«داعش» يحرك «الذئاب المنفردة» بـ«الريموت كونترول»

تأشيرات الدخول لا تعني الكثير للمهاجمين الذين لم يعودوا بحاجة للسفر إلى الخارج للتدريب

«داعش» خطط لأول عملية إرهابية في مدينة حيدر آباد الهندية عبر منتسبيه من «الذئاب المنفردة»  - محمد إبراهيم يزدني (يمين) وشقيقه الأصغر إلياس ضمن «خلية حيدر آباد» (نيويورك تايمز)
«داعش» خطط لأول عملية إرهابية في مدينة حيدر آباد الهندية عبر منتسبيه من «الذئاب المنفردة» - محمد إبراهيم يزدني (يمين) وشقيقه الأصغر إلياس ضمن «خلية حيدر آباد» (نيويورك تايمز)
TT

«داعش» يحرك «الذئاب المنفردة» بـ«الريموت كونترول»

«داعش» خطط لأول عملية إرهابية في مدينة حيدر آباد الهندية عبر منتسبيه من «الذئاب المنفردة»  - محمد إبراهيم يزدني (يمين) وشقيقه الأصغر إلياس ضمن «خلية حيدر آباد» (نيويورك تايمز)
«داعش» خطط لأول عملية إرهابية في مدينة حيدر آباد الهندية عبر منتسبيه من «الذئاب المنفردة» - محمد إبراهيم يزدني (يمين) وشقيقه الأصغر إلياس ضمن «خلية حيدر آباد» (نيويورك تايمز)

