التسخين الكوري.. هل ينهي هدنة 60 عاما؟

بيونغ يانغ اعتبرت نفسها في حالة حرب مع سيول.. وواشنطن تراقب الوضع بقاذفات «بي 52»

التسخين الكوري.. هل ينهي هدنة 60 عاما؟
TT

التسخين الكوري.. هل ينهي هدنة 60 عاما؟

التسخين الكوري.. هل ينهي هدنة 60 عاما؟

سيول: «الشرق الأوسط» نيودلهي: براكريتي غوبتا واشنطن: محمد علي صالح
ازدادت حدة التسخين في شبه الجزيرة الكورية منذ التجربتين النوويتين اللتين أجرتهما كوريا الشمالية في 12 ديسمبر (كانون الأول) و12 فبراير (شباط) الماضيين. ويتفاقم التوتر بين استفزازات بيونغ يانغ والردود الشديدة اللهجة من واشنطن وسيول، مما يحمل على الخوف من انفجار لا يريد العالم أن يحصل.

كل شيء بات في نطاق الممكن.. بعد التصعيد الأخير، وتصاعد الخطاب الحربي، بين الأطراف، وتبني مجلس الأمن الدولي في السابع من مارس (آذار) الماضي بالإجماع عقوبات جديدة ضد كوريا الشمالية. وقبل ذلك وبعده، زاد نظام بيونغ يانغ من لهجته التحذيرية، مهددا سيول بنقض هدنة 1953 التي أنهت الحرب، وواشنطن بـ«حرب نووية حرارية».

وعلى الرغم من أن كوريا الشمالية قد خرقت الهدنة على الأقل سبع مرات في الماضي، فإن هناك تطورات جديدة تجعل من الخرق هذه المرة أكثر خطورة والأمور أكثر سخونة. لماذا ارتفعت حدة التوتر إذن؟ سؤال بدأ يطرح نفسه بقوة. في الأساس، تريد بيونغ يانغ أن تعترف الولايات المتحدة بها قوة نووية، وتوقف «سياستها العدائية» حيالها، كما يقول سكوت سنايدر المحلل في مجلس العلاقات الخارجية الأميركية. ويرى المحللون في الاتجاه الآخر أيضا أن المناورة الأميركية - الكورية الجنوبية، السنوية «فول إيغل» التي تجرى منذ بداية مارس حتى 30 أبريل (نيسان) أججت الأزمة أيضا؟ ويغضب جزء من هذه المناورات بيونغ يانغ لأنه يحاكي إنزال أعداد كبيرة من القوات الأميركية في شبه الجزيرة الكورية إذا ما اندلع نزاع.

وفي الثامن من مارس حلقت قاذفة أميركية من نوع «بي52» قادرة على حمل عبوة نووية، فوق كوريا الجنوبية في إطار هذه المناورات. وتوعدت بيونغ يانغ آنذاك بـ«رد عسكري قاس» إذا ما قامت الولايات المتحدة بعملية تحليق جديدة. وواشنطن التي لا تريد التراجع، سارعت إلى الإعلان أن طلعات أخرى لطائرات «بي52» قد تمت منذ ذلك الحين، وخصوصا لقاذفاتها الخفية «بي-2» مما اعتبر تحذيرا حازما.

وفي المقابل، هددت بيونغ يانغ بضرب الولايات المتحدة وجزيرتيها غوام وهاواي، وردت واشنطن بنشر عدد رمزي من مطارداتها الخفية «إف22» وبطارية صواريخ في غوام ومدمرتين مضادتين للصواريخ في غرب المحيط الهادئ. وعمدت في كل مرة إلى الإعلان عن هذه الخطوات. وقال مسؤول أميركي في هذا الإطار طلب عدم الكشف عن هويته: «إنه ليس نظاما يمكن التأثير عليه بكلمات قاسية فقط».

واعتبر كيم جانغ - سو كبير مستشاري الأمن لدى رئيسة كوريا الجنوبية بارك غون - هيه أن تهديدات الشمال كان هدفها إرغام الجنوب والولايات المتحدة على تقديم تنازلات تنقذ ماء الوجه. ويخشى دبلوماسيون أن تخلق هذه التهديدات الشديدة اللهجة وضعا يخرج عن السيطرة فيما قامت الولايات المتحدة بتأخير تجربة إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات لتجنب تأجيج التوتر مع الشمال.

والأسبوع الماضي قطعت كوريا الشمالية خطوط الاتصال العسكري الساخن مع كوريا الجنوبية، مما يعني تعليق كل الاتصالات العسكرية والحكومية بين البلدين، بعد أن سبقه قطع الخط الساخن للصليب الأحمر بين البلدين. وقالت بيونغ يانغ إنها دخلت رسميا «حالة حرب» مع كوريا الجنوبية وحذرت من أن أي محاولة استفزاز ستتطور سريعا إلى صراع نووي. وطلبت من الدبلوماسيين الأجانب مغادرة أراضيها ومنحت حتى اليوم للمغادرة.

وأعلن مسؤول كوري شمالي أن بلاده ستغزو كوريا الجنوبية، وستطلق صواريخ نحوها، ونحو اليابان، ونحو الولايات المتحدة، وحتى صواريخ نووية لضرب واشنطن العاصمة، ونقل تلفزيون كوريا الشمالية صور البيت الأبيض والكونغرس وقد تم تدميرهما. ويسود الولايات المتحدة خليط من خوف وقلة خوف..

خوف لأن كوريا الشمالية تقدر على إطلاق صواريخها، ومن يدري، ربما ستصل إلى كاليفورنيا في الساحل الغربي، أو ربما نيويورك وواشنطن في الساحل الشرقي. وقلة خوف لأن الرئيس باراك أوباما، والمسؤولين العسكريين، والخبراء، كرروا أن كوريا لا تملك تكنولوجيا تجعلها قادرة على الوصول إلى الساحل الغربي، ناهيك بالشرقي.

ومع الخوف، أو قلة الخوف، تسود الولايات المتحدة حيرة؛ كيف تجرؤ دولة صغيرة وفقيرة على تهديد أقوى وأهم دولة في العالم؟ لماذا تطور الوضع إلى هذا الحد؟ من المسؤول؟ هل كانت السياسة الأميركية خطأ مما جعل الوضع يتطور هكذا؟

وسارع السناتور جون ماكين (جمهوري، ولاية أريزونا)، وحمل الصين المسؤولية، وقال إنها «فشلت في كبح جماح ما يمكن أن يكون وضعا كارثيا»، وإن الصين يمكن أن تصعد الضغط على كوريا الشمالية باستخدام نفوذها الاقتصادي، وأضاف: «تملك الصين مفتاح حل هذه المشكلة، مثل قطع علاقتها الاقتصادية. لكن حتى الآن السلوك الصيني مخيب جدا. أكثر من مرة، وقعت حروب بعد أن بدأت بالصدفة. لهذا، نخشى تكرار ذلك. هذه حالة خطيرة جدا».

