينة الزنتان (غرب ليبيا) تأوي سيف القذافي منذ اعتقلته «كتيبة أبو بكر الصديق» في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011، وبقي تحت حمايتها حتى سقط قتيلاً بعد اغتياله مساء 3 فبراير الحالي.

التحقيق في الاغتيال

النيابة العامة في طرابلس فتحت تحقيقاً في مقتل سيف. إذ أوفد مكتب النائب العام الصديق الصور فريقاً يضمّ أطباء شرعيين وخبراء إلى الزنتان وفحصوا جثته، التي أفادت تقارير غير رسمية بأنها تلقت 18 رصاصة.

وخلّفت جنازة سيف الحاشدة، التي احتضنتها مدينة بني وليد، حالة من التجاذب الحاد؛ فالأنصار - ومن بينهم شقيقه الساعدي - عدّوها «استفتاءً شعبياً ووطنياً على شعبية الرجل الذي فاز بالانتخابات وهو ميت»، بينما رآها المعارضون «صُنعت على مواقع التواصل وبواسطة الذكاء الاصطناعي».

«التهويل» و«التهوين» اللذان اكتنفا الجنازة عكسَا قدراً من الاحتقان المتراكم والمرشح للظهور أكثر في مقبل الأيام، الأمر الذي استدعى الشيخ علي أبو سبيحة، رئيس الفريق السابق لسيف القذافي بملف «المصالحة الوطنية»، للدخول على خط الأزمة. أبو سبيحة عدّ «الجموع الزاحفة» لحضور جنازة سيف، أنها «تريد القول بصوت واحد للذين يحلمون بسقوط مشروعه: أنتم واهمون»، مصعداً من حديثه توبيخاً دون أن يأتي على اسم أحد: «لقد سقط مشروعكم بإذلال الشعب الليبي وتفتيته ورهن خيراته وإرادته وحريته واستقلاله لأعدائه».

إرباك المشهد السياسي

كان ظهور سيف الإسلام - بعد اختفائه لدى الزنتان قرابة 10 سنوات، لتقديم ملف ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2021 - قد تسبب في إرباك المشهد السياسي وحسابات «خصومه». وفي هذه الأثناء، طعنت مفوضية الانتخابات بترشحه، لكن بعد مداولات ومظاهرات من أنصاره قضت محكمة سبها (جنوب ليبيا) برفض الطعن وإلزامها بإعادته إلى السباق، علماً بأن الانتخابات أُجلت بداعي وجود «قوة قاهرة» حالت دون استكمالها.

حينها، قال عماد السايح، رئيس المفوضية، إن عقبات أمنية وقضائية وسياسية شكّلت «قوة قاهرة» منعت عقدها في موعدها، مشترطاً زوالها ومصادقة مجلس النواب لإجرائها، وذلك بالنظر إلى وجود ما سميت «شخصيات جدلية» أرادت خوض السباق الانتخابي.

أما الآن، بعد خروج سيف من دائرة الضوء، لم يتبقَّ من تلك الشخصيات، وفق مراقبين، سوى رئيس حكومة «الوحدة»، بالإضافة إلى القائد العام لـ«الجيش الوطني». ويسود اعتقاد لدى بعض المتابعين أنه برحيل سيف الإسلام، زالت إحدى العقبات التي كانت تعترض إجراء الانتخابات في ليبيا، لكن هذه النظرة التفاؤلية تصطدم بواقع يكرّسه العداء والجهوية و«الدم الجديد» الذي سال في مكان قصي بالزنتان.

محللون كثيرون، منهم ناصر أبو ديب، يرون أن الوضع في ليبيا بعد موت سيف لا يختلف عما قبله، ويعتقدون أن الأمر «سيبقى على ما هو عليه» ما دام ارتبط بـ«سلطة الأمر الواقع». بل إن محمد عمر بعيو، رئيس المؤسسة الليبية للإعلام التابعة للحكومة المكلفة من مجلس النواب، وصف الوضع في ليبيا بأنه «عدميٌّ وعبثيٌّ». ودافع بعيو عن وجهة نظره في حوار مع «الشرق الأوسط» بأنه «لا يوجد شيء يسمى كتلة النظام السابق، وأن سيف الإسلام كان يمثل نتوءاً للغاضبين». وأردف: «هؤلاء ليسوا كتلة بقدر ما هم حالة هلامية، ومَن حضر جنازته ليسوا ملايين بقدر ما كانوا 20 ألفاً على الأكثر». ثم تابع: «لم يكن لدى سيف أي حظوظ لحكم البلاد؛ وليبيا لن يحكمها أحد بعد معمر القذافي؛ وكنت أقول هذا الكلام وهو على قيد الحياة... وأعتقد الوضع في ليبيا سيظل هكذا في حالة سيولة بعيداً عن سلطة موحدة؛ فالدولة لن تتشكل في المدى المنظور، وستكون البلاد ساحة صراعات دولية وتصفية حسابات».

