موت «الإنسان المعاصر» عند طه عبد الرحمن

في نقد نظرية التعاقد الاجتماعي

موت «الإنسان المعاصر» عند طه عبد الرحمن
TT

موت «الإنسان المعاصر» عند طه عبد الرحمن

موت «الإنسان المعاصر» عند طه عبد الرحمن

عرفت أوروبا منذ القرن السابع عشر نقلة نوعية في التفكير على جميع الأصعدة، حيث حدث انقلاب هائل في الرؤية للعالم. وعلى الصعيد السياسي، ظهرت نظرية ثورية سميت بـ«التعاقد الاجتماعي»، بدأها بقوة مؤسس الفلسفة السياسية الحديثة، الإنجليزي توماس هوبز، بكتابه «الليفيتان» الذي وضع فيه اللمسات الأولى والمبادئ المؤسسة لهذه النظرية، معلنًا بداية إمكانية تحمل الشعب لمسؤولياته، وتدبير مصالحه بيده، من دون أن يترك الأمور تنفلت من قبضته.
وركز هوبز على أن العمل السياسي مطالب بضمان أقدس حق، وهو حق البقاء. هذا العمل النظري الافتتاحي سيعمل الفيلسوف جون لوك على إتمامه وترميمه، بالتركيز على حق الملكية، مما سيدشن الانطلاقة الفعلية نحو مجتمع ليبرالي لا يزال صداه مسموعًا في زماننا.
وليتوج التنظير السياسي الحديث مع جان جاك روسو، بكتابه «العقد الاجتماعي» الذي أعلن السيادة للشعب، بوضوح كامل، قائلاً عبارته الشهيرة: «من يهب نفسه للجميع لا يهب نفسه لأحد».

