الأزمة الليبية في عهدة «دول الجوار»

قراءة في المشهد الداخلي قبل لقاء السراج ـ حفتر المرتقب

الأزمة الليبية في عهدة «دول الجوار»
TT

الأزمة الليبية في عهدة «دول الجوار»

الأزمة الليبية في عهدة «دول الجوار»

تتجه الأنظار إلى لقاء مرتقب في العاصمة المصرية القاهرة بين رئيس المجلس الرئاسي الليبي فايز السراج المدعوم من الأمم المتحدة، وقائد الجيش المشير خليفة حفتر، الذي يسانده البرلمان. ويأتي هذا بعد أسابيع من محاولات قامت بها دول الجوار الليبي وأطراف دولية لوضع حد للأزمة الراهنة والمتطاولة في ليبيا، وخصوصا، لمواجهة أخطار الإرهاب العابر للحدود والهجرة غير الشرعية. وبعد نحو سنتين من احتكار الأمم المتحدة محاولات الحل، دخلت خلال الشهور الأخيرة «دول الجوار العربي» لليبيا - أي مصر وتونس والجزائر - على الخط، بقوة، بحضور المبعوث الدولي إلى ليبيا مارتن كوبلر. وتقول هذه الدول إنها لا تبحث عن بديل للاتفاق الذي جرى توقيعه في بلدة الصخيرات المغربية في نهاية عام 2015 بين عدة أطراف ليبية ونتج عنه المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق برئاسة السراج، لكنها تحاول تطبيق الاتفاق على أرض الواقع بعد الاستماع إلى أطراف الصراع وتعديل ما يمكن تعديله.
من المرجح أن يشارك في اللقاء المزمع في القاهرة رئيس المجلس الرئاسي الليبي، فايز السراج، وقائد الجيش، المشير خليفة حفتر، والمستشار عقيلة صالح. وللعلم، لن يكون هذا أول لقاء بين رئيس المجلس الرئاسي وقائد الجيش، إذ سبق لهما اللقاء المباشر في مطلع العام الماضي.
يشرف على إدارة الملف الليبي من القاهرة، الفريق محمود حجازي، رئيس أركان الجيش المصري. ويهدف اللقاء بين الأطراف الليبية الرئيسية إلى تقريب وجهات النظر وإيجاد حل سياسي، إلا أن قادة سياسيين وقبليين محسوبين على النظام السابق ينظرون بعين الريبة إلى المستقبل. ووفقا لما تعلنه الأطراف الليبية المحلية، فإن خيار الحوار لا مفر منه، وأنه أمر لا يمكن أن يرفضه أي طرف. ويتحدث مسؤولون في دول الجوار بالطريقة نفسها، وهو أمر محمود لدى الأمم المتحدة أيضا، لكن الإجراءات التي يتخذها المتصارعون على الأرض الليبية، أي الذين يمسكون بالسلاح وبالأموال، يبدو أنها تسير بالبلاد في طريق قد يأخذها بعيدا عن الحلول السياسية الطموحة.
وبشكل عام، يلاحظ وجود مرونة في مواقف عدة شخصيات مما يسمى «تيار الإسلام السياسي» محسوبة على المجلس الرئاسي، حيال الحوار مع حفتر، وبخاصة بعد تنصيب الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترمب من جانب، ووجود تقارب بين المشير الليبي وقيادات عسكرية من روسيا من جانب آخر، إلا أن ميليشيات جهوية ومذهبية تحاول مقاومة الواقع الجديد.
بالتزامن مع مثل هذه المتغيرات استضافت القاهرة اجتماعا لوزراء خارجية دول الجوار الليبي. وكان هذا ثاني اجتماع من نوعه يعقد في القاهرة. ويقول مصدر عسكري مقرب من حفتر إنه مستعد للمشاركة في أي لقاءات مع الطرف الآخر، بمن في ذلك السَّراج، ضمن الجهود الدبلوماسية التي ترعاها مصر. كما عبر السَّراج عن أنه ليس لديه مانع من الجلوس مع حفتر.
أما بالنسبة لاتفاق الصخيرات فإنه يضم بنودا توصف بـ«الملغمة» منها ما يخص الموقف من الجيش وتعيين رؤساء الأجهزة الأمنية. ولم يتمكن البرلمان من دمج الاتفاق في الإعلان الدستوري المعمول به في البلاد منذ عام 2011، وبالتالي ظل الاتفاق دون آلية لتنفيذه، رغم مباشرة السراج وحكومته المقترحة للعمل من طرابلس. ومن المقترح إدخال تعديلات جوهرية على الاتفاق، منها تقليص عدد نواب رئيس المجلس الرئاسي إلى نائبين فقط بدلا من ثمانية، والإبقاء على موقع القائد الأعلى للقوات المسلحة بيد رئيس البرلمان بدلا من منح هذا المنصب لرئيس المجلس الرئاسي كما ورد في اتفاق الصخيرات.

