«صندوق تركيا السيادي» يثير مخاوف من السيطرة على موارد الدولة

مشتريات الأجانب ترتفع في بورصة إسطنبول

تعتزم الحكومة التركية إجراء بعض التعديلات القانونية لتشجيع الأجانب على شراء العقارات والوحدات السكنية (غيتي)
تعتزم الحكومة التركية إجراء بعض التعديلات القانونية لتشجيع الأجانب على شراء العقارات والوحدات السكنية (غيتي)
TT

«صندوق تركيا السيادي» يثير مخاوف من السيطرة على موارد الدولة

تعتزم الحكومة التركية إجراء بعض التعديلات القانونية لتشجيع الأجانب على شراء العقارات والوحدات السكنية (غيتي)
تعتزم الحكومة التركية إجراء بعض التعديلات القانونية لتشجيع الأجانب على شراء العقارات والوحدات السكنية (غيتي)

أثار قرار الحكومة التركية إلحاق عدد من الشركات والبنوك التابعة للدولة بصندوقها السيادي الذي أنشئ في أغسطس (آب) الماضي، جدلاً وانتقادات واسعة، سواء من الخبراء أو حزب الشعب الجمهوري (المعارض)، حيث اعتبرت الخطوة بمثابة تكريس للسيطرة السياسية على موارد الدولة من دون رقابة.
ودافع وزير المالية التركي ناجي أغبال، في مقابلة تلفزيونية أمس (الثلاثاء)، عن القرار، قائلاً: إن الحكومة التركية تعتزم المضي في اتخاذ التدابير اللازمة لإنعاش الاقتصاد التركي.
وحول الانتقادات بعدم وجود رقابة على صندوق تركيا السيادي، قال أغبال إن الصندوق سيكون خاضعًا لمراقبة رئاسة الوزراء من خلال 3 شخصيات سيعينهم رئيس الوزراء لهذا الغرض، مشددًا على أن الصندوق سيضيف قوة أكثر لاقتصاد البلاد، وسيعمل وفقًا للمعايير الدولية.
وكان مجلس الوزراء التركي قد أصدر، يوم الأحد، قرارًا بنقل حصص حكومية، بما يعادل 33 مليار دولار تقريبًا، في الخطوط الجوية التركية وبنوك رئيسية مثل بنك الزراعة وبنك الشعب وشركة الاتصالات التركية «تورك تيليكوم»، إلى الصندوق الهادف إلى المساعدة في تمويل مشاريع البنية التحتية الضخمة.
وتأسس الصندوق برأسمال أولي لا يزيد على 50 مليون ليرة (13.6 مليون دولار) في 26 أغسطس، لكن الحكومة تطمح إلى أن يدير أصولاً قيمتها 200 مليار دولار بأسرع وقت.
ويقول بعض المحللين إن هذا سيفضي إلى تنامي السيطرة السياسية على الشركات، وقال مسؤول تركي لـ«رويترز»: «سيجري البحث عن الائتمان في الخارج لتنفيذ مشاريع كبيرة جدًا في الفترة المقبلة. أهم الشركات التركية جرى نقلها إلى صندوق الثروة السيادي. وسيصبح من الممكن تدبير الائتمان بأسعار منخفضة لهذه المشاريع عن طريق عرض أسهم هذه الشركات كضمان».
ولم يحدد المسؤول نوع المشاريع التي سيساعد صندوق الثروة السيادي في تمويلها. وقالت إدارة الخصخصة التركية، يوم الاثنين، إن حصة الدولة البالغة 49.1 في المائة في شركة الخطوط الجوية التركية، قيمتها نحو مليار دولار، وحصتها البالغة 51.1 في المائة في بنك خلق، تساوي ملياري دولار، جرى نقلهما إلى الصندوق.
وبحسب القرار، جرى أيضًا تحويل حصص في بنك الزراعة الحكومي وبورصة إسطنبول وشركة تشغيل خطوط الأنابيب المملوكة للدولة «بوتاش» إلى الصندوق. كما شملت الخطوة حصصًا في «تورك تليكوم» وشركة «تباو» النفطية وهيئة البريد وشركة اتصالات الأقمار الصناعية «توركسات» وشركة التعدين «إتي معادن» وشركة «تشايكور» للشاي.
من جانبه، قال نعمان كورتولموش، نائب رئيس الوزراء المتحدث باسم الحكومة التركية، عقب اجتماع مجلس الوزراء التركي، مساء الاثنين، إن إلحاق بعض الشركات بالصندوق السيادي يعد بمثابة إظهار لقوة اقتصاد البلاد، مشيرًا إلى أن الصندوق يعتبر قوة ردع لمحاولات التدخل الخارجية.
