الأزمة الليبية في عهدة «دول الجوار»

قراءة في المشهد الداخلي قبل لقاء السراج ـ حفتر المرتقب

الأزمة الليبية في عهدة «دول الجوار»
TT

الأزمة الليبية في عهدة «دول الجوار»

الأزمة الليبية في عهدة «دول الجوار»

تتجه الأنظار إلى لقاء مرتقب في العاصمة المصرية القاهرة بين رئيس المجلس الرئاسي الليبي فايز السراج المدعوم من الأمم المتحدة، وقائد الجيش المشير خليفة حفتر، الذي يسانده البرلمان. ويأتي هذا بعد أسابيع من محاولات قامت بها دول الجوار الليبي وأطراف دولية لوضع حد للأزمة الراهنة والمتطاولة في ليبيا، وخصوصا، لمواجهة أخطار الإرهاب العابر للحدود والهجرة غير الشرعية. وبعد نحو سنتين من احتكار الأمم المتحدة محاولات الحل، دخلت خلال الشهور الأخيرة «دول الجوار العربي» لليبيا - أي مصر وتونس والجزائر - على الخط، بقوة، بحضور المبعوث الدولي إلى ليبيا مارتن كوبلر. وتقول هذه الدول إنها لا تبحث عن بديل للاتفاق الذي جرى توقيعه في بلدة الصخيرات المغربية في نهاية عام 2015 بين عدة أطراف ليبية ونتج عنه المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق برئاسة السراج، لكنها تحاول تطبيق الاتفاق على أرض الواقع بعد الاستماع إلى أطراف الصراع وتعديل ما يمكن تعديله.
من المرجح أن يشارك في اللقاء المزمع في القاهرة رئيس المجلس الرئاسي الليبي، فايز السراج، وقائد الجيش، المشير خليفة حفتر، والمستشار عقيلة صالح. وللعلم، لن يكون هذا أول لقاء بين رئيس المجلس الرئاسي وقائد الجيش، إذ سبق لهما اللقاء المباشر في مطلع العام الماضي.
يشرف على إدارة الملف الليبي من القاهرة، الفريق محمود حجازي، رئيس أركان الجيش المصري. ويهدف اللقاء بين الأطراف الليبية الرئيسية إلى تقريب وجهات النظر وإيجاد حل سياسي، إلا أن قادة سياسيين وقبليين محسوبين على النظام السابق ينظرون بعين الريبة إلى المستقبل. ووفقا لما تعلنه الأطراف الليبية المحلية، فإن خيار الحوار لا مفر منه، وأنه أمر لا يمكن أن يرفضه أي طرف. ويتحدث مسؤولون في دول الجوار بالطريقة نفسها، وهو أمر محمود لدى الأمم المتحدة أيضا، لكن الإجراءات التي يتخذها المتصارعون على الأرض الليبية، أي الذين يمسكون بالسلاح وبالأموال، يبدو أنها تسير بالبلاد في طريق قد يأخذها بعيدا عن الحلول السياسية الطموحة.
وبشكل عام، يلاحظ وجود مرونة في مواقف عدة شخصيات مما يسمى «تيار الإسلام السياسي» محسوبة على المجلس الرئاسي، حيال الحوار مع حفتر، وبخاصة بعد تنصيب الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترمب من جانب، ووجود تقارب بين المشير الليبي وقيادات عسكرية من روسيا من جانب آخر، إلا أن ميليشيات جهوية ومذهبية تحاول مقاومة الواقع الجديد.
بالتزامن مع مثل هذه المتغيرات استضافت القاهرة اجتماعا لوزراء خارجية دول الجوار الليبي. وكان هذا ثاني اجتماع من نوعه يعقد في القاهرة. ويقول مصدر عسكري مقرب من حفتر إنه مستعد للمشاركة في أي لقاءات مع الطرف الآخر، بمن في ذلك السَّراج، ضمن الجهود الدبلوماسية التي ترعاها مصر. كما عبر السَّراج عن أنه ليس لديه مانع من الجلوس مع حفتر.
أما بالنسبة لاتفاق الصخيرات فإنه يضم بنودا توصف بـ«الملغمة» منها ما يخص الموقف من الجيش وتعيين رؤساء الأجهزة الأمنية. ولم يتمكن البرلمان من دمج الاتفاق في الإعلان الدستوري المعمول به في البلاد منذ عام 2011، وبالتالي ظل الاتفاق دون آلية لتنفيذه، رغم مباشرة السراج وحكومته المقترحة للعمل من طرابلس. ومن المقترح إدخال تعديلات جوهرية على الاتفاق، منها تقليص عدد نواب رئيس المجلس الرئاسي إلى نائبين فقط بدلا من ثمانية، والإبقاء على موقع القائد الأعلى للقوات المسلحة بيد رئيس البرلمان بدلا من منح هذا المنصب لرئيس المجلس الرئاسي كما ورد في اتفاق الصخيرات.