المخاوف الأمنية
وراهنًا تخشى كل من مصر وتونس والجزائر من تطاير نار المتطرفين في ليبيا عبر حدود كل دولة. ونفذ مَن يُعتقد أنهم متطرفون هجمات على مواقع أمنية في غرب مصر في منطقة قريبة من الحدود مع ليبيا. كما يوجد نشاط لمتطرفين تونسيين انطلاقا من ليبيا، وبخاصة من جانب تنظيمي أنصار الشريعة و«داعش». وتخشى الجزائر من استغلال المتطرفين الحدود الهشة مع الجانب الليبي للتغلغل داخل أراضيها. وتأتي هذه المخاوف بعد رصد الأجهزة الأمنية لجوء عدة آلاف من عناصر الجماعات المتشددة من كل من العراق وسوريا، إلى ليبيا.
ويعتقد عدد من قادة النظام السابق، سواء من العسكريين أو السياسيين، أن الحوار الجاري بين الأطراف الليبية، بما في ذلك حوار الصخيرات، حوار يقتصر حتى الآن على فريقي 17 فبراير (شباط)، والمقصود بذلك الحكام الجدد الذين تولوا السلطة بعد مقتل معمر القذافي، وأصدروا قرارات تقضي بإبعاد كل رموز النظام السابق عن تولي أي مسؤوليات في الدولة. وبغض النظر عن أي من المواقف المسبقة، يتفق الجميع على أنه لا يمكن الوصول إلى حل في ليبيا طالما ظلت الميليشيات في العاصمة تحتفظ بترسانة من الأسلحة الثقيلة، سواء كانت موالية للسراج أو للغويل.

قراءة قذّاف الدم
أحمد قذاف الدم، المسؤول السياسي لجبهة النضال الوطني الليبية، قال خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، بشأن تقييمه للحراك الظاهر بين دول جوار ليبيا بشأن حل الأزمة الليبية: «شيء جيد أن تتوافق دول الجوار الليبي، لتجد مخرجا للأزمة التي تتحول تدريجيًا إلى كارثة». إلا أنه يضيف موضحا أن «الإشكالية التي وقعوا فيها هي أنهم بنوا مقترحات على تصور خاطئ للمشهد الليبي... من مؤتمر الصخيرات الأعرج الذي لم يكن يمثل القوة الحية والواقعية في ليبيا... وقرار مجلس الأمن الذي أراد فرض حكومة لم يجزها البرلمان، ولم تستطع حتى هذه الساعة أن تضع أقدامها على ليبيا، وبقت حبيسة في القاعدة البحرية».
وتابع قذاف الدم قائلا إن «الملاحظة الأخرى... هي المطالبة برفع القيود على الأرصدة الليبية لتسلم إلى مافيات... فهؤلاء بددوا في هذه السنوات العجاف (منذ 2011) أكثر من 150 مليار دولار، ولم يقوموا ببناء طوبة واحدة في بلد يغرق في الظلام والجوع والخوف، بينما توقع عقود السلاح، ويجري جلب المرتزقة من كل مكان لقتل أبناء شعبنا».

