«الخروج من الصحراء»... أبعد من سيرة ذاتية

يمكن قراءة كتاب علي النعيمي بوصفه دليلاً لإدارة الشركات الكبيرة

غلاف الكتاب - حقل شيبة في الربع الخالي واحد من أكبر المشروعات في العالم
غلاف الكتاب - حقل شيبة في الربع الخالي واحد من أكبر المشروعات في العالم
TT

«الخروج من الصحراء»... أبعد من سيرة ذاتية

غلاف الكتاب - حقل شيبة في الربع الخالي واحد من أكبر المشروعات في العالم
غلاف الكتاب - حقل شيبة في الربع الخالي واحد من أكبر المشروعات في العالم

عند بحثك عن كتاب علي النعيمي في مكتبات بيع الكتب في نيويورك ولندن، فإنك لن تجده تحت تصنيف السير الذاتية. فلسبب ما، يُعرض الكتاب في قسم «التفكير الرائد». ومع قراءة كتاب «الخروج من الصحراء» تخلص إلى أن وجوده تحت هذا التصنيف تحديدا لم يأت خبط عشواء.
كتاب النعيمي الأخير هو أكثر من كونه مجرد سيرة ذاتية للمسؤول الحكومي الكبير السابق الذي شغل منصب رفيع المستوى. إنه إطلالة سريعة وموجزة على صناعة النفط السعودية منذ أيامها الأولى في عقد الثلاثينات من القرن الماضي وحتى يومنا هذا، كما يعرض الكتاب ما يمكنه اعتباره النظرة المتفحصة الأولى على عمليات صناعة القرار في المملكة العربية السعودية ذات السمعة الكبيرة من الغموض والتعتيم الإعلامي.
وهذا ليس كل شيء. يمكن أيضا قراءة كتاب النعيمي بوصفه دليلا لإدارة الشركات الكبيرة على غرار شركة «أرامكو السعودية»، التي استقبلته عاملا بسيطا، ثم ارتقى من خلالها ليشغل أعلى المناصب قبل أن يُسمى وزيرا للنفط والثروة المعدنية في المملكة العربية السعودية، وهو المنصب الذي تركه بعدما يقرب من 21 عاما من الخدمة.
وما يضيف إلى زخم الكتاب الرائع، مما يعتبر من قبيل المزاح، اللاذع في بعض الأحيان، هي لقطات الرسم الحرة لشخصيات كبيرة ومؤثرة في صناعة النفط العالمية، ورؤساء مجالس الإدارات، ووزراء النفط الكبار في أكثر من عشرين دولة حول العالم. ومن المعروف، أن السير الذاتية التي يخطها كبار المسؤولين تأتي في غالب الأمر في صورة نمطية أو «صيغية» معلومة؛ إذ حيث تبدأ بذكر الوصول الأول للمسؤول إلى المنصب، ثم تورد بالتفصيل الجهود الهائلة المبذولة من جانب الكاتب، بعد توليه المنصب، في صياغة الأوضاع المثالية، التي غالبا ما تتحول إلى حالة من الفوضى المأساوية بعد رحيله! ومن المفاجآت السارة أن كتاب النعيمي هذا هو أبعد ما يكون عن اتباع خطوات هذه الصيغة العقيم.
فهو لم يحاول فقط النأي بنفسه عن ذكر أسلافه بعبارات تهضم إنجازاتهم، بل إنه يذكرهم ويشيد بخدماتهم الجليلة التي قدموها إلى المملكة. ولا يعني ذلك أنه يحاول عزلهم أو حمايتهم من الانتقادات، ولكنه يبغي العدل والإنصاف من ذكر ملاحظاته المهمة، كما كان كذلك تماما في مجالات أخرى كثيرة من حياته المهنية الطويلة.
في الفصل المخصص للمناقشات الكبرى، التي غالبا ما تكون وراء الكواليس، ومع كبار الشخصيات داخل المملكة، حول ما إذا كان ينبغي أم لا السماح للشركات النفطية الأميركية العملاقة استعادة السيطرة على موارد المملكة ولكن بطريقة جديدة، كان النعيمي، الذي عارض خططا كهذه، أمينا كل الأمانة في تنقيح وتوضيح حجج المخالفين معه في الرأي والرؤية.
ونعرف من هذا الفصل أن آليات صناعة القرار السياسي في المملكة العربية السعودية مبنية على أسس أعمق مما يعتقد، وإن من السذاجة أن نتصور بأن جيلين على الأقل من التكنوقراطيين ذوي التعليم العالي ليسوا سوى مجرد أختام على ورق.
يصر النعيمي، الذي تخرج في جامعات الأميركية عدة، على أن «فهم الولايات المتحدة الأميركية هو مهارة حيوية» لصناع القرار السياسي السعودي. ومع ذلك، فإنه يعتقد أيضا أنه من غير الحكمة وضع البيض كافة في سلة وحيدة. ولهذا السبب؛ كان في مقدمة حملة تدعو إلى تنويع شركاء المملكة من مختلف الدول الأخرى، ممثلة في الشركات الفرنسية، والهولندية، والإيطالية، والصينية، والروسية، والإسبانية، والكورية الجنوبية، واليابانية، من بين شركات أخرى.
وكان الجدل الدائر حول عودة الشركات الأميركية ليس المشهد الوحيد الذي سلط الضوء على واقع كهذا. فلقد نشب صراع آخر بشأن محاولات من جانب مجموعة «بترومين»، التي تملكها الدولة، للاستحواذ على شركة «أرامكو السعودية» التي عملت دائما لاعبا مستقلا وفق قواعد العمل في القطاع الخاص، وليس حسب اللوائح التي تمليها الدولة.
ولكن، ربما، أن الفصل الأكثر دراماتيكية يتعلق فعليا بتطوير حقل شيبة النفطي في منطقة الربع الخالي، الذي أراد البعض في الحكومة تنحيته جانبا؛ نظرا لتدني أسعار النفط في الأسواق العالمية في ذلك الوقت. وفي حين كان النعيمي ينظر إلى حقل شيبة باعتباره مصدرا من مصادر الإلهام والفخر، فإن اقتصاديين في الحكومة اعتبروا المشروع العملاق، الذي سيكلف عشرات البلايين من الدولارات مليارات الدولارات ليس إلا مجرد مضيعة للجهد والنقود.
