غذاء العالم في خطر

هل سيواكب النمو في إنتاج الغذاء النمو السكاني؟

الحروب والزيادة السكانية والوقود الحيوي والجفاف يحدون من قدرة العالم على إطعام نفسه (رويترز)
الحروب والزيادة السكانية والوقود الحيوي والجفاف يحدون من قدرة العالم على إطعام نفسه (رويترز)
TT

غذاء العالم في خطر

الحروب والزيادة السكانية والوقود الحيوي والجفاف يحدون من قدرة العالم على إطعام نفسه (رويترز)
الحروب والزيادة السكانية والوقود الحيوي والجفاف يحدون من قدرة العالم على إطعام نفسه (رويترز)

كعادتها في كل عام، تستقبل برلين أكثر من 1500 مزارع ومنتج مواد غذائية وزراعية من كل أنحاء العالم من أجل عرض منتجاتهم، من لحوم وأسماك وأجبان ومعلبات على أنواعها، وهذه السنة كانت المجر ضيف المعرض الذي أُقيم في الفترة من 20 إلى 29 يناير (كانون الثاني).
وإلى جانب العروض الزراعية تعقد حلقات مناقشة تتطرق إلى أهم المواضيع، منها أزمة الغذاء في العالم وتراجع المساحات الزراعية، خصوصًا في البلدان الفقيرة.
وبلغت مساحة الأراضي الزراعية في العالم قرابة الـ5.6 مليار هكتار، وهو رقم قليل مقارنة بسكان الأرض، الذين يتجاوز عددهم اليوم 7 مليارات نسمة.
وبناءً على بيانات منظمة الغذاء والزراعة العالمية (الفاو)، فإن كثيرًا من هذه المساحات المزروعة لا تعود منتجاتها بالفائدة على المزارعين أصحاب الأرض، وبالتحديد صغار المزارعين، بل هي تحت سيطرة نفوذ مصانع الأغذية العالمية العملاقة التي تستثمرها على أفضل وجه، مما يجعلها تسيطر أيضًا على أسعار منتجاتها، مما يقوي موقفها على حساب المستهلك، وترى المنظمة أن حل هذه الإشكاليات التي تتفاقم وتتسبب في المجاعات حول العالم، يجب أن يكون جذريًا وعلى مستوى عالمي وبإسهام كبار الدول.
لكن المشكلة الأعمق أن حكومات كثير من هذه الدول إما شريكة أو داعمة للمصانع المستغلة للأراضي الزراعية، التي تشتري أراضي شاسعة للمتاجرة بمنتجاتها وطرحها بأسعار عالية، دون أن يولي أحدهم أي أهمية لأزمة الغذاء الحادة التي يعيشها العالم اليوم.
هنا يُذكّر خبراء تغذية بوعود الأمين العام السابق للأمم المتحدة بان كي مون بأن القرن الـ21 هو قرن التغلب على الجوع والفقر في العالم.
الرجل أخفق بشدة في تحقيق ندائه، لأن الآليات اللازمة لمحاربة قلة الغذاء أو عدم عدالة توزيعه وتوفيره وسيطرة مؤسسات محددة على تدفق وأسعار السلع، غير متوفرة لدى الأمم المتحدة، فهي ليست مؤسسة ذات سلطة كي تطلق هذه العبارات التي كانت فارغة من كل محتوى، والدليل على ذلك تزايد عدد الجياع في العالم مع مطلع هذا القرن.
بتقدير منظمة «الفاو» سوف يتجاوز عدد سكان العالم حتى عام 2050 تسعة مليارات نسمة، بينما كان العدد عام 1950 ثلاثة مليارات، مما يجعل الحاجة إلى مصادر لسد الجوع أكبر بكثير، لكن اليوم يبرز عنصر يسرق غذاء الإنسان وهو الوقود البديل (الإيثانول).
من أجل سد حاجة الصناعات الكبيرة واستبدال طاقة نظيفة لا تنضب بالطاقة التقليدية، تلجأ شركات ضخمة إلى استئجار أراضٍ زراعية شاسعة في بلدان فقيرة من أجل زراعتها على سبيل المثال بالقمح والذرة والشمندر ومواد زراعية أخرى، ومن السكريات والنشا الموجودة فيها يتم إنتاج الإيثانول.