وفي إجابة عن سؤال عمن سينتصر إذا نشبت الحرب، قال: «ستفوز كوريا الجنوبية. سنفوز إذا وقع نزاع شامل. لكن الحقيقة هي أن كوريا الشمالية تقدر على إحراق سيول. وواضح أن هذا سيكون كارثة ذات أبعاد هائلة».

وقالت مصادر إخبارية أميركية إن هذه ربما أول مرة يتحدث فيها السناتور ماكين عن موضوع سياسي ولا ينتقد الرئيس أوباما. بل إن آراء السناتور تتفق مع آراء قادة في الحزب الديمقراطي. مثل السناتور تشاك شومر (ولاية نيويورك)، من قادة الناقدين للصين في الكونغرس، الذي قال إنه يتفق مع ماكين. وأضاف: «يحمل الصينيون كثيرا من الأوراق. صار واضحا أنهم، طبيعيا، حذرون. لكن، يبدو أن الأمور هذه المرة تسير نحو التطرف». وأضاف: «حان الوقت للصينيين ليضغطوا قليلا على هذا النظام في كوريا الشمالية».

وقال السفير الأميركي السابق لدى الصين، جون هلتسمان، إنه لم يحدث أن رئيسا صينيا فعل ما فعل الرئيس الحالي تشي جينبينغ عندما حذر من أن أي بلد «ينبغي أن لا يسمح له بوضع منطقة، بل العالم كله، في هذه الحالة من الفوضى لتحقيق مكاسب أنانية». وأضاف هلتسمان: «يبدو لي، وقد شاهدت زيادة الإحباط بين القادة الصينيين على مدى السنوات القليلة الماضية، أنهم ربما وصلوا درجة نقطة الغليان، الدرجة 212، فيما يتعلق بكوريا الشمالية».

وكان البيت الأبيض كرر تصريحات أدلى بها، في الأسبوع الماضي، الرئيس أوباما بأن كوريا الشمالية لا تملك تكنولوجيا تجعلها تؤذي الولايات المتحدة، وأن الولايات المتحدة، في الوقت نفسه، مستعدة للدفاع عن أصدقائها هناك. وفي وقت لاحق، قال مستشار البيت الأبيض دان فايفر إن كوريا الشمالية تتبع نمطا واحدا منذ أمد بعيد، وهو «أعمال استفزازية، وخطب تهدد بالقتال»، وأضاف: «المفتاح هنا عند الكوريين الشماليين، وهو أن يوقفوا أعمالهم، ويبدأوا في الوفاء بالتزاماتهم الدولية، ويعملوا على تحقيق الهدف الأهم المعلن، وهو التنمية الاقتصادية».

وانضم إلى حملة نقد الصين، وتحميلها مسؤولية أعمال كوريا الشمالية، السناتور الجمهوري ليندسي غراهام، الذي قال: «ألوم الصينيين أكثر من أي جهة أخرى. إنهم يخشون إعادة توحيد كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية حتى لا تتحولا إلى كتلة اقتصادية عملاقة ومنافسة. وإنهم يخشون أيضا، كوريا ديمقراطية شمالا وجنوبا. لهذا، يدعمون هذا النظام المجنون».

في كل الأحوال، لم يتوقع سياسي أو خبير أميركي أن الصين سوف تتخلى عن كوريا الشمالية. أو حتى تنفذ عقوبات قاسية عليها، لكن يقول هؤلاء إن الصين تبدو وقد نفد صبرها، خاصة بعد سنوات من محاولة إقناع كوريا الشمالية بالخروج من العزلة، والتركيز على الإصلاح الاقتصادي. كما أن القادة الجدد في الصين، بما في ذلك الرئيس شي، لا يملكون العلاقات العاطفية نحو كوريا الشمالية التي كان أسلافهم يملكونها، وهم الذين خاضوا معها الحرب الكورية قبل ستين سنة.

ولاحظ هؤلاء الخبراء أن الزعيم الكوري الشمالي الشاب، كيم (30 سنة) أخفق أيضا في تقديم الولاء للصين، كما فعل والده، وكما فعل جده. لم يزر الصين منذ أن تولى الحكم عندما توفي والده في نهاية عام 2011.

وفي البنتاغون، حذر وزير الدفاع تشاك هاغل بأن خطر كوريا الشمالية «واضح وحقيقي». وأعلنت القيادة العسكرية في المحيط الهادي تحرك سفن نحو المنطقة، وأيضا وضع صواريخ مضادة للصواريخ في غوام وأوكيناوا، بالإضافة إلى تنسيق مكثف مع اليابان.

لكن مع بداية الأسبوع أعلن مسؤول في وزارة الدفاع تأجيل اختبار الصواريخ العابرة للقارات من نوع «مينيتمان 3»، التي كان مقررا إجراء الاختبارات الخاصة بها في قاعدة «فاندنبيرغ» الجوية في كاليفورنيا، وذلك جزءا من برنامج طويل المدى. وقال المسؤول: «أخرنا هذا الاختبار لتجنب أي سوء فهم، أو سوء التقدير، في ضوء التوترات الأخيرة في شبه الجزيرة الكورية».

في المجالات الاستخباراتية، قالت مصادر إن تفاصيل برامج أسلحة كوريا الشمالية معروفة لوكالات الاستخبارات الأميركية، لكنها تظل سرية. ويبدو أن هناك ثغرات في تلك التفاصيل نظرا للسرية المتشددة في كوريا الشمالية.

وقال خبراء عملوا سابقا في هذه الأجهزة الاستخباراتية الأميركية إن كوريا الشمالية نجحت في تصميم، وربما بناء، جهاز نووي مصغر يمكن أن يوضع في صواريخ متوسطة المدى تسميها كوريا الشمالية «نودونغ» لكن الصواريخ متوسطة المدى مثل «نودونغ» ليست قادرة على الوصول إلى الولايات المتحدة، لكنها قادرة على الوصول كوريا الجنوبية، واليابان، وأوكيناوا. لكن ليس غوام، وليس ألاسكا، ولا الفلبين، ولا تايوان.

وقال الخبراء الاستخباراتيون إن أجهزة الاستخبارات الأميركية تراقب عن كثب تطوير صاروخ «كي إن 8»، الذي يبلغ مداه أطول من مدى «نودونغ». وكان أولا ظهر في عرض عسكري لكوريا الشمالية في العام الماضي.

في الشهر الماضي، قال ادميرال جيمس وينفيلد، نائب رئيس الأركان المشتركة: «نعتقد أن صاروخ (كي إن 8) يمكنه الوصول إلى الولايات المتحدة».

ويوم الخميس، قال مسؤول أميركي، اشترط عدم ذكر اسمه، إن الولايات المتحدة تعتقد أن صاروخ «كي إن 8» يقدر على ضرب غوام، وألاسكا، وهاواي. واعترف بأن تقدير الولايات المتحدة لهذا الصاروخ «يستند على معلومات استخباراتية محدودة».

لكن، يبدو أن غريغ ثيلمان، الذي عمل في جهاز استخبارات وزارة الخارجية، والآن مع «آرمز كونترول» (مراقبة الأسلحة) أقل ثقة في هذا الصاروخ، وقال إنه ربما ليس موجودا. وقال إن بعض الخبراء الأميركيين فحصوا عن قرب صور الصاروخ بعد أن ظهر في العرض في العاصمة بيونغ يانغ، و«خلصوا إلى أنه وهمي، أو نموذج بالحجم الطبيعي».