هذه النظرية التعاقدية التي يترابط فيها الناس فيما بينهم بعقود اختيارية تضمن لهم المصالح المشتركة، وتجعل شأنهم العام من اختصاصهم هم فقط، أي إعلان أن الإنسان سيد نفسه، ومدبر أمره، وسيد تشريعه، ومعنف نفسه، والشاهد الوحيد على سلوكياته، والمدرك لما يفيده، ستسود وتطغى في كل أصقاع العالم، مشكلة الأفق الذهني لزماننا. وقد أصبحت تلك القيم والمبادئ وكأنها المسلمة الوحيدة الممكنة لبني البشر، وهو ما دفع الفيلسوف طه عبد الرحمن إلى نقدها، معلنًا أنها نظرية فاشلة، بل «خائنة»، وجب تجاوزها نحو ما يسميه الميثاق الائتماني، فالتعاقد الاجتماعي كنظرية، بحسب ما يراه، قد تآكل، واستنفد إمكاناته. فماذا يقصد طه عبد الرحمن بالميثاق الائتماني؟ وما مبررات دعوته؟
كي نلقي نظرة على موقف طه عبد الرحمن، سنعتمد المدخل العام لكتابه الجديد، الصادر أخيرًا عن المؤسسة العربية للفكر والإبداع، بعنوان «دين الحياء»، الجزء الأول.
* موت الإنسان المعاصر
عندما نسمع بفكرة موت الإنسان المعاصر عند طه عبد الرحمن، نتذكر مباشرة الفكرة نفسها عند الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو، فهو من أعلنها أولاً، لكن ليس بالمعنى نفسه. ولئن عنى فوكو بالفكرة أن مواصفات الإنسان الحديث، باعتباره حرًا وفاعلاً وصانعًا لمصيره وتاريخه، هي مجرد أوهام، فالإنسان على عكس ذلك مسحوق بقوى وبنيات معتمة تتحكم فيه، سواء أكانت بنيات تاريخية أو اقتصادية أو لغوية أو نفسية أو اجتماعية أو معرفية. فادعاء أن الإنسان هو الفاعل الأول والأخير، هو من وجهة نظر فوكو أمر مزيف. فهو في حقيقته مفعول به؛ إنه باختصار مجرد كائن ميت. لكن موت الإنسان المعاصر عند طه عبد الرحمن قد أخذ اتجاهًا مختلفًا تمامًا.
ينطلق طه عبد الرحمن بداية من إعلان أن الإنسان المعاصر لم يعد يعني سوى الإنسان الغربي، باعتباره النموذج والمثال المجرد الذي تسير البشرية على خطاه. فكل فرد، وفي أي رقعة جغرافية، وأيًا كانت ثقافته، يحمل في صدره «مثال الإنسان المعاصر»، بل يعمل على تجسيده سلوكًا في حياته. وما ساعد على انتشار هذا الطراز من الإنسان ثورة الإعلام والاتصال التي كرسته كأفق ونموذج وحيد موجه للنظر والعمل.
بعد هذا التوضيح، يتساءل طه عبد الرحمن عن أهم سمة تميز هذا المثال من الإنسان الغربي؟ ويجيب مباشرة، وبلا تردد، إنه إنسان ضد «الفطرة»، وهي بؤرة القيم الأخلاقية التي لن تكون إلا ذات جذور دينية، بحسب عبد الرحمن. ومن ضاعت فطرته النابعة من الدين، فقد «مات قلبه». لهذا، فعصرنا لا يقدم لنا في الحقيقة سوى نموذج الإنسان الميت لأنه ضيع الدين، وفصله عن كل قطاعات الحياة. ومن ثم، أصبحت تصوراته وسلوكياته بلا سند من الفطرة ونور القلب. إذن، موت الإنسان عند طه هو موت القلب وضياع الفطرة ذات الأصل الديني، وليس الموت بمعنى ضياع الفاعلية والقدرة على الفعل الحر، كما روج لذلك ميشال فوكو.
ويستمر طه عبد الرحمن في أطروحته، ليعلن أن المسلم ليس بمعزل عن هذا النموذج من الإنسان الغربي، فهو يدور في فلكه، بل يستدمجه ويستبطنه في كيانه، مثله مثل بقية البشر في زماننا هذا، مما يجعل منه بدوره إنسانًا مهددًا بشبح «الإنسان الميت». وكيف لا، وهو يستهلك منتجات ثورة الإعلام والاتصال، بل إنه من المساهمين برأسماله في الترويج لهذه المنتجات؟ باختصار، يقول طه عبد الرحمن: «إن أفراد الإنسانية أصبحوا عن بكرة أبيهم يدورون في فلك الموت».
إن هذا الإنسان المعاصر، المشكل للمثال الخلقي والذهني للعالم، سيوجه له طه عبد الرحمن نقدًا قويًا، خصوصًا لأهم الأسس النظرية التي يبني من خلالها كيانه. وهي أسس تتمثل في نظرية التعاقد الاجتماعي، حيث سيعمل على إيجاد بديل لها لإحياء الإنسان بعد موته. فما حجج طه في رفضه هذا؟
يريد طه عبد الرحمن قلب نظرية التعاقد الاجتماعي التي جاء بها «الإنسان المعاصر» رأسًا على عقب، ليعوضها بنظرية أخرى يسميها «النظرية الميثاقية»، لكن هذه المرة ليس بتعاقد بين الإنسان والإنسان، بل بين الله والإنسان. فإذا كانت نظرية التعاقد تدعي أن الحالة الأولى للبشرية تجري في هذه الحياة المرئية، أي بتعبير طه عبد الرحمن: في العالم الملكي، حيث الاتفاق يجري بين الأجسام، فقد سبقتها مواثقة أخرى جرت في عالم الملكوت، حيث كان الإنسان يتصرف بروحه لا بجسده، وهي المرحلة الأصل التي نسيها الإنسان، بل قام بخيانتها.
إن المواثقة التي يتحدث عنها طه عبد الرحمن كانت في حالتها الأولى روحية، وليست اجتماعية. وكانت منقسمة إلى عهدين نكث بهما الإنسان نفسه، وهما: ميثاق الإشهاد، حيث أقر فيه الإنسان بربوبية الخالق، وميثاق الائتمان الذي فيه إعلان تحمل الأمانة.
إن ما تسمى الحالة المدنية في نظرية التعاقد الاجتماعي هي حالة سلم وحقوق يجب السعي للدخول فيها، إلا أنها ليست كذلك، بحسب طه عبد الرحمن. بل هي حالة ممات ينبغي الخروج منها، والعودة إلى الحالة الملكوتية الأولى. وفقط نذكر أن المقصود بالموت هنا هو الموت القلبي، فحين يكون الإنسان مارقًا عن الدين، تضيع فطرته وأخلاقه، مما يساهم في قتل القلب، فيصبح المرء في عداد الموتى، وعملية الإحياء لن تحصل، بحسب طه، إلا بتجديد الميثاق الأصلي مع الله.
إن التعاقد الاجتماعي بحسب رواده هو وسيلة للخروج من وضع التدني، أو «التسفل» بتعبير طه عبد الرحمن، أي الانتقال من التوحش نحو التمدن. أما النظرية الميثاقية، فهي ترى أن التسفل والتوحش ناتجان عن خيانة الميثاق الأول الذي لم يكن في عالم الملك (العالم المرئي)، بل في عالم الملكوت (العالم الغيبي) الذي لا حل إلا بالرجوع إليه، والعيش في كنفه. بعبارة أخرى: إذا كانت مشكلة التعاقد الاجتماعي هي: كيف يمكن الخروج من التوحش نحو التحضر؟ فإن المشكلة في النظرية الميثاقية قد اختلفت، وأصبحت: هل وفى الإنسان بالميثاق الأول أم لا؟ إذا وفى، فإنه يكون قد حظي بوجود ملكوتي، وإذا لم يوف، فقد انغمس في وجود ملكي فقط. بهذا يقيم طه عبد الرحمن قلبًا جذريًا للأمور، بحيث يجعل من ما يسمى الحالة المدنية حالة موت وخيانة، في مقابل الحالة الأصل، أي اللحظة الملكوتية التي وحدها تستحق أن توصف بحالة الحياة.
وفي سعيه إلى «نسف» النظرية التعاقدية، يضيف طه عبد الرحمن أنها وإن كانت تضع في برنامجها تنظيم وضبط الملكية التي هي أس البلاء، فإن النظرية الميثاقية تبقى الشفاء التام منها، فهي تعمل على اجتثاث الملكية من جذورها، بحيث لا يبقى أي مسوغ يكون من أجله سفك الدم ممكنًا.
وقبل أن يختم طه عبد الرحمن مدخله في كتابه الجديد (دين الحياء) المذكور أعلاه، يذكر بأن الخروج من الخيانة إلى حالة الائتمان لن يكون كما تدعي نظرية التعاقد الاجتماعي، بواسطة «إرادة الجميع»، أو «معرفة الجميع»، أو «تجريد الجميع». بل إن هذا الخروج يجب أن يتم بواسطة إنارة «أهل العلم»، فهم من سيذكرون الناس بالتزاماتهم الروحية، ويدلونهم إلى تجديد المواثقة لربهم، حتى تعود الحياة إلى قلوبهم التي ماتت. وهنا لربما المعضلة التي يضعنا فيها طه عبد الرحمن، فما الدليل على أن من يسمون «أهل العلم» سيحسنون ربط البشر بربهم؟ وهل علاقة الشيخ بالمريد هذه تسلم من الهيمنة والسيطرة؟ ألا يمكن أن تنقلب الأمور، فتصبح إرادة التحرر روحيًا قيدًا في حد ذاته؟ وهل مسألة الروح التي يعول عليها طه لتحرير الإنسان المعاصر هي مشترك كوني أم هي خصيصة لبعض الناس؟ بعبارة أخرى: أليس الأجدر بطه عبد الرحمن أن يعلن أن «الروح هي أعدل قسمة بين البشر»، وألا يتركها في يد البعض على حساب البعض الآخر، تحت دعوى أنهم الأقدر على نقلها. أي أليس الأجدر بنا إعلان تعميم الروح على غرار تعميم العقل في الزمن الحديث، ومن ثم لا حاجة لمن أسماهم طه عبد الرحمن بـ«أهل العلم».
عموما، نقول إن أطروحة طه عبد الرحمن لا تزال بكرًا، تحتاج منا الابتعاد عن الاحتفال بها، وتوجيهها نحو نقاش علمي يبرز مكامن قوتها وضعفها أيضًا، على أساس أن النظرية التي لا تكذب ليست نظرية أصلاً.