وتبرر الشركات المنتجة هذه الخطوة بسعيها للمحافظة على البيئة من الغازات السامة المنبعثة من الوقود التقليدي.
ومع استخدامها الأراضي الشاسعة لإنتاج الوقود البديل ارتفعت أسعار المواد الغذائية عند عرضها على المستهلكين، وهكذا تُزرع الأراضي كي يُحرق مُنتجها في محرك السيارة، بينما يموت الملايين جوعًا، وزادت المشكلة عمقًا مع تسابق بعض المزارعين الصغار لبيع أو تأجير أراضيهم لمنتجي الوقود الحيوي من أجل الكسب السريع.
وهنا يشير تقرير لمنظمة الغذاء والزراعة العالمية (الفاو) إلى أن إنتاج الوقود البديل سوف يتضاعف حتى عام 2021، مما يربط الزراعة العالمية بشكل متزايد مع أسواق الطاقة، وهذا لا يقلل فقط من مساحة الأراضي المزروعة بالغذاء، بل سيؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط، وينعكس على أسعار المواد الغذائية، ومع الوقت تتحول مثلاً زراعة قصب السكر والحبوب الخشنة لإنتاج الوقود البديل فقط.
وفي هذا الصدد يشير تقرير مُشترك صادر عن «الفاو» ومنظمة التعاون والتنمية الدولية، إلى أنه تنبغي زيادة الإنتاج الزراعي في العالم خلال السنوات الـ40 المقبلة 60 في المائة، أي بواقع مليار طن من الحبوب و200 مليون طن من اللحوم سنويًا، لإطعام سكان الأرض، مما يعني ضغطًا كبيرًا على القطاع الزراعي في العالم، لأن المساحات الزراعية والمخصصة لتربية المواشي محدودة، وبالتالي فإن نمو الإنتاج المتوقع لهذا العقد سيكون 1.7 في المائة، أقل مما كان عليه في العقود السابقة، مما يعني عدم التمكن من رفع سقف الإنتاج، الذي هو العامل الحاسم للحد من ارتفاع الأسعار.
وينظر معهد بحوث التأثيرات المناخية في مدينة بوتسدام الألمانية بريبة إلى التنافس من أجل زراعة أراضٍ خصيصًا لإنتاج الوقود البديل، وحذر في تقريره قبل فترة من هذا من التوسع غير المنضبط، لأن ذلك سيكون على حساب الطبيعة.
ويرى المعهد أن نتيجة ما يسمى بتحرير السوق العالمية ستتمثل في زيادة المساحات المزروعة في المناطق الاستوائية، حيث تُقلع الأشجار في الغابات كما يحدث اليوم في غابات الأمازون لتحويلها إلى مساحات زراعية، وهذا سوف يكون له تأثير سلبي على المنتجات الزراعية ويعود بالضرر الكبير على البيئة، مثل ضرر الثقب الأوزوني، فالغازات المسببة للاحتباس الحراري سوف تزيد بنحو 15 في المائة، لذا يدعو المعهد لمعالجة قواعد التجارة العالمية، بالأخص فيما يتعلق بالزراعة، بهدف إنتاج الوقود البديل وحماية المناخ في المفاوضات الدولية.
والمنافسة لا تقتصر على المصانع لإنتاج الوقود البديل، إذ لم يعد سرًا أن كثيرًا من البلدان الغنية اشترت أو استأجرت أراضي شاسعة لصالحها لقلة الأراضي الزراعية لديها، وتسخر اليد العاملة الرخيصة هناك من أجل زراعتها بمحاصيل معينة، إلا أن سكان البلد المضيف يصيبهم بعض الضرر، فهم لا يحصلون على حصة مما يزرعونه، بل تذهب المحاصيل بالكامل إلى المستأجر، في الوقت نفسه يلحق الضرر بالأرض لأنها تُزرع زراعة أحادية، ومع الوقت لا تعود صالحة بالشكل الطبيعي للزراعة، فيخسر المزارع أرضه، بينما يبحث المستأجر عن أرض أخرى كي ينتج منها ثم يفسدها، وهكذا دواليك، والزراعة الأحادية ألحقت الضرر بالفعل بنحو 10 في المائة من مساحة الأراضي في بلدان أفريقية مثل كينيا وغانا.