الأسرة القذافية... والولاءات المحلية

تنتمي أسرة القذافي إلى مدينة سرت (وسط ليبيا) الخاضعة حالياً لحكم المشير حفتر، في حين تقع مدينة بني وليد في (شمال غرب)، وكان سيف الإسلام يحظى فيها بدعم اجتماعي وسياسي.

وظلّ فريق سيف القذافي - الذي يقوده أبو سبيحة - منخرطاً في كل الفعاليات السياسية المتعلقة بـ«المصالحة الوطنية» حتى قبل اغتيال سيف بقرابة شهر، إذ حضر الاحتفال الذي عقده المجلس الرئاسي في 7 يناير (كانون الثاني) الماضي للتوقيع على «الميثاق الوطني للمصالحة».

راهناً، يتخوّف متابعون من عودة العنف السياسي على خلفية غضبة موالين لسيف، خصوصاً إذا ما عُرف الطرف الذي قتله، لكن هذا التخوّف يترجم إلى معطى آخر يتمثل في تعطّل مسار «المصالحة» الذي كان يشارك فيه أنصاره، وهو ما يراكم الضغينة والغضب في النفوس.

وحقاً، تتصارع في المشهد الليبي المعاصر عدة تيارات آيديولوجية وسياسية، يسعى كل منها لفرض رؤيته وتثبيت سيطرته على مفاصل الدولة، ما خلق حالة من الاستقطاب الحاد. وتتوزّع الولاءات في ليبيا بين ثلاث كتل رئيسية تمثل محطات مفصلية في تاريخ البلاد الحديث، هي:

- التيار «السبتمبري» أو «الخضر»، وهم الموالون لنظام القذافي.

- تيار «17 فبراير» وتمثله القوى التي ثارت عام 2011، وترفض أي عودة لحكم الفرد أو «النظام الجماهيري».

- وتيار «الكرامة»، وهو التكتل الذي يلتف حول عملية الكرامة والقوات المسلحة بشرق ليبيا.

وهنا يسلّط أبو ديب الضوء على الوضع الراهن، معتقداً أن ليبيا «لن تشهد أي حلحلة سياسية ما دام بقيت ما تسمى (الأجسام الفاعلة في المشهد) التي تحرك الخيوط في شرق البلاد وغربها»، ومن ثم تُمدِّد الصراع، وقال إن «سيف القذافي على مدى 15 عاماً لم يفعل شيئاً، ولم يقدم مشروعاً سياسياً لوطنه». وأضاف: «الأجسام الموجودة في المشهد تعطّل أي حراك سياسي، وتبدد أي نقطة ضوء في الأفق البعيد؛ وبالتالي أعتقد أن المشهد سيبقى على ما هو عليه».

«ليبيا الغد»

جدير بالذكر، أن سيف الإسلام القذافي أطلق مشروع «ليبيا الغد» قبل عام 2011 بوصفه رؤية إصلاحية شاملة لبناء دولة حديثة عبر مشاريع تنموية، تتضمن جامعات ومناطق حرة، أبرزها تطوير «زوارة - رأس أجدير». وهو المشروع الذي توقف بسقوط نظام والده.

ويرجع أبو ديب خلال كلامه إلى «الشرق الأوسط» إشكالية ما يجري في بلده «إلى الليبيين أنفسهم؛ وتأزّم الأمر بوجود بعثة الأمم المتحدة وما تسميه الحوار المهيكل، والتدخلات الأميركية من جهة ثانية، وصفقات البيزنس»، ويزيد: «لن تكون هناك حلحلة سياسية بوجود هذه الأطراف، بل أعتقد أن المسألة ستزداد تعقيداً».

وانتهى أبو ديب إلى أن «الخيار الثالث ذهب دون رجعة؛ ولن يجد أنصار سيف رمزية يضعونها في المقدمة لصعوبة التوافق على شخصية يمكن أن تقود هذا الخيار. فبمقتل سيف انتهى هذا الخيار، وسيذوب المؤيدون في المجتمع الليبي من أجل الإصلاح».