المخاوف الأمنية
وراهنًا تخشى كل من مصر وتونس والجزائر من تطاير نار المتطرفين في ليبيا عبر حدود كل دولة. ونفذ مَن يُعتقد أنهم متطرفون هجمات على مواقع أمنية في غرب مصر في منطقة قريبة من الحدود مع ليبيا. كما يوجد نشاط لمتطرفين تونسيين انطلاقا من ليبيا، وبخاصة من جانب تنظيمي أنصار الشريعة و«داعش». وتخشى الجزائر من استغلال المتطرفين الحدود الهشة مع الجانب الليبي للتغلغل داخل أراضيها. وتأتي هذه المخاوف بعد رصد الأجهزة الأمنية لجوء عدة آلاف من عناصر الجماعات المتشددة من كل من العراق وسوريا، إلى ليبيا.
ويعتقد عدد من قادة النظام السابق، سواء من العسكريين أو السياسيين، أن الحوار الجاري بين الأطراف الليبية، بما في ذلك حوار الصخيرات، حوار يقتصر حتى الآن على فريقي 17 فبراير (شباط)، والمقصود بذلك الحكام الجدد الذين تولوا السلطة بعد مقتل معمر القذافي، وأصدروا قرارات تقضي بإبعاد كل رموز النظام السابق عن تولي أي مسؤوليات في الدولة. وبغض النظر عن أي من المواقف المسبقة، يتفق الجميع على أنه لا يمكن الوصول إلى حل في ليبيا طالما ظلت الميليشيات في العاصمة تحتفظ بترسانة من الأسلحة الثقيلة، سواء كانت موالية للسراج أو للغويل.

قراءة قذّاف الدم
أحمد قذاف الدم، المسؤول السياسي لجبهة النضال الوطني الليبية، قال خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، بشأن تقييمه للحراك الظاهر بين دول جوار ليبيا بشأن حل الأزمة الليبية: «شيء جيد أن تتوافق دول الجوار الليبي، لتجد مخرجا للأزمة التي تتحول تدريجيًا إلى كارثة». إلا أنه يضيف موضحا أن «الإشكالية التي وقعوا فيها هي أنهم بنوا مقترحات على تصور خاطئ للمشهد الليبي... من مؤتمر الصخيرات الأعرج الذي لم يكن يمثل القوة الحية والواقعية في ليبيا... وقرار مجلس الأمن الذي أراد فرض حكومة لم يجزها البرلمان، ولم تستطع حتى هذه الساعة أن تضع أقدامها على ليبيا، وبقت حبيسة في القاعدة البحرية».
وتابع قذاف الدم قائلا إن «الملاحظة الأخرى... هي المطالبة برفع القيود على الأرصدة الليبية لتسلم إلى مافيات... فهؤلاء بددوا في هذه السنوات العجاف (منذ 2011) أكثر من 150 مليار دولار، ولم يقوموا ببناء طوبة واحدة في بلد يغرق في الظلام والجوع والخوف، بينما توقع عقود السلاح، ويجري جلب المرتزقة من كل مكان لقتل أبناء شعبنا».