ويوصف كثير من عقود الاستئجار بالصفقات المشبوهة، لأنها تتم عبر مسؤولين حكوميين كبار أو حكام البلد أنفسهم من أجل الكسب المادي الشخصي، دون إعطاء أهمية لحالة الأرض مستقبلاً.
ويعتقد المزارع أنه سوف يكسب من هذا الصفقات، لكن في النهاية يصبح بلا أرض أو طعام، وينضم إلى قافلة الجياع في بلده، وتضطر حكومته إلى استيراد المواد الغذائية من الخارج بعد أن كانت تزرعها.
ومن البلدان التي تُعقد معها هذه الاتفاقيات السودان وكينيا ومدغشقر وإثيوبيا وأوكرانيا وكمبوديا وباكستان ومصر، وتُزرع المساحات بشكل عام اليوم بالحنطة والذرة من أجل صناعة الوقود البديل. وقبل فترة بنت حكومة دولة قطر لكينيا ميناءً على المحيط الهادي وصلت تكاليفه إلى قرابة 3 مليارات دولار مقابل استغلال قطر لـ40 ألف هكتار زراعي، ولم يغب السودان ومصر عن نظر أغنياء العرب، فمؤسسة أبراج كابيتال المالية تزرع في السودان 30 ألف هكتار، وفي مصر نحو 324 ألف هكتار.
وقامت كوريا الجنوبية بعقد اتفاقيات مع مدغشقر، لاستئجار أكثر من 30 ألف هكتار من الأراضي من أجل زراعتها بالأرز.
وتزرع اليابان لحسابها في البرازيل نحو مائة ألف هكتار، ووقعت الصين عقودًا معها، لكنها تُرسل آلات وخبراء مقابل زراعة الأراضي بمزروعات يحتاجها الشعب الصيني، مثل الرز والصويا والذرة. وبعد اهتمام كبار المستثمرين في العالم بالنفط والغاز الروسيين تحولت أنظارهم أيضًا إلى الأراضي الزراعية الروسية، بالأخص بعد ارتفاع أسعار الحبوب في الأسواق العالمية الصيف الماضي، نتيجة تراجع مخزونها في بلدان اندلعت فيها أعمال شغب.
* المضاربات في أسعار الغذاء
لم يعد سرًا أن كثيرًا من المصارف والمؤسسات المالية العالمية حولت غذاء الفقراء إلى سلعة لها أسهم وأسعار يضاربون بها في أسواق البورصة، مما خفض حصة التجار التقليديين الذين يتاجرون بالقمح مثلاً من 88 في المائة عام 1996، إلى 35 في المائة عام 2008، وهذا يعني أن 53 في المائة من عقود شراء القمح يتم تداولها من قبل المضاربين الماليين.
ومن المؤسسات التي كشفت منظمة أوكسفام عن دورها في المضاربات بالمواد الغذائية بورصة شيكاغو التجارية (سي بي أو تي)، وهي أهم سوق للأسهم الرئيسية في العالم للمنتجات الزراعية، ومن أبرز المؤسسات المالية المضاربة «غولدن ساكس»، ومصرف «بركليس» و«كوميرس بنك» الألماني، و«إليانز» للتأمينات، و«دويتش بنك» (المصرف الألماني)، و«جي بي مورغان»، و«مورغان ستانلي»، الذي استثمر وبشكل مركز بين عامي 2010 و2013 في أسواق السلع العالمية، وفي عام 2012 لوحده وصلت أرباحه من المضاربات في الغذاء إلى مليار دولار.
وحاول «دويتشه بنك» الدفاع عن نفسه بعد حملة انتقادات حادة ضده في ألمانيا لتحوله إلى مضارب في مواد أساسية مثل القمح والكاكاو والنحاس والألمنيوم، مبررًا ذلك بأنه خطوة لمساعدة البلدان الفقيرة، وهو غير مستعد للانسحاب من سوق المضاربات.
* الحروب سبب لفقدان الأراضي
من مسببات انحصار المساحات المزروعة التي لا يجب إغفالها هي كوارث الحروب، حيث تبقى أراضٍ شاسعة من دون زراعة لسنوات طويلة، كما الأمر في العراق، فبسبب المعارك والصراعات الداخلية أُهملت مساحات زراعية شاسعة جدًا.
