التسخين الكوري.. هل ينهي هدنة 60 عاما؟

بيونغ يانغ اعتبرت نفسها في حالة حرب مع سيول.. وواشنطن تراقب الوضع بقاذفات «بي 52»

التسخين الكوري.. هل ينهي هدنة 60 عاما؟
TT

التسخين الكوري.. هل ينهي هدنة 60 عاما؟

التسخين الكوري.. هل ينهي هدنة 60 عاما؟

سيول: «الشرق الأوسط» نيودلهي: براكريتي غوبتا واشنطن: محمد علي صالح
ازدادت حدة التسخين في شبه الجزيرة الكورية منذ التجربتين النوويتين اللتين أجرتهما كوريا الشمالية في 12 ديسمبر (كانون الأول) و12 فبراير (شباط) الماضيين. ويتفاقم التوتر بين استفزازات بيونغ يانغ والردود الشديدة اللهجة من واشنطن وسيول، مما يحمل على الخوف من انفجار لا يريد العالم أن يحصل.

كل شيء بات في نطاق الممكن.. بعد التصعيد الأخير، وتصاعد الخطاب الحربي، بين الأطراف، وتبني مجلس الأمن الدولي في السابع من مارس (آذار) الماضي بالإجماع عقوبات جديدة ضد كوريا الشمالية. وقبل ذلك وبعده، زاد نظام بيونغ يانغ من لهجته التحذيرية، مهددا سيول بنقض هدنة 1953 التي أنهت الحرب، وواشنطن بـ«حرب نووية حرارية».

وعلى الرغم من أن كوريا الشمالية قد خرقت الهدنة على الأقل سبع مرات في الماضي، فإن هناك تطورات جديدة تجعل من الخرق هذه المرة أكثر خطورة والأمور أكثر سخونة. لماذا ارتفعت حدة التوتر إذن؟ سؤال بدأ يطرح نفسه بقوة. في الأساس، تريد بيونغ يانغ أن تعترف الولايات المتحدة بها قوة نووية، وتوقف «سياستها العدائية» حيالها، كما يقول سكوت سنايدر المحلل في مجلس العلاقات الخارجية الأميركية. ويرى المحللون في الاتجاه الآخر أيضا أن المناورة الأميركية - الكورية الجنوبية، السنوية «فول إيغل» التي تجرى منذ بداية مارس حتى 30 أبريل (نيسان) أججت الأزمة أيضا؟ ويغضب جزء من هذه المناورات بيونغ يانغ لأنه يحاكي إنزال أعداد كبيرة من القوات الأميركية في شبه الجزيرة الكورية إذا ما اندلع نزاع.

وفي الثامن من مارس حلقت قاذفة أميركية من نوع «بي52» قادرة على حمل عبوة نووية، فوق كوريا الجنوبية في إطار هذه المناورات. وتوعدت بيونغ يانغ آنذاك بـ«رد عسكري قاس» إذا ما قامت الولايات المتحدة بعملية تحليق جديدة. وواشنطن التي لا تريد التراجع، سارعت إلى الإعلان أن طلعات أخرى لطائرات «بي52» قد تمت منذ ذلك الحين، وخصوصا لقاذفاتها الخفية «بي-2» مما اعتبر تحذيرا حازما.

وفي المقابل، هددت بيونغ يانغ بضرب الولايات المتحدة وجزيرتيها غوام وهاواي، وردت واشنطن بنشر عدد رمزي من مطارداتها الخفية «إف22» وبطارية صواريخ في غوام ومدمرتين مضادتين للصواريخ في غرب المحيط الهادئ. وعمدت في كل مرة إلى الإعلان عن هذه الخطوات. وقال مسؤول أميركي في هذا الإطار طلب عدم الكشف عن هويته: «إنه ليس نظاما يمكن التأثير عليه بكلمات قاسية فقط».

واعتبر كيم جانغ - سو كبير مستشاري الأمن لدى رئيسة كوريا الجنوبية بارك غون - هيه أن تهديدات الشمال كان هدفها إرغام الجنوب والولايات المتحدة على تقديم تنازلات تنقذ ماء الوجه. ويخشى دبلوماسيون أن تخلق هذه التهديدات الشديدة اللهجة وضعا يخرج عن السيطرة فيما قامت الولايات المتحدة بتأخير تجربة إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات لتجنب تأجيج التوتر مع الشمال.