تسابق دولي
وإلى جانب قلق دول الجوار من الوضع المأساوي في ليبيا، تتسابق قوى دولية، من بينها روسيا وأوروبا والولايات المتحدة، من أجل جني الثمار مستقبلا من هذه الدولة الغنية بالنفط، وبخاصة أن ليبيا مقبلة على إعادة إعمار ما خربته الحرب وشراء أسلحة بمليارات الدولارات، بعد رفع الحظر الدولي على استيراد السلاح. وستحتاج ليبيا إلى جيش موحد، كما يقول كوبلر، لكن الموضوع لا يبدو بهذه البساطة. فمنذ قصف حلف شمال الأطلسي «الناتو» قوات الجيش الليبي لمدة ثمانية أشهر عام 2011، تعرَّض هذا الجيش لخلل كبير، وهناك قسم منه اندمج مع الميليشيات الجهوية والمذهبية، وقسم آخر يعمل تحت قيادة حفتر وحكومة عبد الله الثني في الشرق، وقسم ثالث يرفض الانخراط مع أي من الفريقين باعتبارهما من مخرجات الانتفاضة التي أسقطت حكم القذافي. وتدين غالبية الميليشيات بمن فيها من عسكريين، بالولاء إلى متنافسين اثنين في العاصمة طرابلس هما «مجلس» السراج الذي يدير أعماله من قاعدة «بوستة» العسكرية على شاطئ طرابلس، و«حكومة» خليفة الغويل في العاصمة نفسها. ويوجد وزير مكلف بحقيبة وزارة الدفاع في «حكومة الوفاق» برئاسة السراج، هو مهدي البرغثي، لكن الجناح العسكري الذي يعتمد عليه يتكون في معظمه من ميليشيات منتشرة بين طرابلس ومصراتة والجفرة. ويقول مصدر عسكري إنه كلما اتخذ السراج خطوة في اتجاه المصالحة مع خصومه في الشرق، وعلى رأسهم حفتر، أبدت الميليشيات تحركا ضد سلطة وزير دفاع السراج، مشيرة إلى أن آخر تحرك من هذا النوع تزامنَ مع اعتزام رئيس المجلس الرئاسي مقابلة حفتر، وكان من جهة ميليشيا تعرف باسم «الصمود».
كذلك تتبع ميليشيات كثيرة، وزارة الدفاع ووزارة الداخلية التابعتين للسراج، لكنها تبعية إدارية في معظمها تتعلق فقط بصرف الرواتب وشراء الوقود والمعدات. وقبل يومين أصدرت ميليشيا «الصمود» أوامر بعدم صرف الوقود إلى الآليات شبه العسكرية في العاصمة إلا بعد الرجوع إليها، وقامت على هذا بمحاصرة مستودع خزانات النفط في طريق المطار الدولي، كما اتخذت هذه الميليشيا خطوة أخرى من شأنها أن تضعف قدرات المجلس الرئاسي في العاصمة قبل دخوله في مفاوضات مع حفتر. وهذه الخطوة تتعلق باقتراح منها، جرى تقديمه إلى الغويل رئيس «حكومة الإنقاذ» بضم عدة ميليشيات تحت قيادته.

بنادق للإيجار
الدكتور محمد الزبيدي، الرئيس السابق للجنة القانونية لمؤتمر القبائل الليبية قال لـ«الشرق الأوسط» إن مثل هذه الميليشيات «بنادق للإيجار، لا توالي السراج، ولا الغويل، بل توالي من يدفع أكثر»، مشيرا إلى أن اتفاق الصخيرات خوَّل للمجلس الرئاسي صرف الأموال، فأعلنت تلك الميليشيات أنها مع المجلس، وحين تبين أنه لم يستطع تسييل كثير من الأموال المطلوبة لها، وتسديد رواتبها، عادت لقواعدها حيث إن معظمها من الموالين للغويل وليس السراج. وفي حال تراجع مؤيدو السراج فإن مفاوضاته مع حفتر ربما تكون لصالح الأخير؛ فالمجلس الرئاسي لم يتمكن أيضا من سداد باقي رواتب ومكافآت «قوات البنيان المرصوص» التي كانت تقاتل «داعش» في سرت. وحسب الدكتور الزبيدي فإن «السراج وعد قوات البنيان المرصوص بالمن والسلوى في حال انتصارها على (داعش) سرت، لكن كثيرين من عناصر هذه القوات لم يحصلوا على شيء حتى الآن؛ ولذا ما زال كثير منها يحتل بيوتا في منطقة (الحي السكني رقم 300) في سرت، رافضين إخلاء تلك البيوت إلى أن يحصلوا على باقي مستحقاتهم». ثم أشار إلى أن «الميليشيات تبحث عمن يدفع أكثر... ولو وعدها الجيش بقيادة حفتر أو البرلمان برئاسة صالح، بأنه سيتكفل برواتبها، فأعتقد أنها لن تتردد في الانضمام إليه».
وبينما يقف جيش حفتر مع البرلمان الذي يضطر، منذ انتخابه في 2014 إلى عقد جلساته في مدينة طبرق، بشمال شرقي البلاد، يشترط الفريق العسكري الصامت - كما يطلق عليه - وضع آلية جديدة لا تعتمد على مخرجات «الثورة التي قامت ضد النظام السابق» للمشاركة في «الجيش الموحد»، من بينها إعادة النظر في شكل علم الدولة الذي يرمز لحقبة ما بعد القذافي. وهذه أمور يبدو أن الأطراف الدولية لا تريد الخوض فيها. ووفق مصادر عسكرية يحتاج حفتر إلى أنصار أقوياء في الغرب الليبي كي يتمكن من بسط سلطاته هناك. وإذا لم يتمكن من كسب ود السراج فإن اللقاء معه من شأنه أن يفتت التكتل الميليشياوي الموالي له.