هذا، ولا تزال في ليبيا مدن عدة على ولائها للنظام السابق، من بينها سرت (في الوسط) وبني وليد (شمال غرب)، بالإضافة إلى غات وأوباري (جنوباً) وزليتن وصبراتة (غرباً). وكل عام تلوّح بصور القذافي ونجله سيف الإسلام، والرايات الخضراء المعبرة عن الحقبة «الجماهيرية» أثناء الاحتفال بـ«ثورة الفاتح». ويُعتقد تصادم أصحاب هذه المشاريع الثلاثة وهم: «السبتمبريون» و«الفبرايريون» و«الكرامة». يبقى الصراع على السلطة هو المحرك الأساسي الذي يعيق الوصول إلى توافق وطني شامل يجمع شتات هذه التوجهات تحت مظلة دولة مدنية واحدة. ويخلص الدكتور مصطفى الزايدي، رئيس حزب «الحركة الوطنية» أمين «اللجنة التنفيذية للحركة الشعبية» إلى أن جريمة اغتيال سيف الإسلام سيكون لها تأثير مدمر على عملية «المصالحة الوطنية»، ذلك أن «الرصاصات الغادرة التي أُطلقت عليه أصابت، فيمن أصابت، مشروعَ المصالحة الذي رُفع كشعار من كثير من القوى الوطنية للخروج من المأساة التي سببتها (مؤامرة 2011) على ليبيا والليبيين».

وأضاف الزايدي في مقال لصحيفة «الموقف الليبي» عن أن «نسبة كبيرة من (الخضر)، وفي مقدمتهم الشهيد الدكتور سيف الإسلام، صدَّقوا أو تقبَّلوا لأسباب أخلاقية، كذبة روّجها المجتمع الدولي بأن انتخابات حرة ونزيهة قد تكون نقطة البداية لعملية مصالحة تاريخية، هدفها مساعدة الليبيين في طيِّ ملف الأزمة». واختتم: «لكن مع مضي الوقت ثبت أن ذلك لم يكن سوى دعاية في محاولة لمكياج وجه المؤامرة، وإعادة تقديمها في صورة مقبولة لليبيين».

 

حقائق

ليبيا: جرائم كثيرة... و«الفاعل مجهول»

اتسعت قائمة الجرائم التي تعذّر التوصل إلى مرتكبيها في ليبيا لتشمل فئات متنوعة من المجتمع، بجانب عمليات الإخفاء القسري منذ إسقاط النظام السابق في عام 2011، لكنها تبرز نمط «الإفلات من العقاب» الذي ساد في فترات كثيرة.

وخلال الحروب والمعارك التي شهدتها ليبيا، حدثت اشتباكات واسعة وانتهاكات ضد المدنيين أدّت إلى قتل واختفاء عشرات الأشخاص في مناطق متعددة، وأحياناً بقيت هويات من ارتكبوا أعمال القتل مجهولة بسبب تداخل الجماعات المسلحة وتغيّر السيطرة على الأراضي. واستهلت عملية الاغتيالات في ليبيا بمقتل اللواء عبد الفتاح يونس رئيس أركان الجيش الوطني الليبي الأسبق عام 2011، في ظروف غامضة بعد استدعائه للتحقيق، رغم وجود اتهامات لجهات معينة، من بينها ما كان يسمى «مجلس شورى ثوار بنغازي». وفيما يلي بعض أبرز جرائم الاغتيال:

- عام 2013: اغتيال المحامي والناشط السياسي عبد السلام المسماري، في مدينة بنغازي.

- عام 2014: اغتيال كل من الصحافية نصيب ميلود وخطيبها في مدينة سبها. ومفتاح بوزيد رئيس تحرير صحيفة «برنيق»، وسلوى بوقعيقيص المحامية والناشطة الحقوقية البارزة في بنغازي. والشيخ محمد بن عثمان في مصراتة. وفريحة البركاوي عضو «المؤتمر الوطني العام» السابقة، في درنة.

- عام 2016: اختطاف الشيخ نادر العمراني عضو دار الإفتاء بطرابلس، وتصفيته في ظروف غامضة.

- عام 2019: تصفية عضوة مجلس النواب سهام سرقيوة في بنغازي.