وعلى أي حال، بقى النعيمي في كل مرحلة من مراحل حياته متشبثا بمساره، متقدمًا بتأن ولكن بثبات، تماما مثل الجمال التي رآها في طفولته في الصحراء. لقد أشاد كل من الملك فهد بن عبد العزيز والملك عبد الله بن عبد العزيز بأمانة وصدق وتصميم الصبي القادم من الصحراء. ولقد خاطبه الملك عبد الله، رحمه الله، ذات مرة قائلا: «يا علي! لا تخشَ من أي أمير! اخش الله وحده».
يوفر كتاب «الخروج من الصحراء» لمؤلفه النعيمي، نظرة متفحصة رائعة على عالم النفط، العالم الذي لا يحترم إلا حقيقة واحدة مؤكدة، ألا وهي عدم اليقين. وفي هذا السياق، يجد قادة الدول المصدرة للنفط، في أغلب الأحيان أنفسهم، في رحلة عجيبة ومرهقة من البُسُط إلى الغنى، ثم إلى البُسُط مرة أخرى. في عام 1983 كانت المملكة العربية السعودية تنتج فقط مليوني برميل من النفط يوميا. وقبل عامين من ذلك، صدرت المملكة 10.5 مليون برميل في اليوم. وفي عام 1981 تجاوزت عائدات النفط في المملكة 110 مليارات دولار. وبعد ذلك بثلاث سنوات، تراجع المبلغ المذكور وصولا إلى 26 مليار دولار فقط. على مدى عشرين عاما، حامت أسعار النفط متأرجحة بين الحد الأدنى عند 3.2 دولار للبرميل وبين الحد الأقصى عند 150 دولارا للبرميل تقريبا، وهي لعبة تأرجح مرهقة تصيب أقدر المخططين الاقتصاديين بالصداع والدوار.
وبسبب احتياطها النفطي، الذي هو بلا نهاية تقريبا، ظلت المملكة دائما معنية أكثر بالحفاظ على، إن لم يكن زيادة، حصتها في السوق بدلا من المكوث تحت رحمة التقلبات السعرية التي لا ترحم.
في عهد تولي اليماني وزارة البترول السعودية، اعتبرت المملكة العربية السعودية نفسها «المنتج المرجح» في منظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك)؛ مما يعني الاضطرار إلى زيادة «خفض» الإنتاج للاتساق مع تقلبات السعار العالمية. ولقد مكّن ذلك الكثير من الدول الأعضاء في المنظمة، ناهيكم عن ذكر الدول غير الأعضاء فيها، مثل روسيا والمكسيك، من اعتماد استراتيجية إنتاج انتهازية بشكل علني.
واستغرق الأمر من المملكة أكثر من عقد كامل لتعزيز بعض من تدابير التنسيق بين الدول المنتجة من داخل وخارج منظمة «أوبك»، ولكن حتى ذلك الحين من دون نجاح كبير يذكر. قطاع النفط يبقى عاملا خطرا يمكن فيه حتى لأفضل أصدقائك أن يحمل سكينا خلف ظهره لاستعمالها ضدك.
كثيرون توقعوا نهاية النفط،، ومنهم أحد أسلاف النعيمي، وهو أحمد زكي يماني، وكذلك مجلس حكماء أوروبا في نادي روما في عام 1971، لكن النفط لا يزال موجودا ومتدفقا، وأكثر من ذلك، إذا صدقنا النعيمي، فمن الأرجح أن يحتل نصيب الأسد من أسواق الطاقة العالمية لعقود مقبلة عدة على أقل تقدير.
ومن المثير للاهتمام، أنه عبر الخمسين عاما المنقضية صارت الدول المستوردة للنفط أكثر ثراء بكثير من الدول المصدرة له. وفي حالات عدة، واجهت بعض الدول المصدرة للنفط الإفلاس المالي، أو اهتزت أسسها الراسخة بسبب الثورات، والفتن الداخلية، وربما الحروب. لكن المملكة العربية السعودية، وهي من أكبر الدول الأعضاء في منظمة «أوبك»، تمكنت وحدها تقريبا من حيث المحافظة على أمنها واستقرارها في الوقت الذي تسعى حثيثا لمواصلة جهود تحديث الاقتصاد والمجتمع على حد سواء.
وحقيقة أن النعيمي قد قلل، عامدا، من حسه الفكاهي، تضيف متعة إلى متعة قراءة مذكراته، حتى لو كانت سردا لحياة شديدة التنوع والتعدد بشكل استثنائي. إنك تراه في رحلة لقتل ذئب يسعى لالتهام الحملان الصغيرة التي من المفروض أن يحميها. وتنتهي حفلة الصيد بأكل فتات من لحم الذئب، ولم يتم إخبارنا إذا كانت مطهية أم لا.
وفي مشهد من المشاهد، نرى قطب قطاع الشحن اليوناني محاولا عرض رشوة سخية على النعيمي من خلال شراء مليوني برميل من النفط بسعر منخفض؛ ظنا منه أنه يجول بأمواله في متجر «ألف ليلة وليلة» للتحف الشرقية.
وماذا لو قد قيل للنعيمي إن المملكة تستورد الرمال، أجل الرمال، وبسعر مغر للغاية من ولاية وايومينغ الأميركية. من المتصور أن ينفد النفط لدى المملكة العربية السعودية في يوم من الأيام، ولكن من غير المتصور قط أن ينفد مخزون الرمال الهائل لديها في أي يوم.
كنت أتناول الإفطار ذات يوم مع علي النعيمي في العاصمة اليابانية طوكيو، وقدموا لنا فاكهة البرسيمون، وكانت نوعا من الفاكهة لم يعرفه الوزير السعودي من قبل. ولأننا دائما ما نجد تلك الفاكهة في طهران، عرضت عليه المساعدة في محاولة تقشيرها بنفسي. فقال، متلطفا معي في الحديث، إنه يفضل أن يحاول تقشيرها بنفسه. وفي وقت وجيز، رأيته وهو يدرس الفاكهة جيدا، ويقشرها ويقطعها إلى شرائح متساوية كما لو كان خبيرا في الطهي ومنذ زمن بعيد. لقد كان من أحسن الطهاة الذين قابلتهم في حياتي.