وقال ثيلمان إن هناك صاروخا آخر من نوع «موسودان»، وهو أكبر من «نودونغ» متوسط المدى، لكنه لم يجرب عمليا، وقال: «ليس الصاروخ الذي لم يجرب صاروخ فعال، وليس خطرا يهدد».

وحسب معلومات ثيلمان، تملك كوريا الشمالية مئات الصواريخ، معظمها من صواريخ «سكود بي» و«سكود سي» أو شبيهة بها، ويبلغ مداها من 300 كيلومتر إلى 500 كيلومتر (187 إلى 312 ميلا). وأضاف: «لديهم عشرات من صواريخ (نودونغ) التي يبلغ مداها 1300 كيلومتر (862 ميلا).

وتسود حالة من التهكم في الشارع الأميركي إزاء تهديدات كوريا الشمالية، وعلى الخصوص تهديدات الزعيم كيم جونغ، لكن تقابلها «مخاوف حقيقية» عندما يتعلق الأمر بإيران، حسب مجلة «سليت»، التابعة لمجموعة «واشنطن بوست». وأشارت مجلة «أتلانتيك» إلى أن خطاب تشاك هاغل، وزير الدفاع الأميركي، الشهر الماضي، وكان خطابا رئيسا له بعد أن صار وزيرا للدفاع، كرر كلمة «إيران» أكثر من 170 مرة. بينما لم يذكر «كوريا الشمالية» سوى 10 مرات فقط.

وخلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة، في مناظرة واحدة، كرر أوباما والمرشح المنافس ميت رومني «إيران» 47 مرة مقابل مرة واحدة لـ«كوريا الشمالية».

وأوضح استطلاع أجراه مركز «غالوب» أن أغلبية الأميركيين لا تهتم كثيرا بما يجري في شبه الجزيرة الكورية، وأن هناك أكثر من سبب: أولا: بعد المسافة. ثانيا: الانشغال بالمشكلات الاقتصادية المحلية. ثالثا: السأم من الحروب بعد أكثر من عشر سنوات منها. رابعا، شبه اقتناع بأن كوريا الشمالية مهرجة أكثر منها خطرة.

هل نحن على شفير الحرب في شبه الجزيرة الكورية؟ يؤكد مسؤول أميركي كبير في واشنطن: «لسنا على شفير الحرب، أقله في هذه المرحلة.. لا شيء ميدانيا يحمل على توقع عمل عسكري واسع النطاق من جانب بيونغ يانغ».

وعلى غرار معظم المراقبين، يشدد سيغفريد هيكر الأستاذ في جامعة ستانفورد على خواء التهديدات النووية، مشككا في الوقت نفسه في قدرات الكوريين الشماليين. وتساءل: «لماذا يتعين عليهم شن هجوم نووي، فيما هم يعرفون تمام المعرفة أن نتيجته هي دمار بلادهم ونهاية النظام؟»، لكنه لا يستبعد خطر حصول تدهور عبر مواجهة محدودة يعمد إليها الزعيم «الشاب والمبتدئ» كيم جونغ أون.

يقول الدكتور راجيسواري بيلاي راجاغوبلان، زميل بارز في مؤسسة «أوبسيرف ريسيرش» للأبحاث، بنيودلهي، إن الغرب ينظر إلى كيم جونغ على أنه «شاب عديم الخبرة، لم تختبر قدراته بعد.. حاول كيم إثبات، من خلال السلسلة الأخيرة من التصريحات القاسية لحكومته، أنه ليس بالشخص الذي يشعر بالخوف من تزايد العقوبات»، التي من شأنها أن تزيد من عزلة نظامه وتعرقل كل الجهود التي يعتزم القيام بها لإحياء اقتصاد بلاده المحتضر.

في الوقت نفسه، قال عدد كبير من الخبراء الأميركيين إن كوريا الشمالية، على الأرجح، على مسافة سنوات كثيرة حتى تقدر على إتقان التكنولوجيا لتوجيه ضربة في أميركا. لكن قال بعض الخبراء النوويين إن كوريا الشمالية ربما تملك المعرفة اللازمة لإطلاق صواريخ ذات رؤوس نووية نحو كوريا الجنوبية واليابان.

وقال ديفيد أولبرايت، خبير الأسلحة الفتاكة والصواريخ في معهد العلوم والأمن الدولي، إن كوريا الشمالية يمكنها وضع رأس نووي على قذيفة صاروخية لمسافة 800 ميل (ألف كيلومتر تقريبا).

لكن، قال سيغفريد هيكر، خبير أميركي في المجال نفسه، إنه غير محتمل أن تفعل كوريا الشمالية ذلك، في الوقت الحاضر على الأقل، وإنه لا يوجد أي شخص، خارج نخبة صغيرة في قمة الحكم هناك، يعرف حقيقة القوة الكورية الشمالية، خاصة القوة النووية والصاروخية. وأيضا، لا يوجد شخص خارج هذه النخبة يمكن أن يحدد، في يقين، مدى التقدم التكنولوجي لكوريا الشمالية. وقال سيغفريد: «لكن يتفق كثيرون على أن كوريا الشمالية تتوقع هجوما مدمرا عليها إذا بادرت واستخدمت هذه الأسلحة».

* حقائق عسكرية

* حسب تقديرات الجمعية الآسيوية في نيويورك، يتألف الجيش الكوري الشمالي من مليون جندي نظامي، وخمسة ملايين جندي احتياطي، مما يجعله الجيش الخامس عالميا من حيث عدد القوات النظامية.

* تملك بيونغ يانغ أربعة آلاف دبابة، وألفي ناقلة جنود، وثمانية آلاف قطعة مدفعية. لكن، يطغى على معظمها القدم. ولا تملك سلاحا بحريا مميزا باستثناء قوات خاصة وقدرة على زرع ألغام في المياه العميقة.

* يتكون السلاح الجوي من 820 طائرة مقاتلة معظمها من طراز «ميغ»، و300 طائرة هليكوبتر. وتتمركز أكثر من 50 في المائة من قوات كوريا الشمالية على بعد 100 كيلومتر من المنطقة منزوعة السلاح التي يبلغ عرضها أربعة كيلومترات وطولها 250 كيلومترا.

* تقول «هيئة مراقبة الأسلحة» إن لدى بيونغ يانغ القدرة العملانية على إطلاق صاروخ يبلغ مداه 1300 كلم. وتتابع كوريا الشمالية تجاربها لتخطي هذه المسافة. والصاروخان اللذان نشرتهما على ساحلها الشرقي من نوع «موسودان» يبلغ مداهما نظريا ما بين 3000 و4000 كلم، لكن بيونغ يانغ لم تختبرهما قط.