عندما اختار تنظيم «داعش» شابًا واعدًا لديه الرغبة في تنفيذ هجوم داخل أحد المراكز التكنولوجية الكبرى بالهند، حرص التنظيم على ترتيب كل شيء لتنفيذ المهمة، ولم يفته مده بطلقات الرصاص اللازم لقتل الضحايا.
وعلى مدار 17 شهرًا، استمر بعض العناصر التنفيذية بالتنظيم الإرهابي في إرشاد العضو الجديد، المهندس الشاب محمد إبراهيم يزدني، لتنفيذ أول ضربة لتنظيم «داعش» في الأراضي الهندية. وكان من مهام تلك العناصر التأكد من كل من قام يزدي بتجنيده وطلب مساعدته، وعلموه كيف يتعهد بالولاء للتنظيم الإرهابي وكيف يرسل رسائله لهم بطريقة آمنة. ويعتقد المحققون أن المخططين الحقيقيين رتبوا من سوريا إرسال الأسلحة والمواد الكيميائية المطلوبة لتصنيع المتفجرات، ووجهوا منتسبيهم من الهنود لأماكن سرية لتنفيذ ذلك.
وحتى قبل لحظات قليلة من إلقاء القبض على الخلية الهندية هنا في يونيو (حزيران) الماضي، استمر المخططون في الاتصال عبر الإنترنت مع الأعضاء الجدد، وفق سجلات التحقيقات التي أجريت مع 3 من 8 مشتبه بهم.
ومع ازدياد تعقيد هجمات تنظيم «داعش» التي يتعين على المسؤولين حول العالم مواجهتها، تعد حالة يزدني من النماذج المقلقة التي يطلق عليها خبراء الأمن «الهجمات التي تدار بواسطة الـ(ريموت كونترول)»؛ وهي التي يجري توجيهها بواسطة عناصر تنفيذية في مناطق خاضعة لسيطرة «داعش» من خلال الإنترنت فقط.
وفي التخطيط عبر الإنترنت، اقتصر دور عناصر «داعش» على توجيه وتدريب المنتسبين الجدد على تنفيذ أعمال العنف. وفيما يخص التخطيط لهجوم حيدر آباد تحديدا، كان من ضمن ما توصلت إليه التحقيقات حتى الآن أن التنظيم الإرهابي تمكن من اختراق الدولة، المعروف عنها تشددها في قوانين حيازة السلاح، لترتيب الحصول على المسدسات والذخيرة ووضعها داخل حقيبة تتدلى من فرع شجرة.
لكن الأهم هو أن تلك العناصر التنفيذية تعمل على توجيه تلك الهجمات متخفية وراء ستار من الغموض. ولذلك عندما تم إلقاء القبض على مدبري هجمات حيدر آباد الصيف الماضي، لم يستطع أي منهم تأكيد جنسيات العناصر التي تحدثت معهم من داخل التنظيم، ناهيك بوصف ملامحهم. ولأن أعضاء التنظيم طلب منهم استخدام تطبيقات للرسائل المشفرة، فقد استمر الدور الإرشادي الذي لعبه التنظيم الإرهابي محاطا بهالة من الغموض.
ونتيجة لذلك، فأي عملية جرى توجيهها عن بعد في أوروبا أو آسيا أو الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة، ومنها الهجوم الذي تم على مركز لإحدى الجاليات في جيرولاند بولاية تكساس، صنفت في البداية على أنها من تنفيذ من يعرفون بـ«الذئاب المنفردة» من دون اكتشاف صلة واضحة بتنظيم «داعش»، قبل أن تكتشف الصلة بالتنظيم الإرهابي لاحقًا.
في 10 هجمات على الأقل نفذت بالفعل، اكتشف المسؤولون صلة مباشرة بين المهاجم والمخططين للهجوم في تنظيم «داعش». ورغم أن بداية خيوط التخطيط لتلك الهجمات تعود لعناصر مقيمة في سوريا، فإن أسلوب التنفيذ عن بعد يعني محدودية الاعتماد على الملاذ الآمن الذي ضمنه التنظيم لنفسه هناك في سوريا أو في العراق، وأن القيود المفروضة على منح تأشيرة الدخول والتشديد على التفتيش في مطارات الوصول، لا تعني الكثير للمهاجمين الذين باتوا يضربون حيث يعيشون، ولم يعودوا في حاجة للسفر للخارج للتدريب.
فالتحقيقات الدقيقة في الهجمات التي تمت والتي لم تتم تحت اسم تنظيم «داعش» خلال السنوات الثلاث الأخيرة، أشارت إلى أن تلك الهجمات الموجهة عن بعد تشكل الحصة الكبرى من هجمات التنظيم المعروف بـ«داعش».
وفي هذا السياق، قال ناثانيل بار، محلل في شؤون الإرهاب بـ«مؤسسة الدفاع عن الديمقراطية» وأول من كتب في موضوع المخططين الفعليين: «هم مدربون حقيقيون يتولون التوجيه والتشجيع خلال مراحل العملية المختلفة؛ بدءا من تلقين التطرف إلى التجنيد بغرض تنفيذ عملية محددة». وأضاف: «لو أنك نظرت إلى التواصل بين المهاجمين والمخططين الفعليين، فسوف تجد خط تواصل حقيقي يجعل هؤلاء المخططين قادرين على إقناعهم خلال دقائق، وربما ثوان، بتنفيذ الهجوم».
باتت تفاصيل عملية التوجيه عن بعد محل تركيز واهتمام المختصين بمكافحة الإرهاب في الولايات المتحدة وأوروبا، في محاولة لتعقب المخططين الفعليين الذين يعدون التهديد الدائم المتمثل في الشبكة الإجرامية التي يستخدمها التنظيم وسيطًا لتسهيل تنفيذ الهجمات.
تمثل حالة الهندي يزدني أحد أكثر النماذج تفصيلا ووضوحا حتى الآن، التي تبين كيف تصدّر «داعش» الإرهاب فعليا، فقد مكن هذا النوع من الهجمات التنظيم الإرهابي من التمدد والوصول إلى دول بعيدة مثل فرنسا وماليزيا وألمانيا وإندونيسيا وبنغلاديش وأستراليا. واكتشفت الخطط في كثير من المواقع في الولايات المتحدة، تحديدا في كولومبس وأوهايو، اللتين تعدان من ضواحي العاصمة واشنطن، ونيويورك. وعبر بريجيت مورينغ، محلل مختص بالإرهاب نشرت آخر أبحاثه بمجلة «فورين أفيرز»،، عن مخاوفه قائلا: «أخشى أن يكون هذا هو مستقبل (داعش)».
منح تأشيرة الدخول والتشديد على التفتيش في مطارات الوصول لا يعنيان الكثير للمهاجمين الذين باتوا يضربون حيث يعيشون، ولم يعودوا في حاجة للسفر للخارج للتدريب.
حتى عام مضى، روج بقوة القائمون على تجنيد المنتسبين الجدد بـ«داعش» رسالة مفادها أن الذهاب إلى سوريا التزام معنوي، ووصفوها باعتبارها «هجرة» مثل تلك التي قام بها النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، ليعطي لهذا التحرك معنى دينيًا.
ويختبئ القائمون على عملية التجنيد وسط محيط يعج بنحو 2.3 مليار مستخدم لمواقع التواصل الاجتماعي استطاع أن يغرق الإنترنت بالمقاطع المصورة التي تدغدغ المشاعر عن الحياة داخل «دولة الخلافة»، وكذلك مقاطع الذبح البربرية، وتوظيفها لاجتذاب كل من يروق له الانضمام إليهم.
من ضمن أهم من تولوا التجنيد والتخطيط الفعلي داخل التنظيم الإرهابي شخص عرف بكنية «أبو عيسى الأميركي» الذي يدعو المنتسبين المرتقبين إلى التواصل معه عبر برنامج التواصل المشفر «تليغرام». وكان من ضمن من طلبوا مشورته للوصول إلى سوريا الهندي يزدني الذي كان مقتنعًا مسبقا بأن واجبه الديني يحتم عليه نقل عائلته للعيش في «دولة الخلافة».
ووفق سجلات التحقيق في أميركا الشمالية أوروبا وآسيا، فبحلول عام 2015، بات «أبو عيسى الأميركي» أحد قرابة 10 مخططين عبر الإنترنت بالأراضي السورية والعراق الذين نجحوا بالفعل في تجنيد متطوعين في الخارج.
في البداية لم يحتج القائمون على التجنيد كثيرًا من الجهد للتخفي، غير أنهم شكلوا تهديدات كبيرة للغرب من خلال ما نشروه على مواقع التواصل الاجتماعي، وكان ينظر لهم بوصفهم مجرد مروجين للتنظيم الإرهابي، لكن بنهاية عام 2015، بات ينظر لهم بصفتهم تهديدا كافيا لأن يجعل أجهزة الاستخبارات الأميركية والبريطانية تتعقب تحركاتهم وتستهدفهم بقذائف الطائرات وتقتل كثيرين منهم منذ ذلك الحين.