سلطة الفن العابرة للحدود

سلطة الفن العابرة للحدود
TT

سلطة الفن العابرة للحدود

سلطة الفن العابرة للحدود

يعبّر بعض العراقيين المقيمين في بريطانيا عن غبطتهم وهم يروون حكاية نجاح ابن بلدهم تشارلز ساتشي الذي تحولت مؤسسته الفنية عبر أربعين سنة من المغامرة والجرأة سلطةً تهب فنانيها تذكرة المرور إلى عالم الفن العالمي. ولا يفوتهم التأكيد على معلومة تاريخية تفيد بأن لقب ساتشي يعود إلى مهنة والد تشارلز الذي كان ساعاتياً في بغداد. تلك حكاية لا يلتفت إليها أحد في خضم الإعجاب بنشاط جامع الأعمال الفنية الذي تغلغل في سوق الدعاية والإعلام حاملاً لواء المعارضة من خلال تبنيه للفنون المعاصرة.

منذ تأسيسه عام 1985 تبنى غاليري ساتشي فكرة العرض لفنانين عالميين كانوا في ذلك الوقت يمثلون الموجة الجديدة التي كانت بمثابة التمهيد الوسيط بين الأساليب الفنية الراسخة في حداثتها والفنون المعاصرة التي تشكل انقلاباً في طرق الرؤية والتقنيات، فضم معرضه الأول أعمالاً لدونالد جود، وسي تومبلي، وبرايس ماردن وأندي وارهول.