منظور «دول الجوار»
ومن جانبه، يضيف قذاف الدم، قائلا إن دول الجوار «يجب أن تتحرك وفقًا لمنظور مختلف، وليس تابعا لدول لا تبحث عن حل بل تدير الصراع في ليبيا ولا تريد له حلاً... إذ إن عينها على ليبيا كمكب لنفاياتها، ولكي تؤمن ظهر أوروبا وتوقع معها عقود النفط والغاز والبناء والسلاح، وتطل من خلالها على دول جنوب الصحراء، وتوطن ملايين من أجناس أخرى، ما سيغيّر ديموغرافية الدولة الليبية ودينها... كل هذا يتعارض مع مصالح دول الجوار التي تحتاج غدًا للعمل في ليبيا».
وعما إذا كان يعتقد وجود تنافس مصري - تونسي - جزائري على الإمساك بملف الحل في ليبيا، يقول قذاف الدم: «التنافس يفرضه الوضع في ليبيا... فمصر تتعامل مع حكومة الشرق لتأمين حدودها، وتجد الجزائر بالمقابل تتعاطى مع حكومتي الغرب أيضًا لتأمين نفسها». ويضيف: «نحن ندعو كل إخواننا العرب لئلا يكرروا الأخطاء التي وقعت في 2011، ونحذّر من إقصاء أصحاب الوطن الذين لم يحملوا السلاح حتى الآن» - في إشارة إلى أنصار النظام السابق - محذرا مما سماه «التعاطي الأحادي لحل الأزمة من جانب بعض الدول، مع نظام نصبته صواريخ الغرب (يقصد طبقة من حكام ما بعد القذافي) وهذا أمر لا يصنع شرعية».
ومن جانبه، قال الدكتور الزبيدي إنه أمام هذا الواقع المعقد في ليبيا فإن «اللقاء بين حفتر والسراج لن يقدم أو يؤخر في شيء فيما يتعلق بالحالة الليبية؛ فالسيد السراج متمسك باتفاق الصخيرات والصلاحيات التي منحها له الاتفاق الذي سيصبح جزءا من الدستور الليبي، بما فيها صلاحيات تتعلق بالمؤسسة العسكرية وصرف الأموال وإعلان حالة الحرب والسلم، وهي صلاحيات واسعة لا مثيل لها في باقي دساتير النظم الرئاسية في العالم». وعن تفسيره للتطورات الأخيرة التي تؤشر لتقارب مزمع بين السراج وحفتر، أوضح الزبيدي أن «السراج يحاول كسب ود المؤسسة العسكرية بقيادة حفتر بحكم انتصاراتها التي حققتها مؤخرًا على الأرض، ووجودها على مشارف طرابلس، وهذا دافع أساسي للسراج لعقد صفقة مع المنتصرين، ويمثل شكلا من أشكال القفز من سفينة إلى أخرى؛ وعلى كل حال فإن اللقاء بين الرجلين قد يُعقد وقد لا يُعقد».
مع هذا، يتركز الرهان الآن على ما تستطيع كل دولة من «دول الجوار» تقديمه من تنازلات للخروج بالمشكلة الليبية إلى بر الأمان... فلدى مصر علاقات قوية مع المشير حفتر ورئيس البرلمان صالح، وتونس تحتفظ بعلاقات جيدة مع السراج وعدد من أعضاء مجلسه الرئاسي. ولدى الجزائر اتصالات معتبرة مع قيادات أخرى في العاصمة الليبية. وإضافة إلى وجود الأمم المتحدة، من خلال كوبلر، بصفته متابعا لمثل هذه التحركات، يحاول الاتحاد الأفريقي بذل مزيد من الجهود للوصول إلى توافق بين الليبيين، كما بدأ على هامش التحضير لاجتماعات اللجنة رفيعة المستوى لرؤساء دول الاتحاد الأفريقي ودول الجوار حول ليبيا، في الكونغو.