وتسببت آلة الحرب في خسارة العراق ما لا يقل عن مليوني متر مربع من الأراضي، التي كانت من أفضل الأراضي الزراعية لوجود نهري دجلة والفرات.
والحرب لا تقضي فقط على التربة الصالحة، بل على الخبرة الزراعية، ففي الوقت الحالي شحت العمالة الزراعية في العراق بشكل كبير، فكل مزارع سابق انضم إلى الطرف الموالي له وحمل سلاحًا وهجر الأرض، ومن أجل سد الثغرة استعانت حكومة بغداد كما سلطة الأكراد في شمال العراق بيد عاملة أجنبية، لكن هذا الحل لم يجدِ نفعًا، لأن العمال غير مستعدين للعمل في ظل المدافع، مما جعل الشعب العراقي بكل أطيافه يعتمد على المواد الغذائية المستوردة بعد أن كان بلدًا مصدرًا لها. والسبب الآخر لخسارة الأراضي الزراعية، الذي بدأ خبراء البيئة في التحدث عنه، هو أضرار الأسلحة البيولوجية التي تُستخدم خلال الحرب على تربة الأراضي الزراعية. بعد الحرب التي استمرت أكثر من 30 سنة في فيتنام واستخدم فيها الجيش الأميركي 35 مليون طن من الأسلحة، لم تخلف فقط قتلى أو معوقين أو مرضى أو ولادات مشوهة، بل أفسدت مساحات شاسعة من الأراضي التي كانت في السابق صالحة للزراعة، خصوصًا زراعة الأرز.
يثير النمو الشديد في عدد سكان الأرض القلق، فالمؤسسات العالمية تتوقع ارتفاع عدد سكان الأرض في عام 2050 إلى 9 مليارات نسمة، ففي كل دقيقة يولد 150 إنسانًا، مما يعني أن عدد سكان العالم يزيد كل يوم 22 ألف شخص، وأكثر من 80 مليون إنسان كل سنة، وهؤلاء بحاجة إلى مكان وطعام وشراب، فكيف سيتم إطعامهم؟
من وجهة نظر خبير الشؤون الزراعية كاميليو بولاك، فإن إنتاج كميات كافية من الطعام الصحي وبأسعار معقولة لـ9 مليارات نسمة هو أكبر تحدٍ للزراعة، وسوف يضطر المزارعون للتصدي لهذا التحدي، لأن السياسيين لا يضعون الأمر على قمة أولوياتهم، والتصدي يتم عبر التوعية بأهمية قطاع الزراعة، لأنه أهم رب عمل، وسوف تزداد أهميته في العالم خلال السنوات الأربعين المقبلة، فالإنتاج الزراعي يجب أن يتضاعف من أجل تأمين الإمدادات الغذائية للبشر، مما سيجعل الزراعة من أكثر المهن أهمية يومًا بعد يوم.
وحسب بيانات منظمة الغذاء والزراعة العالمية، هناك ما يقرب من 1.3 مليار إنسان في العالم يعملون في قطاع الزراعة، أي نحو 40 في المائة من إجمالي العمالة في العالم، وفي أفريقيا وحدها يعمل في هذا القطاع 52 في المائة.
الزراعة لم تستنفد بعد كل إمكانياتها الطبيعية، إلا أن مواصلة الاستفادة يجب أن تتوفر عبر الاستخدام الأمثل للتربة، أي عدم زراعة الأرض دائمًا بنوع واحد من المزروعات وتدريب المزارعين بشكل يمكنهم من تحسين نوعية المحاصيل التي تعود بالفائدة المادية الأفضل عليهم، مما يجنبهم الجوع وهجرة الأرض، لكن في الدرجة الأولى إقدام الحكومات والمؤسسات الإنمائية على المساعدة، وإلا فإن المساحات الصالحة للزراعة سوف تتراجع، ففي عام 1970 كانت مساحة الأراضي الصالحة للزراعة للفرد الواحد 0.3 هكتار، وبحلول عام 2050 من المتوقع أن تنقص إلى النصف، ولن تزيد على 0.15 هكتار للفرد.
واليوم تمثل مساحة الأراضي الزراعية نحو 5.6 مليار هكتار، أي ما يقرب من 11 في المائة من سطح الأرض، إلا أن ما يقارب من 5 إلى 7 ملايين هكتار سنويًا منها يلحق به التملح أو التآكل أو الجفاف والتصحر أو تصلب التربة أو البناء بشكل عشوائي.