أُقيم المعرض الأول في الفترة من مارس (آذار) إلى أكتوبر (تشرين الأول) 1985، وضمّ الكثير من أعمال الفنان الأميركي دونالد جود، أحد رواد المدرسة التقليلية والفنانين الأميركيين برايس ماردن وسي تومبلي، أحد رواد الرسم التجريدي والفنان الأميركي آندي وارهول، أحد رواد فن البوب. بعد ذلك بسنة احتضن الغاليري معرضاً لأعمال النحات الأميركي جون تشامبرلين والفنانين الأميركيين دان فلافين، وسول لويت، وروبرت رايمان، وفرانك ستيلا وكارل أندريا، وجميعهم من رواد المدرسة التقليلية. كما أقيم معرض للفنان الألماني أنسيلم كيفر، والنحات الأميركي ريتشارد سيرا الذي عُرف بأعماله النحتية الضخمة.

من خلال تلك المعارض التي جذبت الأنظار إليه نجح تشارلز ساتشي في تكريس وجوده في الحياة الفنية البريطانية؛ وهو ما أهَّله للانتقال إلى المرحلة التي تحول فيها عراباً للفنون المعاصرة من خلال تبنيه الفنانين الشباب مثل داميان هيرست، وتريسي أمين، وجيني سافيل، وسارة لوكاس، وجافين تروك وراشيل وايت ريد. لا يُفهم نشاط تشارلز ساتشي إلا إذا وضعناه في سياقه الاستثماري الذي كان الترويج الدعائي للفن بصفته بضاعة جزءاً أساسياً منه.

حين يعود الرسم إلى الواجهة

اقتحم ساتشي الأسواق الفنية العالمية، لكنه فعل ذلك من خلال غزو المتاحف العالمية بمجموعته بدءاً من متحف هامبورغر بانهوف ببرلين وانتهاءً بمتحف الفن الحديث (موما) بنيويورك. يختلف الكثيرون في وصف مهمته التي تمتزج فيها الحماسة للفنون المعاصرة بالهوس التجاري إلى درجة أن البعض من النقاد كان قد عدَّه واحداً من الطغاة الذين يسعون إلى صناعة تاريخ زائف للفن، ملمحين إلى ظاهرة المنظمة السرية التي تدير سوق الفن بالخفاء متخذة من أصحاب القاعات الفنية واجهة هشة مخادعة.

كل ذلك قد يكون صحيحاً على الرغم مما يتخلله من أوهام غير أن الاحتفالية التي يقيمها غاليري ساتشي بلندن لمناسبة مرور أربعين سنة على تأسيسه تقول شيئاً مختلفاً. شيئاً لا ينفي ولا يؤكد بقدر ما يأخذنا إلى مناطق خاصة في التفكير الفني. مناطق يعود فيها على سبيل المثال الاهتمام بالرسم إلى الواجهة. وهو ما أدهشني في معرض «الآن البعيد»، وهو معرض يعيد إلى الرسم مكانته من خلال أعمال رسامين بأساليب مختلفة.

لقد دأبت منذ أكثر من عشر سنوات على زيارة غاليري ساتشي، وكنت في كل مرة أشعر بالإحباط بسبب ذائقتي الجمالية غير أن المعرض الحالي، وهو أشبه بمعرض استعادي يؤكد أن الغاليري الذي صار مؤسسة سلطوية يملك من المعرفة الفنية ما يؤهله أن يكون وسيطاً عادلاً بين مختلف التيارات الفنية، وبالأخص ما كان منها حداثوياً وما هو معاصر. لا يعني ذلك أن ما يطرحه المعرض هو أشبه بصيغة التعايش بين الأساليب بقدر ما يعني أن هناك بيئة ثقافية هي الفضاء الذي تتلاقح من خلاله تلك الأساليب، بعضها من البعض الآخر لتكتمل صورة الفن الآن، الذي هو فن المستقبل.

