خالد شيخ يكشف أسباب «هجمات سبتمبر» ويتحدث عن إعدامه

اتهم واشنطن بتسليم {أبو مصعب السوري} لبشار الأسد... وكرر عبارة «حصدتم ما زرعتم» لتبرير أعمال الإرهاب

خالد شيخ محمد حمّل في رسالته واشنطن المسؤولية عن أحداث سبتمبر وفي الإطار نسخة من الرسالة («الشرق الأوسط»)
خالد شيخ محمد حمّل في رسالته واشنطن المسؤولية عن أحداث سبتمبر وفي الإطار نسخة من الرسالة («الشرق الأوسط»)
TT

خالد شيخ يكشف أسباب «هجمات سبتمبر» ويتحدث عن إعدامه

خالد شيخ محمد حمّل في رسالته واشنطن المسؤولية عن أحداث سبتمبر وفي الإطار نسخة من الرسالة («الشرق الأوسط»)
خالد شيخ محمد حمّل في رسالته واشنطن المسؤولية عن أحداث سبتمبر وفي الإطار نسخة من الرسالة («الشرق الأوسط»)

بعد مرور أكثر من سنتين على كتابتها في غوانتانامو وأقل من شهرين على وصولها إلى البيت الأبيض، تسرب النص الكامل لرسالة المتهم الرئيسي في تدبير هجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) 2001، خالد شيخ محمد، إلى الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، واتضح أنها ذات طابع دعائي تبريري لهجمات سبتمبر 2001، وما تلاها من أعمال إرهابية، وتحمل اعترافًا ضمنيًا بالمسؤولية عن الهجمات.
وتتألف الرسالة من نحو 6 آلاف كلمة باللغة الإنجليزية موزعة على 18 صفحة، وحملت في طياتها كثيرًا من عبارات التهكم على شخص أوباما الذي خوطب فيها بصيغة «رأس الأفعى» ورئيس «دولة الاضطهاد والطغيان»، كما ضمنها ملحقًا بأربع خرائط توضح الوجود اليهودي في فلسطين وتروي قصة التمدد الإسرائيلي من عام 1946 إلى عام 2010، مرورا بنكبة 1948 ونكسة 1967.
وكشفت الرسالة عن تعاون أميركي - سوري في الحرب على الإرهاب تمثل في تسليم الولايات المتحدة معتقلين إلى نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وليس العكس، حسب ما كان يعتقد. ففي رسالة خالد شيخ تكرر ورود سوريا 3 مرات كما يلي:
- الأولى عندما خاطب خالد شيخ الرئيس الأميركي في الرسالة بقوله: «لقد كان يوما أسود عندما سلمت حكومتك المواطن السوري الكندي ماهر عرار إلى حليفك السابق بشار الأسد».
- والثانية عندما اتهم أوباما بتأجيج «الحرب الطائفية في سوريا والعراق...».
- أما الثالثة، فقد ورد فيها ذكر سوريا في سياق تساؤلات غاضبة موجهة من خالد شيخ لأوباما؛ من بينها: «أين هي الأخلاق في سكوتكم على انتهاكات حقوق الإنسان والأعمال الإرهابية التي يرتكبها حليفكم السابق بشار الأسد؟... ألم تكن حكومتكم هي التي سلمت أبو مصعب السوري وأبو خالد السوري، وجميع المطلوبين السوريين الذين تم القبض عليهم في أفغانستان وباكستان له؟».
وتابع خالد شيخ تساؤلاته قائلا: «ألا تتابعون الأخبار وتشاهدون المدن (السورية) وسكانها يتحولون إلى رماد؟ هل كنت (يا أوباما) مشغولا بلعب الغولف أو كرة السلة؟». وختم تساؤلاته في هذا الشأن قائلا: «وبعد كل هذا، ألا تشعر حكومتكم وشعبكم بتأنيب الضمير وأنتم تتهموننا بتدمير الأهداف المدنية وإلحاق الضرر بالأبرياء...؟».
يذكر أن خالد شيخ محمد كويتي من أصل باكستاني، ولد في 1 مارس (آذار) 1964، وهناك مصادر تشير إلى أنه من مواليد 14 أبريل (نيسان) 1965. ويعتقد أنه ثالث أبرز قادة تنظيم القاعدة بعد أسامة بن لادن وأيمن الظواهري. اعتقل في مارس 2003، وتم احتجازه في مكان مجهول حتى تم تحويله إلى سجن غوانتانامو.
ويبدو من سياق رسالته أنه وزملاءه من معتقلي غوانتانامو لم يعزلوا عن العالم؛ بل يتابعون أنباء ما يجري من أحداث أولا بأول بطريقة أو بأخرى؛ ففي الرسالة، التي يبدو من سياقها أن خالد شيخ بدأ كتابتها في شهر رمضان في وقت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة عام 2014، يقول كاتبها: «إن جرائم الحرب التي ترتكب حاليا في قطاع غزة لهي أوضح مثال على أسباب وقوع هجمات سبتمبر، كما توضح لماذا قد تحدث هجمات أخرى مماثلة لها في المستقبل».