عجز الحساب الجاري اليوناني يتراجع في 2025 رغم ارتفاع ديسمبر

سياح يلتقطون صوراً تذكارية في جزيرة سانتوريني اليونانية (رويترز)
سياح يلتقطون صوراً تذكارية في جزيرة سانتوريني اليونانية (رويترز)
TT

عجز الحساب الجاري اليوناني يتراجع في 2025 رغم ارتفاع ديسمبر

سياح يلتقطون صوراً تذكارية في جزيرة سانتوريني اليونانية (رويترز)
سياح يلتقطون صوراً تذكارية في جزيرة سانتوريني اليونانية (رويترز)

اتسع عجز الحساب الجاري في اليونان خلال شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي ليصل إلى 3.86 مليار يورو (4.54 مليار دولار)، مقارنة بـ3.73 مليار يورو في الشهر ذاته من العام السابق، وفق بيانات بنك اليونان الصادرة الجمعة. وجاء الارتفاع الشهري نتيجة تراجع فائض الخدمات وتفاقم عجز السلع، رغم تحسن بند الدخل الأولي. ورغم هذا الأداء الشهري الأضعف، أظهرت البيانات تحسناً واضحاً على مستوى العام بأكمله؛ إذ انخفض عجز الحساب الجاري في مجمل 2025 إلى 14.11 مليار يورو، مقارنة بـ16.94 مليار يورو في 2024. وأرجع البنك المركزي هذا التحسن إلى تقلص عجز الميزان السلعي واستمرار متانة فائض الخدمات، مدعوماً بتحقيق إيرادات السفر مستوى قياسياً جديداً. وسجلت إيرادات السفر خلال العام 23.62 مليار يورو، مقابل 21.59 مليار يورو في 2024، ما يعكس استمرار الزخم القوي في قطاع السياحة الذي يمثل ركيزة أساسية للاقتصاد اليوناني. وتعد هذه الإيرادات الأعلى في تاريخ البلاد، في وقت تواصل فيه اليونان تعزيز موقعها كوجهة سياحية رئيسية في أوروبا والبحر المتوسط.

ويأتي هذا الأداء في سياق تعافٍ اقتصادي مستمر بعد أزمة ديون حادة عصفت بالبلاد بين عامَي 2009 و2018، وأدخلتها في برامج إنقاذ دولية وإصلاحات مالية صارمة. ومنذ ذلك الحين، تمكن الاقتصاد اليوناني من استعادة قدر من الاستقرار، مدفوعاً بانتعاش السياحة، وزيادة الاستثمارات الأجنبية، وتدفقات الأموال الأوروبية ضمن برامج الدعم والتنمية. وتشير المؤشرات الاقتصادية إلى أن اليونان تنمو حالياً بوتيرة أسرع من عدد من نظيراتها في الاتحاد الأوروبي، في حين انخفض معدل البطالة إلى أدنى مستوى له منذ أكثر من عقد، بالتوازي مع تراجع تدريجي في معدلات التضخم.

وبالعودة إلى بيانات ديسمبر، أوضح بنك اليونان أن ميزان السلع شهد تدهوراً ملحوظاً؛ إذ اتسع العجز إلى 3.56 مليار يورو مقابل 3.19 مليار يورو في ديسمبر 2024. ويعزى ذلك إلى ارتفاع الواردات في ظل بقاء نمو الصادرات ضعيفاً، ما زاد الضغط على الميزان التجاري. كما ارتفع العجز في السلع غير النفطية إلى 3.37 مليار يورو مقارنة بـ2.62 مليار يورو قبل عام، ما يعكس استمرار التحديات التي تواجهها الصادرات الصناعية والزراعية في ظل المنافسة الأوروبية والعالمية. وفي المقابل، تراجع فائض الخدمات في ديسمبر إلى 416.5 مليون يورو من 493.6 مليون يورو في الشهر ذاته من العام الماضي، متأثراً بانخفاض إيرادات النقل، وهو بند مهم في اقتصاد يعتمد جزئياً على الشحن البحري والخدمات اللوجيستية. ومع ذلك، أظهرت بيانات السفر أداءً قوياً خلال الشهر ذاته؛ إذ ارتفعت إيرادات السفر بنسبة 33 في المائة على أساس سنوي لتصل إلى 623 مليون يورو. كما زاد عدد الوافدين من غير المقيمين بنسبة 49 في المائة، لتكون تدفقات السفر المساهم الأكبر في فائض ميزان الخدمات خلال ديسمبر.