تسابق دولي
وإلى جانب قلق دول الجوار من الوضع المأساوي في ليبيا، تتسابق قوى دولية، من بينها روسيا وأوروبا والولايات المتحدة، من أجل جني الثمار مستقبلا من هذه الدولة الغنية بالنفط، وبخاصة أن ليبيا مقبلة على إعادة إعمار ما خربته الحرب وشراء أسلحة بمليارات الدولارات، بعد رفع الحظر الدولي على استيراد السلاح. وستحتاج ليبيا إلى جيش موحد، كما يقول كوبلر، لكن الموضوع لا يبدو بهذه البساطة. فمنذ قصف حلف شمال الأطلسي «الناتو» قوات الجيش الليبي لمدة ثمانية أشهر عام 2011، تعرَّض هذا الجيش لخلل كبير، وهناك قسم منه اندمج مع الميليشيات الجهوية والمذهبية، وقسم آخر يعمل تحت قيادة حفتر وحكومة عبد الله الثني في الشرق، وقسم ثالث يرفض الانخراط مع أي من الفريقين باعتبارهما من مخرجات الانتفاضة التي أسقطت حكم القذافي. وتدين غالبية الميليشيات بمن فيها من عسكريين، بالولاء إلى متنافسين اثنين في العاصمة طرابلس هما «مجلس» السراج الذي يدير أعماله من قاعدة «بوستة» العسكرية على شاطئ طرابلس، و«حكومة» خليفة الغويل في العاصمة نفسها. ويوجد وزير مكلف بحقيبة وزارة الدفاع في «حكومة الوفاق» برئاسة السراج، هو مهدي البرغثي، لكن الجناح العسكري الذي يعتمد عليه يتكون في معظمه من ميليشيات منتشرة بين طرابلس ومصراتة والجفرة. ويقول مصدر عسكري إنه كلما اتخذ السراج خطوة في اتجاه المصالحة مع خصومه في الشرق، وعلى رأسهم حفتر، أبدت الميليشيات تحركا ضد سلطة وزير دفاع السراج، مشيرة إلى أن آخر تحرك من هذا النوع تزامنَ مع اعتزام رئيس المجلس الرئاسي مقابلة حفتر، وكان من جهة ميليشيا تعرف باسم «الصمود».
كذلك تتبع ميليشيات كثيرة، وزارة الدفاع ووزارة الداخلية التابعتين للسراج، لكنها تبعية إدارية في معظمها تتعلق فقط بصرف الرواتب وشراء الوقود والمعدات. وقبل يومين أصدرت ميليشيا «الصمود» أوامر بعدم صرف الوقود إلى الآليات شبه العسكرية في العاصمة إلا بعد الرجوع إليها، وقامت على هذا بمحاصرة مستودع خزانات النفط في طريق المطار الدولي، كما اتخذت هذه الميليشيا خطوة أخرى من شأنها أن تضعف قدرات المجلس الرئاسي في العاصمة قبل دخوله في مفاوضات مع حفتر. وهذه الخطوة تتعلق باقتراح منها، جرى تقديمه إلى الغويل رئيس «حكومة الإنقاذ» بضم عدة ميليشيات تحت قيادته.