المزاوجة بين التجارة والثقافة

بغض النظر عن الخلافات العميقة في الآراء بين مناصري ساتشي والمعترضين على نهجه، وبالأخص فيما يتعلق بانفتاحه على الفنون المعاصرة، فإن الغاليري تخطى الحدود الضيقة التي تحصره في مهمة إقامة المعارض والترويج لأعمال فنانيه ليصبح قوة ضاربة لا في السوق الفنية المحلية فحسب، بل وفي المشهد الفني العالمي. فمَن تنفتح له أبواب «ساتشي» يكون ذهابه إلى العالمية أمراً ليس عسيراً إذا ما اجتهد وصقل موهبته بالعمل والمعرفة والتجدد. وهو ما يعني أن الصرح الكبير الذي يقع في منطقة تشيلسي الثرية بلندن ليس مجرد مجموعة من القاعات التي ينتهي عملها بعرض الرسوم والمنحوتات والصور الفوتوغرافية والأعمال التركيبية والأفلام، بل هو مؤسسة معقدة التفاصيل فيما تمارسه من تأثير خفي على الحياة الفنية تبعاً لقدرتها على فرض تيارات فنية معينة وتعزيز وجود فنانين دون سواهم والتحكم بأسعار الأعمال الفنية.

زاوج ساتشي بين التجارة والثقافة بطريقة محترفة. لم تغره التجارة بعد أن أثبت أنه مؤهل للوقوف خارج المنافسة بتفوق ملحوظ، بل اندفع في اتجاه خلق ثقافة بصرية جديدة، قوامها الانتصار للفنون المعاصرة التي تجلب عروضها سمعة غير أنها لا تجلب أرباحاً. قلب ساتشي المعادلة حين صار فنانوه يبيعون أعمالهم بأعلى الأسعار وتتسابق المتاحف العالمية على إقامة معارض لهم، كما أن هناك دولاً صارت تتسابق على اقتناء أعمالهم. لقد تحول فنانون مثل داميان هيرست، وتريسي أمين، وجيني سافيل وسارة لوكاس أيقوناتٍ عالمية في المشهد الفني المعاصر. كل هذا من صنع ساتشي.

تبنَّى غاليري ساتشي منذ تأسيسه عام 1985 فكرة العرض لفنانين عالميين كانوا في ذلك الوقت يمثلون الموجة الجديدة

غاليري من غير حدود

«الآن البعيد» هو عنوان المعرض الذي يقيمه ساتشي لمناسبة مرور أربعين سنة على تأسيسه. انتقى القيَّمون على هذا المعرض أعمالاً فنية قديمة وجديدة بما يتيح التعرف على مراحل زمنية مختلفة، نجح الغاليري عبرها في تكريس سمعته عراباً لفن مغاير، بعضه يتمسك بالخيوط التي تربطه بالحداثة الفنية كما كانت في النصف الثاني من القرن العشرين، في حين يذهب البعض الآخر في نفوره من الحداثة إلى درجة القطيعة؛ وهو ما فتح الباب أمام هيمنة الفنون المعاصرة على العروض التي دأب ساتشي على إقامتها عبر العشرين سنة الماضية.

«الحاضر يذهب إلى المستقبل» من خلال تلك المقولة يظهر ساتشي ثقته من أن سلطته ونفوذه سيظلان قائمين حتى بعد غيابه، وهو هنا كمَن يقول: «سيكون المستقبل من صنعي» هل سيكون ذلك حقيقياً أم أنه مجرد وهم، تمليه القوة التي يمكن أن يتمرد عليها الفن؟

من المؤكد أن هناك دعاية مبالَغ فيها لصالح ساتشي وهو الذي يدير الجزء الأكبر منها، غير أن ما لا يمكن إنكاره أن سلطته لم تكن وهماً. إن صرحاً بحجم الغاليري إنما يستند إلى سعة في النفوذ لا على مستوى السوق الفنية وحدها، بل يتخطاها إلى عموم المشهد الفني بضمنه الجوائز الفنية الرفيعة، وفي مقدمتها جائزة «تيرنر».

عبر مسيرته لم يكتفِ غاليري ساتشي بتبني الفنانين البريطانيين المعاصرين، بل امتد نشاطه ليشمل برعايته فنانين عالميين من مثل جيف كونز، وسيندي شيرمان، وروبرت غوبر، وبيتر هالي، وحاييم شتاينباخ، وفيليب تافي وكارول دونهام. أما حين أقام عام 1987 معرض «فن نيويورك الآن» فإنه اكتسي سمعة الغاليري عابر الحدود.