ويعكس هذا التباين بين ضعف النقل وقوة السياحة طبيعة الاقتصاد اليوناني الذي يعتمد بدرجة كبيرة على تدفقات الزوار الأجانب؛ إذ يشكل قطاع السياحة نحو ربع الناتج المحلي الإجمالي. وقد أسهمت المواسم السياحية القوية، وتحسن الربط الجوي، واستقرار الأوضاع الاقتصادية نسبياً في أوروبا، في دعم هذا الأداء. ويرى مراقبون أن استمرار قوة السياحة يمثل عاملاً حاسماً في احتواء اختلالات الحساب الجاري، خصوصاً في ظل حساسية الميزان التجاري لتقلبات أسعار الطاقة وحجم الواردات. كما أن تحسن عجز الحساب الجاري على أساس سنوي يعكس تقدماً تدريجياً في إعادة التوازن الخارجي للاقتصاد.

وبينما يظل العجز الشهري في ديسمبر مؤشراً إلى تحديات قائمة، فإن الصورة السنوية تشير إلى مسار أكثر استقراراً، مدعوماً بأداء قوي لقطاع الخدمات. ومع استمرار تدفقات السياحة والاستثمار الأوروبي، تبدو اليونان في موقع أفضل لمواصلة تقليص فجوتها الخارجية خلال الفترة المقبلة، وإن بقيت عرضة لتقلبات التجارة العالمية وأسعار الطاقة.


المالية العامة البريطانية تسجّل فائضاً قياسياً في يناير

امرأة تحمل أوراقاً نقدية من الجنيه الإسترليني (رويترز)
امرأة تحمل أوراقاً نقدية من الجنيه الإسترليني (رويترز)
TT

المالية العامة البريطانية تسجّل فائضاً قياسياً في يناير

امرأة تحمل أوراقاً نقدية من الجنيه الإسترليني (رويترز)
امرأة تحمل أوراقاً نقدية من الجنيه الإسترليني (رويترز)

أظهرت أرقام رسمية، صدرت يوم الجمعة، أنَّ المالية العامة البريطانية سجَّلت فائضاً شهرياً قياسياً بلغ 30.4 مليار جنيه إسترليني (40.9 مليار دولار) في يناير (كانون الثاني)، مما عزَّز موقف وزيرة المالية، راشيل ريفز، قبيل تقديمها تحديثاً مالياً في 3 مارس (آذار).

وتجاوز هذا الفائض جميع توقعات الاقتصاديين في استطلاع أجرته «رويترز»، فضلاً عن توقعات مكتب مسؤولية الموازنة الحكومية، البالغة 24.1 مليار جنيه إسترليني، مدعوماً بارتفاع إيرادات ضريبة الدخل وضريبة أرباح رأس المال، وانخفاض مدفوعات فوائد الديون.

وعادةً ما يشهد شهر يناير فائضاً؛ نتيجة استحقاق فواتير ضريبة الدخل السنوية.

وقال جيمس موراي، كبير أمناء الخزانة: «نعلم أن هناك مزيداً مما يجب فعله لوقف صرف جنيه إسترليني واحد من كل عشرة جنيهات على فوائد الديون، وسنخفض الاقتراض إلى أكثر من النصف بحلول عام 2030 - 2031».

الاقتراض أقل من أحدث توقعات مكتب مسؤولية الموازنة

أفاد مكتب الإحصاء الوطني بأن إجمالي الاقتراض العام البريطاني بلغ 112.1 مليار جنيه إسترليني منذ بداية السنة المالية في أبريل (نيسان) 2025، بانخفاض قدره 11.5 في المائة مقارنةً بالفترة نفسها من السنة المالية 2024 - 2025.

ويعد هذا المستوى أقل من توقعات مكتب مسؤولية الموازنة، البالغة 120.4 مليار جنيه إسترليني، الذي كان يتوقع عجزاً إجمالياً قدره 138.3 مليار جنيه إسترليني، أو 4.5 في المائة من الدخل القومي، لعام 2025 - 2026.

ومع ذلك، توقع المكتب في بداية السنة المالية أن تتمكن الحكومة من خفض الاقتراض إلى 3.9 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. ومن المقرر إصدار توقعات جديدة للنمو والاقتراض في 3 مارس (آذار)، حيث تأمل ريفز أن يوفر هامش المرونة المالي الأكبر الذي أتاحته الموازنة السنوية لشهر نوفمبر (تشرين الثاني) ما يكفي – على عكس العام الماضي – لتجنب أي تعديلات وسط السنة على السياسة المالية.