بنادق للإيجار
الدكتور محمد الزبيدي، الرئيس السابق للجنة القانونية لمؤتمر القبائل الليبية قال لـ«الشرق الأوسط» إن مثل هذه الميليشيات «بنادق للإيجار، لا توالي السراج، ولا الغويل، بل توالي من يدفع أكثر»، مشيرا إلى أن اتفاق الصخيرات خوَّل للمجلس الرئاسي صرف الأموال، فأعلنت تلك الميليشيات أنها مع المجلس، وحين تبين أنه لم يستطع تسييل كثير من الأموال المطلوبة لها، وتسديد رواتبها، عادت لقواعدها حيث إن معظمها من الموالين للغويل وليس السراج. وفي حال تراجع مؤيدو السراج فإن مفاوضاته مع حفتر ربما تكون لصالح الأخير؛ فالمجلس الرئاسي لم يتمكن أيضا من سداد باقي رواتب ومكافآت «قوات البنيان المرصوص» التي كانت تقاتل «داعش» في سرت. وحسب الدكتور الزبيدي فإن «السراج وعد قوات البنيان المرصوص بالمن والسلوى في حال انتصارها على (داعش) سرت، لكن كثيرين من عناصر هذه القوات لم يحصلوا على شيء حتى الآن؛ ولذا ما زال كثير منها يحتل بيوتا في منطقة (الحي السكني رقم 300) في سرت، رافضين إخلاء تلك البيوت إلى أن يحصلوا على باقي مستحقاتهم». ثم أشار إلى أن «الميليشيات تبحث عمن يدفع أكثر... ولو وعدها الجيش بقيادة حفتر أو البرلمان برئاسة صالح، بأنه سيتكفل برواتبها، فأعتقد أنها لن تتردد في الانضمام إليه».
وبينما يقف جيش حفتر مع البرلمان الذي يضطر، منذ انتخابه في 2014 إلى عقد جلساته في مدينة طبرق، بشمال شرقي البلاد، يشترط الفريق العسكري الصامت - كما يطلق عليه - وضع آلية جديدة لا تعتمد على مخرجات «الثورة التي قامت ضد النظام السابق» للمشاركة في «الجيش الموحد»، من بينها إعادة النظر في شكل علم الدولة الذي يرمز لحقبة ما بعد القذافي. وهذه أمور يبدو أن الأطراف الدولية لا تريد الخوض فيها. ووفق مصادر عسكرية يحتاج حفتر إلى أنصار أقوياء في الغرب الليبي كي يتمكن من بسط سلطاته هناك. وإذا لم يتمكن من كسب ود السراج فإن اللقاء معه من شأنه أن يفتت التكتل الميليشياوي الموالي له.