صيد الحمير البرية في جدارية أموية

صيد الحمير الوحشية في جدارية من قصير عمرة الأموي في بادية الأردن
صيد الحمير الوحشية في جدارية من قصير عمرة الأموي في بادية الأردن
TT

صيد الحمير البرية في جدارية أموية

صيد الحمير الوحشية في جدارية من قصير عمرة الأموي في بادية الأردن
صيد الحمير الوحشية في جدارية من قصير عمرة الأموي في بادية الأردن

دأب شيوخ قبائل العرب على صيد الطيور والحيوانات البرية، وجعلوا من هذه المزاولة تقليداً راسخاً، ورثه الحكام الأمويون وطوّروه، فغدا وسيلة من وسائل اللهو، ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بالغنى والترف، كما يشهد الميراث الأدبي الخاص بتلك الحقبة. تردّد صدى هذا التقليد في الفن الأموي، وتجلّى في مجموعة من الأعمال التصويرية المتعدّدة الأنواع، منها لوحات من الحجم الكبير تشكّل جزءاً من الجداريات التي تزيّن قاعات قصير عمرة في صحراء الأردن. تمثّل إحدى هذه اللوحات صيد الحمير البرية وسط حلبة مسيّجة، في مشهد شامل وجامع يتميّز بتفاصيله الإنشائية الدقيقة.

يحوي قصير عمرة قاعة كبيرة مكوَّنة من ثلاثة إيوانات حافظت على الجزء الأكبر من جدارياتها، ويحضر مشهد صيد الحمير الوحشية في الإيوان الغربي في لوحة أفقية مستطيلة، تحتلّ الجزء الأعلى من الجدار الغربي، وتستقرّ فوق تأليف ثلاثي يجمع بين ثلاثة مشاهد مستقلّة تمتدّ على الجزء الأوسط من هذا الجدار. مُحِي النصف الأعلى من مشهد الصيد بشكل كبير بحيث تعذَّر تحديد معالمه عند اكتشاف القصير في مطلع القرن الماضي، غير أن بعضاً من هذه المعالم انكشف وظهر بفضل أعمال الترميم التي أجرتها بعثة إيطالية من «المعهد العالي للحفظ والترميم» في الموقع خلال عام 2010. في المقابل، حافظ النصف الأسفل من هذه اللوحة على مختلف عناصره، واستعادت هذه العناصر لمعانها الأوّل بفضل هذا الترميم الدقيق.

يدور هذا الصيد داخل حلبة تحدّها شرقاً شبكة عريضة ترتفع على شكل سياج مقوّس. داخل هذه الحلبة، تحل مجموعة من البهائم تركض معاً في اتجاه الشبكة. تتكوّن هذه المجموعة كما يبدو من 17 بهيمة متراصة، تحضر كلها في وضعية جانبية، وتظهر وهي تجري في حركة واحدة، رافعة رؤوسها إلى الأمام. وحدها البهيمة التي تحضر في الطرف الأخير تدير رأسها إلى الخلف في اتجاه كلب سلوقي يلاحقها ويدنو منها. تبدو هذه البهائم من فصيلة الخيليات، وهيكلها ما بين الحمار والحصان، ممّا يوحي بأنّها من الحمير البريَّة التي تُعرف في الميراث الأدبي بحُمر وحش، كما تُعرف بحمير وحش. يأتي ذكر هذه الحمير في الأدبيات الخاصة بالصيد، وأقدم ما وصلنا منها رسالة الصيد المنسوبة إلى عبد الحميد بن يحيى، كاتب مروان بن محمد، آخر خلفاء بني أمية، وفيها يذكر كلاب السلوقي السريعة في مطاردة الغزلان، ويتحدّث عن غابة «من ورائها حمير وحش كثيرة».

تنقل جدارية قصير عمرة صورة حيَّة لهذه الحمير، وفيها تبدو «صُفْر المناخرِ والأَشْداق»، كما وصفها الشاعر ابن ميادة في زمن الدولة الأموية، ويظهر من خلفها ثلاثة من رجال الصيد يمتطون خيلهم. مُحِيَت صور هؤلاء الفرسان، وما بقي منها يُظهر تقدّم اثنين منهم في حركة موازية، وتهاوي الثالث وسقوطه عن حصانه في حركة معاكسة. في القسم الأسفل من التأليف، ترتفع سلسلة من الرايات المرفوعة فوق قضبان مغروسة في الأرض، تقابلها سلسلة مشابهة في القسم الأعلى من الصورة. تُشكّل هاتان السلسلتان حلقة تطلّ من خلف عدد من راياتها قامات تُمثّل على الأرجح مراقبي جولة الصيد. يظهر كلّ فرد من هؤلاء المراقبين أمام راية من هذه الرايات، رافعاً ذراعه أفقياً في حركة واحدة ثابتة. في المقابل، تظهر خيمة سوداء في طرف التأليف شرقاً، حيث ترتفع تحت الشبكة المقوّسة. تكشف هذه الخيمة عن ثلاثة وجوه تُمثّل كذلك مراقبين يتابعون جولة الصيد. وتقابل هذه الخيمة في الطرف المعاكس خيمة أخرى مشابهة تخلو من الشهود.