والأسبوع الماضي قطعت كوريا الشمالية خطوط الاتصال العسكري الساخن مع كوريا الجنوبية، مما يعني تعليق كل الاتصالات العسكرية والحكومية بين البلدين، بعد أن سبقه قطع الخط الساخن للصليب الأحمر بين البلدين. وقالت بيونغ يانغ إنها دخلت رسميا «حالة حرب» مع كوريا الجنوبية وحذرت من أن أي محاولة استفزاز ستتطور سريعا إلى صراع نووي. وطلبت من الدبلوماسيين الأجانب مغادرة أراضيها ومنحت حتى اليوم للمغادرة.

وأعلن مسؤول كوري شمالي أن بلاده ستغزو كوريا الجنوبية، وستطلق صواريخ نحوها، ونحو اليابان، ونحو الولايات المتحدة، وحتى صواريخ نووية لضرب واشنطن العاصمة، ونقل تلفزيون كوريا الشمالية صور البيت الأبيض والكونغرس وقد تم تدميرهما. ويسود الولايات المتحدة خليط من خوف وقلة خوف..

خوف لأن كوريا الشمالية تقدر على إطلاق صواريخها، ومن يدري، ربما ستصل إلى كاليفورنيا في الساحل الغربي، أو ربما نيويورك وواشنطن في الساحل الشرقي. وقلة خوف لأن الرئيس باراك أوباما، والمسؤولين العسكريين، والخبراء، كرروا أن كوريا لا تملك تكنولوجيا تجعلها قادرة على الوصول إلى الساحل الغربي، ناهيك بالشرقي.

ومع الخوف، أو قلة الخوف، تسود الولايات المتحدة حيرة؛ كيف تجرؤ دولة صغيرة وفقيرة على تهديد أقوى وأهم دولة في العالم؟ لماذا تطور الوضع إلى هذا الحد؟ من المسؤول؟ هل كانت السياسة الأميركية خطأ مما جعل الوضع يتطور هكذا؟

وسارع السناتور جون ماكين (جمهوري، ولاية أريزونا)، وحمل الصين المسؤولية، وقال إنها «فشلت في كبح جماح ما يمكن أن يكون وضعا كارثيا»، وإن الصين يمكن أن تصعد الضغط على كوريا الشمالية باستخدام نفوذها الاقتصادي، وأضاف: «تملك الصين مفتاح حل هذه المشكلة، مثل قطع علاقتها الاقتصادية. لكن حتى الآن السلوك الصيني مخيب جدا. أكثر من مرة، وقعت حروب بعد أن بدأت بالصدفة. لهذا، نخشى تكرار ذلك. هذه حالة خطيرة جدا».

وفي إجابة عن سؤال عمن سينتصر إذا نشبت الحرب، قال: «ستفوز كوريا الجنوبية. سنفوز إذا وقع نزاع شامل. لكن الحقيقة هي أن كوريا الشمالية تقدر على إحراق سيول. وواضح أن هذا سيكون كارثة ذات أبعاد هائلة».

وقالت مصادر إخبارية أميركية إن هذه ربما أول مرة يتحدث فيها السناتور ماكين عن موضوع سياسي ولا ينتقد الرئيس أوباما. بل إن آراء السناتور تتفق مع آراء قادة في الحزب الديمقراطي. مثل السناتور تشاك شومر (ولاية نيويورك)، من قادة الناقدين للصين في الكونغرس، الذي قال إنه يتفق مع ماكين. وأضاف: «يحمل الصينيون كثيرا من الأوراق. صار واضحا أنهم، طبيعيا، حذرون. لكن، يبدو أن الأمور هذه المرة تسير نحو التطرف». وأضاف: «حان الوقت للصينيين ليضغطوا قليلا على هذا النظام في كوريا الشمالية».

وقال السفير الأميركي السابق لدى الصين، جون هلتسمان، إنه لم يحدث أن رئيسا صينيا فعل ما فعل الرئيس الحالي تشي جينبينغ عندما حذر من أن أي بلد «ينبغي أن لا يسمح له بوضع منطقة، بل العالم كله، في هذه الحالة من الفوضى لتحقيق مكاسب أنانية». وأضاف هلتسمان: «يبدو لي، وقد شاهدت زيادة الإحباط بين القادة الصينيين على مدى السنوات القليلة الماضية، أنهم ربما وصلوا درجة نقطة الغليان، الدرجة 212، فيما يتعلق بكوريا الشمالية».