منظور «دول الجوار»
ومن جانبه، يضيف قذاف الدم، قائلا إن دول الجوار «يجب أن تتحرك وفقًا لمنظور مختلف، وليس تابعا لدول لا تبحث عن حل بل تدير الصراع في ليبيا ولا تريد له حلاً... إذ إن عينها على ليبيا كمكب لنفاياتها، ولكي تؤمن ظهر أوروبا وتوقع معها عقود النفط والغاز والبناء والسلاح، وتطل من خلالها على دول جنوب الصحراء، وتوطن ملايين من أجناس أخرى، ما سيغيّر ديموغرافية الدولة الليبية ودينها... كل هذا يتعارض مع مصالح دول الجوار التي تحتاج غدًا للعمل في ليبيا».
وعما إذا كان يعتقد وجود تنافس مصري - تونسي - جزائري على الإمساك بملف الحل في ليبيا، يقول قذاف الدم: «التنافس يفرضه الوضع في ليبيا... فمصر تتعامل مع حكومة الشرق لتأمين حدودها، وتجد الجزائر بالمقابل تتعاطى مع حكومتي الغرب أيضًا لتأمين نفسها». ويضيف: «نحن ندعو كل إخواننا العرب لئلا يكرروا الأخطاء التي وقعت في 2011، ونحذّر من إقصاء أصحاب الوطن الذين لم يحملوا السلاح حتى الآن» - في إشارة إلى أنصار النظام السابق - محذرا مما سماه «التعاطي الأحادي لحل الأزمة من جانب بعض الدول، مع نظام نصبته صواريخ الغرب (يقصد طبقة من حكام ما بعد القذافي) وهذا أمر لا يصنع شرعية».
ومن جانبه، قال الدكتور الزبيدي إنه أمام هذا الواقع المعقد في ليبيا فإن «اللقاء بين حفتر والسراج لن يقدم أو يؤخر في شيء فيما يتعلق بالحالة الليبية؛ فالسيد السراج متمسك باتفاق الصخيرات والصلاحيات التي منحها له الاتفاق الذي سيصبح جزءا من الدستور الليبي، بما فيها صلاحيات تتعلق بالمؤسسة العسكرية وصرف الأموال وإعلان حالة الحرب والسلم، وهي صلاحيات واسعة لا مثيل لها في باقي دساتير النظم الرئاسية في العالم». وعن تفسيره للتطورات الأخيرة التي تؤشر لتقارب مزمع بين السراج وحفتر، أوضح الزبيدي أن «السراج يحاول كسب ود المؤسسة العسكرية بقيادة حفتر بحكم انتصاراتها التي حققتها مؤخرًا على الأرض، ووجودها على مشارف طرابلس، وهذا دافع أساسي للسراج لعقد صفقة مع المنتصرين، ويمثل شكلا من أشكال القفز من سفينة إلى أخرى؛ وعلى كل حال فإن اللقاء بين الرجلين قد يُعقد وقد لا يُعقد».
مع هذا، يتركز الرهان الآن على ما تستطيع كل دولة من «دول الجوار» تقديمه من تنازلات للخروج بالمشكلة الليبية إلى بر الأمان... فلدى مصر علاقات قوية مع المشير حفتر ورئيس البرلمان صالح، وتونس تحتفظ بعلاقات جيدة مع السراج وعدد من أعضاء مجلسه الرئاسي. ولدى الجزائر اتصالات معتبرة مع قيادات أخرى في العاصمة الليبية. وإضافة إلى وجود الأمم المتحدة، من خلال كوبلر، بصفته متابعا لمثل هذه التحركات، يحاول الاتحاد الأفريقي بذل مزيد من الجهود للوصول إلى توافق بين الليبيين، كما بدأ على هامش التحضير لاجتماعات اللجنة رفيعة المستوى لرؤساء دول الاتحاد الأفريقي ودول الجوار حول ليبيا، في الكونغو.
في هذه الأثناء، يرفض أحد قيادات مدينة مصراتة، ذات التسليح الميليشياوي القوي، وهو محسوب على اتفاق الصخيرات، إجراء السراج لقاء مع حفتر. وتلقى نبأ اعتزام عقد مفاوضات بينهما في القاهرة، بـ«الغضب»، وفقا لما أفاد به مسؤول في فرع جهاز الأمن القومي الليبي في مصراتة. وعلى هذا، انتقلت الخلافات إلى مقر المجلس الرئاسي في قاعدة بوستة. ووفقا للمسؤول نفسه، فقد قدم أحد الشخصيات المرموقة في المجلس تبريرات لضرورة إنجاز جلسة برعاية مصرية بين السراج وحفتر، وقال إن مقابلة حفتر والتحاور معه مباشرة حول طاولة واحدة لا يعني الموافقة على رأيه، «فلنجلس معه... لا بد أن نبرهن للمجتمع الدولي ولدول الجوار، على أننا لسنا متشبثين برأينا، ولسنا متعصبين لموقف بعينه، وأننا مع أي جهود تبذل لحل الأزمة».
وعلى الصعيد نفسه، تقول «جبهة النضال الوطني»، التي تضم غالبية أنصار النظام السابق وبعض القبائل الموالية له، إن الصراع في ليبيا «لم يعد على سلطة»، بل «المعركة الواجبة الآن هي إنقاذ الوطن». وطرحت «الجبهة» مبادرة على هذا الأساس «بعد دراسة معمقة للواقع الليبي»، قائلة إنه لا بد من «تجاوز محاولات الأمم المتحدة التي عزلت أكثر من نصف الشعب الليبي في كل حواراتها، حتى أصبح الجميع ينظر إليها باعتبارها تدير الصراع، ولا تريد حلا لهذا الصراع». ووفق «الجبهة»، فإنه لا بد من النظر إلى ليبيا، في الوقت الراهن، على أنها «وطن للجميع»، وأنه لا يوجد منتصر في الصراع المستمر منذ 2011، رغم تدخل «الناتو» في إسقاط النظام السابق، مشيرة إلى أن كل القوى الدولية التي تدخلت في ليبيا منذ ذلك الوقت بدأت تعترف في الفترة الأخيرة بأنها ارتكبت أخطاء بإسقاطها النظام، وهو أمر ترتب عليه تشريد ملايين الليبيين والزج بعشرات الآلاف من الرجال والنساء في السجون، ونهب الثروات، وتدمير البنية التحتية، وسقوط عشرات الآلاف من الضحايا.
وتضمنت مبادرة «الجبهة»، التي اطلعت عليها «الشرق الأوسط»، الدعوة لخروج السجناء وعودة المهجرين، وإجراء انتخابات حرة تحت رعاية الأمم المتحدة تشمل الجميع، إلى جانب تجميع الأسلحة الثقيلة والمتوسطة (من الميليشيات) في معسكرات تابعة للجيش وتوثيق الأسلحة الخفيفة، مع تخصيص مبلغ 400 مليار دولار لإعادة البناء وتضميد الجراح وعودة الأمل.