وأوضحت ريفز أنها تسعى لإجراء حدث مالي رئيسي واحد فقط سنوياً، واعتباراً من هذا العام فصاعداً، لن يقيّم مكتب مسؤولية الموازنة رسمياً ما إذا كانت الحكومة تسير على المسار الصحيح لتحقيق أهدافها في التقييم نصف السنوي المعتاد في مارس. وتهدف الحكومة البريطانية إلى التوقف عن تمويل الإنفاق العام اليومي بالاقتراض بحلول عام 2029 - 2030.

وقال دينيس تاتاركوف، كبير الاقتصاديين في شركة «كي بي إم جي» بالمملكة المتحدة: «من المرجح أن تُظهر توقعات مكتب مسؤولية الموازنة الضعيفة لشهر مارس أن هامش ريفز لتحقيق هذا الهدف قد تقلص. وقد يكون الهامش قد انخفض بالفعل بمقدار 3 مليارات جنيه إسترليني خلال الأشهر الثلاثة الماضية منذ إعلان الموازنة. كما أدى النمو الأضعف من المتوقع في النصف الثاني من عام 2025 إلى تقليص نحو 6 مليارات جنيه من الاحتياطي البالغ نحو 22 مليار جنيه، تم تعويض جزء منه جزئياً بانخفاض أسعار الفائدة».

وأشار مكتب الإحصاء الوطني إلى أن جزءاً كبيراً من تكاليف الاقتراض في بريطانيا مرتبط بالتضخم، وأن المالية العامة استفادت من الانخفاض المستمر في معدل تضخم أسعار التجزئة.

مبيعات التجزئة ترتفع في يناير

على صعيد آخر، أظهرت بيانات رسمية، صدرت يوم الجمعة، ارتفاع مبيعات التجزئة البريطانية بنسبة 1.8 في المائة في يناير مقارنة بشهر ديسمبر (كانون الأول)، متجاوزة توقعات السوق ومسجلةً أكبر زيادة منذ مايو (أيار) 2024.

وكان معظم الاقتصاديين الذين استطلعت «رويترز» آراءهم يتوقَّعون ارتفاع حجم مبيعات التجزئة بنسبة 0.2 في المائة فقط عن مستوى ديسمبر. وتعكس هذه الزيادة قوة الطلب الاستهلاكي بعد نهاية ضعيفة للعام الماضي، حيث كانت مبيعات ديسمبر قد سجَّلت نمواً طفيفاً بلغ 0.4 في المائة فقط.

وعقب نشر البيانات، تحسَّن الجنيه الإسترليني مقابل الدولار الأميركي، مع ارتفاع ثقة المستثمرين حيال تعافي الاقتصاد البريطاني.

ويُظهر تحليل بيانات الاقتصاد البريطاني، الصادر الأسبوع الماضي، أن النمو كان شبه معدوم بنهاية 2025، ما دفع «بنك إنجلترا» إلى خفض توقعاته للنمو لعام 2026 من 1.2 في المائة إلى 0.9 في المائة. ومع ذلك، أظهرت بعض استطلاعات رأي الشركات انتعاشاً في النشاط الاقتصادي مع بداية العام الحالي، حيث سجَّل حجم مبيعات التجزئة ارتفاعاً سنوياً بنسبة 4.5 في المائة مقارنة بالعام السابق، متجاوزاً توقعات الاقتصاديين التي قدرت نمواً سنوياً بنسبة 2.8 في المائة.


شيمشك: مسار خفض التضخم في تركيا لم يشهد تدهوراً

صائمون وقت الإفطار في ساحة مسجد السلطان أحمد بمدينة إسطنبول التركية ويبدو في الخلفية مسجد أيا صوفيا (رويترز)
صائمون وقت الإفطار في ساحة مسجد السلطان أحمد بمدينة إسطنبول التركية ويبدو في الخلفية مسجد أيا صوفيا (رويترز)
TT

شيمشك: مسار خفض التضخم في تركيا لم يشهد تدهوراً

صائمون وقت الإفطار في ساحة مسجد السلطان أحمد بمدينة إسطنبول التركية ويبدو في الخلفية مسجد أيا صوفيا (رويترز)
صائمون وقت الإفطار في ساحة مسجد السلطان أحمد بمدينة إسطنبول التركية ويبدو في الخلفية مسجد أيا صوفيا (رويترز)

أكد وزير الخزانة والمالية التركي محمد شيمشك أن مسار خفض التضخم في تركيا لم يشهد تدهوراً، بل تباطؤاً مؤقتاً يعود في معظمه إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية وتأثيرات موسمية.