وأوضح أن هدف الحكومة من وراء هذه الخطوة هو إدارة تلك الشركات بشكل أفضل، والاستفادة بشكل أكبر من موارد اقتصاد البلاد.
وقال أوزغور التوغ، الخبير الاقتصادي بشركة «في بي جي سي» كابيتال، في إسطنبول، إن قيمة الأصول المنقولة تبلغ نحو 33 مليار دولار، موضحًا في مذكرة للعملاء أن عملية التغيير تعني أن الصندوق سيتلقى أرباحًا من الأصول، بدلاً عن موازنة الحكومة.
واعتبر حزب الشعب الجمهوري المعارض، وغرفة المهندسين الإلكترونيين، إلحاق الحكومة كثيرًا من المؤسسات الحكومية بالصندوق السيادي خطوة مناقضة لمبدأ وحدة الخزانة التي أبقتها خارج رقابة ديوان المحاسبات وضبط الميزانية، وأشارا إلى أن الحكومة اضطرت للاستدانة من الأسواق الخارجية منذ فترة طويلة بسبب سياساتها الخاطئة، وأنها تعمل حاليًا على الاستدانة من الخارج مرة أخرى برهنها آخر فضة متبقية.
ولفتا إلى أن عائدات هذه الممتلكات سيتم إيداعها في الصندوق، وقد يرهن الصندوق هذه المؤسسات، مذكرًا بأن هذه المؤسسات ستنتقل ملكيتها للأجانب في حال عدم سداد الديون.
على صعيد آخر، كشفت إحصائيات، أمس (الثلاثاء)، عن ارتفاع مشتريات الأجانب ببورصة إسطنبول العامة خلال شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، لافتة إلى أن الأجانب اشتروا أسهمًا بقيمة 816 مليون دولار في بورصة إسطنبول، وأن هذا الرقم يعبر عن أقوى عمليات شراء للمستثمرين الأجانب في البورصة منذ شهر مارس (آذار) 2016.
وتركزت مشتريات الأجانب على أسهم شركة الخطوط الجوية التركية وبنك «جرانتي» التركي، إضافة إلى شركة «أسيلسان» شركة الصناعات العسكرية والإلكترونية التركية.
وفي سياق آخر، أعلنت الحكومة التركية عن دراسة حزمة من الإجراءات والتسهيلات الجديدة بخصوص بيع العقارات للأجانب.
وتعتزم الحكومة إجراء بعض التعديلات القانونية التي من شأنها تشجيع الأجانب على شراء العقارات والوحدات السكنية بعد أن حققت مشتريات الأجانب من العقارات، وبخاصة من مواطني دول الخليج العربي ودول غرب القارة الأوروبية، في مدن مثل إسطنبول وأنطاليا وأنقرة، زيادة كبيرة بعد قرار صدر قبل سنوات يسمح للأجانب بالتملك في تركيا.
على صعيد آخر، سجّلت صادرات تركيا من المنتجات الدوائية في الفترة بين العامين 2012 - 2016 زيادة قدرها 25 في المائة، إذ ارتفعت خلال السنوات الخمس المذكورة، لتصل إلى 827.1 مليون دولار، وفقًا لمعطيات هيئة الإحصاء التركية.
وأظهرت المعطيات أن الواردات التركية في قطاع الصناعات الدوائية، خلال الفترة المذكورة، سجلت زيادة محدودة بواقع 5.5 في المائة، ليبلغ عجز التجارة الخارجية في هذا المجال 57 مليون دولار.
وساهمت زيادة الصادرات بشكل كبير في نمو قطاع الصناعات الدوائية، فساهمت اتفاقية التجارة الحرة مع كوريا الجنوبية بزيادة نسبة الصادرات التركية إلى هذا البلد، في الفترة ما بين 2012 – 2016، إلى 3.4 مرة، لتبلغ قيمتها 164.8 مليون دولار. وحلّت سويسرا في المرتبة الثانية، فبلغت قيمة الصادرات التركية إليها 59.7 مليون دولار، فيما حل العراق في المرتبة الثالثة، بـ48.6 مليون دولار.
وقال جكيز زعيم، مدير المبيعات والتسويق في شركة عبدي إبراهيم العالمية للصناعات الدوائية، إن قطاع الصناعات الدوائية التركية يكتسب زخمًا مهمًا مع مرور الأيام، فيما تحقق الشركات المحلية زيادة كبيرة في أرقام الصادرات، قائلاً: «صادرات شركتنا وصلت عام 2016 إلى 150.4 مليون ليرة تركية، بعد أن كانت 78.3 مليون ليرة تركية عام 2015».
ولفت زعيم إلى أن صادرات الأدوية الخاصة بأمراض باركنسون (الشلل الرعاش) والربو وانفصام الشخصية، سجلت ارتفاعًا ملحوظًا خلال الفترة الماضية.