* خدمة «نيويورك تايمز»



ترمب يهدد بفرض رسوم جمركية على الدول التي لا تؤيد خطته بشأن غرينلاند

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

ترمب يهدد بفرض رسوم جمركية على الدول التي لا تؤيد خطته بشأن غرينلاند

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الجمعة، أنه قد يفرض رسوماً جمركية على الدول التي لا تؤيد خطته القاضية بالاستيلاء على غرينلاند، علماً بأنها تتبع الدنمارك، العضو في حلف شمال الأطلسي «ناتو».

وقال ترمب، خلال اجتماع لمناقشة الملف الصحي في البيت الأبيض: «قد أفرض رسوماً على الدول إذا كانت لا تؤيد (الخطة في شأن) غرينلاند؛ لأننا نحتاج إلى غرينلاند (لأغراض) الأمن القومي»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ووصلت بعثة عسكريّة أوروبيّة، الخميس، إلى غرينلاند، غداة لقاء في واشنطن بين مسؤولين أميركيّين ودنماركيّين وغرينلانديّين، خلص إلى وجود «خلاف جوهري» حول الجزيرة الدنماركية ذات الحكم الذاتي.

وأعلنت الدنمارك، الحليف التقليدي للولايات المتحدة داخل حلف «الناتو»، أنّها تُعزز وجودها العسكري في غرينلاند، رداً على الانتقادات الأميركية لعدم إيلائها أهمية كافية للجزيرة القطبية الشمالية.

ويوم الأربعاء، هبطت طائرتان دنماركيتان تنقلان جنوداً في الجزيرة.

وعقب ذلك، أعلنت فرنسا والسويد وألمانيا والنرويج وهولندا وفنلندا وبريطانيا إرسال قوة عسكرية إلى الجزيرة، للقيام بمهمة استطلاع تندرج في سياق مناورات «الصمود القطبي» التي تُنظمها الدنمارك.