* بالنسبة للقوات الأميركية، فهي تجند مليونا ونصف المليون، ويبلغ عدد قوات الاحتياطي مليونا تقريبا. ويملك السلاح الجوي أربعة آلاف طائرة مقاتلة، وأخرى لنقل معدات وجنود، وأكثر من ألفي صاروخ «كروز»، و450 من الصواريخ العابرة للقارات.

* يملك سلاح البحرية 278 سفينة، وأكثر من أربعة آلاف طائرة. ويوجد في كوريا الجنوبية أكثر من 28 ألف جندي أميركي.

* ما الوسائل العسكرية للولايات المتحدة في المنطقة؟ حسب مراكز الدراسات، فإنها كبيرة. فبالإضافة إلى 28 ألفا و500 جندي أميركي في كوريا الجنوبية و50 ألفا في اليابان، تنشر واشنطن نحو ستة آلاف في غوام حيث تقيم قاعدة للقاذفات والغواصات، و50 ألفا آخرين في هاواي. وتجوب أكثر من أربعين سفينة للبحرية الأميركية المحيط الهادي باستمرار.

* القاعدة البحرية الوحيدة في يوكوسوكا في اليابان هي مرفأ الرسو لحاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» وسبع مدمرات وطرادين. أما حاملة الطائرات «يو إس إس جون ستينس» والسفن المواكبة، فموجودة في الوقت الراهن في سنغافورة، لدى عودتها من مهمة في الخليج.



ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
TT

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد، من وجهة نظر كثيرين، «القوة القادرة» على كسر ثنائية الصراع التقليدي بين شرق البلاد وغربها. وبسقوط هذا «الرهان»، لم تعد العملية السياسية في ليبيا تُقرأ بوصفها خريطة نفوذ انتخابي مقسّمة بين «الثلاثة الكبار» كما كانت. إذ زاد «زلزال» اغتيال سيف من تعقيدات المشهد المعقّد بالأساس، ما يؤثر أولاً على مسار «المصالحة الوطنية»، ومن ثم يمدّد الصراع السياسي ويطيل أمد عقد الانتخابات المأمولة.

هاتا تيتيه (وكالة الأنباء الليبية)

 

سيف الإسلام القذافي، الذي رحل عن عمر (53 سنة)، ظل ليبيون - من بينهم أنصاره - يعدونه الوجه الإصلاحي لنظام والده، والوريث المحتمل للسلطة، و«الخيار الثالث» في مواجهة المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وعبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس.

أما الآن، فيتوقّع لهذه المساحة التي تركها «الخيار الثالث» خلفه أن تتحوّل إلى ساحة للصراع بين القوى المهيمنة التي تسابق الزمن لاستقطاب ما تبقى من هذا التيار، في محاولة لإعادة التوازن لمركب سياسي بات يغرق في لجة التجاذبات الإقليمية والجمود الدستوري.

مع هذا، يرى سياسيون ومحللون التقتهم «الشرق الأوسط» أن موت سيف «لن يترتب عليه أي شيء يتعلق بحلحلة الأزمة، ما دام بقيت الأطراف والأجسام السياسية الحالية تتصدر المشهد العام»، بينما يَعِدُ موالون لتياره بـ«لملمة شملهم والاصطفاف من جديد خلف قيادة مرتقبة».

مفترق طرق تاريخي

والحقيقة، أن ليبيا تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن يؤدي التشظي السياسي إلى ولادة بدائل وطنية جديدة تنقذ البلاد، وإما تظل الأوراق مبعثرة بانتظار معجزة تلمّ الشمل في مشهد لم يعد يحتمل مزيداً من المغامرات أو المماطلة.

فليبيا تعاني منذ إسقاط نظام معمر القذافي عام 2011، صراعاً مريراً على السلطة بين جبهتي غرب ليبيا وشرقها. وتسعى البعثة الأممية منذ قدومها إلى ليبيا من أجل العمل على تسوية سياسية بين الأطراف المتنازعة، من دون تقدم حتى الآن.

والمبعوثة الأممية هانا تيتيه تواصل مسارها التحاوري مع الساسة والنخب الليبية، سعياً من أجل التوصل إلى نتيجة قبل الاتجاه إلى مجلس الأمن الدولي في 18 فبراير (شباط) الحالي لتقديم إحاطتها الجديدة، بينما يتمسك المتحكمون في السلطة بـ«اشتراطاتهم» من أجل إجراء الانتخابات. كذلك يستبق ذهاب تيتيه إلى مجلس الأمن تعقيدات عدة تتحكم في المشهد العام، وتصلّب في المواقف بين رئيسي مجلس النواب و«الأعلى للدولة» عقيلة صالح ومحمد تكالة، فضلاً عن دم سيف المسفوح، الذي لم يُعلم - حتى الآن - قاتله، وسط استنتاجات عدة بتمدد الصراع وليس طيه.

بمناطق عدة في وسط وشمال وجنوب ليبيا، لا يزال أنصار سيف الإسلام والقبائل المحبّة له يتلقون فيها العزاء، آملين في «الاقتصاص لدمه» قريباً، وعاقدين العزم على «رصّ الصفوف من جديد». إذ ظلت مدينة الزنتان (غرب ليبيا) تأوي سيف القذافي منذ اعتقلته «كتيبة أبو بكر الصديق» في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011، وبقي تحت حمايتها حتى سقط قتيلاً بعد اغتياله مساء 3 فبراير الحالي.

التحقيق في الاغتيال

النيابة العامة في طرابلس فتحت تحقيقاً في مقتل سيف. إذ أوفد مكتب النائب العام الصديق الصور فريقاً يضمّ أطباء شرعيين وخبراء إلى الزنتان وفحصوا جثته، التي أفادت تقارير غير رسمية بأنها تلقت 18 رصاصة.

وخلّفت جنازة سيف الحاشدة، التي احتضنتها مدينة بني وليد، حالة من التجاذب الحاد؛ فالأنصار - ومن بينهم شقيقه الساعدي - عدّوها «استفتاءً شعبياً ووطنياً على شعبية الرجل الذي فاز بالانتخابات وهو ميت»، بينما رآها المعارضون «صُنعت على مواقع التواصل وبواسطة الذكاء الاصطناعي».

«التهويل» و«التهوين» اللذان اكتنفا الجنازة عكسَا قدراً من الاحتقان المتراكم والمرشح للظهور أكثر في مقبل الأيام، الأمر الذي استدعى الشيخ علي أبو سبيحة، رئيس الفريق السابق لسيف القذافي بملف «المصالحة الوطنية»، للدخول على خط الأزمة. أبو سبيحة عدّ «الجموع الزاحفة» لحضور جنازة سيف، أنها «تريد القول بصوت واحد للذين يحلمون بسقوط مشروعه: أنتم واهمون»، مصعداً من حديثه توبيخاً دون أن يأتي على اسم أحد: «لقد سقط مشروعكم بإذلال الشعب الليبي وتفتيته ورهن خيراته وإرادته وحريته واستقلاله لأعدائه».