إسرائيل تحوّل جنوب لبنان إلى «أرض محروقة»

ما تبقى من كفر كيلا (رويترز)
ما تبقى من كفر كيلا (رويترز)
TT

إسرائيل تحوّل جنوب لبنان إلى «أرض محروقة»

ما تبقى من كفر كيلا (رويترز)
ما تبقى من كفر كيلا (رويترز)

في جنوب لبنان، لا يبدو الدمار مجرّد نتيجة جانبية لحربٍ مفتوحة، بل هو أقرب إلى مسارٍ متكامل يعيد رسم الجغرافيا والواقع الديموغرافي معاً. قرى تُمحى تدريجياً من الخريطة، منازل تُسوّى بالأرض، وجسور ومدارس ومستشفيات تُستهدف بشكل متكرر، فيما يُمنع السكان من العودة إلى أراضيهم. وفي حين «يبرّر» المسؤولون الإسرائيليون ما يقومون به - في هدنة مفترضة مع «حزب الله» - بالسعي لتوسيع «المنطقة العازلة» جنوباً بهدف حماية المستوطنات الشمالية من خطر «حزب الله»، تؤكد الوقائع أن التدمير - الذي يتم بالجرافات والمتفجرات - تحوّل حقاً إلى أداة استراتيجية إسرائيلية تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع الأهداف السياسية. وتُلقى تبعاتها الثقيلة على المدنيين اللبنانيين الذين يشاهدون من بعيد منازلهم وذكرياتهم ومستقبلهم يدمّر أمام أعينهم، وهم ودولتهم عاجزون عن التصدّي لواقع مرير، يرى البعض أن الذي جرّهم إليه «حزب الله»... تنفيذاً لأجندة إيرانية تتحكم بقراره.

حتى الساعة، يبدو من الصعب جداً الوصول إلى معطيات دقيقة حول حجم الدمار ووضعية القرى الحدودية في جنوب لبنان، التي بات من المستحيل الوصول إليها بعدما صارت خاضعة تماماً للاحتلال الإسرائيلي الذي تمدّد إلى بلدات ومناطق جديدة خلال فترة الهدنة.

دخان القصف الإسرائيلي يغلف إحدى البلدات الحدودية في جنوب لبنان (أ ف ب)

عدد القرى المدمّرة

وفق تحليل أجرته «هيئة الإذاعة البريطانية» (البي بي سي) فقد جرى تدمير أكثر من 1400 مبنى في جنوب لبنان منذ يوم 2 مارس (آذار) الماضي، استناداً إلى أدلة بصرية موثّقة.

ومن ناحية ثانية، وفق معطيات أولية ومصادر متقاطعة، تأكد تدمير أكثر من 25 ألف منزل في المنطقة الحدودية خلال جولة الحرب الحالية وحدها، بينها 56 مدرسة دمّرت بالكامل، بينما تضرّرت 120 مدرسة أخرى. كذلك طال التدمير 15 مستشفى، خرج 8 منها عن الخدمة تماماً، وهذا بالإضافة إلى 10 جسور حيوية، من بينها 4 جسور رئيسة على نهر الليطاني.

العميد المتقاعد منير شحادة يوضح خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، أنه «حتى الآن لا توجد لائحة رسمية مكتملة تحدد القرى التي دُمّرت كلياً - أي بنسبة 100 في المائة - لكن المعطيات الميدانية المتقاطعة تشير إلى أن نحو 24 قرية حدودية باتت مفرغة بالكامل أو بشكل شبه كامل من سكانها. وثمة عشرات آلاف الوحدات السكنية دُمّرت أو تضرّرت، وآلاف المنشآت (منازل، مؤسسات، بنى تحتية) خرجت من الخدمة، كما أنه في بعض المناطق الحدودية، تم تجريف شريط بعرض مئات الأمتار بشكل كامل»، قبل أن يعلّق قائلاً: «ما حصل تدمير واسع ومنهجي لشريط القرى الأمامية يصل في بعض البلدات إلى شبه إبادة عمرانية».