وقالت مصادر دفاعية من دول عدة إنّ هذه التعزيزات العسكرية الأوروبية المتواضعة، والتي تتمثل في 13 جندياً ألمانياً، على سبيل المثال، وجندي واحد لكل من هولندا وبريطانيا، تهدف إلى إعداد الجيوش لتدريبات مستقبلية في القطب الشمالي.

غير أن البيت الأبيض عَدَّ، الخميس، أن هذه الخطوة لن تُغيّر شيئاً في خطط ترمب. وقالت الناطقة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت: «لا أعتقد أن نشر قوات أوروبية يؤثر على عملية صنع القرار لدى الرئيس، كما أنّها لا تؤثر أبداً على هدفه المتمثل في ضم غرينلاند».


أفقدت «هارفارد» الصدارة... الصين تتصدر الجامعات عالمياً وسط تراجع أميركي

جامعة هارفارد الأميركية
جامعة هارفارد الأميركية
TT

أفقدت «هارفارد» الصدارة... الصين تتصدر الجامعات عالمياً وسط تراجع أميركي

جامعة هارفارد الأميركية
جامعة هارفارد الأميركية

حتى وقت قريب، كانت جامعة هارفارد تُعدّ أكثر جامعة بحثية إنتاجاً في العالم، وفق تصنيف عالمي يركز على النشر الأكاديمي. غير أن هذا الموقع بات مهدداً، في أحدث مؤشر على اتجاه مقلق يواجه الأوساط الأكاديمية الأميركية.

فقد تراجعت هارفارد مؤخراً إلى المركز الثالث في هذا التصنيف. والجامعات التي تتسابق صعوداً في القائمة ليست نظيرات هارفارد الأميركية، بل جامعات صينية واصلت تقدّمها بثبات في تصنيفات تركز على حجم الأبحاث المنتَجة وجودتها.

ويأتي هذا التحول في وقت أقدمت فيه إدارة الرئيس دونالد ترمب على تقليص التمويل البحثي للجامعات الأميركية التي تعتمد بدرجة كبيرة على الحكومة الفيدرالية لتمويل أنشطتها العلمية. ولم تكن سياسات ترمب سبب بداية التراجع النسبي للجامعات الأميركية، الذي بدأ قبل سنوات، لكنها قد تُسرّع وتيرته.

جامعة تشجيانغ الصينية

وقال فيل باتي، المسؤول التنفيذي للشؤون العالمية في مؤسسة «تايمز للتعليم العالي» البريطانية، وهي جهة مستقلة عن «نيويورك تايمز»، وتصدر أحد أشهر التصنيفات العالمية للجامعات: «نحن مقبلون على تحوّل كبير، أشبه بنظام عالمي جديد في هيمنة التعليم العالي والبحث العلمي».

ويرى تربويون وخبراء أن هذا التحول لا يمثل مشكلة للجامعات الأميركية فحسب، بل للولايات المتحدة ككل. وأضاف باتي: «هناك خطر استمرار هذا الاتجاه، وربما حدوث تراجع. أستخدم كلمة (تراجع) بحذر شديد. فليس الأمر أن الجامعات الأميركية أصبحت أسوأ بشكل واضح، بل إن المنافسة العالمية تحتدم، ودول أخرى تحقق تقدماً أسرع».

تبدّل جذري

ولو عدنا إلى أوائل العقد الأول من الألفية، لوجدنا أن تصنيفاً عالمياً للجامعات يعتمد على الإنتاج العلمي، مثل المقالات المنشورة في الدوريات الأكاديمية، كان سيبدو مختلفاً تماماً. آنذاك، كانت سبع جامعات أميركية ضمن العشر الأولى، تتصدرها جامعة هارفارد في المركز الأول. ولم تكن سوى جامعة صينية واحدة، هي جامعة تشجيانغ، ضمن أفضل 25 جامعة. أما اليوم، فتتربع جامعة تشجيانغ على صدارة ذلك التصنيف، المعروف باسم «تصنيفات لايدن»، الصادر عن مركز دراسات العلوم والتكنولوجيا في جامعة لايدن الهولندية. كما توجد سبع جامعات صينية أخرى ضمن المراكز العشرة الأولى.