إرباك المشهد السياسي

كان ظهور سيف الإسلام - بعد اختفائه لدى الزنتان قرابة 10 سنوات، لتقديم ملف ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2021 - قد تسبب في إرباك المشهد السياسي وحسابات «خصومه». وفي هذه الأثناء، طعنت مفوضية الانتخابات بترشحه، لكن بعد مداولات ومظاهرات من أنصاره قضت محكمة سبها (جنوب ليبيا) برفض الطعن وإلزامها بإعادته إلى السباق، علماً بأن الانتخابات أُجلت بداعي وجود «قوة قاهرة» حالت دون استكمالها.

حينها، قال عماد السايح، رئيس المفوضية، إن عقبات أمنية وقضائية وسياسية شكّلت «قوة قاهرة» منعت عقدها في موعدها، مشترطاً زوالها ومصادقة مجلس النواب لإجرائها، وذلك بالنظر إلى وجود ما سميت «شخصيات جدلية» أرادت خوض السباق الانتخابي.

أما الآن، بعد خروج سيف من دائرة الضوء، لم يتبقَّ من تلك الشخصيات، وفق مراقبين، سوى رئيس حكومة «الوحدة»، بالإضافة إلى القائد العام لـ«الجيش الوطني». ويسود اعتقاد لدى بعض المتابعين أنه برحيل سيف الإسلام، زالت إحدى العقبات التي كانت تعترض إجراء الانتخابات في ليبيا، لكن هذه النظرة التفاؤلية تصطدم بواقع يكرّسه العداء والجهوية و«الدم الجديد» الذي سال في مكان قصي بالزنتان.

محللون كثيرون، منهم ناصر أبو ديب، يرون أن الوضع في ليبيا بعد موت سيف لا يختلف عما قبله، ويعتقدون أن الأمر «سيبقى على ما هو عليه» ما دام ارتبط بـ«سلطة الأمر الواقع». بل إن محمد عمر بعيو، رئيس المؤسسة الليبية للإعلام التابعة للحكومة المكلفة من مجلس النواب، وصف الوضع في ليبيا بأنه «عدميٌّ وعبثيٌّ». ودافع بعيو عن وجهة نظره في حوار مع «الشرق الأوسط» بأنه «لا يوجد شيء يسمى كتلة النظام السابق، وأن سيف الإسلام كان يمثل نتوءاً للغاضبين». وأردف: «هؤلاء ليسوا كتلة بقدر ما هم حالة هلامية، ومَن حضر جنازته ليسوا ملايين بقدر ما كانوا 20 ألفاً على الأكثر». ثم تابع: «لم يكن لدى سيف أي حظوظ لحكم البلاد؛ وليبيا لن يحكمها أحد بعد معمر القذافي؛ وكنت أقول هذا الكلام وهو على قيد الحياة... وأعتقد الوضع في ليبيا سيظل هكذا في حالة سيولة بعيداً عن سلطة موحدة؛ فالدولة لن تتشكل في المدى المنظور، وستكون البلاد ساحة صراعات دولية وتصفية حسابات».

الأسرة القذافية... والولاءات المحلية

تنتمي أسرة القذافي إلى مدينة سرت (وسط ليبيا) الخاضعة حالياً لحكم المشير حفتر، في حين تقع مدينة بني وليد في (شمال غرب)، وكان سيف الإسلام يحظى فيها بدعم اجتماعي وسياسي.

وظلّ فريق سيف القذافي - الذي يقوده أبو سبيحة - منخرطاً في كل الفعاليات السياسية المتعلقة بـ«المصالحة الوطنية» حتى قبل اغتيال سيف بقرابة شهر، إذ حضر الاحتفال الذي عقده المجلس الرئاسي في 7 يناير (كانون الثاني) الماضي للتوقيع على «الميثاق الوطني للمصالحة».

راهناً، يتخوّف متابعون من عودة العنف السياسي على خلفية غضبة موالين لسيف، خصوصاً إذا ما عُرف الطرف الذي قتله، لكن هذا التخوّف يترجم إلى معطى آخر يتمثل في تعطّل مسار «المصالحة» الذي كان يشارك فيه أنصاره، وهو ما يراكم الضغينة والغضب في النفوس.

وحقاً، تتصارع في المشهد الليبي المعاصر عدة تيارات آيديولوجية وسياسية، يسعى كل منها لفرض رؤيته وتثبيت سيطرته على مفاصل الدولة، ما خلق حالة من الاستقطاب الحاد. وتتوزّع الولاءات في ليبيا بين ثلاث كتل رئيسية تمثل محطات مفصلية في تاريخ البلاد الحديث، هي:

- التيار «السبتمبري» أو «الخضر»، وهم الموالون لنظام القذافي.

- تيار «17 فبراير» وتمثله القوى التي ثارت عام 2011، وترفض أي عودة لحكم الفرد أو «النظام الجماهيري».

- وتيار «الكرامة»، وهو التكتل الذي يلتف حول عملية الكرامة والقوات المسلحة بشرق ليبيا.

وهنا يسلّط أبو ديب الضوء على الوضع الراهن، معتقداً أن ليبيا «لن تشهد أي حلحلة سياسية ما دام بقيت ما تسمى (الأجسام الفاعلة في المشهد) التي تحرك الخيوط في شرق البلاد وغربها»، ومن ثم تُمدِّد الصراع، وقال إن «سيف القذافي على مدى 15 عاماً لم يفعل شيئاً، ولم يقدم مشروعاً سياسياً لوطنه». وأضاف: «الأجسام الموجودة في المشهد تعطّل أي حراك سياسي، وتبدد أي نقطة ضوء في الأفق البعيد؛ وبالتالي أعتقد أن المشهد سيبقى على ما هو عليه».

«ليبيا الغد»

جدير بالذكر، أن سيف الإسلام القذافي أطلق مشروع «ليبيا الغد» قبل عام 2011 بوصفه رؤية إصلاحية شاملة لبناء دولة حديثة عبر مشاريع تنموية، تتضمن جامعات ومناطق حرة، أبرزها تطوير «زوارة - رأس أجدير». وهو المشروع الذي توقف بسقوط نظام والده.

ويرجع أبو ديب خلال كلامه إلى «الشرق الأوسط» إشكالية ما يجري في بلده «إلى الليبيين أنفسهم؛ وتأزّم الأمر بوجود بعثة الأمم المتحدة وما تسميه الحوار المهيكل، والتدخلات الأميركية من جهة ثانية، وصفقات البيزنس»، ويزيد: «لن تكون هناك حلحلة سياسية بوجود هذه الأطراف، بل أعتقد أن المسألة ستزداد تعقيداً».

وانتهى أبو ديب إلى أن «الخيار الثالث ذهب دون رجعة؛ ولن يجد أنصار سيف رمزية يضعونها في المقدمة لصعوبة التوافق على شخصية يمكن أن تقود هذا الخيار. فبمقتل سيف انتهى هذا الخيار، وسيذوب المؤيدون في المجتمع الليبي من أجل الإصلاح».

