محكمة أميركية تقضي بقبول 28 يمنياً عالقاً في جيبوتي

التحديات القانونية لقرار الحظر تنتزع استثناءات وتفشل في إبطاله

نسخة من الوثيقة القضائية التي استثنت 28 يمنيًا من قرار الحظر («الشرق الأوسط»)
نسخة من الوثيقة القضائية التي استثنت 28 يمنيًا من قرار الحظر («الشرق الأوسط»)
TT

محكمة أميركية تقضي بقبول 28 يمنياً عالقاً في جيبوتي

نسخة من الوثيقة القضائية التي استثنت 28 يمنيًا من قرار الحظر («الشرق الأوسط»)
نسخة من الوثيقة القضائية التي استثنت 28 يمنيًا من قرار الحظر («الشرق الأوسط»)

أمرت محكمة فيدرالية أميركية في ولاية كاليفورنيا الحكومة الأميركية، بمنح استثناء طارئ لـ28 شخصا من بين أكثر من 200 شخص تقطعت بهم السبل في جيبوتي بعد إنهاء إجراءات حصولهم على تأشيرات هجرة لدخول الولايات المتحدة قبيل صدور قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب بحظر دخول رعايا سبع دول إسلامية لمدة 90 يوما.
وقالت المحامية الأميركية جولي غولدبيرغ، في اتصال هاتفي أجرته معها «الشرق الأوسط»، إن غالبية الحاصلين على الاستثناء الطارئ يحملون جوازات سفر يمنية، وبينهم نساء وأطفال. وأوضحت أنها رفعت يوم الثلاثاء قضية عاجلة نيابة عن هؤلاء، ونجحت أمس (الخميس) في الحصول على أمر قضائي بعدم تطبيق المرسوم الرئاسي على من أصبح لديه تأشيرة هجرة أو موعد لتسلم التأشيرة.
وطبقا لما أكدته غولدبيرغ، فإن قرار المحكمة يلزم وزارتي الخارجية والأمن الداخلي بعدم إلغاء «تأشيرات الهجرة التي تم الحصول عليها بصورة سليمة، وإعادة جوازات السفر التي تحتوي على تلك التأشيرات؛ حتى يتمكن أصحابها من السفر إلى الولايات المتحدة». وأضافت غولدبيرغ، أن موكليها يبحثون حاليا عن خطوط طيران تقبل بنقلهم إلى المطارات الأميركية، مؤكدة أن عددا من المحامين الأميركيين تطوعوا بمرافقة المسافرين ليكون بمعية كل دفعة تتمكن من السفر محام واحد على الأقل لحظة الوصول إلى مطارات الدخول.
وأشارت المحامية الأميركية إلى أن العدد الأكبر من العالقين في جيبوتي وضعهم قرار ترمب في مأزق حرج لعدم قدرتهم على العودة إلى بلادهم، في وقت بدأت نقود البعض منهم تنفد بسبب غلاء المعيشة في جيبوتي. يشار إلى أن هذا الحكم القضائي هو الثاني من نوعه الذي يتضمن استثناء لعدد محدود من المتضررين من مرسوم ترمب الرئاسي، ولكن لم ينجح حتى الآن أي تحد قانوني للقرار في إبطال مفعوله نهائيا. وربما أن الوقت لا يزال مبكرا على معرفة ما إذا كانت القضايا الساعية لإبطال القرار قادرة على الوصول إلى المحكمة العليا أم لا.
وكانت محكمة فدرالية في نيويورك أصدرت السبت الماضي حكما مماثلا يقضي بمنع السلطات الأميركية من ترحيل أكثر من مائة شخص من العالقين في المطارات الأميركية ولديهم تأشيرات دخول سابقة لقرار المنع. وقوبل قرار المحكمة بالترحاب في المطارات الأميركية الكبرى، التي عجت بالمحتجين الغاضبين من المرسوم الرئاسي.
وبعد ساعات من صدور الحكم، أعلنت وزارة الأمن الداخلي الأميركية امتثالها للأوامر القضائية، وأنها ستسمح بدخول المحتجزين بعد إخضاعهم لفحص أمني مشدد وفقا لقوانين الهجرة وللأمر الرئاسي، حسب البيان الصادر من الوزارة. وفي وقت لاحق، قال الاتحاد الأميركي للحريات المدنية الذي تبنى قضية عراقيين اثنين من العالقين في مطار جون كندي إن الحكم القضائي استفاد منه ما يزيد على 100 شخص.

مزيد من الطعون والقضايا
وفي سياق متصل، رفع أجانب آخرون دعاوى قضائية ضد الحظر، من بينها دعوى رفعها طالب جامعي ليبي في كولورادو يوم الثلاثاء. وتم رفع قضيتين اثنتين أخريين في شيكاغو، إحداهما نيابة عن إيراني يعيش مع أبنائه الثلاثة في إيلينوي.
في هذه الأثناء، تزايدت الطعون والتعهدات بتقديم طعون في ولايات أميركية متباعدة، ففي ولاية ماساتشوستس أعلنت منظمة «أوكسفام» لمكافحة الفقر أنها ستنضم إلى دعوى قضائية في الولاية للطعن على حظر الدخول الذي تسبب في منع شركاء للمنظمة في الخارج من لقاء مسؤولين بالولايات المتحدة.
وتقدم «أوكسفام» مساعدات إنسانية إلى أسر في خمس من الدول التي شملها حظر السفر، وهي سوريا والعراق والصومال واليمن والسودان. واضطرت «أوكسفام» إلى إلغاء اجتماع كان من المقرر عقده خلال التسعين يوما المقبلة؛ لأنه سيتعذر حضور مدير إقليمي لها إلى واشنطن لتقديم إفادة إلى مسؤولي وزارتي الخارجية والخزانة. ورفضت متحدثة باسم «أوكسفام» تحديد الدولة التي ينتمي إليها المدير، مبررة ذلك باعتبارات أمنية. وكانت الجماعة تخطط أيضا لاستقدام ممثلين عن سوريا لاجتماعات في مارس (آذار)، لكن الأمر التنفيذي سيحول دون ذلك أيضا.
ويواجه ترامب طعونا قضائية مقدمة من أربع ولايات، هي ماساتشوستس ونيويورك وفرجينيا وواشنطن. وتعزم هذه الدعاوى القضائية أن الأمر التنفيذي ينتهك الضمانات التي يكفلها الدستور للحرية الدينية. كما كانت سان فرانسيسكو أول مدينة أميركية تطعن في الأمر الرئاسي بحجب تمويل اتحادي عن المدن الأميركية التي تتبنى سياسات حماية للمهاجرين غير الموثقين.