ورغم أن هارفارد تنتج أبحاثاً أكثر بكثير مما كانت تنتجه قبل عقدين، فإنها تراجعت إلى المركز الثالث، وهي الجامعة الأميركية الوحيدة التي لا تزال قريبة من القمة. ومع ذلك، ما زالت هارفارد تحتل المركز الأول في «تصنيفات لايدن» من حيث عدد أكثر المنشورات العلمية استشهاداً.

طلاب جامعيون صينيون

ولا تكمن المشكلة في تراجع الإنتاج لدى الجامعات الأميركية الكبرى. فست جامعات أميركية بارزة كانت ضمن العشر الأولى في العقد الأول من الألفية – هي جامعة ميشيغان، وجامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس (UCLA)، وجامعة جونز هوبكنز، وجامعة واشنطن في سياتل، وجامعة بنسلفانيا، وجامعة ستانفورد – تنتج اليوم أبحاثاً أكثر مما كانت تنتجه قبل عشرين عاماً، وفق بيانات «لايدن». لكن إنتاج الجامعات الصينية ازداد بوتيرة أكبر بكثير.

ووفقاً لمارك نايسل، مدير الخدمات في مركز دراسات العلوم والتكنولوجيا، فإن «تصنيفات لايدن» تعتمد على الأوراق العلمية والاستشهادات المدرجة في قاعدة بيانات «ويب أوف ساينس»، المملوكة لشركة «كلاريفيت» المتخصصة في البيانات والتحليلات. وتضم هذه القاعدة آلاف الدوريات الأكاديمية، كثير منها شديد التخصص.

وعادة لا تحظى التصنيفات العالمية للجامعات باهتمام شعبي واسع في الولايات المتحدة. ومع ذلك، فإن بعض الأكاديميين المخضرمين يرون بوضوح نمو الإنتاج البحثي الصيني الذي تعكسه هذه التصنيفات، ويحذرون من أن أميركا تتراجع. وقال رافائيل ريف، الرئيس السابق لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، في مقابلة «بودكاست» العام الماضي: «عدد الأوراق العلمية وجودتها الصادرة من الصين مذهلان»، مضيفاً أنها «تفوق بكثير ما نقوم به في الولايات المتحدة». وعلى النقيض، تتابع مؤسسات في دول أخرى حول العالم هذه التصنيفات باهتمام، معتبرة إياها مقياساً للتفوق الأكاديمي ولمدى تقدمها في اللحاق بالولايات المتحدة أو تجاوزها.

تصنيف بديل

وتعرض جامعة تشجيانغ تصنيفاتها بشكل بارز على موقعها الإلكتروني، وتدرج ضمن محطات تاريخها دخولها قائمة أفضل 100 جامعة عالمياً عام 2017. كما احتفت وسائل الإعلام الصينية الرسمية بصعود جامعات البلاد في التصنيفات. وبدأ مركز لايدن إصدار تصنيف بديل يعتمد على قاعدة بيانات أكاديمية مختلفة تُعرف باسم «أوبن أليكس». وتحتل هارفارد المركز الأول في هذا التصنيف أيضاً، لكن الاتجاه نفسه يظهر بوضوح: 12 جامعة صينية ضمن أفضل 13 جامعة تليها مباشرة.

وقال نايسل: «الصين تبني بالفعل قدرات بحثية هائلة». وأضاف أن الباحثين الصينيين يولون اهتماماً أكبر بالنشر في الدوريات الناطقة بالإنجليزية، التي هي أكثر قراءة واستشهاداً على مستوى العالم.

وكان الرئيس الصيني شي جينبينغ قد أشاد، في خطاب ألقاه عام 2024، بتقدم بلاده في مجالات مثل تقنيات الكم وعلوم الفضاء. وأشار إلى إنجاز حققه باحثون في معهد تيانجين للتقنيات الحيوية الصناعية، تمثل في تطوير طريقة لتصنيع «النشا» من ثاني أكسيد الكربون داخل المختبر، وهو ما قد يفضي مستقبلاً إلى صناعات تنتج الغذاء «من الهواء» دون الحاجة إلى مساحات زراعية شاسعة أو ريّ أو حصاد.