«الخروج من الصحراء: رحلتي من البادية إلى قلب صناعة النفط العالمية»
تأليف: علي النعيمي
320 صفحة – 27 دولارًا
مطبعة دار بنغوين



سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

سلوى بكر
سلوى بكر
TT

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

سلوى بكر
سلوى بكر

لا شك أن سلوى بكر، كاتبة القصة القصيرة والروائية المصرية المولودة سنة 1949، تحتل مركزاً في الصدارة بين جيلها من الكتّاب والكاتبات الذين ظهروا على المسرح في حقبة الثمانينات من القرن الماضي، والذين قد اكتمل اليوم عطاؤهم أو قارب الاكتمال. فمنذ مجموعتها القصصية الأولى «زينات في جنازة الرئيس» المنشورة في 1986، تنامى إنتاجها بوتيرة منتظمة، وصوت متميز، ودرجة عالية من الحرفية الفنية لفتت الأنظار إليها من وقت مبكر.

تشكلت واعيتها في زمن جمال عبد الناصر (1952-1970) وما تميز به من اتجاه وطني، عروبي، اشتراكي، شبه علماني، والذي انتهى مع هزيمة 1967 ووفاة ناصر في 1970، ثم عاصرت فترة أنور السادات (1970-1981)، وحسني مبارك (1981-2011)، وهما الفترتان اللتان شهدتا الانهيار التدريجي للمجتمع الذي حلم به ناصر، من دون بزوغ بديل ذي مصداقية.

وعلى الرغم من أن سلوى بكر تحرص في كتاباتها ألا تصور الفترة الناصرية تصويراً مثالياً، فمن الواضح أن ما يؤرقها في أعمالها هو التحولات المجتمعية الهائلة التي حلّت بمصر بداية من عصر السادات فصاعداً. إن الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية تبقى دائماً قريبة من السطح في أعمالها، وتمتزج امتزاجاً وثيقاً باهتمامها الأكبر، وهو وضعية المرأة في المجتمع. والحق أنه عند سلوى بكر ليست محنة المرأة في المجتمع إلا عرضاً من مرض أكبر يعاني منه المجتمع بأكمله، والعلاج الذي تنشده هو علاج للمجتمع كله وليس للمرأة وحدها.