أبرز المدن والقرى التي تعرّضت لدمار كبير أو شبه كامل في قضاء مرجعيون (القطاع الشرقي من الحدود اللبنانية - الإسرائيلية) فهي: كفركِلا، والعُدَيسة، ومَركَبا، الطَّيّبة والخِيام.

أما تلك الواقعة في قضاء بنت جبيل (القطاع الأوسط) فهي عَيتا الشعب، ورامية، يارون، ومارون الراس، بليدا، ومَيس الجبل.

وأما تلك الواقعة في قضاء صور (القطاع الغربي) فهي: الضُّهَيرة، ومَروَحين، وأم التوت، وعلما الشعب، والناقورة. وهذا إضافة إلى بلدات أخرى متضرّرة بشدة هي من الشرق إلى الغرب: حُولا ودير سريان وعَيترون وبيت ليف وكَفرا ومجدل زون.

«التبريرات» الإسرائيلية

في الحقيقة، لم يعد خافياً أن إسرائيل تنتهج سياسة «الأرض المحروقة» في مسعى واضح منها لإفراغ المنطقة وفرض واقع جديد بالقوة. وبالفعل، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، صراحةً، نية الجيش الإسرائيلي هدم المنازل في القرى الحدودية جنوب لبنان، «على غرار ما جرى في مدينتي رفح وخان يونس جنوبي قطاع غزة»، بزعم استخدامها من جانب «حزب الله».

وتتقاطع تصريحات كاتس هذه مع مواقف سابقة لرئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو الذي كان أعلن اعتزامه توسيع «المنطقة العازلة»، ومنع عودة آلاف النازحين اللبنانيين إلى مناطقهم جنوبي نهر الليطاني.

وفي منتصف الشهر الماضي، تكلّم الجيش الإسرائيلي لأول مرة عن «خط أصفر» في لبنان، على غرار الخط الذي «رسمته» إسرائيل في قطاع غزة، وأقرّ بالاستهداف المتعمد لأشخاص بزعم اقترابهم من المنطقة، مشيراً إلى أن السكان اللبنانيين «لن يُسمح لهم بالعودة إلى 55 قرية لبنانية تقع داخل هذه المنطقة».

إسرائيل تعتبر أنها مخوّلة بـ«مواصلة تدمير» ما تصفه بـ«البنى التحتية لـ(حزب الله)»، حتى خلال فترة وقف إطلاق النار. وبالتالي، يعتمد «المشروع» الإسرائيلي الساري على استراتيجية تدمير شامل للمرافق الحيوية ومقوّمات الحياة تحت مسمى «عمليات تطهير وتنظيف»، باستخدام معدّات وشركات مقاولات سبق لها أن شاركت في عمليات هدم وتجريف مشابهة بقطاع غزة، وفق ما ورد في تقرير لصحيفة «هآرتس» Haaretz الإسرائيلية. كذلك كشفت الصحيفة الإسرائيلية، نقلاً عن شهادات ميدانية لضباط وجنود يعملون في جنوب لبنان، عن أن جزءاً محورياً من النشاط العسكري الإسرائيلي هناك «لا يتركز على القتال المباشر»، بل على «عمليات هدم واسعة و«ممنهجة» تطال المباني والمنشآت في القرى والبلدات اللبنانية». وبحسب الشهادات ذاتها، فإن هذه العمليات تشمل تدمير كل ما يمكن الوصول إليه داخل مناطق الانتشار الإسرائيلي «من دون استثناء يُذكر».

ويوم الثلاثاء الماضي، في تصعيد ميداني لافت، أعلن الجيش الإسرائيلي تدمير ما وصفه بأكبر نفق تابع لـ«حزب الله» في جنوب لبنان، في عملية وُصفت بأنها من الأضخم من حيث حجم التفجير والرسائل العسكرية المرافقة لها. وسبق هذه العملية تحذير استثنائي وُجّه إلى سكان المستوطنات الشمالية، الممتدة من رأس الناقورة غرباً حتى هضبة الجولان شرقاً، طُلب فيه منهم الابتعاد عن النوافذ والشرفات، «تحسباً لقوة الانفجار».

وبالتوازي، أفادت وسائل إعلام إسرائيلية بأن العملية نُفذت باستخدام نحو 570 طناً من المتفجّرات، مستهدفة نفقاً وبنىً تحتية على عمق يقارب 10 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، في خطوة اعتُبرت من بين الأكبر في سياق العمليات الميدانية الأخيرة.