رصد بازيار العزيز الفاطمي أحوال الصيد وطقوسه في كتاب يُعرف باسم «البيرزة»، وفيه أشار إلى تعدد هذه الأحوال بحسب الأوضاع الطبقية الخاصة بالصيادين، وقال: «ويغدو للصيد اثنان متفاوتان، صعلوك منسحق الأطمار، وملك جبار، فينكفئ الصعلوك غانماً، وينكفئ الملك غارماً، وإنما يشتركان في لذة الظفر. ولا مؤونة أغلظ على ذي المروءة من تكلف آلات الصيد لأنها خيل وفهود وكلاب وآلات تحتاج في كل قليل إلى تجديد. ومن هنا قيل إنه لا يشغف بالصيد إلا سخيّ». رأى الكاتب أن هذا الصياد السخي يحتاج إلى كلب ودابة، كما أنه يحتاج إلى غلام يركب هذه الدابة، «وجارية تصلح لنا صيدنا وتعالج طعامنا». وأضاف في الخلاصة: «كلب ودابة وغلام وجارية هؤلاء عيال، ولا بد من دار»، «ولا بد لهؤلاء من غلة ضيعة».

تعكس جدارية قصير عمرة صورة هذا الصيد السخي في كنف الأسرة الأمويّة، وتحضر بأسلوب تشكيلي متين يتبع التقليد الروماني الكلاسيكي، ويتميّز بطابعه الواقعي النابض بالحركة الحيّة. يعود هذا المشهد ويظهر في تأليف مشابه في جدارية أخرى في الإيوان الشرقي حيث تحتل القسم الأوسط من الجدار الشرقي، وهذه اللوحة ممحوة بشكل كبير، وتصعب قراءتها من دون الاستناد إلى الرسم التوثيقي الخاص بها. يُمثّل هذا المشهد صياداً يلاحق مع قطيع من كلاب السلوقي مجموعة من الحمير الوحشية تحتلّ طرف الصورة. يعلو هذه اللوحة تأليف ثلاثي يتكوّن من مشهد يصوّر لقاءً بين قامتين يصعب تحديد هويّتهما، يتبعه مشهد يصوّر عناقاً بين هاتين القامتين الغامضتين، ثم مشهد تقليدي مستقلّ يصوّر أسداً ينقض فوق طريدة ذات جلد أبيض.

تضم مجموعة جداريات قصير عمرة كذلك لوحتين كبيرتين ترتبطان بعالم الصيد، وتمثّلان ذبح الطرائد. تبرز هاتان اللوحتان بطابعهما الفريد، وتستحقّ كل منهما قراءة متأنيّة مستقلّة.


تدشين كتاب «سلمان: قراءة في فكر ملك» باللغتين الإنجليزية والفرنسية

الدكتور إبراهيم المطرف بجانب كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» في 3 إصدارات باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية (الشرق الأوسط)
الدكتور إبراهيم المطرف بجانب كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» في 3 إصدارات باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية (الشرق الأوسط)
TT

تدشين كتاب «سلمان: قراءة في فكر ملك» باللغتين الإنجليزية والفرنسية

الدكتور إبراهيم المطرف بجانب كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» في 3 إصدارات باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية (الشرق الأوسط)
الدكتور إبراهيم المطرف بجانب كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» في 3 إصدارات باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية (الشرق الأوسط)

تزامناً مع الاحتفاء بيوم «التأسيس» في السعودية، دشنّ الدكتور إبراهيم بن عبد الله المطرف، كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» في 3 إصدارات باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية، وذلك في الغرفة التجارية بالمنطقة الشرقية.

يعدّ الدكتور إبراهيم المطرف خبيراً في العلاقات الدولية، وشغل سابقاً أستاذ العلاقات الدولية المشارك بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن، كما شغل منصب وكيل محافظ الهيئة العامة للاستثمار للأنظمة والتعاون الدولي، وشغل أيضاً منصب أمين عام الغرفة التجارية الصناعية للمنطقة الشرقية.

يتناول الكتاب الدور القيادي لخادم الحرمين الملك سلمان بن عبد العزيز، منذ توليه إمارة الرياض، وصولاً لتسلمه الحكم في المملكة (23 يناير - كانون الثاني 2015)، ويسجل الإنجازات التي عاشتها المملكة العربية السعودية من خلال فهم علمي ودقيق للتطورات التي عاشتها، وطبيعة هذه التطورات، مع شرح لأبعادها، وطبيعة التحدّيات وسبل مواجهتها.