وكان البيت الأبيض كرر تصريحات أدلى بها، في الأسبوع الماضي، الرئيس أوباما بأن كوريا الشمالية لا تملك تكنولوجيا تجعلها تؤذي الولايات المتحدة، وأن الولايات المتحدة، في الوقت نفسه، مستعدة للدفاع عن أصدقائها هناك. وفي وقت لاحق، قال مستشار البيت الأبيض دان فايفر إن كوريا الشمالية تتبع نمطا واحدا منذ أمد بعيد، وهو «أعمال استفزازية، وخطب تهدد بالقتال»، وأضاف: «المفتاح هنا عند الكوريين الشماليين، وهو أن يوقفوا أعمالهم، ويبدأوا في الوفاء بالتزاماتهم الدولية، ويعملوا على تحقيق الهدف الأهم المعلن، وهو التنمية الاقتصادية».

وانضم إلى حملة نقد الصين، وتحميلها مسؤولية أعمال كوريا الشمالية، السناتور الجمهوري ليندسي غراهام، الذي قال: «ألوم الصينيين أكثر من أي جهة أخرى. إنهم يخشون إعادة توحيد كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية حتى لا تتحولا إلى كتلة اقتصادية عملاقة ومنافسة. وإنهم يخشون أيضا، كوريا ديمقراطية شمالا وجنوبا. لهذا، يدعمون هذا النظام المجنون».

في كل الأحوال، لم يتوقع سياسي أو خبير أميركي أن الصين سوف تتخلى عن كوريا الشمالية. أو حتى تنفذ عقوبات قاسية عليها، لكن يقول هؤلاء إن الصين تبدو وقد نفد صبرها، خاصة بعد سنوات من محاولة إقناع كوريا الشمالية بالخروج من العزلة، والتركيز على الإصلاح الاقتصادي. كما أن القادة الجدد في الصين، بما في ذلك الرئيس شي، لا يملكون العلاقات العاطفية نحو كوريا الشمالية التي كان أسلافهم يملكونها، وهم الذين خاضوا معها الحرب الكورية قبل ستين سنة.

ولاحظ هؤلاء الخبراء أن الزعيم الكوري الشمالي الشاب، كيم (30 سنة) أخفق أيضا في تقديم الولاء للصين، كما فعل والده، وكما فعل جده. لم يزر الصين منذ أن تولى الحكم عندما توفي والده في نهاية عام 2011.

وفي البنتاغون، حذر وزير الدفاع تشاك هاغل بأن خطر كوريا الشمالية «واضح وحقيقي». وأعلنت القيادة العسكرية في المحيط الهادي تحرك سفن نحو المنطقة، وأيضا وضع صواريخ مضادة للصواريخ في غوام وأوكيناوا، بالإضافة إلى تنسيق مكثف مع اليابان.

لكن مع بداية الأسبوع أعلن مسؤول في وزارة الدفاع تأجيل اختبار الصواريخ العابرة للقارات من نوع «مينيتمان 3»، التي كان مقررا إجراء الاختبارات الخاصة بها في قاعدة «فاندنبيرغ» الجوية في كاليفورنيا، وذلك جزءا من برنامج طويل المدى. وقال المسؤول: «أخرنا هذا الاختبار لتجنب أي سوء فهم، أو سوء التقدير، في ضوء التوترات الأخيرة في شبه الجزيرة الكورية».

في المجالات الاستخباراتية، قالت مصادر إن تفاصيل برامج أسلحة كوريا الشمالية معروفة لوكالات الاستخبارات الأميركية، لكنها تظل سرية. ويبدو أن هناك ثغرات في تلك التفاصيل نظرا للسرية المتشددة في كوريا الشمالية.

وقال خبراء عملوا سابقا في هذه الأجهزة الاستخباراتية الأميركية إن كوريا الشمالية نجحت في تصميم، وربما بناء، جهاز نووي مصغر يمكن أن يوضع في صواريخ متوسطة المدى تسميها كوريا الشمالية «نودونغ» لكن الصواريخ متوسطة المدى مثل «نودونغ» ليست قادرة على الوصول إلى الولايات المتحدة، لكنها قادرة على الوصول كوريا الجنوبية، واليابان، وأوكيناوا. لكن ليس غوام، وليس ألاسكا، ولا الفلبين، ولا تايوان.

وقال الخبراء الاستخباراتيون إن أجهزة الاستخبارات الأميركية تراقب عن كثب تطوير صاروخ «كي إن 8»، الذي يبلغ مداه أطول من مدى «نودونغ». وكان أولا ظهر في عرض عسكري لكوريا الشمالية في العام الماضي.

في الشهر الماضي، قال ادميرال جيمس وينفيلد، نائب رئيس الأركان المشتركة: «نعتقد أن صاروخ (كي إن 8) يمكنه الوصول إلى الولايات المتحدة».