هذا، ولا تزال في ليبيا مدن عدة على ولائها للنظام السابق، من بينها سرت (في الوسط) وبني وليد (شمال غرب)، بالإضافة إلى غات وأوباري (جنوباً) وزليتن وصبراتة (غرباً). وكل عام تلوّح بصور القذافي ونجله سيف الإسلام، والرايات الخضراء المعبرة عن الحقبة «الجماهيرية» أثناء الاحتفال بـ«ثورة الفاتح». ويُعتقد تصادم أصحاب هذه المشاريع الثلاثة وهم: «السبتمبريون» و«الفبرايريون» و«الكرامة». يبقى الصراع على السلطة هو المحرك الأساسي الذي يعيق الوصول إلى توافق وطني شامل يجمع شتات هذه التوجهات تحت مظلة دولة مدنية واحدة. ويخلص الدكتور مصطفى الزايدي، رئيس حزب «الحركة الوطنية» أمين «اللجنة التنفيذية للحركة الشعبية» إلى أن جريمة اغتيال سيف الإسلام سيكون لها تأثير مدمر على عملية «المصالحة الوطنية»، ذلك أن «الرصاصات الغادرة التي أُطلقت عليه أصابت، فيمن أصابت، مشروعَ المصالحة الذي رُفع كشعار من كثير من القوى الوطنية للخروج من المأساة التي سببتها (مؤامرة 2011) على ليبيا والليبيين».

وأضاف الزايدي في مقال لصحيفة «الموقف الليبي» عن أن «نسبة كبيرة من (الخضر)، وفي مقدمتهم الشهيد الدكتور سيف الإسلام، صدَّقوا أو تقبَّلوا لأسباب أخلاقية، كذبة روّجها المجتمع الدولي بأن انتخابات حرة ونزيهة قد تكون نقطة البداية لعملية مصالحة تاريخية، هدفها مساعدة الليبيين في طيِّ ملف الأزمة». واختتم: «لكن مع مضي الوقت ثبت أن ذلك لم يكن سوى دعاية في محاولة لمكياج وجه المؤامرة، وإعادة تقديمها في صورة مقبولة لليبيين».

 

حقائق

ليبيا: جرائم كثيرة... و«الفاعل مجهول»

اتسعت قائمة الجرائم التي تعذّر التوصل إلى مرتكبيها في ليبيا لتشمل فئات متنوعة من المجتمع، بجانب عمليات الإخفاء القسري منذ إسقاط النظام السابق في عام 2011، لكنها تبرز نمط «الإفلات من العقاب» الذي ساد في فترات كثيرة.

وخلال الحروب والمعارك التي شهدتها ليبيا، حدثت اشتباكات واسعة وانتهاكات ضد المدنيين أدّت إلى قتل واختفاء عشرات الأشخاص في مناطق متعددة، وأحياناً بقيت هويات من ارتكبوا أعمال القتل مجهولة بسبب تداخل الجماعات المسلحة وتغيّر السيطرة على الأراضي. واستهلت عملية الاغتيالات في ليبيا بمقتل اللواء عبد الفتاح يونس رئيس أركان الجيش الوطني الليبي الأسبق عام 2011، في ظروف غامضة بعد استدعائه للتحقيق، رغم وجود اتهامات لجهات معينة، من بينها ما كان يسمى «مجلس شورى ثوار بنغازي». وفيما يلي بعض أبرز جرائم الاغتيال:

- عام 2013: اغتيال المحامي والناشط السياسي عبد السلام المسماري، في مدينة بنغازي.

- عام 2014: اغتيال كل من الصحافية نصيب ميلود وخطيبها في مدينة سبها. ومفتاح بوزيد رئيس تحرير صحيفة «برنيق»، وسلوى بوقعيقيص المحامية والناشطة الحقوقية البارزة في بنغازي. والشيخ محمد بن عثمان في مصراتة. وفريحة البركاوي عضو «المؤتمر الوطني العام» السابقة، في درنة.

- عام 2016: اختطاف الشيخ نادر العمراني عضو دار الإفتاء بطرابلس، وتصفيته في ظروف غامضة.

- عام 2019: تصفية عضوة مجلس النواب سهام سرقيوة في بنغازي.

يضاف إلى ما سبق، صُدم المجتمع الليبي عام 2025 إثر مشاهدة مقاطع مصورة «مسربة» للنائب إبراهيم الدرسي، وهو على ما يبدو معتقلاً في زنزانة، والأغلال معلقة في عنقه، وكانت أسرته أعلنت عن خطفه في 18 مايو (أيار) 2024 من منزله ببنغازي، ومذاك التاريخ لم يكشف عن مصيره ولا عن الجناة.

 


أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
TT

أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة

منذ الأحد الماضي، تهبّ على البرتغال «رياح ثورية» جديدة، فيها من نكهة «ثورة القرنفل» التي أطاحت ديكتاتورية الدكتور أنطونيو سالازار في ربيع عام 1974 من غير إطلاق رصاصة واحدة، وتجدّد الأمل المتلاشي منذ سنوات في تغليب الخطاب السياسي المعتدل والجامع على جموح التطرّف اليميني والشعبوي الذي يهدد بإعادة أوروبا إلى عهد الظلمات الذي قطّع أوصالها في النصف الأول من القرن الفائت. هذه الرياح الثورية الجديدة تحمل اسم الاشتراكي أنطونيو خوسيه سيغورو، الذي كان غائباً عن المشهد السياسي البرتغالي مند عشر سنوات، لكنه عاد ليقرّر، ضد رغبة القيادات التاريخية للحزب، خوض الانتخابات الرئاسية التي أجريت دورتها الثانية مطلع هذا الشهر. وهذا ما حصل، بالفعل، وحقق سيغورو فوزاً كاسحاً على منافسه الشعبوي أندريه فنتورا، حامل لواء اليمين المتطرف والمفعم بالحنين إلى الحقبة الديكتاتورية التي طوى البرتغاليون صفحتها منذ خمسين سنة.

ثمة انتصارات عدة في الانتصار الذي حققه أنطونيو سيغورو، الأحد الماضي، في انتخابات البرتغال الرئاسية، منها: انتصار الأسلوب التوافقي الرزين على أسلوب التفرقة والتحريض الذي اتسم به الخطاب اليميني والشعبوي المتطرّف. ومنها أيضاً انتصار النهج اليساري الوسطي الذي يواجه أصعب مراحله في البرتغال منذ سقوط الحكم العسكري، ويعاني من تراجع مطّرد على امتداد المشهد السياسي الأوروبي. وهذا، ناهيك من انتصار الرجل الذي قرّر وحده الإبحار عكس رياح حزبه وخاض معركته منفرداً ضد الزعامات الاشتراكية الراسخة.

بالتالي، ليس مستغرباً أن قوى وأوساطاً أوروبية عدة، يسارية ومحافظة، سارعت إلى الإعراب عن ارتياحها لهذا الفوز، كونها ترى فيه تباشير انعطاف في المشهد السياسي الأوروبي القلق من تمدّد اليمين المتطرّف الذي بات يدقّ أبواب الحكم في أكثر من عاصمة.

النشأة والمسيرة

أبصر أنطونيو خوسيه سيغورو النور قبل 63 سنة في واحدة من أفقر القرى البرتغالية. وكان قد قرر العودة إليها عام 2014 عندما تخلّى عن النشاط السياسي بعدما خسر الانتخابات الأولية في حزبه ضد أنطونيو كوستا، الرئيس الحالي للمجلس الأوروبي.