تراجع البيت الأبيض و«تذمر» الخارجية
من جانبه، تراجع البيت الأبيض عما كان قد أعلنه سابقا بشأن الحاصلين على الإقامة الدائمة، معلنا تحديثا للتعليمات الخاصة بمرسوم ترمب التنفيذي يتضمن إعفاء حملة البطاقات الخضراء (الإقامة الدائمة) من إخضاعهم للإجراءات الجديدة. وقال المتحدث باسم البيت الأبيض، شون سبايسر، في إيجازه الصحافي يوم الأربعاء إن «المقيمين لن يحتاجوا إلى تقديم إقرارات جديدة إذا كانت إقاماتهم دائمة وشرعية».
وكانت القيود على حملة البطاقات الخضراء بين أكثر العناصر المحيرة في الأمر التنفيذي الذي وقعه ترمب الجمعة الماضي. وأثارت القيود المتعلقة بهم نقاشا بين مسؤولي وزارة الأمن الداخلي لتفسير القواعد المتعلقة بهم.
أما وزارة الخارجية الأميركية، فشهدت نقاشات أكثر سخونة؛ إذ نقلت وكالة «رويترز» عن مصدر مطلع إن نحو 900 من مسؤولي الخارجية وقّعوا على مذكرة داخلية تعارض قرار الرئيس دونالد ترمب بحظر دخول لاجئين ومهاجرين من سبع دول ذات أغلبية مسلمة.
وأكد مسؤول كبير في الوزارة تقديم المذكرة المتعلقة بالاعتراض للإدارة، فيما أقر المتحدث باسم البيت الأبيض شون سبايسر بوصول المذكرة إلى مكتب الرئيس ترمب الذي حذر الدبلوماسيين بدوره من أنه ينبغي عليهم «تأدية مهامهم في البرنامج أو الرحيل».

مطالب باستثناء الأطباء والمرضى
في غضون ذلك، حثت أكبر جمعية للأطباء في الولايات المتحدة إدارة ترمب على استثناء الأطباء الأجانب والمصابين بأمراض خطيرة من رعايا الدول السبع.
جاء هذا الطلب في خطاب موجه لوزير الأمن الداخلي جون كيلي من الجمعية الطبية الأميركية، جاء فيه أن القرار يضع حواجز أمام الرعاية الصحية من خلال منع الأطباء الأجانب من العودة للبلاد أو الحصول على تأشيرات دخول، وأضاف الخطاب أن القرار يجب ألا يطبق على المرضى الذين يحتاجون إلى رعاية طبية فورية في الولايات المتحدة. وأضافت الجمعية في الخطاب الذي نشرته على موقعها الإلكتروني: «تخشى الجمعية الطبية الأميركية أن الأمر التنفيذي يؤثر سلبا على حصول المريض على الرعاية، ويتسبب في عواقب غير مقصودة لنظام الرعاية الصحية في بلادنا».
وأشار خطاب الجمعية الطبية الأميركية أيضا إلى أهمية السماح بدخول خريجي الطب الأجانب الذين يمثلون ربع الأطباء الممارسين للمهنة في الولايات المتحدة. وكانت جماعات أخرى للأطباء، مثل جمعية كليات الطب الأميركية وكلية الأطباء الأميركية عبرت عن قلقها في بيانات منفصلة هذا الأسبوع، معتبرة أن القرار سيضع المزيد من الحواجز أمام الرعاية الطبية.

معارضون ومؤيدون لـ«الحظر»
أظهر استطلاع للرأي أجرته «رويترز» أن 49 في المائة من الأميركيين يؤيدون الحظر، بينما يعارضه 41 في المائة. وقال 53 في المائة من الديمقراطيين إنهم يعارضونه «بشدة»، بينما قال 51 في المائة من الجمهوريين إنهم يؤيدونه «بشدة». وقال ويستي إغمونت، مدير مركز دمج المهاجرين في كلية بوسطن، إن الأميركيين ازدادوا عداء تجاه اللاجئين والمهاجرين مع تحول التدفقات من القادمين من شرق أوروبا إلى آخرين من دول مثل العراق والصومال وأفغانستان. وأضاف: «ارتفاع تلك الأعداد، رغم صغرها نسبيا، لفت انتباها كافيا لإثارة رد فعل صغير من أناس لا يشعرون حقيقة بالارتياح إزاء التنوع حولهم».
غير أن أغلب الأميركيين لا يعتقدون أنه ينبغي لبلدهم أن يفضل استقبال لاجئين مسيحيين، وهو ما لمح إليه ترمب. ورفض نحو 56 في المائة من الأميركيين «الترحيب باللاجئين المسيحيين دون المسلمين». وكانت نسبة الرافضين بين الديمقراطيين 72 في المائة وبين الجمهوريين 45 في المائة.



هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.