ويوم الخميس، قال مسؤول أميركي، اشترط عدم ذكر اسمه، إن الولايات المتحدة تعتقد أن صاروخ «كي إن 8» يقدر على ضرب غوام، وألاسكا، وهاواي. واعترف بأن تقدير الولايات المتحدة لهذا الصاروخ «يستند على معلومات استخباراتية محدودة».

لكن، يبدو أن غريغ ثيلمان، الذي عمل في جهاز استخبارات وزارة الخارجية، والآن مع «آرمز كونترول» (مراقبة الأسلحة) أقل ثقة في هذا الصاروخ، وقال إنه ربما ليس موجودا. وقال إن بعض الخبراء الأميركيين فحصوا عن قرب صور الصاروخ بعد أن ظهر في العرض في العاصمة بيونغ يانغ، و«خلصوا إلى أنه وهمي، أو نموذج بالحجم الطبيعي».

وقال ثيلمان إن هناك صاروخا آخر من نوع «موسودان»، وهو أكبر من «نودونغ» متوسط المدى، لكنه لم يجرب عمليا، وقال: «ليس الصاروخ الذي لم يجرب صاروخ فعال، وليس خطرا يهدد».

وحسب معلومات ثيلمان، تملك كوريا الشمالية مئات الصواريخ، معظمها من صواريخ «سكود بي» و«سكود سي» أو شبيهة بها، ويبلغ مداها من 300 كيلومتر إلى 500 كيلومتر (187 إلى 312 ميلا). وأضاف: «لديهم عشرات من صواريخ (نودونغ) التي يبلغ مداها 1300 كيلومتر (862 ميلا).

وتسود حالة من التهكم في الشارع الأميركي إزاء تهديدات كوريا الشمالية، وعلى الخصوص تهديدات الزعيم كيم جونغ، لكن تقابلها «مخاوف حقيقية» عندما يتعلق الأمر بإيران، حسب مجلة «سليت»، التابعة لمجموعة «واشنطن بوست». وأشارت مجلة «أتلانتيك» إلى أن خطاب تشاك هاغل، وزير الدفاع الأميركي، الشهر الماضي، وكان خطابا رئيسا له بعد أن صار وزيرا للدفاع، كرر كلمة «إيران» أكثر من 170 مرة. بينما لم يذكر «كوريا الشمالية» سوى 10 مرات فقط.

وخلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة، في مناظرة واحدة، كرر أوباما والمرشح المنافس ميت رومني «إيران» 47 مرة مقابل مرة واحدة لـ«كوريا الشمالية».

وأوضح استطلاع أجراه مركز «غالوب» أن أغلبية الأميركيين لا تهتم كثيرا بما يجري في شبه الجزيرة الكورية، وأن هناك أكثر من سبب: أولا: بعد المسافة. ثانيا: الانشغال بالمشكلات الاقتصادية المحلية. ثالثا: السأم من الحروب بعد أكثر من عشر سنوات منها. رابعا، شبه اقتناع بأن كوريا الشمالية مهرجة أكثر منها خطرة.

هل نحن على شفير الحرب في شبه الجزيرة الكورية؟ يؤكد مسؤول أميركي كبير في واشنطن: «لسنا على شفير الحرب، أقله في هذه المرحلة.. لا شيء ميدانيا يحمل على توقع عمل عسكري واسع النطاق من جانب بيونغ يانغ».

وعلى غرار معظم المراقبين، يشدد سيغفريد هيكر الأستاذ في جامعة ستانفورد على خواء التهديدات النووية، مشككا في الوقت نفسه في قدرات الكوريين الشماليين. وتساءل: «لماذا يتعين عليهم شن هجوم نووي، فيما هم يعرفون تمام المعرفة أن نتيجته هي دمار بلادهم ونهاية النظام؟»، لكنه لا يستبعد خطر حصول تدهور عبر مواجهة محدودة يعمد إليها الزعيم «الشاب والمبتدئ» كيم جونغ أون.

يقول الدكتور راجيسواري بيلاي راجاغوبلان، زميل بارز في مؤسسة «أوبسيرف ريسيرش» للأبحاث، بنيودلهي، إن الغرب ينظر إلى كيم جونغ على أنه «شاب عديم الخبرة، لم تختبر قدراته بعد.. حاول كيم إثبات، من خلال السلسلة الأخيرة من التصريحات القاسية لحكومته، أنه ليس بالشخص الذي يشعر بالخوف من تزايد العقوبات»، التي من شأنها أن تزيد من عزلة نظامه وتعرقل كل الجهود التي يعتزم القيام بها لإحياء اقتصاد بلاده المحتضر.

