والت ويتمان: وظيفة الشاعر لا تقل أهمية عن وظيفة رئيس الجمهورية

كان يرى أن عبقرية أميركا تكمن في الإنسان العادي

والت ويتمان - غلاف «أوراق العشب» في ترجمته العربية
والت ويتمان - غلاف «أوراق العشب» في ترجمته العربية
TT

والت ويتمان: وظيفة الشاعر لا تقل أهمية عن وظيفة رئيس الجمهورية

والت ويتمان - غلاف «أوراق العشب» في ترجمته العربية
والت ويتمان - غلاف «أوراق العشب» في ترجمته العربية

أسمع صوت مؤذن عربي ينطلق من قمة مسجد، وأسمع صوت واعظ مسيحي في كنيسة، وأسمع صوت حاخام يهودي يقرأ من التوراة، وأسمع صوت مدرس بوذي يعلم تلاميذه
تقع ولاية نيوجيرسي عبر نهر هدسون من نيويورك، وعبر نهر ديلاوير من فلاديلفيا. وطبعا، لا تنافسهما في الشهرة. لكن، لا بأس، ففي هذه الولاية نيوجيرسي: فيها جامعة برنستون، وفيها أتلانتيك سيتى (حيث كازينو «تاج محل» الذي بناه دونالد ترمب)، وفيها ولد مشاهير مثل المغنيين فرنك سيناترا، وبروس سبرنغستين، وفيها دفن مشاهير مثل توماس أديسون، مخترع الكهرباء، ووالت ويتمان، أبو شعراء أميركا.
من فيلادلفيا، يتجه الطريق البرى رقم 67 إلى كوبري ويتمان، ثم إلى مدينة كامدين، حيث حي ويتمان، حيث متحف ويتمان، وقبر ويتمان. وعلى مسافة قريبة، في جامعة بنسلفانيا في فيلادلفيا «مركز وثائق ويتمان» (توجد وثائق أخرى في مكتبة الكونغرس في واشنطن العاصمة)، وتوجد على نهر هدسون المدمرة «نيوجيرسي» التي صارت متحفا عسكريا، ويوجد منزل ويتمان، الذي تحول إلى متحف.
يقع المنزل على شارع له اسمان: الاسم القديم: «ميكيل» (اسم رجل اسكوتلاندي أبيض)، والاسم الجديد: «مارتن لوثر كينغ» (زعيم حركة السود للحقوق المدنية). يستعمل بعض الناس اسم الأسود، ويستعمل آخرون اسم الأبيض (يركز المتحف على اسم الأبيض).
يمكن ربط هذا الاختلاف بأن ويتمان كان عنصريا في بداية حياته، ثم صار أقل من ذلك (عارض تجارة الرقيق. لكن، قال إن السود لا يستحقون التصويت في الانتخابات).
عند مدخل المنزل المتحف توجد مقتطفات من قصيدة صاحبه: «يبني الشخص منزلا، ليس ليوم، ولكن لكل الأيام. لكل الأعراق، وكل الأجيال. للماضي، والحاضر، والمستقبل».
وتوجد في المتحف نسخ قديمة وجديدة من ديوان «أوراق العشب»، واحد من أشهر دواوين الشعر الأميركية. وتوجد آخر قصيدة كتبها قبل وفاته بأسبوع. قال فيها: «أحس بالألم، ولا أجد راحة. ولا أجد خلاصا. يسبب الألم السأم، السأم، السأم».
قبل أعوام قليلة، احتفل الأميركيون بمرور 120 عاما على وفاة ويتمان. ولسبب ما قرر صحافي من صحيفة «واشنطن بوست» الكتابة عن قبر ويتمان، القريب من متحف ويتمان. وقف أمام القبر، وتأمل في عقيدة ويتمان الدينية.
ويوم عيد الميلاد الماضي، نشرت صحيفة «لوس أنجليس تايمز» تقريرا عن ويتمان، تحت عنوان: «هل هناك دين أميركي؟» (تكثر، في موسم الأعياد الأميركية الذي يشمل الكريسماس وبداية العام الجديد، نقاشات الأميركيين عن الدين والتدين).
وقالت الصحيفة إن بعض الأميركيين يعتقدون أن ويتمان هو «بوذا أميركا». وذلك لأنه كان يعتقد، مثل بوذا أن هدف الإنسان يجب أن يكون، ليس فقط البحث عن النبيل داخله، ولكن البحث عن النبيل في دواخل الآخرين، أيضا.