السلطات المصرية تلاحق تجار العملة لـ«لجم السوق السوداء»

واجهة أحد مكاتب الصرافة في القاهرة (أ.ف.ب)
واجهة أحد مكاتب الصرافة في القاهرة (أ.ف.ب)
TT

السلطات المصرية تلاحق تجار العملة لـ«لجم السوق السوداء»

واجهة أحد مكاتب الصرافة في القاهرة (أ.ف.ب)
واجهة أحد مكاتب الصرافة في القاهرة (أ.ف.ب)

وسط ارتفاع قياسي للدولار الأميركي، تلاحق السلطات المصرية تجار العملة لـ«لجم السوق السوداء»، حيث أكدت وزارة الداخلية أنها تواصل ضرباتها الأمنية لمواجهة جرائم الاتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي والمضاربة بأسعار العملات خارج السوق المصرفية لما تمثله من تداعيات سلبية على الاقتصاد القومي.

وأفادت «الداخلية» في بيان، الثلاثاء، بأن جهودها أسفرت خلال 24 ساعة عن «ضبط عدد من قضايا الاتجار في العملات الأجنبية المختلفة بقيمة مالية تجاوزت 9 ملايين جنيه»، وهو مبلغ يعادل نحو 165 ألف دولار.

يأتي هذا في وقت واصلت العملة الأميركية، الثلاثاء، موجة الارتفاعات التي سجلتها على مدار الأيام الماضية، وسجلت في معظم البنوك المصرية أدنى مستوى وهو 54.5 جنيه.

ووجَّه الرئيس عبد الفتاح السيسي الحكومة، الاثنين، بـ«ضرورة مواصلة العمل على تدبير الاحتياجات الدولارية لتوفير مستلزمات الإنتاج، وتعزيز مخزون استراتيجي من السلع المختلفة». وشدد على تواصل التنسيق بين الحكومة والبنك المركزي المصري لضمان الحفاظ على سعر صرف مرن ومُوحد للعملة الأجنبية.

وتواجه الحكومة ضغوطاً متزايدة بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، مما دعا إلى «قرارات استثنائية» في البلاد تضمنت رفع أسعار المحروقات والكهرباء وتذاكر القطارات ومترو الأنفاق، فضلاً عن إجراءات موازية لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، وإغلاق المحال التجارية والمقاهي في التاسعة مساءً، وتخفيض الإضاءة على مختلف الطرق وفي مقرات المصالح الحكومية، وتطبيق «العمل عن بُعد» يوم الأحد من كل أسبوع.

وأعلنت «الداخلية» على مدى الأيام الثلاثة الماضية ضبط مبالغ مالية متحصلة من قضايا «الاتجار في العملة» قُدِّرت بـ«نحو 22 مليون جنيه»، وفق إفادات رسمية.

وأكد مصدر أمني مطلع «تواصل جهود التصدي لجرائم الاتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي»، مشيراً إلى تكثيف الحملات الأمنية لضبط المخالفين ودعم استقرار السوق.

وينص القانون المصري على معاقبة من يمارس «الاتجار في العملة» بالحبس مدة لا تقل عن 3 سنوات ولا تزيد على 10 سنوات، وبغرامة لا تقل عن مليون جنيه ولا تتجاوز 5 ملايين جنيه، بينما تصل عقوبة شركات الصرافة المخالفة إلى إلغاء الترخيص وشطب القيد من السجل.

مقر وزارة الداخلية في مصر (صفحة الوزارة على «فيسبوك»)

ويتحدث المستشار الاقتصادي وخبير أسواق المال، وائل النحاس، عن أهمية جهود السلطات المصرية لضبط قضايا الاتجار في العملة في الوقت الحالي، موضحاً: «بعض من يشتري الدولار الآن لا يفعل ذلك من أجل الاستيراد، أو حتى الاكتناز لتحقيق أرباح مستقبلية، إنما بهدف التجارة غير المشروعة».