يضاف إلى ما سبق، صُدم المجتمع الليبي عام 2025 إثر مشاهدة مقاطع مصورة «مسربة» للنائب إبراهيم الدرسي، وهو على ما يبدو معتقلاً في زنزانة، والأغلال معلقة في عنقه، وكانت أسرته أعلنت عن خطفه في 18 مايو (أيار) 2024 من منزله ببنغازي، ومذاك التاريخ لم يكشف عن مصيره ولا عن الجناة.

 


أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
TT

أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة

منذ الأحد الماضي، تهبّ على البرتغال «رياح ثورية» جديدة، فيها من نكهة «ثورة القرنفل» التي أطاحت ديكتاتورية الدكتور أنطونيو سالازار في ربيع عام 1974 من غير إطلاق رصاصة واحدة، وتجدّد الأمل المتلاشي منذ سنوات في تغليب الخطاب السياسي المعتدل والجامع على جموح التطرّف اليميني والشعبوي الذي يهدد بإعادة أوروبا إلى عهد الظلمات الذي قطّع أوصالها في النصف الأول من القرن الفائت. هذه الرياح الثورية الجديدة تحمل اسم الاشتراكي أنطونيو خوسيه سيغورو، الذي كان غائباً عن المشهد السياسي البرتغالي مند عشر سنوات، لكنه عاد ليقرّر، ضد رغبة القيادات التاريخية للحزب، خوض الانتخابات الرئاسية التي أجريت دورتها الثانية مطلع هذا الشهر. وهذا ما حصل، بالفعل، وحقق سيغورو فوزاً كاسحاً على منافسه الشعبوي أندريه فنتورا، حامل لواء اليمين المتطرف والمفعم بالحنين إلى الحقبة الديكتاتورية التي طوى البرتغاليون صفحتها منذ خمسين سنة.

ثمة انتصارات عدة في الانتصار الذي حققه أنطونيو سيغورو، الأحد الماضي، في انتخابات البرتغال الرئاسية، منها: انتصار الأسلوب التوافقي الرزين على أسلوب التفرقة والتحريض الذي اتسم به الخطاب اليميني والشعبوي المتطرّف. ومنها أيضاً انتصار النهج اليساري الوسطي الذي يواجه أصعب مراحله في البرتغال منذ سقوط الحكم العسكري، ويعاني من تراجع مطّرد على امتداد المشهد السياسي الأوروبي. وهذا، ناهيك من انتصار الرجل الذي قرّر وحده الإبحار عكس رياح حزبه وخاض معركته منفرداً ضد الزعامات الاشتراكية الراسخة.

بالتالي، ليس مستغرباً أن قوى وأوساطاً أوروبية عدة، يسارية ومحافظة، سارعت إلى الإعراب عن ارتياحها لهذا الفوز، كونها ترى فيه تباشير انعطاف في المشهد السياسي الأوروبي القلق من تمدّد اليمين المتطرّف الذي بات يدقّ أبواب الحكم في أكثر من عاصمة.

النشأة والمسيرة

أبصر أنطونيو خوسيه سيغورو النور قبل 63 سنة في واحدة من أفقر القرى البرتغالية. وكان قد قرر العودة إليها عام 2014 عندما تخلّى عن النشاط السياسي بعدما خسر الانتخابات الأولية في حزبه ضد أنطونيو كوستا، الرئيس الحالي للمجلس الأوروبي.

تلك كانت معركة قاسية جداً، بل من أبشع المعارك التي دارت داخل «البيت الاشتراكي» البرتغالي، شبيهة بتلك التي دارت ذات يوم بين الزعيم التاريخي خورخي سامبايو وأنطونيو غوتيريش، الأمين العام الحالي لمنظمة الأمم المتحدة. ويومذاك انتهت بشرخ حزبي عميق بقيت آثاره حتى اليوم، وساعدت اليمين المتطرف على مواصلة صعوده.