في عالم سلوى بكر الرجال والنساء جميعاً هم رفاق في المعاناة على يد نظام سياسي واجتماعي قمعي وغير عادل، ولكن المرأة تنفرد وحدها بكونها ضحية لقمع إضافي على يد الرجال، أو القيم الذكورية للمجتمع. ذلك أن تقاليد المجتمع البطريركي تضطهد النساء لكونهن نساءً، تماماً كما أن تقاليد النظام السياسي السلطوي تضطهد الرجال والنساء معاً بحرمانهم من الحريات الأساسية ومن حقوقهم الإنسانية. على أنه في عالم سلوى بكر من الطبيعي أن يكون اضطهاد المرأة هو ما يشغل بؤرة اهتمامها، وما لديها من حكايات تقصها نسمعه دائماً من خلال واعية نسائية، على الأقل في المراحل المبكرة والوسطى من أعمالها قبل أن تنتقل في المرحلة المتأخرة للنظر في الوضع المجتمعي والإنساني من منظور يجاوز ما تمليه المعطيات التقليدية للنظرة النسوية.

غير أن الاضطهاد يستدعي المقاومة، وما من شك أن نساء سلوى بكر هن مقاومات من الطبقة الأولى، وتتفاوت أساليب مقاومتهن من العنف حدَّ القتل كما في رواية «العربة الذهبية لا تصعد إلى السماء» (1991)، إلى الهروبية التي تتخذ عادة شكل الانسحاب من عالم الواقع؛ أي الجنون، كما يحدث في العديد من القصص القصيرة للكاتبة. على أن أغلب النساء في أعمالها يقاومن، بل وينتصرن، من خلال سلوكيات أقل تطرفاً من الجنون والقتل، فلدى شخصياتها مطواعية للتشكّل، وقدرة على التأقلم، وعلى النجاة والاستمرارية في أحلك الظروف، ما يمثِّل سخرية صامتة من التفوّق المزعوم للقوة الذكورية، فهي ترينا مرة بعد أخرى في قصصها أن المرأة هي مكمن القوة الحيوية الحقيقية وإن لم تتمتع بالمرتبة العليا في تراتبية القوى في المجتمع.

على أنه ينبغي ألا نُغفل أن ليس كل الرجال في أعمال الكاتبة مُضطهِدين للنساء، بل الكثيرون منهم يُصوَّرون ضحايا للنظام المجتمعي تماماً مثل النساء. وهو ما يتفق مع قولها ذات مرة في حديث صحافي إنها لا تدين الرجال كجنس، لكنها تدين الأفكار المسبّقة في المجتمع التي نقبلها وكأنها طبيعية وهي ليست كذلك (مجلة «نصف الدنيا»، 15 سبتمبر/ أيلول 1991). غير أنه ليس من بين رجال الكاتبة مهما كانوا أسوياء من يمتلك القوة القتالية - إن جاز التعبير - التي تمتلكها نساؤها. فغالباً ما نراهم أضعف من أن يقاوموا قوى الفساد من حولهم، أو أنهم مغرقون في المثالية، أو شديدو الصلابة أو الهشاشة فينكسرون. وغالباً ما يقع إنقاذهم من مآزقهم الحياتية على عاتق نسائهن، كما في قصة «أرانب» (1994)، وفي رواية «ليل ونهار» (1997)، على سبيل المثال. غير أنه في المحك الأخير نساء سلوى بكر ورجالها هم جميعاً ضحايا الواقع الاجتماعي الفظّ لمصر المعاصرة حيث يتكالب عليهم القمع السياسي والفساد والضائقة الاقتصادية، وتعيش الغالبية العظمى منهم في البيئة العمرانية للقاهرة التي صار يغلب عليها الفظاظة والقبح والاكتظاظ.

هذه النوعية المتدنية للحياة وسط بيئة عمرانية قبيحة خانقة هي ذاتها ما تجعل طلب الجمال مسعًى مشتركاً لدى العديد من شخصياتها، وهي أيضاً ما تجعله هاجساً معاوداً في أعمالها. ويرتبط بهذا المسعى أيضاً حنين إلى نمط معيشي انقرض. فسلوى بكر عاشت صباها وشبابها الأول في مصر الستينات في زمن زهو الناصرية، حين كان هناك حس وطني قوي، وأهداف قومية، وتكافل اجتماعي، وليبرالية فكرية (على الرغم من غياب الحرية السياسية)، وحين كانت مفاهيم المجتمع الرأسمالي الاستهلاكي تُعد وصمة عار، وأيضاً حين كان فضاء القاهرة ما زال يحتفظ بشيء من الجمال المعماري ورونق الشوارع والمساحات العامة الذي تميزت به في النصف الأول من القرن، وحين كانت الثقافة الرفيعة غاية تتبناها الدولة في الفنون والوسائط التي ترعاها. وقد يكون أن بذور التدهور في فضاء المعاش ونوعية الحياة الذي ميز عصر السادات، واستشرى فيما تلاه من عهود؛ قد يكون أنها زُرعت في الخمسينات والستينات، لكنها لم تترعرع إلا فيما بعد، وفي ظل التحول الآيديولوجي الهائل الذي وقع في مصر السادات. هذا هو السياق الذي نفهم فيه الشعور بالحنين إلى مصر ما قبل السادات ومبارك الذي نجده عند بعض شخصياتها، كما على سبيل المثال في القصة ذات العنوان الموحي «عن الروح التي سُرقتْ تدريجياً» (1989).