تلك كانت معركة قاسية جداً، بل من أبشع المعارك التي دارت داخل «البيت الاشتراكي» البرتغالي، شبيهة بتلك التي دارت ذات يوم بين الزعيم التاريخي خورخي سامبايو وأنطونيو غوتيريش، الأمين العام الحالي لمنظمة الأمم المتحدة. ويومذاك انتهت بشرخ حزبي عميق بقيت آثاره حتى اليوم، وساعدت اليمين المتطرف على مواصلة صعوده.

سيغورو تولّى حقائب وزارية عدة في الحكومات الاشتراكية السابقة، وكان عضواً في البرلمان الأوروبي. وهو ينتمي إلى «تيار» غوتيرّيش الذي سبق أن ترأس عدة حكومات برتغالية نهجت خطاً يسارياً معتدلاً، وتميّز بالانفتاح على الحوار مع القوى الأخرى. وعندما وقعت البرتغال تحت وطأة الأزمة المالية والاقتصادية الطاحنة - وكانت حينذاك تخضع لحكومة يمينية محافظة - أيّد سيغورو التدابير التقشّفية القاسية التي فرضها الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وبرّر موقفه هذا بأن رئيس الوزراء الاشتراكي السابق جوسيه سقراط هو الذي كان تقدّم بطلب المساعدة من المؤسسات الدولية للخروج من الأزمة. وأطلق يومها عبارته الشهيرة التي تحولّت إلى شعاره السياسي الذي خاض به الانتخابات الرئاسية؛ إذ قال: «الحوار هو الأداة الأساسية لأي عمل سياسي».

لغة الحوار

من ثم، لعل انفتاح سيغورو الدائم على الحوار كان السبب الرئيس في حصوله على دعم قوى سياسية أخرى، من كتل اليمين واليسار؛ إذ أيّده كل من الرئيس اليميني السابق هنيبعل كافاكو سيلفا، والمرشح الشيوعي أنطونيو فيليبي الذي نافسه في الجولة الأولى. لكن الأغرب من ذلك كان الدعم الذي حصل عليه من أنصار رئيس المجلس الأوروبي والأمين العام السابق للحزب الاشتراكي، أنطونيو كوستا، الذي يعدّ ألدّ خصومه السياسيين داخل الحزب منذ سنوات. وكان كوستا قد سرّب عشية الانتخابات قراره دعم سيغورو، رغم تمايز الأخير عن نهجه، مردّداً: «كوستا يمثّل رجال الأعمال والشركات داخل الحزب الاشتراكي».

ما يُذكر أنه عندما أعلن سيغورو، مطالع الصيف الماضي، ترشحه للانتخابات الرئاسية، واجه معارضة واسعة وشديدة داخل الحزب الاشتراكي الذي ما زال يخضع لتأثير قوي من أنطونيو كوستا والقيادات الموالية له. إلا أن إصراره على الترشّح سواء بتأييد من الحزب أو من دونه، دفع معارضيه إلى التراجع، خاصة أن الشخصيات الاشتراكية النافذة فشلت في التوافق حول مرشح آخر، بل ربما لأن حظوظ أي مرشح اشتراكي في الفوز بدت شبه معدومة، كما كانت تظهر استطلاعات الرأي.

التدريس بعيداً عن السياسة

خلال السنوات الـ12 التي انكفأ سيغورو طيلتها عن العمل السياسي، انصرف إلى التدريس في جامعة لشبونة المستقلة والمعهد العالي للعلوم الاجتماعية والسياسية. وأسّس عدة مؤسسات صغيرة للسياحة الريفية والتصنيع الزراعي في مسقط رأسه بيناماكور. إلا أنه لمح بعد إعلان فوزه في الانتخابات أنه سيتخلّى عن أنشطته التجارية قبل تسلّم مهامه، مدركاً أن الحكومة السابقة التي شكّلها اليميني لويس مونتينغرو بعد هزيمة الاشتراكيين الأخيرة، إنما سقطت بسبب تضارب المصالح الذي نشأ عن إبقائه على المؤسسة العائلية التي كان يديرها بعد توليه رئاسة الحكومة.

لكن يبدو سيغورو مصراً على ألا يتخلّى عن حياته العائلية العادية؛ إذ أفاد بأن زوجته ستواصل نشاطها المهني في إدارة الصيدلية التي تملكها في العاصمة، وأنه لن يقيم في قصر بيليم (بيت لحم) الرئاسي إلا في الحالات الاستثنائية، بل سيقيم في منزله الواقع على بعد 90 كيلومتراً من لشبونة.

وللعلم، الرئيس المنتخب أمضى الأسبوعين الأخيرين من حملته الانتخابية في زيارات إلى المناطق المنكوبة بسبب الأعاصير المتلاحقة التي ضربت البرتغال وما زالت تداعياتها الكارثية ظاهرة إلى اليوم. ولقد وعد بتخصيص قدر كبير من اهتمامه في الأسابيع الأولى من ولايته لمتابعة ملف الأضرار التي نجمت عن تلك الأعاصير.

فوز تحدّى التوقعات

أبرز ما في الفوز الذي حققه سيغورو، ضد كل التوقعات، كان حصوله على ضعفي الأصوات التي نالها في الجولة الأولى من الانتخابات. وهو ما يؤكد تضافر الغالبية الساحقة من الناخبين لتأييد مرشح رئاسي يحترم قواعد اللعبة الديمقراطية بمواجهة منافسه الشعبوي المتطرف فنتورا، الذي أظهر غير مرة مناسبة ازدراءه بهذه القواعد واستعداده لتجاوز الأحكام الدستورية من أجل تحقيق أهداف مشروعه السياسي.

ناهزت حصيلة سيغورو 67 في المائة من الأصوات، بينما لم يتعدّى فنتورا الـ33 في المائة، مع أن هذا الأخير كان جمع في الجولة الأولى نسبة 31 في المائة متقدماً على 11 مرشحاً.

انعكاسات وتوقعات

في تصريحاته الأولى بعد الفوز، أعرب سيغورو عن شديد تأثره بالدعم الواسع الذي ناله من «الناخبين الذين يحرصون على القيم والمبادئ الدستورية التي رسختها ثورة القرنفل»، مذكراً ومفتخراً بانتمائه إلى الطبقة المتواضعة. وقال إن الغالبية التي صوّتت له أصبحت اليوم مجمل الشعب البرتغالي، وكرّر ما ردده مراراً خلال الحملة الانتخابية: «أنا حرّ، أعيش حياتي من غير مَراسٍ، وحريتي هي ضمان استقلاليتي». وكذلك شدّد على التزامه الثابت بـ«ثقافة الوفاق» لمعالجة المشاكل التي تعاني منها البلاد، معترفاً بأن نتيجة الاقتراع تجاوزت توقعاته.