ويضيف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «لا يوجد سبب الآن للسوق السوداء، فالعائد داخل القطاع المصرفي الرسمي أعلى من العائد والمضاربات، ومن يريد الحصول على الدولار من البنوك سواء لهدف الاستيراد أو للسفر يحصل عليه بشكل ميسر وفق الإجراءات المتبعة في هذا الشأن».

وشهدت مصر أزمة سابقة في توافر العملة الصعبة استمرت سنوات، وخلقت تبايناً كبيراً بين السعر الرسمي للدولار وسعره في «السوق السوداء» التي جاوز فيها آنذاك مستوى 60 جنيهاً. وأثّرت الأزمة حينها على توافر السلع وعلى الخدمات وعمل العديد من القطاعات، مما دفع إلى اتخاذ قرار بـ«اتباع سعر صرف مرن للجنيه» ليرتفع بعدها سعر الدولار من نحو 30 جنيهاً في البنوك إلى ما يتجاوز 50 جنيهاً.

مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة بوسط القاهرة (رويترز)

ويشير النحاس في هذا الصدد إلى نجاح البنك المركزي في السيطرة على سعر الصرف داخل القطاع المصرفي، على الرغم من وجود «شبه نقص» في العملة خلال الفترة الأخيرة، خصوصاً مع تأثر تحويلات المصريين بالخارج وإيرادات قناة السويس بسبب الحرب الإيرانية.

تأتي جهود وزارة الداخلية في وقت تواصل فيه الحكومة جهودها لضبط الأسواق ومواجهة أي غلاء في الأسعار وترشيد استهلاك الطاقة والنفقات. وأكد وزير المالية أحمد كجوك أن جميع جهات الدولة ملتزمة بترشيد المصروفات والإنفاق على الحتميات وضمان استمرار النشاط الاقتصادي والإنتاجي.

وقال في تصريحات، الثلاثاء، إن الحكومة «حريصة على توفير الاعتمادات المالية اللازمة للحفاظ على استقرار الخدمات الأساسية للمواطنين»، مؤكداً ترشيد الصرف على بنود التدريب والسفر والفعاليات وباقي البنود التي يمكن تأجيلها في الوقت الراهن.

وأضاف أنه «تم إبطاء وإرجاء العمل بالمشروعات كثيفة الاستخدام للطاقة في ظل الظروف الحالية»، وأن هناك «تنسيقاً كاملاً بين وزارتي المالية والتخطيط والتنمية الاقتصادية لترشيد الإنفاق الرأسمالي، وعدم البدء في تنفيذ أي مشروعات جديدة».

Your Premium trial has ended


النفط «المادي» يكسر حاجز الـ150 دولاراً... وفجوة قياسية تفصله عن «العقود الآجلة»

متداول في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداول في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
TT

النفط «المادي» يكسر حاجز الـ150 دولاراً... وفجوة قياسية تفصله عن «العقود الآجلة»

متداول في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداول في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

سجلت أسعار النفط الخام «المادي» (Physical Oil) مستويات قياسية تاريخية، حيث اقتربت من حاجز الـ150 دولاراً للبرميل، متجاوزة بكثير أسعار العقود الآجلة «الورقية» المتداولة في البورصات. ويعكس هذا الانفجار السعري أزمة إمدادات خانقة ناتجة عن تداعيات الحرب، التي أدت إلى إغلاق شبه كامل لمضيق هرمز، مما وضع المصافي العالمية في مواجهة مباشرة مع نقص مادي حاد في البراميل الجاهزة للتسليم.

تسببت الأزمة الراهنة في توقف ما لا يقل عن 12 مليون برميل يومياً من النفط القادم من الشرق الأوسط، وهو ما يعادل نحو 12 في المائة من إجمالي الإمدادات العالمية. هذا الإغلاق الفعلي للمضيق دفع بأسعار عقود «برنت» الآجلة للوصول إلى 119.50 دولار للبرميل الشهر الماضي (وهو أعلى مستوى منذ 2022). لكن هذا الرقم لا يعكس الحقيقة المرة التي تواجهها المصافي؛ إذ إن العقود الآجلة الحالية هي لتسليم شهر يونيو (حزيران)، بينما تحتاج المصافي إلى النفط «الآن».