في الوقت نفسه، قال عدد كبير من الخبراء الأميركيين إن كوريا الشمالية، على الأرجح، على مسافة سنوات كثيرة حتى تقدر على إتقان التكنولوجيا لتوجيه ضربة في أميركا. لكن قال بعض الخبراء النوويين إن كوريا الشمالية ربما تملك المعرفة اللازمة لإطلاق صواريخ ذات رؤوس نووية نحو كوريا الجنوبية واليابان.

وقال ديفيد أولبرايت، خبير الأسلحة الفتاكة والصواريخ في معهد العلوم والأمن الدولي، إن كوريا الشمالية يمكنها وضع رأس نووي على قذيفة صاروخية لمسافة 800 ميل (ألف كيلومتر تقريبا).

لكن، قال سيغفريد هيكر، خبير أميركي في المجال نفسه، إنه غير محتمل أن تفعل كوريا الشمالية ذلك، في الوقت الحاضر على الأقل، وإنه لا يوجد أي شخص، خارج نخبة صغيرة في قمة الحكم هناك، يعرف حقيقة القوة الكورية الشمالية، خاصة القوة النووية والصاروخية. وأيضا، لا يوجد شخص خارج هذه النخبة يمكن أن يحدد، في يقين، مدى التقدم التكنولوجي لكوريا الشمالية. وقال سيغفريد: «لكن يتفق كثيرون على أن كوريا الشمالية تتوقع هجوما مدمرا عليها إذا بادرت واستخدمت هذه الأسلحة».

* حقائق عسكرية

* حسب تقديرات الجمعية الآسيوية في نيويورك، يتألف الجيش الكوري الشمالي من مليون جندي نظامي، وخمسة ملايين جندي احتياطي، مما يجعله الجيش الخامس عالميا من حيث عدد القوات النظامية.

* تملك بيونغ يانغ أربعة آلاف دبابة، وألفي ناقلة جنود، وثمانية آلاف قطعة مدفعية. لكن، يطغى على معظمها القدم. ولا تملك سلاحا بحريا مميزا باستثناء قوات خاصة وقدرة على زرع ألغام في المياه العميقة.

* يتكون السلاح الجوي من 820 طائرة مقاتلة معظمها من طراز «ميغ»، و300 طائرة هليكوبتر. وتتمركز أكثر من 50 في المائة من قوات كوريا الشمالية على بعد 100 كيلومتر من المنطقة منزوعة السلاح التي يبلغ عرضها أربعة كيلومترات وطولها 250 كيلومترا.

* تقول «هيئة مراقبة الأسلحة» إن لدى بيونغ يانغ القدرة العملانية على إطلاق صاروخ يبلغ مداه 1300 كلم. وتتابع كوريا الشمالية تجاربها لتخطي هذه المسافة. والصاروخان اللذان نشرتهما على ساحلها الشرقي من نوع «موسودان» يبلغ مداهما نظريا ما بين 3000 و4000 كلم، لكن بيونغ يانغ لم تختبرهما قط.

* بالنسبة للقوات الأميركية، فهي تجند مليونا ونصف المليون، ويبلغ عدد قوات الاحتياطي مليونا تقريبا. ويملك السلاح الجوي أربعة آلاف طائرة مقاتلة، وأخرى لنقل معدات وجنود، وأكثر من ألفي صاروخ «كروز»، و450 من الصواريخ العابرة للقارات.

* يملك سلاح البحرية 278 سفينة، وأكثر من أربعة آلاف طائرة. ويوجد في كوريا الجنوبية أكثر من 28 ألف جندي أميركي.

* ما الوسائل العسكرية للولايات المتحدة في المنطقة؟ حسب مراكز الدراسات، فإنها كبيرة. فبالإضافة إلى 28 ألفا و500 جندي أميركي في كوريا الجنوبية و50 ألفا في اليابان، تنشر واشنطن نحو ستة آلاف في غوام حيث تقيم قاعدة للقاذفات والغواصات، و50 ألفا آخرين في هاواي. وتجوب أكثر من أربعين سفينة للبحرية الأميركية المحيط الهادي باستمرار.

* القاعدة البحرية الوحيدة في يوكوسوكا في اليابان هي مرفأ الرسو لحاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» وسبع مدمرات وطرادين. أما حاملة الطائرات «يو إس إس جون ستينس» والسفن المواكبة، فموجودة في الوقت الراهن في سنغافورة، لدى عودتها من مهمة في الخليج.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.