تتضح المعالم الرئيسية للعالم الروائي لسلوى بكر من مجموعتها الأولى «زينات في جنازة الرئيس» (1986). هي بالتأكيد ليست عدوة للرجال (وهو ما قد نشعر به أحياناً في قصص نوال السعداوي بالمقارنة)، ولكنها تميل إلى تصوير المرأة تصويراً مثالياً، فهي عندها البطل الاجتماعي، والجنس الأقدر على النجاة من كوارث الحياة. نساؤها كثيراً ما يتعرضن للخيانة من قِبَل الرجال، عمداً أو عن غير عمد. قد يكون ذلك عن طريق الموت أو الطلاق أو مجرد التخلِّي. تلتزم القصص بالتصوير الواقعي، والذي قد يتمادى أحياناً، فيصل إلى أعتاب الطبيعية (الناتورالية). وتُمكِّن الكاتبة بطلات قصصها من نساء الطبقة الكادحة من التعبير عن أنفسهن من طريق لغة عامية محوّرة بما يناسبهن. كما أن حبكات قصصها لا تلتزم بالتسلسل الزمني. وقد يبدو أسلوبها السردي فوضوياً بسبب القطع المتكرر لانسياب الحكي، والاستطراد، ثم العودة لمواصلة القصة، والذي ربما هو من تأثير يوسف إدريس على الكاتبة الشابّة، إلا أن هذا كله ليس إلا فوضى منظمة يُقصد بها حفز القارئ للتفكير في الموقف ومحاولة تفسيره خارج المعتاد. وهذا كله مما سوف يتواصل في أعمال بكر اللاحقة.

نساء سلوى بكر مقاومات من الطبقة الأولى... مع تفاوت أساليب مقاومتهن

من ضمن قصص المجموعة الأولى قصة بعنوان «نونة الشعنونة». في هذه القصة المبكرة، وفي قصة أخرى مزامنة لها بعنوان «إحدى وثلاثون شجرة جميلة خضراء» في مجموعتها الثانية «مقام عطية»، والتي نُشرت في نفس سنة المجموعة الأولى (1986)، تقدم لنا الكاتبة مجازاً لمحنة المرأة المتحررة سيبقى طويلاً في أعمالها اللاحقة: مجاز الجنون، وهو مجاز مزدوج الفاعلية؛ لأنه يخدم نقيضين في آنٍ، هما المضطهَد والمضطهِد. فبالنسبة للمضطهِد (بالكسر)، وصم الثائر على الأعراف والتقاليد، كاشف الزيف المجتمعي؛ وصمه بالجنون هو آلية نافعة ومريحة للضمير. أما في حالة المضطهَد (بالفتح)، فالجنون وسيلة للهروب من الضغوط المجتمعية غير المحتملة والصراعات غير القابلة للفوز، كما أنه وسيلة لتأكيد الذات بواسطة الرفض النهائي لمتعارفات اجتماعية جائرة، لـ«عقلانية» مجتمعية هي «غير عاقلة» في عرف الثائر عليها. الجنون إذن عند سلوى بكر هو أداة انعتاق، أداة تحرر.

هذا الأثر المحرِّر للجنون نجد له وصفاً في قصة لاحقة لسلوى بكر «الدود في حقل الورد» (مجموعة «عجين الفلاحة»، 1992)، والتي تُفتتح بهذه الكلمات: «هي تكره الجنون. تخافه. ترتعب من فكرة أن يفقد العقل سطوته على الجسد. فينطق اللسان بما يشتهي، وترى العين ما تود رؤيته، وتتحرر النفس من كل قيد يرسمه لها الزمان والمكان» (ص23). تلك خواطر امرأة على شفا الجنون، لكنها لم تفقد عقلها تماماً بعد، ومن هنا خوفها من عواقب الحرية التي تنجم عن الجنون. أما حين يكتمل الجنون، فإن الحرية الناجمة عنه تصبح مطلقة لا يعوقها عائق. وهذا هو المعنى الذي به يصبح الجنون عند سلوى بكر فعل مقاومة وتأكيداً للذات، وليس مجرد استسلام لضغوط فوق طاقة الاحتمال.