جانب من جامعة أكسفورد البريطانية (أ.ف.ب)

وتعكس أنظمة تصنيف أخرى تميل إلى وزن الإنتاج العلمي التحول ذاته لصالح المؤسسات الصينية. ففي «تصنيف الجامعات حسب الأداء الأكاديمي»، الذي يعده معهد المعلوماتية في جامعة الشرق الأوسط التقنية في أنقرة، تحتل هارفارد المرتبة الأولى عالمياً، لكن جامعة ستانفورد هي الجامعة الأميركية الأخرى الوحيدة ضمن العشر الأولى، إلى جانب أربع جامعات صينية. وفي تصنيف «نيتشر إندكس» جاءت هارفارد أولاً، وتلتها عشر جامعات صينية.

ضغوط مالية

وتواجه هارفارد وغيرها من الجامعات الأميركية الرائدة ضغوطاً جديدة نتيجة تخفيضات إدارة ترمب في المنح العلمية، إضافة إلى قيود السفر والحملة المتشددة ضد الهجرة، التي طالت طلاباً وأكاديميين دوليين. وانخفض عدد الطلاب الدوليين القادمين إلى الولايات المتحدة في أغسطس (آب) 2025 بنسبة 19 في المائة مقارنة بالعام السابق، وهو اتجاه قد يضر أكثر بمكانة الجامعات الأميركية وتصنيفاتها إذا اختارت العقول العالمية المتميزة الدراسة والعمل في أماكن أخرى.

في المقابل، ضخت الصين مليارات الدولارات في جامعاتها، وعملت بقوة على جعلها وجهة جاذبة للباحثين الأجانب. وفي الخريف، بدأت الصين منح تأشيرة خاصة لخريجي أفضل الجامعات في مجالات العلوم والتكنولوجيا، تتيح لهم السفر إلى الصين للدراسة أو ممارسة الأعمال.

وقال أليكس آشر، رئيس شركة «هاير إديوكيشن استراتيجي أسوشييتس» الاستشارية في تورونتو: «الصين تمتلك اليوم قدراً هائلاً من الأموال في التعليم العالي لم يكن متوافراً قبل 20 عاماً».

وقد جعل شي جينبينغ دوافع هذه الاستثمارات واضحة، مؤكداً أن قوة الدول على الساحة العالمية تعتمد على تفوقها العلمي. وقال في خطاب عام 2024: «الثورة العلمية والتكنولوجية متشابكة مع التنافس بين القوى العظمى». وعلى النقيض، تسعى إدارة ترمب إلى خفض مليارات الدولارات من منح البحث العلمي للجامعات الأميركية، مبررة ذلك بالرغبة في القضاء على الهدر وإعادة توجيه الأبحاث بعيداً عن قضايا التنوع وغيرها من الموضوعات التي تراها ذات طابع سياسي مفرط.

ولم ترد إدارة ترمب على طلب للتعليق على هذا التقرير. لكن المتحدثة باسم البيت الأبيض، ليز هوستن، كانت قد قالت سابقاً إن «أفضل العلوم لا يمكن أن تزدهر في مؤسسات تخلت عن الجدارة، وحرية البحث، والسعي إلى الحقيقة». وحذر قادة الجامعات الأميركية طوال عام 2025 من أن تقليص المنح البحثية الفيدرالية قد تكون له آثار مدمرة. وأنشأت جامعة هارفارد صفحة إلكترونية لحصر أنواع الأبحاث العلمية والطبية التي قد تتعطل بسبب خفض التمويل. كما أقامت الجمعية الأميركية لأساتذة الجامعات، إلى جانب حلفاء قانونيين، دعاوى قضائية للطعن في بعض هذه التخفيضات. وحذر رئيس الجمعية، تود وولفسون، من أن تقليص التمويل البحثي «سيعوق تطوير الجيل المقبل من العلماء».

وأمر قاضٍ فيدرالي الحكومة الأميركية باستئناف تمويل هارفارد، بعد أن قطعت إدارة ترمب مليارات الدولارات من التمويل البحثي في الربيع الماضي. غير أن الإدارة قالت إنها ستحد من المنح المستقبلية للجامعة. ورفض متحدث باسم هارفارد التعليق.