وفي مؤشر على حجم الكارثة، أظهرت بيانات «إل إس إي سي» أن السعر الفعلي لخام «فوراتيس» بحر الشمال قفز يوم الثلاثاء إلى 146.09 دولار للبرميل. وهذا الرقم لا يمثل فقط سعراً قياسياً جديداً، بل إنه يكسر الرقم التاريخي المسجل في عام 2008 (147.50 دولار للبرميل لبرنت) بالنظر إلى طبيعة العلاوات السعرية الحالية، ليصبح الأعلى على الإطلاق لهذا الخام.

خزانات النفط والمنشآت في مجمع يوسو الصناعي الوطني في كوريا الجنوبية (أ.ف.ب)

النفط «الآن» وليس غداً

ويؤكد عدي إمسيروفيتش، أحد كبار تجار النفط المخضرمين، أن المحرك الأساسي لهذه القفزات هو حالة «الذعر» بشأن التوفر المادي للشحنات. ويقول: «عندما يكون هناك نقص حقيقي وملموس، لا يفكر المتعاملون في تسليمات يوليو (تموز) أو عقود يونيو الورقية، بل يتركز تفكيرهم على تأمين النفط فوراً».

هذا التهافت المادي أدى إلى اتساع الفجوة بين «برنت المؤرخ - وهو المعيار المادي للشحنات الفورية - وبين عقود برنت الآجلة لشهر يونيو بمقدار 20 دولاراً كاملة، وهو فارق استثنائي يظهر حجم التوتر في الجزء الأقرب للتسليم من منحنى الأسعار.

سباق المصافي وأزمة المشتقات

المصافي الأوروبية والآسيوية، التي وجدت نفسها محرومة فجأة من النفط الخليجي، دخلت في منافسة محمومة للحصول على البدائل من خامات أفريقيا وبحر الشمال. ولم يتوقف الأمر عند الخام؛ بل امتدت النيران إلى أسعار المشتقات المكررة في أوروبا التي سجلت مستويات وصفت بالمرعبة:

وقود الطائرات: حوّم عند 226.40 دولار للبرميل، مقترباً من ذروته التاريخية المسجلة في منتصف مارس (آذار).

الديزل: استقر عند 203.59 دولار للبرميل، وهو رقم يقل قليلاً عن مستويات 2022 القياسية لكنه يضغط بقوة على قطاعات النقل والصناعة.

من جانبه، أشار مصرف «مورغان ستانلي» في تقرير حديث إلى أن السوق حالياً تتسابق للحصول على «براميل فورية قابلة للاستخدام». ويرى محللو البنك أن الأسواق العالمية دخلت مرحلة «التدافع المحموم» لتأمين براميل نفطية فورية قابلة للاستخدام الفني في المصافي.

وحسب التقرير، فإن المصافي لا تستطيع الانتظار حتى وصول شحنات بديلة قد تستغرق أسابيع للدوران حول طريق رأس الرجاء الصالح، مما جعل «البرميل الموجود الآن» أغلى من أي وقت مضى، بغض النظر عن سعره في بورصات العقود الآجلة.

ولفت التقرير الانتباه إلى ظاهرة تقنية تسمى «الباكورديشن الحاد»؛ حيث يظهر الإجهاد بشكل صارخ في الجزء الأقرب من المؤشر القياسي للمشكلة المادية المباشرة.

ويشرح محللو «مورغان ستانلي» أن الفجوة التي اتسعت إلى 20 دولاراً بين برنت «المادي» و«الورقي» هي «صافرة إنذار» تشير إلى أن الأسواق لم تعد تثق باستمرارية تدفق الإمدادات، وهي تعوض النقص الفوري بأي تكلفة كانت.


صندوق النقد الدولي: الحرب تسرّع نزوح رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة

شعار صندوق النقد الدولي في مقره بواشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي في مقره بواشنطن (رويترز)
TT

صندوق النقد الدولي: الحرب تسرّع نزوح رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة

شعار صندوق النقد الدولي في مقره بواشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي في مقره بواشنطن (رويترز)

حذَّر صندوق النقد الدولي من أنَّ الصراع الدائر في منطقة الشرق الأوسط بات يُشكِّل «اختباراً قاسياً» لاستقرار الأسواق الناشئة، حيث تسبب في عكس مسار تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية؛ نتيجة الحساسية المفرطة للمستثمرين غير المصرفيِّين تجاه الأزمات.