سيغورو تولّى حقائب وزارية عدة في الحكومات الاشتراكية السابقة، وكان عضواً في البرلمان الأوروبي. وهو ينتمي إلى «تيار» غوتيرّيش الذي سبق أن ترأس عدة حكومات برتغالية نهجت خطاً يسارياً معتدلاً، وتميّز بالانفتاح على الحوار مع القوى الأخرى. وعندما وقعت البرتغال تحت وطأة الأزمة المالية والاقتصادية الطاحنة - وكانت حينذاك تخضع لحكومة يمينية محافظة - أيّد سيغورو التدابير التقشّفية القاسية التي فرضها الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وبرّر موقفه هذا بأن رئيس الوزراء الاشتراكي السابق جوسيه سقراط هو الذي كان تقدّم بطلب المساعدة من المؤسسات الدولية للخروج من الأزمة. وأطلق يومها عبارته الشهيرة التي تحولّت إلى شعاره السياسي الذي خاض به الانتخابات الرئاسية؛ إذ قال: «الحوار هو الأداة الأساسية لأي عمل سياسي».

لغة الحوار

من ثم، لعل انفتاح سيغورو الدائم على الحوار كان السبب الرئيس في حصوله على دعم قوى سياسية أخرى، من كتل اليمين واليسار؛ إذ أيّده كل من الرئيس اليميني السابق هنيبعل كافاكو سيلفا، والمرشح الشيوعي أنطونيو فيليبي الذي نافسه في الجولة الأولى. لكن الأغرب من ذلك كان الدعم الذي حصل عليه من أنصار رئيس المجلس الأوروبي والأمين العام السابق للحزب الاشتراكي، أنطونيو كوستا، الذي يعدّ ألدّ خصومه السياسيين داخل الحزب منذ سنوات. وكان كوستا قد سرّب عشية الانتخابات قراره دعم سيغورو، رغم تمايز الأخير عن نهجه، مردّداً: «كوستا يمثّل رجال الأعمال والشركات داخل الحزب الاشتراكي».

ما يُذكر أنه عندما أعلن سيغورو، مطالع الصيف الماضي، ترشحه للانتخابات الرئاسية، واجه معارضة واسعة وشديدة داخل الحزب الاشتراكي الذي ما زال يخضع لتأثير قوي من أنطونيو كوستا والقيادات الموالية له. إلا أن إصراره على الترشّح سواء بتأييد من الحزب أو من دونه، دفع معارضيه إلى التراجع، خاصة أن الشخصيات الاشتراكية النافذة فشلت في التوافق حول مرشح آخر، بل ربما لأن حظوظ أي مرشح اشتراكي في الفوز بدت شبه معدومة، كما كانت تظهر استطلاعات الرأي.

التدريس بعيداً عن السياسة

خلال السنوات الـ12 التي انكفأ سيغورو طيلتها عن العمل السياسي، انصرف إلى التدريس في جامعة لشبونة المستقلة والمعهد العالي للعلوم الاجتماعية والسياسية. وأسّس عدة مؤسسات صغيرة للسياحة الريفية والتصنيع الزراعي في مسقط رأسه بيناماكور. إلا أنه لمح بعد إعلان فوزه في الانتخابات أنه سيتخلّى عن أنشطته التجارية قبل تسلّم مهامه، مدركاً أن الحكومة السابقة التي شكّلها اليميني لويس مونتينغرو بعد هزيمة الاشتراكيين الأخيرة، إنما سقطت بسبب تضارب المصالح الذي نشأ عن إبقائه على المؤسسة العائلية التي كان يديرها بعد توليه رئاسة الحكومة.

لكن يبدو سيغورو مصراً على ألا يتخلّى عن حياته العائلية العادية؛ إذ أفاد بأن زوجته ستواصل نشاطها المهني في إدارة الصيدلية التي تملكها في العاصمة، وأنه لن يقيم في قصر بيليم (بيت لحم) الرئاسي إلا في الحالات الاستثنائية، بل سيقيم في منزله الواقع على بعد 90 كيلومتراً من لشبونة.

وللعلم، الرئيس المنتخب أمضى الأسبوعين الأخيرين من حملته الانتخابية في زيارات إلى المناطق المنكوبة بسبب الأعاصير المتلاحقة التي ضربت البرتغال وما زالت تداعياتها الكارثية ظاهرة إلى اليوم. ولقد وعد بتخصيص قدر كبير من اهتمامه في الأسابيع الأولى من ولايته لمتابعة ملف الأضرار التي نجمت عن تلك الأعاصير.

فوز تحدّى التوقعات

أبرز ما في الفوز الذي حققه سيغورو، ضد كل التوقعات، كان حصوله على ضعفي الأصوات التي نالها في الجولة الأولى من الانتخابات. وهو ما يؤكد تضافر الغالبية الساحقة من الناخبين لتأييد مرشح رئاسي يحترم قواعد اللعبة الديمقراطية بمواجهة منافسه الشعبوي المتطرف فنتورا، الذي أظهر غير مرة مناسبة ازدراءه بهذه القواعد واستعداده لتجاوز الأحكام الدستورية من أجل تحقيق أهداف مشروعه السياسي.