ولا تقتصر المخاطر على هارفارد، بل تمتد إلى المكانة العالمية لعدد كبير من الجامعات الأميركية الأخرى. فقلّة المنح الفيدرالية، أو صغر حجمها، تعني أبحاثاً أقل، وبالتالي اكتشافات أقل تُنشر في أوراق علمية، وهو ما سيؤثر على أداء هذه الجامعات في التصنيفات المستقبلية.

«أنشر أو اندثر»

وتجعل الجامعات البحثية من السعي إلى الاكتشاف وتطوير المعرفة جزءاً أساسياً من رسالتها، وغالباً ما يتعرض أعضاء هيئة التدريس لضغوط لتحقيق نتائج، تختصرها عبارة «أنشر أو اندثر». أما الجامعات التي لا تسعى إلى إنتاج كميات ضخمة من الأوراق البحثية، مثل كثير من كليات الفنون الحرة، فلا تظهر في التصنيفات المعتمدة على الإنتاج. وأوضح نايسل أن تصنيفات لايدن «لا تدّعي قول أي شيء» عن جودة التدريس في الجامعة.

وقد حققت الجامعات الأميركية أداء أفضل بكثير في أنظمة تصنيف تعتمد معايير أوسع من مجرد الإنتاج الأكاديمي، مثل السمعة والموارد المالية ومدى إقبال الطلاب على الالتحاق بها، بل أحياناً عدد الحاصلين على جوائز «نوبل» بين أعضاء هيئة التدريس.

ويرى خبراء أن هذه التصنيفات الواسعة تتغير بوتيرة أبطأ، لكنها مع ذلك تُظهر مؤشرات على تآكل الهيمنة الأميركية في التعليم العالي. ففي تصنيف «تايمز للتعليم العالي» لعام 2026، فإنه للعام العاشر على التوالي احتلت جامعة أكسفورد البريطانية المرتبة الأولى عالمياً. وضمت المراكز الخمسة الأولى الجامعات نفسها التي وردت في العام السابق: معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وجامعة برينستون، وجامعة كمبردج، ثم هارفارد بالتساوي مع ستانفورد.

جامعة شنغهاي الصينية

وشغلت الجامعات الأميركية سبعة من المراكز العشرة الأولى في تصنيف 2026، لكن في المراتب الأدنى بدأت الجامعات الأميركية تتراجع؛ إذ تراجع ترتيب 62 جامعة أميركية مقارنة بالعام السابق، في حين تقدمت 19 جامعة فقط. وقبل عشر سنوات، كانت جامعتا بكين وتسينغهوا تحتلان المركزين 42 و47 في تصنيف «تايمز للتعليم العالي»، أما اليوم فهما على مشارف العشرة الأولى؛ إذ جاءت تسينغهوا في المركز 12، وبكين في المركز 13.

هونغ كونغ حاضرة

ودخلت ست جامعات في هونغ كونغ قائمة أفضل 200 جامعة، في حين وضعت كوريا الجنوبية أربع جامعات ضمن أفضل 100 جامعة. وفي المقابل، تراجع ترتيب بعض الجامعات الأميركية المعروفة. فقد كانت جامعة ديوك في المركز 20 عام 2021، وأصبحت اليوم في المركز 28. وتراجعت جامعة إيموري من المركز 85 إلى 102 خلال الفترة نفسها. أما جامعة نوتردام، فكانت في المركز 108 قبل عشر سنوات، وأصبحت اليوم في المركز 194.

وقال آشر إن الضغوط التي قد تقلص إنتاج هارفارد البحثي، مثل خفض المنح الفيدرالية وتقليص برامج الدكتوراه، لن تنعكس فوراً في التصنيفات. وأضاف: «إذا كنت تنظر إلى عدد المقالات التي تُنشر في (نيتشر) أو (ساينس)، فهذا يعتمد على أبحاث بدأت قبل أربع أو خمس سنوات. هناك فجوة زمنية كبيرة، ولا أتوقع تأثيراً كبيراً في السنوات القليلة المقبلة».

ورغم تفوق الصين في تخصصات مثل الكيمياء وعلوم البيئة، فإن الولايات المتحدة وأوروبا لا تزالان مهيمنتين في مجالات أخرى مثل علم الأحياء العام والعلوم الطبية. كما أشارت دراسة إلى أن باحثين صينيين عززوا ترتيبهم في الاستشهادات من خلال الاستشهاد ببعضهم بمعدل أعلى مما يفعل الباحثون الغربيون.