وقال في مقابلة مع قناة «إن تي في» من إسطنبول: «بإمكاننا الحديث عن تباطؤ في وتيرة تراجع التضخم، لكن ليس عن أي تدهور في المسار العام»، مشدداً على أن مكافحة التضخم تظل أولوية الحكومة الأولى.

وتأتي تصريحات شيمشك في وقت تراقب فيه الأسواق المحلية والدولية أداء الاقتصاد التركي عن كثب، بعد عامين من التحول نحو سياسات نقدية ومالية أكثر تشدداً.

وأوضح الوزير أن العوامل التي أسهمت في إبطاء وتيرة تراجع التضخم تتصل بشكل رئيسي بأسعار الغذاء وبعض التأثيرات الموسمية، لافتاً إلى أن الضغوط في قطاع الخدمات بدأت تظهر بوادر تراجع بعد فترة من الجمود. وأشار شيمشك إلى أن «الجمود» الذي اتسمت به معدلات التضخم في قطاع الخدمات بدأ يلين تدريجياً، في إشارة إلى تحسن نسبي في أحد أكثر المكونات صعوبة في السيطرة ضمن سلة الأسعار.

ويُعد تضخم الخدمات من أبرز التحديات أمام صناع السياسات، نظراً لارتباطه بالأجور وتكاليف التشغيل المحلية.

وفي سياق متصل، أكد الوزير أن العجز في الحساب الجاري «بات إلى حد كبير تحت السيطرة» ويسير على مسار مستدام، في ظل تحسن تدفقات النقد الأجنبي وتراجع الضغوط على ميزان المدفوعات مقارنة بالفترات السابقة. ويُنظر إلى استقرار الحساب الجاري بوصفه أحد المؤشرات الرئيسية على متانة الاقتصاد الكلي، خصوصاً في بلد يعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة والسلع الوسيطة.

وعلى صعيد التمويل، قال شيمشك إن القطاع الخاص سيتمكن من الوصول إلى «تمويل أكثر، وأقل كلفة» بعد عام 2026، في إشارة إلى توقعات بتحسن بيئة الاقتراض مع استمرار تنفيذ البرنامج الاقتصادي الحالي. ولم يقدم الوزير تفاصيل إضافية حول الآليات، لكنه شدد على أن الحكومة عازمة على مواصلة تطبيق برنامجها الاقتصادي «بحزم وإصرار». كما أعرب عن ثقته في أن التصنيف الائتماني لتركيا سيواصل التحسن خلال الفترة المقبلة، في ظل ما وصفه بالالتزام القوي بالإصلاحات الاقتصادية والانضباط المالي. وكانت وكالات التصنيف قد بدأت بالفعل في تعديل نظرتها المستقبلية لتركيا خلال العامين الماضيين، بعد تحولات في السياسات الاقتصادية.

وفي إطار جهود جذب الاستثمارات الأجنبية، كشف شيمشك عن أنه سيزور اليابان في مارس (آذار) المقبل، حيث يعتزم عقد لقاءات مع ممثلي مجموعات أعمال من القطاع الحقيقي لبحث فرص الاستثمار المباشر في تركيا. وتأتي هذه الزيارة ضمن تحركات أوسع تستهدف تعزيز تدفقات رؤوس الأموال طويلة الأجل ودعم النمو.

وأكد الوزير أن أولوية الحكومة ستظل مكافحة التضخم، باعتباره التحدي الرئيسي أمام الاقتصاد التركي، موضحاً أن الحفاظ على استقرار الأسعار شرط أساسي لتحقيق نمو مستدام وتحسين مستويات المعيشة.

وتأتي تصريحات شيمشك في وقت يسعى فيه صناع القرار في أنقرة إلى طمأنة الأسواق بأن مسار الإصلاح الاقتصادي مستمر، وأن أي تباطؤ في وتيرة تراجع التضخم لا يعني انحرافاً عن الأهداف المعلنة، بل يعكس تأثيرات مرحلية يُتوقع تجاوزها مع استمرار تطبيق السياسات الحالية.