وحقاً، يشكّل انتصار سيغورو أيضاً عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد عشرين سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية محافظة على رأس الدولة، لكنه بالتأكيد ليس انتصاراً للحزب الاشتراكي. أولاً، لأن الترشيحات لمنصب رئيس الجمهورية لها طابع شخصي وليست حزبية بموجب الدستور. وثانياً لأن ترشح سيغورو كان مرفوضاً في المرحلة الأولى من القيادات الاشتراكية.

واللافت أن اعتراض زملائه على ترشحه في البداية، تبدّد فور إعلان فوزه؛ إذ سارع الجميع إلى إعلان اصطفافهم بجانبه، بينما كان هو يؤكد طي صفحة الماضي بقوله: «ما يهمني هو المستقبل الذي سنبنيه معاً».

في المقابل، لا شك في أن هذا الفوز يعطي جرعة زائدة من التفاؤل للحزب الاشتراكي الذي يمرّ في أصعب مرحلة من تاريخه، لا سيما بعد الهزيمة القاسية التي تعرّض لها في الانتخابات العامة الأخيرة عندما حلّ في المرتبة الثالثة، وراء حزب «شيغا» اليميني المتطرف الذي أسسه فنتورا عام 2019.

وكان أوّل المحتفلين بفوز سيغورو، زعيم الحزب الاشتراكي جوزيه لويس كارنيرو، الذي وصف هذا الفوز بأنه انتصار «لجميع الديمقراطيين وللحقوق الدستورية»، ونوّه بالدعم الواسع الذي حظي به سيغورو خارج الدائرة الاشتراكية، بدليل نيله دعم العديد من الشخصيات اليمينية.

وعلى غرار ما فعل خلال الحملة الانتخابية، تعهّد سيغورو باحترام الولاء الدستوري للحكومة التي يقودها اليميني لويس مونتينغرو. وقال إنه لن يقف حجر عثرة في وجه تنفيذها برنامجها، لكنه نبّه إلى أنه سيكون حازماً في مطالبتها بالحلول الناجعة للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، وكان تفاقم بعضها بفعل الأعاصير الشديدة التي ضربت البرتغال خلال الأسابيع المنصرمة، وأحدثت دماراً واسعاً في المصانع والمحاصيل الزراعية والبنى التحتية. وشملت الخسائر وفاة العشرات وتشرّد الآلاف من المواطنين، ما استوجب تدخل القوات المسلحة إلى جانب أجهزة الدفاع المدني والإسعاف.

وفي المقابل، لقد أكد الرئيس المنتخب أنه لن يصادق على مشروع تعديل قانون العمل الذي وضعته الحكومة ولاقى معارضة شعبية واسعة انتهت بإضراب عام شلّ الحركة في البلاد.

أما فنتورا، فقد سارع من ناحيته إلى الاعتراف بفوز سيغورو، لكنه اعتبر أن نيله أكثر من ثلث الأصوات يشكّل إنجازاً بحد ذاته؛ لأنه كان يواجه «كل المنظومة التي أعلنت الحرب» ضد ترشحه.ويطمح فنتورا، الآن، من خلال هذا التأييد الذي ناله إلى تجاوز شعبية التحالف الحاكم بقيادة رئيس الحكومة مونتينغرو، ثم تشكيل الحكومة بعد الانتخابات المقبلة، معتبراً أن حصوله على 1.7 مليون صوت بعد ست سنوات فقط من تأسيس «شيغا»، يمنحه الحق في قيادة اليمين البرتغالي، ومتوقعاً الوصول إلى سدة الحكم قريباً.


«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
TT

«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)

شاعت تسمية «ثورة القرنفل» (Revolucao dos Carvos) على الانقلاب العسكري الذي أطاح النظام الديكتاتوري في البرتغال الذي كان يُعرف باسم «الدولة الجديدة»، وكان يحكم سيطرته على البلاد منذ عام 1926. أما سبب التسمية فكان أن الضبّاط والجنود الذين نفّذوا الانقلاب - والذين ينتمون إلى «تيار القوات المسلحة» - كانوا يجوبون شوارع العاصمة لشبونة صباح 25 أبريل (نيسان) 1974 واضعين أزهار القرنفل في فوهات بنادقهم ومدافع دباباتهم، بعدما أسقطوا النظام من غير إطلاق رصاصة واحدة.

ذلك الانقلاب قادته مجموعة من الضباط الشيوعيين واليساريين الذين سئموا الحروب التي زجّهم فيها النظام ضد الانتفاضات الشعبية والحركات المسلحة في المستعمرات البرتغالية. ولقد كانت إشارة انطلاقه أغنية بعنوان «وبعد الوداع» منتصف ليل 24 أبريل.

كان الانقلاب بداية مسار سريع تمخّض عن إعادة النظام الديمقراطي، وإجراء أول انتخابات حرة في العام التالي. وقبل نهاية ذلك العام، كانت جميع مستعمرات البرتغال في أفريقيا وآسيا؛ أي أنغولا والرأس الأخضر وغينيا بيساو وموزامبيق وسانتو تومي/ برنسيبي وتيمور الشرقية، قد نالت استقلالها. وبجانب ذلك تنازلت السلطة البرتغالية الجديدة عن جزيرة ماكاو لصالح الصين الشعبية (التي ضمّت الجزيرة رسمياً إليها عام 1999).

بعد أيام قليلة من إسقاط الديكتاتورية أطلق الانقلابيون سراح جميع المعتقلين السياسيين، وعاد الزعماء المنفيون في الخارج، يتقدّمهم الاشتراكي ماريو سواريش، والشيوعي آلفارو كونيال، اللذان لعبا دوراً سياسياً رئيساً في السنوات اللاحقة.

بعدها حاول الضباط الشيوعيون في الحركة الانقلابية توجيه دفّة التغيير نحو نظام اشتراكي إثر تأميم القطاع المصرفي بكامله، ومعظم الشركات الصناعية الكبرى. ولكن في الانتخابات الأولى التي أُجريت ربيع العام التالي كان الفوز حليف الاشتراكيين الديمقراطيين الذين كانوا يتمتعون بدعم من الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) في ألمانيا، ومن الحزب الاشتراكي الفرنسي.

وفي خريف عام 1975 فشلت مجموعة من الضباط الشيوعيين في محاولتها لقلب النظام، فأجرت الحكومة حملة تطهير واسعة في صفوف القوات المسلحة؛ أبعدت الشيوعيين عن المراكز القيادية، وأحالت المسؤولين عن المحاولة الانقلابية إلى المحاكمة.

وكان من الطبيعي أن يكون لـ«ثورة القرنفل» تأثير على الوضع في «الجارة» إسبانيا، حيث كان النظام الديكتاتوري يعيش مرحلة صعبة مع تدهور صحة الجنرال فرنشيسكو فرنكو، وبات يخشى تكرار التجربة البرتغالية التي شكّلت قفزة نوعية في الانتقال السلمي والسريع إلى الديمقراطية.

وهذا ما حصل فعلاً بعد وفاة فرنكو خريف عام 1975؛ إذ انتقلت إسبانيا بشكل سلمي إلى نظام ملكي دستوري، في عملية انتقال مثالية أصبحت مادة تدرّس في العديد من كليات العلوم السياسية في العالم.