وتعود ظاهرة تصنيفات الجامعات إلى أوائل القرن العشرين، وفق آلان روبي، الزميل البارز ومدير الانخراط العالمي في كلية الدراسات العليا للتربية بجامعة بنسلفانيا.

وقال روبي إن الطلاب يستخدمون التصنيفات للمساعدة في اتخاذ قرار التقديم، في حين يعتمد عليها الأكاديميون لتحديد أماكن العمل والبحث، كما تستخدمها بعض الحكومات في توزيع التمويل البحثي، ويستعين بها بعض أصحاب العمل كأداة سريعة لفرز أعداد كبيرة من المتقدمين للوظائف. وأضاف: «إذا كنت تحاول جذب أفضل المواهب في العالم، سواء كانوا طلاباً أو باحثين أو أساتذة، فإنك تريد امتلاك قوة الإشارة التي تقول: نحن مؤسسة عالية التصنيف». وإلى جانب البعد التسويقي، تكتسب التصنيفات أهميتها؛ لأن جودة الجامعات نفسها مهمة، بحسب بول موسغريف، أستاذ العلوم السياسية في فرع جامعة جورج تاون في الدوحة. وقال إن الربط المباشر بين الجامعات الجيدة والقوة الوطنية قد يكون صعباً «لكننا نعلم جميعاً أن تدمير الألمان لجامعاتهم في ثلاثينات القرن الماضي ألحق بهم ضرراً كبيراً على الأرجح».

* خدمة «نيويورك تايمز»

حقائق

قائمة من مركز دراسات العلوم والتكنولوجيا في جامعة لايدن الهولندية تظهر ثماني جامعات صينية ضمن الجامعات العشر الأولى

1. جامعة تشجيانغ – الصين 2. جامعة شنغهاي جياو تونغ – الصين 3. جامعة هارفارد – الولايات المتحدة 4. جامعة سيتشوان – الصين 5. جامعة وسط الجنوب – الصين 6. جامعة هواتشونغ للعلوم والتكنولوجيا – الصين 7. جامعة صن يات-سن – الصين 8. جامعة شيآن جياو تونغ – الصين 9. جامعة تسينغهوا – الصين 10. جامعة تورونتو – كندا.


أمين عام الناتو: ملتزمون بضمان حصول أوكرانيا على الدعم اللازم للدفاع عن نفسها

الأمين العام لحلف الناتو مارك روته خلال مؤتمر صحافي مشترك في زغرب بكرواتيا 12 يناير 2026 (رويترز)
الأمين العام لحلف الناتو مارك روته خلال مؤتمر صحافي مشترك في زغرب بكرواتيا 12 يناير 2026 (رويترز)
TT

أمين عام الناتو: ملتزمون بضمان حصول أوكرانيا على الدعم اللازم للدفاع عن نفسها

الأمين العام لحلف الناتو مارك روته خلال مؤتمر صحافي مشترك في زغرب بكرواتيا 12 يناير 2026 (رويترز)
الأمين العام لحلف الناتو مارك روته خلال مؤتمر صحافي مشترك في زغرب بكرواتيا 12 يناير 2026 (رويترز)

قال الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته، الخميس، إن الحلف ملتزم بضمان استمرار حصول أوكرانيا على الدعم اللازم للدفاع عن نفسها.

وأضاف روته على منصة «إكس»، أنه تحدث مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي حول وضع الطاقة في أوكرانيا، وتأثير الهجمات الروسية التي قال إنها «تسبب معاناة إنسانية مروعة، بالإضافة إلى (مناقشة) الجهود المبذولة لإنهاء الحرب».

وتابع: «نحن ملتزمون بضمان استمرار حصول أوكرانيا على الدعم الحيوي اللازم للدفاع عن نفسها اليوم، وتحقيق سلام دائم في نهاية المطاف».

وفي وقت سابق اليوم، دعا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للتوصل إلى تسوية سلمية في أوكرانيا «بأسرع وقت ممكن»، لكنه شدد على أن روسيا ستواصل السعي لتحقيق أهدافها حتى تبدي كييف استعدادها للتوصل إلى تسوية.