من الناحية العسكرية فإن القطب الشمالي هو المنطقة التي تتقاطع عليها حدود روسيا مع دول حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وتحديدا الولايات المتحدة وكندا والدنمارك، فضلا عن النرويج. وتولي روسيا منذ العهد السوفياتي اهتمامًا محددا بالمنطقة، لا سيما أن الجزء الأكبر من تلك البقعة المتجمدة تقع ضمن الأراضي الروسية، إلا أن الاهتمام تزايد في السنوات الأخيرة، نظرًا لأسباب كثيرة، بينها زيادة نشاط قوات الناتو في المنطقة. وبرز الاهتمام العسكري الروسي بمنطقة القطب منذ عام 2013 بصورة خاصة، حين قررت وزارة الدفاع الروسية إعادة إنشاء وتأهيل القواعد العسكرية في المنطقة، وكذلك المطارات الجوية هناك. وفي العام ذاته أجرت القوات الروسية تدريبات تخللها إنزال وحدات خاصة، وحينها تم الإعلان عن تشكيل القيادة الاستراتيجية المستقلة للعمليات في القطب الشمالي، وهو ما يعني تشكيل روسيا لأول مرة قوات مستقلة في تلك المنطقة، تتضمن كتائب وفرقا قتالية مختلفة، جوية وبرية وبحرية.
وفي الثاني والعشرين من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2015 أعلن وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو خطة لتأسيس مجموعة القوات القطبية، على أن تصبح تلك المجموعة العسكرية على أهبة الاستعداد بحلول عام 2018، وقال أمام اجتماع للمنظمة الجغرافية الروسية: «نحن لا نخفي أي أمر عن أحد، لقد انتهينا عمليا من بناء قواعد على جزر نوفوسيبيرسك، وكوتيلن»، مؤكدًا «أنها قاعدة كبيرة لم يكن مثيل لها حتى في الحقبة السوفياتية، وهناك أسلحة حديثة». وفي العام الحالي (2017) تخطط وزارة الدفاع الروسية إلى الانتهاء من تشييد أكثر من مائة منشأة من منشآت البنى التحتية العسكرية في القطب الشمالي، بما في ذلك مقرات إدارية وقيادية، ومنشآت لإقامة الجنود والضباط في ظروف الشمال القاسية، وفق ما أكدت وزارة الدفاع الروسية، موضحة أن «مجمعا عسكريا ضخما يجري تشييده حاليا، يحمل اسم (ثلاثي الأوراق القطبي)، وسيكون المجمع الوحيد من نوعه عالميا، الذي يقف على خط 80 درجة من خطوط العرض شمالاً». وهذه المنشأة هي القاعدة العسكرية الثانية المخصصة في القطب الشمالي لإقامة الأفراد من قوات الدفاع الجوي في شمال روسيا. وتبلغ مساحة مجمع «ثلاثي الأوراق القطبي» 14 ألف متر مربع، يتسع لأكثر من 150 فردا، يمكنهم البقاء هناك وممارسة مهامهم العسكرية بصورة مستقلة بعيدا علن العالم، على مدار 18 شهرًا.
ويتزايد الاهتمام الدولي بمنطقة القطب الشمالي، لا سيما من جانب الدول المطلة على المحيط المتجمد، وذلك بعد الكشف عن ثروات طبيعية هائلة هناك، بينها النفط، الذي تشير التقديرات الأولية إلى أن المنطقة يحتوي على 15 في المائة من احتياطي النفط العالمي، و30 في المائة من احتياطي الغاز، فضلا عن مختلف أنواع المعادن، ناهيك أن تلك المنطقة تشكل ممرًا تجاريا بحريا لروسيا من جهة الشمال. وكل هذا في إطار الخطط العسكرية لتعزيز القوات الروسية في المنطقة، لحماية المصالح الاقتصادية الروسية هناك، فضلا عن تشكيل قوة ردع بمواجهة النشاط العسكري الغربي في القطب.
ولجهة التسلح في منطقة القطب الشمالي تولي روسيا أهمية خاصة لمنظومة الرادارات، وقامت بنشر محطات رادارية متطورة، مثل منظومة «بودسولنوخا» القادرة على رصد الأهداف على مسافة 450 كم، ومرافقة وتحديد 300 هدف بحري ومائة هدف جوي في آن واحد، وتقوم بنقل تلك المعلومات إلى مجموعات السفن الحربية الروسية وإلى منظومات الدفاع الجوي على الساحل القطبي. كما يعتبر أسطول الشمال الروسي جزءا من القوات الروسية في منطقة القطب الشمالي، ويضم طرادات صاروخية نووية، وغواصات وحاملة طائرات، فضلا عن سفن مزودة بمنظومات صاروخية مضادة للسفن والغواصات، ومن المقرر زيادة عدد القطع الحربية في أسطول الشمال وضم قرابة 20 سفينة بمهام متعددة إليه.
كما قامت روسيا خلال السنوات الماضية بتعزيز قواتها الجوية في القطب الشمالي، وأنشأت شبكة من المطارات العسكرية، ضمن خطة عمل أطلقتها وزارة الدفاع منذ عامين، حين أعلنت أن القوات الجوية الروسية ستركز نشاطها عام 2015 على تعزيز القوة الجوية في المنطقة القطبية، ما يعني وفق ما قالت وزارة الدفاع الروسي زيادة عدد الأفراد وتزويد القوات الجوية هناك بأنواع جديدة من الطائرات، وتحديث الأنواع القديمة، وتأمين مختلف أنواع التقنيات الحديثة لعمل القوات الجوية، ورفع القدرة القتالية لتلك القوات هناك. أما قوات الإنزال الخاصة، والقوات العاملة في القطب بشكل عام، فقد حرصت وزارة الدفاع الروسية على تأمين زي عسكري لهم، يتناسب مع الظروف المناخية القاسية والبرد الشديد في تلك المنطقة. وفي مناورات أجرتها القوات الروسية ربيع عام 2016 في القطب الشمالي، كانت القوات الخاصة ترتدي ذلك الزي العسكري الخاص، الذي يمكن الجندي من مواصلة تنفيذ مهامه على أكمل وجه ضمن درجات حرارة دون 50 درجة مئوية تحت الصفر.
وفي العام ذاته (2015) نشرت القوات الروسية منظومة صواريخ «إس - 300» المحدثة في القطب الشمالي، ضمن منظومة الدفاع الجوي في المنطقة. ومؤخرًا أعلنت وزارة الدفاع الروسية عن نيتها اختبار أنواع جديدة من المدرعات المجنزرة، مع منتصف فبراير (شباط) من العام الحالي، في القطب الشمالي، وسيتعين على تلك الآليات أن تقطع مسافة تزيد على ألفي كيلومتر، ضمن درجة حرارة 60 درجة تحت الصفر.
القطب الشمالي خطوط تماس جديدة في الحرب الباردة مع «ناتو»
https://aawsat.com/home/article/850231/%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B7%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%8A-%D8%AE%D8%B7%D9%88%D8%B7-%D8%AA%D9%85%D8%A7%D8%B3-%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%A7%D8%B1%D8%AF%D8%A9-%D9%85%D8%B9-%C2%AB%D9%86%D8%A7%D8%AA%D9%88%C2%BB
القطب الشمالي خطوط تماس جديدة في الحرب الباردة مع «ناتو»
قواعد عسكرية روسية «لا مثيل لها» تدعم حرب المصالح على الجليد
- موسكو: طه عبد الواحد
- موسكو: طه عبد الواحد
القطب الشمالي خطوط تماس جديدة في الحرب الباردة مع «ناتو»
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