وأوضح الصندوق في فصل تحليلي ضمن «تقرير الاستقرار المالي العالمي» لعام 2026، قبل انطلاق اجتماعات الربيع الخاصة بصندوق النقد والبنك الدوليَّين، التي تنعقد الأسبوع المقبل، أنَّ اعتماد الدول الناشئة المتزايد على «المقرضين غير المصرفيين» ضاعف من وطأة هذه الصدمات، مما جعل هروب الاستثمارات أسرع وأكثر حدة مما كان عليه في فترات التمويل المصرفي التقليدي.

وكانت رئيسة صندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، قالت لـ«رويترز»، الاثنين، إن الحرب في الشرق الأوسط ستؤدي إلى ارتفاع التضخم وتباطؤ النمو العالمي.

وقد تسببت الحرب في أسوأ اضطراب على الإطلاق في إمدادات الطاقة العالمية، حيث توقف إنتاج ملايين البراميل من النفط؛ بسبب الحصار الإيراني الفعلي لمضيق هرمز، وهو ممر حيوي لشحن خُمس إنتاج النفط والغاز في العالم. وحتى لو تمَّ حلُّ النزاع سريعاً، فمن المتوقع أن يخفِّض صندوق النقد الدولي توقعاته للنمو الاقتصادي ويرفع توقعاته للتضخم، وفقاً لما صرَّحت به غورغييفا لـ«رويترز».

4 تريليونات دولار تحت التهديد

وكشف التقرير أن تدفقات المَحافظ الاستثمارية إلى الأسواق الناشئة شهدت قفزةً هائلةً بمقدار 8 أضعاف منذ الأزمة المالية العالمية، لتصل قيمتها التراكمية إلى نحو 4 تريليونات دولار بحلول عام 2025. وأصبحت الديون هي المحرك الأساسي، حيث تمثل التزامات ديون المَحافظ حالياً 15 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في الأسواق الناشئة، ارتفاعاً من 9 في المائة فقط في عام 2006. ويقدِّم المستثمرون غير المصرفيين - مثل صناديق التحوط وصناديق الاستثمار المشترك - نحو 80 في المائة من هذا الرأسمال، وهي نسبة تضاعفت عمّا كانت عليه قبل 20 عاماً.

آليات الهروب

ويشرح التحليل الفني للصندوق كيف تتحوَّل التوترات الجيوسياسية إلى نزوح مالي؛ فعندما ترتفع مخاطر الحرب، يرتفع مؤشر الخوف العالمي (VIX). وتؤدي زيادة بمقدار انحراف معياري واحد في هذا المؤشر (وهو ما يشبه القفزة التي حدثت عند رفع الاحتياطي الفيدرالي الفائدة في 2022) إلى خروج تدفقات ديون تعادل 1 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي الفصلي للدول الناشئة.

وتعدّ صناديق الاستثمار المشترك وصناديق التحوط الأكثر تأثراً، حيث تتراجع حيازاتها من الأوراق المالية للأسواق الناشئة بنسبة تصل إلى 1.3 في المائة فور وقوع الصدمة، نظراً لاستخدامها «الرافعة المالية» التي تضطرها للبيع السريع لتغطية هوامش المخاطرة.

الصناديق السلبية و«الائتمان الخاص»

ونبّه الصندوق إلى خطر «الاستراتيجيات المعتمدة على المؤشرات»، حيث تقوم الصناديق السلبية وصناديق المؤشرات المتداولة (ETFs) بتعديل مَحافظها آلياً؛ مما يؤدي إلى «عمليات بيع متزامنة» تزيد من وطأة تراجع الأسعار. كما سلّط الضوء على قطاع «الائتمان الخاص» الذي نما 5 أضعاف ليصل حجمه ما بين 50 و100 مليار دولار، ووصفه الصندوق بالقطاع «المعتم» الذي تفتقر بياناته للشفافية، مما يصعّب على صانعي السياسات رصد الثغرات المالية قبل انفجارها.

توصيات لحماية الاستقرار المالي

وفي ظلِّ استمرار حالة عدم اليقين الناجمة عن الحرب، دعا صندوق النقد الحكومات في الأسواق الناشئة إلى تبني استراتيجيات دفاعية تشمل: تعزيز الهوامش المالية؛ حيث إن الدول التي تمتلك احتياطات نقدية وافرة ومؤسسات قوية تعاني بنسبة أقل من تخارج الأموال، والسماح للعملات بالتحرك لامتصاص الصدمات، مع تدخلات محدودة في سوق الصرف عند الضرورة القصوى، ومحاكاة سيناريوهات صدمات اقتصادية قاسية لضمان قدرة المؤسسات المالية على الصمود أمام التوقف المفاجئ للتمويل الخارجي.