ناهزت حصيلة سيغورو 67 في المائة من الأصوات، بينما لم يتعدّى فنتورا الـ33 في المائة، مع أن هذا الأخير كان جمع في الجولة الأولى نسبة 31 في المائة متقدماً على 11 مرشحاً.

انعكاسات وتوقعات

في تصريحاته الأولى بعد الفوز، أعرب سيغورو عن شديد تأثره بالدعم الواسع الذي ناله من «الناخبين الذين يحرصون على القيم والمبادئ الدستورية التي رسختها ثورة القرنفل»، مذكراً ومفتخراً بانتمائه إلى الطبقة المتواضعة. وقال إن الغالبية التي صوّتت له أصبحت اليوم مجمل الشعب البرتغالي، وكرّر ما ردده مراراً خلال الحملة الانتخابية: «أنا حرّ، أعيش حياتي من غير مَراسٍ، وحريتي هي ضمان استقلاليتي». وكذلك شدّد على التزامه الثابت بـ«ثقافة الوفاق» لمعالجة المشاكل التي تعاني منها البلاد، معترفاً بأن نتيجة الاقتراع تجاوزت توقعاته.

وحقاً، يشكّل انتصار سيغورو أيضاً عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد عشرين سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية محافظة على رأس الدولة، لكنه بالتأكيد ليس انتصاراً للحزب الاشتراكي. أولاً، لأن الترشيحات لمنصب رئيس الجمهورية لها طابع شخصي وليست حزبية بموجب الدستور. وثانياً لأن ترشح سيغورو كان مرفوضاً في المرحلة الأولى من القيادات الاشتراكية.

واللافت أن اعتراض زملائه على ترشحه في البداية، تبدّد فور إعلان فوزه؛ إذ سارع الجميع إلى إعلان اصطفافهم بجانبه، بينما كان هو يؤكد طي صفحة الماضي بقوله: «ما يهمني هو المستقبل الذي سنبنيه معاً».

في المقابل، لا شك في أن هذا الفوز يعطي جرعة زائدة من التفاؤل للحزب الاشتراكي الذي يمرّ في أصعب مرحلة من تاريخه، لا سيما بعد الهزيمة القاسية التي تعرّض لها في الانتخابات العامة الأخيرة عندما حلّ في المرتبة الثالثة، وراء حزب «شيغا» اليميني المتطرف الذي أسسه فنتورا عام 2019.

وكان أوّل المحتفلين بفوز سيغورو، زعيم الحزب الاشتراكي جوزيه لويس كارنيرو، الذي وصف هذا الفوز بأنه انتصار «لجميع الديمقراطيين وللحقوق الدستورية»، ونوّه بالدعم الواسع الذي حظي به سيغورو خارج الدائرة الاشتراكية، بدليل نيله دعم العديد من الشخصيات اليمينية.

وعلى غرار ما فعل خلال الحملة الانتخابية، تعهّد سيغورو باحترام الولاء الدستوري للحكومة التي يقودها اليميني لويس مونتينغرو. وقال إنه لن يقف حجر عثرة في وجه تنفيذها برنامجها، لكنه نبّه إلى أنه سيكون حازماً في مطالبتها بالحلول الناجعة للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، وكان تفاقم بعضها بفعل الأعاصير الشديدة التي ضربت البرتغال خلال الأسابيع المنصرمة، وأحدثت دماراً واسعاً في المصانع والمحاصيل الزراعية والبنى التحتية. وشملت الخسائر وفاة العشرات وتشرّد الآلاف من المواطنين، ما استوجب تدخل القوات المسلحة إلى جانب أجهزة الدفاع المدني والإسعاف.

وفي المقابل، لقد أكد الرئيس المنتخب أنه لن يصادق على مشروع تعديل قانون العمل الذي وضعته الحكومة ولاقى معارضة شعبية واسعة انتهت بإضراب عام شلّ الحركة في البلاد.