كما يتطرق الكتاب لعدد من القرارات التي أصدرها خادم الحرمين الشريفين، على الصعيد المحلي تطويراً لآليات الحكم، وإعداداً لجيل جديد من قادة المستقبل، ويتطرق لحركة السياسة الخارجية السعودية وأدائها، ومواقف المملكة من متغيّرات إقليمية ودولية عدة، تجسيداً لرؤية المملكة في «إدارة» أو «حل» الأزمات والصراعات الإقليمية والدولية.

سبق للدكتور المطرف أن أصدر كتاباً بعنوان «العلاقات السعودية الدولية... اللوبي أنموذجاً» طرح فيه رؤية «مستقبلية» حول بناء وتكوين «لوبي» سعودي، يكون نموذجاً لعمل سياسي ودبلوماسي فعال ومؤثّر، على صعيد العلاقات الدولية للمملكة.

الدكتور إبراهيم المطرف خلال تدشين كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» في 3 إصدارات بالغرفة التجارية بالمنطقة الشرقية (الشرق الأوسط)

يهتم الكتاب بتكوين «لوبي» سعودي يعمل على التأثير في الساحة الأميركية من أجل ضمان المصالح الاستراتيجية للمملكة في أقوى دولة على مستوى العالم. ويركز الكتاب على 3 محاور رئيسية. هي «اللوبي»، و«الدبلوماسية الناعمة»، و«منتديات الحوار». وتمثل هذه المحاور صُلبَ الكتاب.

وفي كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» يعود المطرف للتأكيد على الدبلوماسية الناعمة، مخصصاً فصلاً خاصاً، تناول فيه «آليات» السياسة السعودية، في حضورها «الخارجي»، وأدواتها في المجال الدولي، وفي محيطها الإقليمي الحيوي، ودائرتها العربية والخليجية، مستعرضاً ركائزها الاستراتيجية، ومقوماتها الروحية التاريخية الحضارية والثقافية، مُسلّطاً الضوء على نشأة «المصطلح» تاريخياً، وتطوره، ومُبيّناً «أدواته»، ومنها: قوة المال والنفط، والمساعدات المالية والاقتصادية للدول العربية والإسلامية والنامية، وكثير من دول العالم الثالث.

واستعرض كثيراً من المواقف التي نجحت فيها «الدبلوماسية الناعمة»، إذ تمكنت المملكة من توظيف «عناصر» قوتها الدبلوماسية «الناعمة» على النحو الذي ساعدها في تحقيق كثير من أهدافها الاستراتيجية في خدمة قضايا أمتها العربية والإسلامية، وتوفير بيئة دولية وإقليمية وعربية مواتية لإحلال السلام والاستقرار الدوليّين، وتفعيل عملية التنمية المستدامة، لخير الشعوب ورخائها ورفاهيتها، عالمياً وإقليمياً وعربياً، ومحلياً.

وفي حفل تدشين الكتاب الذي حضرته شخصيات اقتصادية وثقافية، أشار الدكتور المطرف إلى أن الكتاب شمل قراءة تحليلية لعددٍ من توجهات وسياسات وإنجازات الملك سلمان بن عبد العزيز، كما سلّط الضوء على ملامح قيادة وفكر الملك سلمان الإداري والسياسي، وما تحقق في عهده من نقلات نوعية على مختلف الأصعدة.

وأشار إلى أن تزامن تدشين الإصدارات باللغات الثلاث مع احتفال المملكة بيوم التأسيس جاء منسجماً مع أهداف هذا اليوم، حيث يقدّم الكتاب قراءة في فكر خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، القائد الذي واصل مسيرة الإنجاز لمن سبقه من المؤسسين، وعزّز من مكانة وسمعة وصورة الوطن على كافة المستويات والأصعدة في المنطقة والإقليم والعالم، بمساندة من ولي عهده الأمير محمد بن سلمان.

وأضاف الدكتور المطرف: «حرصت في كتاب (قراءة في فكر ملك) على تقديم محتوى، وثّقت من خلاله بالكلمة والصورة معاً، وبفهم ومنهج دقيق، بعض توجهات وسياسات وإنجازات الملك سلمان، وتقديم قراءة موضوعية لمسيرته الرائدة».

تلقى الدكتور المطرف تعليمه الأوليّ في مدينة الخبر شرق السعودية، وحصل على الشهادة الثانوية في الولايات المتحدة، وابتعث من شركة «أرامكو السعودية» للحصول على الشهادة الجامعية في الولايات المتحدة، وإليها ابتعث من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن للحصول على شهادة الدكتوراه. وهو كاتب في الشؤون الدولية، ألّف عدداً من الكتب في الشأن الدولي، وأنجز أكثر من 30 بحثاً محكماً.