في عالم سلوى بكر تفهم النساء بعضهن، ويقدمن لبعضهن العضد الذي ينكره عليهن الرجال، ويواصلن مهمة العيش والبقاء برغم كل العقبات التي يضعها في طريقهن الرجال والمجتمع. في عالم سلوى بكر تعرف النساء حق المعرفة أنه من «الجنون» أن يتحدين مجتمعاتهن الذكورية، لكنهن يبقين على استعداد لأن «يَجْنُنَّ».


التفلسف على الماء

باشلار
باشلار
TT

التفلسف على الماء

باشلار
باشلار

نشرت جريدة «الشرق الأوسط» في صفحة «ثقافة وفنون» مادة عن كتاب «النيل، نهر التاريخ» لأستاذ الجغرافيا والباحث النرويجي تارييه تافيت، وهو عمل يرصد حضور النهر في المخيال الأوروبي عبر العصور، وتقول الزميلة رشا أحمد التي استعرضت الكتاب أنه «جمع بين الدقة الأكاديمية والأسلوب السردي حيث لا يكتفي بتتبع تاريخ النيل بوصفه نهراً جغرافياً، بل يحاول أن يكشف كيف تحوّل عبر القرون إلى رمز ثقافي وفكري، وكيف ظل حاضراً في الفن والدين والخيال بوصفه شريان حياة لا ينضب».

اللافت في سيرة المؤلف هي اللحظة التي بدأت فيها علاقته بالماء أصلاً. لم يكن ذلك على ضفاف النيل، بل في مدينة بيرجن النرويجية المطيرة، حين أدرك ذات صباح خريفي أن الأمطار التي تحيط به لا تشكّل الطقس فقط، بل تشكِّل الحياة نفسها. من تلك اللحظة تحوَّل اهتمامه من تاريخ العالم إلى تاريخ الماء بوصفه الشرط الخفي الذي تقوم عليه المجتمعات وتتشكل حوله الحضارات. لقد اكتشف أن ما يبدو يومياً عابراً، كالمطر الذي لا ينقطع، قادر على أن يعيد تشكيل نظرة كاملة إلى تاريخ الإنسانية. تبدو هذه الفكرة للوهلة الأولى أقرب إلى العلوم الاجتماعية منها إلى التأمل الفلسفي، لكنها تفتح سؤالاً أعمق.

هايدغر

فالحضارات الكبرى لم تقم حول أفكار، بل حول مصادر الماء. المدن الأولى نشأت على ضفاف الأنهار، والزراعة استقرت حيث يمكن التحكم في الري، والطرق التجارية سارت على دروب مجاري المياه قبل أن ترسمها الخرائط. كان النهر دائماً الرحم الذي يلد المدينة، والمؤسس لانبثاق الحياة وابتداء التاريخ. ما إن يستقر مجرى الماء حتى يستقر معه شكل من أشكال الحياة، كأن الجغرافيا المائية ترسم تخوماً خفية لما يمكن أن ينشأ من عمران وثقافة. وحتى في العصور الحديثة، حين ظن الإنسان أنه تحرر من الطبيعة بفضل التقنية، ظل الماء شرطاً صامتاً لا يمكن تجاوزه، يظهر حضوره الحاسم كلما ندر وجوده.

لكن الماء لم يبقَ في حدود الجغرافيا والتاريخ. فحين بدأ الإنسان يتساءل عن أصل العالم، كان من الطبيعي أن يتجه نظره إلى العنصر الذي تقوم عليه الحياة كلها. منذ طاليس لم يعد الماء شرط الحياة وحده، بل صار مرشحاً لأن يكون أصل الوجود نفسه. لم يكن قوله إن «الماء أصل الأشياء» حكماً فيزيائياً بالمعنى الحديث، بل محاولة أولى للعثور على مبدأ واحد يفسّر الكثرة والتحول. اختيار الماء لم يكن اعتباطياً، فهو العنصر الذي يمنح الحياة ويتخذ أشكالاً متعددة ويتحوّل من حال إلى حال، وكأن أصل العالم ينبغي أن يكون قادراً على التحول مثل العالم نفسه.

بعده سيجعل هيراقليطس النهر صورة الوجود ذاته. العالم عنده ليس بنية ثابتة بل تدفّق دائم، ولهذا صار النهر مثاله الأشهر: «لا يمكنك أن تنزل النهر نفسه مرتين». الماء هنا لم يعد أصل الأشياء بل التغيّر الذي يحكمها جميعاً، وصار التدفق لا الثبات هو الحقيقة الأعمق. أما أفلاطون فسيضع الماء ضمن عالم التكوّن والتحوّل، العالم الذي لا يستقر على صورة نهائية، بينما سيعيد أرسطو الماء إلى نظام العناصر، مانحاً إياه موضعه الطبيعي في بنية الكون وسعيه إلى الاستقرار. وهكذا ظل الماء حاضراً في التفكير الفلسفي، لا بوصفه مادة فحسب، بل بوصفه مثالاً يتيح تأمل الحركة والهوية والزمان الذي يجري كالماء.