واعترف شيخ محمد بأن تنظيم القاعدة، الذي ينتمي إليه، هو المسؤول عن أحداث «11 سبتمبر» من الألف إلى الياء، كما اعترف بالمشاركة شخصيا في التخطيط لـ29 عملية أخرى قبل هجمات سبتمبر.
وتبريرا لذلك، قال خالد شيخ في رسالته: «لسنا نحن من بدأ الحرب عليكم في (11/ 9)، وإنما أنتم». وأضاف أن الله كان مع الخاطفين في ذاك اليوم الذي صدموا فيه بطائراتهم البرجين التوأمين في نيويورك ومقر وزارة الدفاع في حين سقطت طائرة بأرض فراغ في بنسلفانيا. وفي سياق الاعتراف بالمسؤولية عن الهجمات، كتب خالد شيخ: و«بعون الله، دمرنا اقتصاد الرأسمالية، وعرينا كل نفاق ديمقراطيتكم وحريتكم المزعومة». وتطرقت الرسالة إلى «المجازر الوحشية» التي ارتكبتها الولايات المتحدة؛ من فيتنام، إلى قنبلتي هيروشيما وناغازاكي، وردد فيها عدة مرات عبارة: «لقد حصدتم ما زرعتم». وركزت الرسالة على استغلال معاناة الفلسطينيين مبررًا دعائيًا لإرهاب «القاعدة» الذي لم يستهدف يومًا إسرائيل بأي أذى؛ حيث قال خالد شيخ في مقدمة الرسالة: «لا تزال أيديكم ملطخة بدماء إخوتنا وأخواتنا والأطفال الذين قتلوا في غزة». وعبر محمد عن غضبه إزاء معاناة الفلسطينيين ودعم الأميركيين لإسرائيل و«المحتلين اليهود».
وذكرت صحيفة «ميامي هيرالد» الأميركية التي نشرت النص الكامل للرسالة، أن المحامي ديفيد نافين، سلم الرسالة التي تحمل تاريخ 8 يناير (كانون الثاني) 2015 إلى الجيش الأميركي، لكنها لم تصل إلى البيت الأبيض إلا بعدها بسنتين في الأيام الأخيرة من رئاسة أوباما، بعد أن أمر قاض عسكري، بتسليمها.
إلى جانب الرسالة، كتب خالد شيخ مخطوطة من 51 صفحة تحت عنوان: «هل سأموت عندما ينفذ الصليبيون حكم الإعدام بي؟ الحقيقة عن الموت» مع رسم مشنقة، وقال فيها إنه لا يخاف الموت.
ويواجه محمد حكم الإعدام بوصفه مدبر الاعتداءات التي أسفرت عن مقتل 3 آلاف شخص. وكتب: «أتحدث عن الموت بسعادة». وتوقع خالد شيخ أن يحكم عليه بالسجن المؤبد أو بالإعدام، حيث خاطب أوباما في رسالته بالقول: «إذا حكمت عليّ المحكمة بالسجن المؤبد، فسأكون سعيدا بالبقاء وحدي في زنزانتي لأعبد الله ما تبقى لي من عمر وأتوب إليه عن كل ذنوبي وآثامي. وإذا حكمت عليّ المحكمة بالإعدام، فسأكون أسعد بلقاء الله والرسول ورفاقي الذين قتلتموهم ظلمًا في كل أنحاء العالم، وبلقاء الشيخ أسامة بن لادن» زعيم «القاعدة» الذي قتلته وحدة من القوات الخاصة الأميركية في باكستان في 2011. وكان خالد شيخ قد مثل في 26 يناير (كانون الثاني) الماضي أمام محكمة عسكرية في غوانتانامو، إلا أن الحكم لم يصدر عليه بعد.
وكشفت «هيرالد ميامي» عن أن أوباما قد يكون قد احتفظ بنسخة من الرسالة بعد مغادرته البيت، باعتبارها موجهة إليه بصفته الشخصية، لكن من المرجح أن التسريب جاء عن طريق محامي خالد شيخ.
وعن التهديد بهجمات أخرى مماثلة لما وقع في 11 سبتمبر 2001، نقلت الصحيفة عن محامي شيخ محمد، ديفيد نافين، قوله إن الأمر ليس تهديدا بقدر ما هو توقع؛ حيث إن الرسالة تحدثت عن الظلم الذي يتعرض له المسلمون من قبل الغرب، وبخاصة الولايات المتحدة، وتعبر عن الحروب التي شنتها الولايات المتحدة على بلدان إسلامية (العراق وأفغانستان). ولهذا، فقد تنبأ خالد شيخ بوقوع موجات كثيرة من الهجمات على المدن الغربية والمصالح الغربية بسبب السياسات الخارجية الأميركية، وهو ما عدّ معلقون إعلاميون أنه قد حدث بالفعل، وأن نبوءة خالد شيخ قد تحققت، ولكن ليس بأيدي عناصر «القاعدة»، وإنما بواسطة «الذئاب المنفردة» المتأثرة بفكر تنظيم داعش المتطرف.
يذكر أن وجود خالد شيخ وعدد آخر من كبار المعتقلين المتهمين بالتخطيط المباشر لهجمات الحادي عشر من سبتمبر، كان من أهم أسباب فشل الرئيس الأميركي السابق في إغلاق المعتقل تنفيذا لوعد انتخابي بذلك؛ حيث يصعب على أي رئيس أميركي المغامرة بنقلهم إلى الأراضي الأميركية لمحاكمتهم في محاكم مدنية؛ في محاكمات غير مضمونة النتائج.



هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.