أما فنتورا، فقد سارع من ناحيته إلى الاعتراف بفوز سيغورو، لكنه اعتبر أن نيله أكثر من ثلث الأصوات يشكّل إنجازاً بحد ذاته؛ لأنه كان يواجه «كل المنظومة التي أعلنت الحرب» ضد ترشحه.ويطمح فنتورا، الآن، من خلال هذا التأييد الذي ناله إلى تجاوز شعبية التحالف الحاكم بقيادة رئيس الحكومة مونتينغرو، ثم تشكيل الحكومة بعد الانتخابات المقبلة، معتبراً أن حصوله على 1.7 مليون صوت بعد ست سنوات فقط من تأسيس «شيغا»، يمنحه الحق في قيادة اليمين البرتغالي، ومتوقعاً الوصول إلى سدة الحكم قريباً.


«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
TT

«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)

شاعت تسمية «ثورة القرنفل» (Revolucao dos Carvos) على الانقلاب العسكري الذي أطاح النظام الديكتاتوري في البرتغال الذي كان يُعرف باسم «الدولة الجديدة»، وكان يحكم سيطرته على البلاد منذ عام 1926. أما سبب التسمية فكان أن الضبّاط والجنود الذين نفّذوا الانقلاب - والذين ينتمون إلى «تيار القوات المسلحة» - كانوا يجوبون شوارع العاصمة لشبونة صباح 25 أبريل (نيسان) 1974 واضعين أزهار القرنفل في فوهات بنادقهم ومدافع دباباتهم، بعدما أسقطوا النظام من غير إطلاق رصاصة واحدة.

ذلك الانقلاب قادته مجموعة من الضباط الشيوعيين واليساريين الذين سئموا الحروب التي زجّهم فيها النظام ضد الانتفاضات الشعبية والحركات المسلحة في المستعمرات البرتغالية. ولقد كانت إشارة انطلاقه أغنية بعنوان «وبعد الوداع» منتصف ليل 24 أبريل.

كان الانقلاب بداية مسار سريع تمخّض عن إعادة النظام الديمقراطي، وإجراء أول انتخابات حرة في العام التالي. وقبل نهاية ذلك العام، كانت جميع مستعمرات البرتغال في أفريقيا وآسيا؛ أي أنغولا والرأس الأخضر وغينيا بيساو وموزامبيق وسانتو تومي/ برنسيبي وتيمور الشرقية، قد نالت استقلالها. وبجانب ذلك تنازلت السلطة البرتغالية الجديدة عن جزيرة ماكاو لصالح الصين الشعبية (التي ضمّت الجزيرة رسمياً إليها عام 1999).

بعد أيام قليلة من إسقاط الديكتاتورية أطلق الانقلابيون سراح جميع المعتقلين السياسيين، وعاد الزعماء المنفيون في الخارج، يتقدّمهم الاشتراكي ماريو سواريش، والشيوعي آلفارو كونيال، اللذان لعبا دوراً سياسياً رئيساً في السنوات اللاحقة.

بعدها حاول الضباط الشيوعيون في الحركة الانقلابية توجيه دفّة التغيير نحو نظام اشتراكي إثر تأميم القطاع المصرفي بكامله، ومعظم الشركات الصناعية الكبرى. ولكن في الانتخابات الأولى التي أُجريت ربيع العام التالي كان الفوز حليف الاشتراكيين الديمقراطيين الذين كانوا يتمتعون بدعم من الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) في ألمانيا، ومن الحزب الاشتراكي الفرنسي.

وفي خريف عام 1975 فشلت مجموعة من الضباط الشيوعيين في محاولتها لقلب النظام، فأجرت الحكومة حملة تطهير واسعة في صفوف القوات المسلحة؛ أبعدت الشيوعيين عن المراكز القيادية، وأحالت المسؤولين عن المحاولة الانقلابية إلى المحاكمة.

وكان من الطبيعي أن يكون لـ«ثورة القرنفل» تأثير على الوضع في «الجارة» إسبانيا، حيث كان النظام الديكتاتوري يعيش مرحلة صعبة مع تدهور صحة الجنرال فرنشيسكو فرنكو، وبات يخشى تكرار التجربة البرتغالية التي شكّلت قفزة نوعية في الانتقال السلمي والسريع إلى الديمقراطية.

وهذا ما حصل فعلاً بعد وفاة فرنكو خريف عام 1975؛ إذ انتقلت إسبانيا بشكل سلمي إلى نظام ملكي دستوري، في عملية انتقال مثالية أصبحت مادة تدرّس في العديد من كليات العلوم السياسية في العالم.