وفي فلسفات الشرق، خصوصاً عند أبي الطاوية لاو تسو، سيبلغ التأمل في الماء ذروة رمزية مختلفة. الماء هو النموذج الأعلى للحكمة، لأنه يلين ولا ينكسر، وينساب إلى أدنى المواضع دون عرقلة، ومع ذلك يتغلب في النهاية رويداً رويداً على أصلب الأشياء. وفي العصر الحديث سيعود الماء مادة للتأمل الداخلي، حين رآه باشلار عنصراً للحلم والذاكرة والعمق. في كتابه «الماء والأحلام» يصفه بأنه مادة خيال حميمة تشكّل الوعي الباطن. فالماء لا يعكس العالم الخارجي فقط، بل يوقظ طبقات خفية من التجربة الداخلية.

وحين تأمل هايدغر النهر لم ينظر إليه كعنصر طبيعي فحسب، بل كموضع يتشكل فيه سكن الإنسان وينكشف فيه العالم، حيث يجتمع المكان والزمان والسكن في مجرى واحد. في شروحه لهولدرلين، تحدث عن الراين لا كجسم طبيعي، بل على أنه «مكان ظهور» للتاريخ والشعب والسكن. النهر عنده ليس ماءً جارياً فقط، بل مجال تنكشف فيه علاقة الإنسان بالأرض والسماء. وفي مثال (الجسر) في محاضرة «البناء والسكن والتفكير» عندما يتحدث عن جسر فوق نهر، يقول إن الجسر لا يربط ضفتين فقط، بل يكشف المكان ويجمع الأرض والسماء والبشر والقداسة. النهر هنا جزء مما يسميه «الرباعي». أي أن الماء يدخل ضمن بنية انكشاف العالم لا كموضوع مستقل. الإنسان لا يوجد في فراغ بل يسكن عالماً. والأنهار من أبرز المواضع التي يتشكل فيها هذا السكن، لأنها تجمع الطبيعة والتاريخ والفعل البشري.

ومع كل قراءة جديدة يعود الماء ليذكّر الفكر بأن أكثر الأشياء بساطة في التجربة قد تكون أكثرها عمقاً في المعنى. بهذا المسار الطويل انتقل الماء من كونه عنصراً طبيعياً إلى رمز وجودي، وما بدأ عند ضفاف الأنهار بوصفه شرطاً للحياة صار في الفلسفة سؤالاً عن أصل العالم ومعناه. لم يكن النهر مجرد خلفية صامتة للتاريخ، بل أحد عناصره الخفية التي تعمل في العمق، ومن حضوره اليومي انبثق سؤال التفكير نفسه. والنيل، مثل سائر الأنهار الكبرى، يضعنا أمام هذه الحقيقة القديمة المتجددة، أن الإنسان لم يعش إلى جوار الماء فحسب، بل فكَّر من خلاله أيضاً. وحين نعيد النظر إلى الماء لا بوصفه مورداً طبيعياً فقط، بل بوصفه أحد مفاتيح فهم علاقتنا بالعالم، يتضح أن التفلسف عليه ليس ترفاً ذهنياً، بل محاولة لقراءة الحياة في منبعها الأول.


العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر
TT

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

تبدو رواية «الخروج من البوابة الحمراء» للكاتب المصري محمد سعيد محفوظ للوهلة الأولى وكأنها تقوم على بنية درامية بسيطة ومألوفة عبر كتابة اليوميات، لكنها جاءت مشحونة بتأملات فلسفية وخواطر إنسانية تمزج الشجن بالسخرية على هامش تجربة حقيقية يستند إليها العمل وهو إقامة المؤلف لمدة عشرة أيام كاملة في فندق بمدينة لندن كإجراء احترازي وهو «العزل» عند سفره إلى بريطانيا في أثناء جائحة كورونا التي ضربت العالم قبل سنوات.

في الطبعة الجديدة من العمل الصادرة عن دار«ميدياتوبيا»، يروي المؤلف مذكراته في ردهات أغرب معتقل وسمه باسم «زنزانة العزل»، حيث ينسج تفاصيل وحدته القاسية، يوماً بيوم، ودقيقة بدقيقة، لتتفجر من بين سطوره مفارقات المشاعر الإنسانية وأكثرها شجناً.

تتصاعد سطوة العزلة في وجدانه حتى تضيق بها الروح، فيتساءل بمرارة عما إذا كان من الممكن أن يخرج من هذا الحصار معافىً، أم أن جراح النفس سترافقه إلى عيادات الأطباء بعد العناق الأول للحرية، ومن ذا الذي سيرمم وهن جسده، ويداوي عضلاته التي تيبست، وأقدامه التي أثقلها التورم من فرط المكوث خلف قضبان الصمت.