ونشرت مجلة «أتلانتيك» تقريرا تحت عنوان: «لماذا ويتمان أعظم شعراء أميركا» ذكرت فيه: «كان الشعر بالنسبة لويتمان، ليس فقط للتعبير عن الرأي السياسي، بل السياسة نفسها. وكان ويتمان يؤمن أن وظيفة الشاعر لا تقل أهمية عن وظيفة رئيس الجمهورية. وأن الشعب الأميركي أكثر شعوب العالم ميلا نحو الشعر. وأن الشعر والديمقراطية متشابهان بسبب قدرتهما على التعبير عن الجميع، وليس فقط عن الفرد».
وأضافت المجلة: «في هذه الأيام التي ينقسم فيها الأميركيون انقساما ربما ليس له مثيل منذ الحرب الأهلية (إشارة إلى الانقسام حول دونالد ترمب)، نحتاج إلى حكمة ويتمان».
ولد ويتمان في هنتنغتون (ولاية لونغ آيلاند)، قبل أن تنتقل العائلة إلى كامدين (ولاية نيوجيرسي). وبسبب فقر العائلة، لم يستطع أن ينتقل من المرحلة الابتدائية إلى المرحلة المتوسطة، وبحث عن عمل ليساعد والديه وثمانية إخوان وأخوات. كان عمره 12 عاما عندما وجد وظيفة في صحيفة «باتريوت»، وهي تنظيف أرض المطبعة من الحبر الأسود المتدفق.
ثم انتقل إلى صف حروف الصحيفة. ثم صار يكتب شعرا نشرته الصحيفة (كان عمره 16 عاما). ثم أسس صحيفة «لونغ آيلاندار» المحلية (كان عمره 20 عاما). وكان الناشر، ورئيس التحرير، والمحرر، والطابع، والموزع.
وعندما فشلت، انتقل إلى صحف أخرى، ثم استقر في صحيفة «بروكلين إيغيل» في نيويورك، وتخصص في الرواية والشعر (كان عمره 40 عاما).
في ذلك الوقت (عام 1860)، نشر الطبعة الأولى من ديوان «أوراق العشب».
وفي ذلك الوقت، بدأت الحرب الأهلية بين الحكومة الفيدرالية وولايات الجنوب التي كانت أعلنت الانفصال لتستمر في تجارة الرقيق.
في البداية، كان ويتمان عنصريا ضد الزنوج، وعارض حركة «أبوليشان» (إنهاء الرقيق) التي قادها رجال دين، ومفكرون قبل مائتي عام من استقلال الولايات المتحدة، وقبل مائة عام من قرار الرئيس إبراهام لنكون بتحرير الرقيق.
لكن، غير ويتمان رأيه مع بداية الحرب الأهلية، وبعد قرار لنكون (عام 1863). لكن اشترط ألا يصوت الزنوج في الانتخابات.
* أوراق العشب
لا يعتبر ديوان «أوراق العشب» واحدا من أشهر دواوين الشعر الأميركية فقط، بل أيضا، أقساها ولادة. بدأ ويتمان كتابة الديوان وعمره 32 عاما. وقضى 40 عاما يعدله ويغيره. ولم يكمله إلا قبل وفاته بشهور قليلة (توفي وعمره 72 عاما). كان في الديون، أول مرة، 12 قصيدة فقط. وعندما اكتمل، وصل العدد إلى أكثر من 400 قصيدة.
قبل وفاته بشهور، نشر الآتي في صحيفة «نيويورك هيرالد»: «يسر والت ويتمان أن يعلن، بكل احترام، أنه أكمل ديوان شعره (أوراق العشب). ويعتبر هذه النسخة الأخيرة قد نسخت النسخ التي قبلها. ويراها غير كاملة هي نفسها. لكنه يراها أفضل من سابقاتها». وكان ويتمان أول شاعر أميركي مشهور كتب الشعر من دون قافية موزونة.
قبل أن يكتب «أوراق العشب»، كتب مقدمة له يقول فيها: «لا توجد عبقرية أميركا في الرئيس، أو الكونغرس، أو جهازها القضائي، أو وزرائها، أو سفرائها، أو أدبائها، أو أساتذة جامعاتها، أو رجال الدين فيها، أو صالوناتها وحاناتها، أو صحفها، أو مخترعيها. توجد عبقرية أميركا في المواطن الأميركي العادي». وأضاف: «يشكل الواحد الجميع». (يشبه هذا تعبير «آي بلوريباص أونوم» باللغة اللاتينية، ومعناه: «شكل كثيرون واحدًا». وهو شعار الولايات المتحدة، المرسوم في رمز رئاسة الجمهورية، وفي العملات المعدنية والورقية).
* الحلم الأميركي