في هذه الأثناء، يرفض أحد قيادات مدينة مصراتة، ذات التسليح الميليشياوي القوي، وهو محسوب على اتفاق الصخيرات، إجراء السراج لقاء مع حفتر. وتلقى نبأ اعتزام عقد مفاوضات بينهما في القاهرة، بـ«الغضب»، وفقا لما أفاد به مسؤول في فرع جهاز الأمن القومي الليبي في مصراتة. وعلى هذا، انتقلت الخلافات إلى مقر المجلس الرئاسي في قاعدة بوستة. ووفقا للمسؤول نفسه، فقد قدم أحد الشخصيات المرموقة في المجلس تبريرات لضرورة إنجاز جلسة برعاية مصرية بين السراج وحفتر، وقال إن مقابلة حفتر والتحاور معه مباشرة حول طاولة واحدة لا يعني الموافقة على رأيه، «فلنجلس معه... لا بد أن نبرهن للمجتمع الدولي ولدول الجوار، على أننا لسنا متشبثين برأينا، ولسنا متعصبين لموقف بعينه، وأننا مع أي جهود تبذل لحل الأزمة».
وعلى الصعيد نفسه، تقول «جبهة النضال الوطني»، التي تضم غالبية أنصار النظام السابق وبعض القبائل الموالية له، إن الصراع في ليبيا «لم يعد على سلطة»، بل «المعركة الواجبة الآن هي إنقاذ الوطن». وطرحت «الجبهة» مبادرة على هذا الأساس «بعد دراسة معمقة للواقع الليبي»، قائلة إنه لا بد من «تجاوز محاولات الأمم المتحدة التي عزلت أكثر من نصف الشعب الليبي في كل حواراتها، حتى أصبح الجميع ينظر إليها باعتبارها تدير الصراع، ولا تريد حلا لهذا الصراع». ووفق «الجبهة»، فإنه لا بد من النظر إلى ليبيا، في الوقت الراهن، على أنها «وطن للجميع»، وأنه لا يوجد منتصر في الصراع المستمر منذ 2011، رغم تدخل «الناتو» في إسقاط النظام السابق، مشيرة إلى أن كل القوى الدولية التي تدخلت في ليبيا منذ ذلك الوقت بدأت تعترف في الفترة الأخيرة بأنها ارتكبت أخطاء بإسقاطها النظام، وهو أمر ترتب عليه تشريد ملايين الليبيين والزج بعشرات الآلاف من الرجال والنساء في السجون، ونهب الثروات، وتدمير البنية التحتية، وسقوط عشرات الآلاف من الضحايا.
وتضمنت مبادرة «الجبهة»، التي اطلعت عليها «الشرق الأوسط»، الدعوة لخروج السجناء وعودة المهجرين، وإجراء انتخابات حرة تحت رعاية الأمم المتحدة تشمل الجميع، إلى جانب تجميع الأسلحة الثقيلة والمتوسطة (من الميليشيات) في معسكرات تابعة للجيش وتوثيق الأسلحة الخفيفة، مع تخصيص مبلغ 400 مليار دولار لإعادة البناء وتضميد الجراح وعودة الأمل.



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.