يكتسب النص قيمته من الحكي الحميم عبر لغة بسيطة تتخفف من الجماليات والزخارف البلاغية، فما تستهدفه هو نقل ضغط اللحظة وأشواق الروح عبر عين بارعة في التقاط التفاصيل الصغيرة والمفارقات الدرامية، وكأن «العزل» رغم قسوته فتح نوافذ للتأمل في الذات والحياة والواقع الإنساني برمته.

في تقديمها للكتاب، ترى الكاتبة سكينة فؤاد أن التعبير عن تلك التجربة بلغ ذروة الصدق، حتى كادت أن تتوحد مع آلام كاتبها وهو يدير تفاصيل حياته الرتيبة داخل زنزانة ضيقة؛ حجرة هي العالم بأسره، يمارس فيها طقوس بقائه، ولا ينقصه فيها شيء سوى الحرية، أثمن ما يهبه الوجود.

وتضيف: «هي سطور مست أعماقي، وأثق أنها ستوقظ الصدى ذاته في نفوس كل الذين كبلتهم قضبان فُرضت عليهم قسراً، ليصرخوا مع المؤلف في تساؤل وجودي حارق: كيف قهرتُ نفسي كل هذه السنوات ثم أشكو من هذا السجن الرمزي؟ أنا خبير في تضييع الحرية، وما العزل إلا عينة مما أكابد!».

ويروي محفوظ كيف أنه لم يكن يبالي مطلقاً حين طرقت أصابعه لوحة المفاتيح لتدوين هذه اليوميات وأن يسعى لنشرها في كتاب؛ فقد كان كل ما يشغله حينها هو التنفيس عن الضيق الذي يشعر به، وتفريغ ما يعانيه من كبت، فمنذ الطفولة، لم يجد لي صديقاً يتفهمه كالقلم، وظلت هذه العلاقة وطيدة حتى بعد أن استبدل بريشته أزرار الكمبيوتر. بدأ بنشر اليومية الأولى مقتضبةً على «فيسبوك»، فحظيت باهتمام بعض الأصدقاء، ما دفعه لإتباعها بالثانية ثم الثالثة والرابعة، مع إضافة مزيد من التفاصيل المادية والحسية، ومع ازدياد التفاعل، وجد في هذا التدوين الأنيس والسلوى لروحه.

في اليوميات يتذكر أنه عند هبوط الركاب من الطائرة وتوجههم إلى فندق قريب، وُجّه كل راكب إلى طاولة مستقلة لملء بيانات نظامه الصحي والغذائي، حيث استمعوا إلى شرح أحد الموظفين، من خلف قناعه، حول طبيعة وسير الحياة في هذا «السجن الفندقي». أوضح الموظف أن خروجه للتريض مشروط بالحصول على تصريح مسبق من أقرب حارس لغرفته أو من إدارة الأمن، كما أكد أن موظف أمن سيرافقه لضمان التزامه بقيود التباعد، مع ضرورة ارتداء الكمامة باستمرار خارج الغرفة، ومنع التدخين نهائياً بداخلها، مع توفير بدائل النيكوتين لمن يحتاج إليها.

شملت التحذيرات منع استقبال أي ضيوف داخل الغرفة، أو الدخول لغرف نزلاء آخرين من خارج دائرته المقربة، وبدلاً من ذلك، يمكنه التواصل مع عائلته وأصدقائه عبر تطبيقي «زووم» أو «سكايب»، مستفيداً من شبكة الإنترنت المجانية المتاحة في الغرف.

أشار الموظف في ختام حديثه إلى أن فنادق العزل تحظى باهتمام الرأي العام، ما قد يدفع وسائل الإعلام للتواصل معه، وأكد أن له كامل الحرية في التحدث إليهم أو الرفض، مشدداً على ضرورة احترام خصوصية النزلاء والموظفين، وعدم التقاط أي صور لهم دون إذن مسبق.

ويحق للفندق الاحتفاظ بأي بريد يصل إلى النزيل في حال الاشتباه بوجود خطر على الصحة أو الأمن، على أن يتم تسليمه له عند المغادرة ما لم تتم إعادته للمرسل، كما أن المشروبات الكحولية متاحة عبر خدمة الغرف، مع التأكيد على عدم الإفراط في تناولها لضمان قدرة النزلاء على الاستجابة لتعليمات الحراس.

أوضح الموظف كذلك أن عمال النظافة ممنوعون من دخول الغرف، لذا تقع مسؤولية التنظيف على عاتق النزيل باستخدام الأدوات والمساحيق المتوفرة بالغرفة، كما تشمل تكلفة العزل غسل سبع قطع ملابس صغيرة فقط بمغسلة الفندق طوال فترة الإقامة.

وبالأخير، نجح النص في تحويل العزلة إلى فضاء للتأملات والتداعي الحر في لحظة نفسية مشحونة بالخوف والقلق، مع التطرق بطريقة غير مباشرة إلى أزمات تعاني منها الأجيال الجديدة مثل الانطوائية، والرهاب الاجتماعي، فضلاً عن أثر غياب دور الأهل، ما جعل العمل يلامس واقع الشباب العربي.