أنشد ويتمان للحلم الأميركي قبل أن تصبح العبارة مشهورة. وتصور قصيدة «أغني لأميركا» إيمان ويتمان بالفردية، وبقدرة الفرد على إسعاد نفسه، وإسعاد غيره. وقال فيها:
«أسمع أميركا تغني، أسمع التراتيل. يغني الميكانيكي وهو يلوي الحديد. ويغني النجار وهو يقيس قطعة الخشب. ويغني البناء وهو يشكل الحجارة أشكالا. ويغني صاحب المركب وهو يقودها وسط الأمواج. وتغني الأم وهي ترضع وليدها، وتغني الزوجة الجديدة وهي تبدأ حياة جديدة. وتغني الفتاة وهي تخيط الملابس، أو تغسلها. يغني كل واحد أغنية لنفسه، لا لغيره...».
وكان يرى أن المبادئ الأميركية يجب ألا يقتصر تنفيذها على الأميركيين فقط، بل يجب أن تنتشر في كل العالم. قال ذلك في قصيدته «إلى بلاد أجنبية». ويقول فيها:
«سمعت أنكم (الأجانب) تحاولون فهم لغز الدنيا الجديدة. سمعت أنكم تريدون تعريف أميركا. سمعت أنكم تريدون فهم الديمقراطية. لهذا، أرسل لكم قصائدي».
تقول مارثا ناسبوم، مؤلفة كتاب «العدالة الشعرية»، إن «شعر ويتمان يبرهن على قدرة الشاعر على الخيال الواضح، والحكم العاقل، والمشاركة في الفرح والحزن، وتصوير الواقع، والطموح، والتغيير...».
أما ألين سكاري، أستاذة في الأدب في جامعة هارفارد، ومؤلفة كتاب «أون بيوتي آند جستيس» (عن الجمال والعدل)، فترى أن وصف ويتمان للولايات المتحدة هو «أروع قصيدة كتبت». حاولت سكاري الدفاع عن اتهامه بالعنصرية بقولها إنه كان «ضحية العلم الخاطئ في زمانه (تقصد ضحية تفسيرات «علمية» بأن الزنوج أقل ذكاء، وأقل نشاطا)».
* ويتمان والرومي
قبل أعوام قليلة، بمناسبة احتفال الأميركيين بمرور 120 عاما على وفاة ويتمان، كتب إيبو باتيل، مسلم أميركي، ومن مستشاري الرئيس باراك أوباما الدينيين، ومؤسس ومدير جمعية «إنترفيث يوث» (تدعو للتسامح الديني وسط الشباب) عن التشابه بين ويتمان وجلال الدين الرومي. وقال: «قبل سنوات قليلة، أعلنت صحيفة (نيويورك تايمز) أن الرومي هو أشهر شاعر مؤثر في الولايات المتحدة... ماذا يجذب الأميركيون نحو الرومي؟ يقول بعض الناس إن السبب هو غرام الأميركيين بكل ما هو غريب، ومثير. خاصة مع موجة الروحانية الجديدة وسط الجيل الجديد. لكن، أقول أنا إن السبب هو التشابه بين قصائد الرومي وقصائد ويتمان».
وأضاف: «مثل الرومي، ركز ويتمان على الجانب الإنساني في الدين، وعلى أهمية الترابط بين مختلف الأديان والعقائد، وعلى حب التنوع والتعدد وسط شعوب العالم».
في قصيدة «أغنية إلى نفسي»، يقول ويتمان: «أسمع صوت مؤذن عربي ينطلق من قمة مسجد، وأسمع صوت واعظ مسيحي في كنيسة، وأسمع صوت حاخام يهودي يقرأ من التوراة، وأسمع صوت مدرس بوذي يعلم تلاميذه...».
من قصائد الديوان: «أفتخر بنفسي. أحتفل بنفسي. أثق في نفسي. ومثلما أفترض، تفترض أنت. ومثلما تنتمي لي ذرات جسدي، تنتمي لك ذرات جسدك. ها أنا أتأمل. أركز على أوراق حشائش الصيف».
هذه مقتطفات من بعض القصائد:
أولا: عن الفردية: «أنا عملاق، أنا البشرية، أنا متنوع، ومنفتح، ومتعدد...».
ثانيا: عن الروحانيات: «أريد أن أعيش وسط الحيوانات. أريد أن أبحث عن الله في الحشرات».
ثالثا: عن الواقعية: «نقلوا المعتوه إلى عنبر المجانين. لن ينام مثلما كان ينام في سرير قرب سرير والدته».
ثالثا: عن شعره غير المقفى وغير الموزون: «كلماتي بسيطة مثل بساطة الحشائش على سهل منبسط».



الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)
TT

الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)

أعلنت الشرطة الكورية الجنوبية، الثلاثاء، أنها تسعى للقبض على قطب الموسيقى بانغ سي هيوك، رئيس وكالة «إتش واي بي إي» التي تدير أعمال الفرقة الشهيرة «بي تي إس»، وذلك في إطار تحقيق يجري حول مزاعم تفيد بأنه جنى ما يزيد على 100 مليون دولار بشكل غير قانوني من خلال الاحتيال على المستثمرين، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس» الأميركية للأنباء.

وقالت شرطة العاصمة الكورية الجنوبية سيول إنها طلبت من النيابة استصدار مذكرة قضائية لاعتقال بانغ، الملياردير المؤسس والرئيس التنفيذي للشركة.

وفي المقابل، لم يتطرق الفريق القانوني لبانغ بشكل مباشر إلى الاتهامات الموجهة إليه، في بيان أرسله إلى «أسوشييتد برس»، لكنه أعرب عن أسفه لسعي الشرطة للقبض عليه «رغم تعاوننا الكامل والمستمر مع التحقيقات على مدار فترة زمنية طويلة».

وجاء في البيان: «سنواصل التعاون مع كافة الإجراءات القانونية وسنبذل قصارى جهدنا لتوضيح موقفنا بكل جلاء».

أعضاء فريق «BTS» (رويترز)

ويخضع بانغ -الممنوع من مغادرة البلاد منذ أغسطس (آب) الماضي- للتحقيق على خلفية مزاعم بأنه ضلل المستثمرين في عام 2019، حيث أخبرهم أن شركته لا تعتزم طرح أسهمها للاكتتاب العام، ما دفعهم لبيع حصصهم لصالح صندوق للأسهم الخاصة، وذلك قبل أن تمضي الشركة قدماً في إجراء طرح عام أولي لأسهمها.

وتعتقد الشرطة أن الصندوق ربما يكون قد دفع لبانغ نحو 200 مليار وون (ما يعادل 136 مليون دولار) بموجب اتفاق يضمن له الحصول على 30 في المائة من الأرباح الناتجة عن بيع الأسهم عقب الاكتتاب العام.

ومن جانبهم، يؤكد مسؤولون في الشركة أن بانغ ينفي ارتكابه لأي مخالفات.

وتُعد المشاكل القانونية التي يواجهها بانغ نكسة كبيرة للشركة، إذ تتزامن هذه التطورات مع انطلاق الفرقة الشهيرة في جولة عالمية عقب انقطاع دام قرابة أربع سنوات، قضاها أعضاء الفرقة السبعة في أداء الخدمة العسكرية الإلزامية.

وأحيت الفرقة حفلاً مجانياً في سيول الشهر الماضي، بمناسبة عودتها للساحة الفنية، حيث قدمت عروضاً أمام عشرات الآلاف من المعجبين من مختلف أنحاء العالم.

ويُعتبر بانغ من أكثر الشخصيات نفوذاً في عالم موسيقى «الكي-بوب»، وقد سعى جاهداً لاستثمار النجاح العالمي الذي حققته الفرقة ليحول شركته إلى قوة عالمية مهيمنة في مجال موسيقى البوب.


الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.