يُجمع الخبراء على أن الهدف الأكثر واقعية هو إقامة «منطقة عازلة» بحكم الأمر الواقع من دون إعلان رسمي عبر التدمير

الأهداف ليست عسكرية حصراً

ومما يؤكد أن الكثير من عمليات التدمير الحاصلة جنوباً لا تلحظ حصراً أهدافاً عسكرية، بل لها أبعاد أخرى، أقدم الجيش الإسرائيلي هذا الأسبوع على تفجير «ملعب بنت جبيل» بمدينة بنت جبيل الذي كان قد ألقى فيه أمين عام «حزب الله» الأسبق حسن نصر الله خطابه الشهير قبل 26 سنة. ويُذكَر أن نصر الله قال في ذلك الخطاب - الذي أُلقي بعد إجبار القوات الإسرائيلية على الانسحاب من جنوب لبنان عام 2000 - إن إسرائيل «أوهن من بيت العنكبوت». ولقد حرصت وسائل إعلام إسرائيلية على بث عملية التفجير التي ترافقت مع هتافات لجنود إسرائيليين يعبّرون عن فرحهم وغبطتهم.

الأهداف الإسرائيلية الحقيقية

وهنا يوضح العميد المتقاعد منير شحادة عن وجود «أكثر من هدف وراء التدمير المنهجي الإسرائيلي»، أبرزها اثنان: الأول، الهدف العسكري المباشر الذي يلحظ إزالة أي غطاء ميداني يمكن استخدامه في القتال، وتحويل المنطقة إلى أرض مكشوفة نارياً، ما يؤدي تلقائياً لمنع نصب الكمائن، وقطع الطريق على التسلل واستخدام المنازل كنقاط قتال. وهنا لفت شحادة إلى أن «هذه سياسة عسكرية معروفة تقوم على تدمير بيئة القتال، وليس فقط استهداف المقاتلين».

أما الهدف الثاني، بحسب شحادة، فهو «تكتيكي قصير المدى، ويقوم على إنشاء ما يشبه حزاماً أمنياً بالنار؛ وهو إبعاد السكان ومنع عودتهم وتقليل الاحتكاك المباشر مع المقاومة».

ومن ثم يتابع شحادة شارحاً الهدف النفسي والاجتماعي «للضغط على البيئة الحاضنة ومنعها من العودة لإحداث خلل ديموغرافي في الجنوب، ورفع كلفة الحرب على المجتمع المحلي، وأيضاً ضرب الاقتصاد الحدودي، وخصوصاً قطاع الزراعة».

وفي هذا السياق، يُجمع الخبراء على أن الهدف و«السيناريو» الأكثر واقعية هو إقامة «منطقة عازلة» بحكم الأمر الواقع (de facto) أي من دون إعلان رسمي عبر التدمير، ومنع العودة والسيطرة النارية. وهذه المنطقة قد تمتد بعمق يتراوح بين مئات الأمتار وعدة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية.

أما على المدى المتوسط، فيبدو أن الهدف الإسرائيلي هو تثبيت هذا الواقع كـ«أمر دائم» شبيه بتجارب سابقة، وبخاصة «الشريط الحدودي» قبل عام 2000.

مشهد مأساوي صادم

من جهته، يرى عباس ضاهر، مدير «مركز الاستشراف للمعلومات»، أن «التدمير الممنهج الذي تمارسه إسرائيل في جنوب لبنان يهدف إلى فرض أمر واقع، لا يقتصر على ما يُعلن عن تدمير أنفاق لـ(حزب الله)؛ فمتابعة مسار العمليات تُظهر سعياً لخلق واقع جديد في الجنوب، وبالأخص في القرى الأمامية المصنّفة ضمن ما يُعرف بـ«الخط الأصفر»... إذ إن هذا التدمير يطال منازل وقرى وأحياء بكاملها، بما فيها مناطق لا صلة لها، لا من قريب ولا من بعيد، بالحزب؛ أي بيوت المدنيين اللبنانيين».

وبحسب ضاهر، تُظهر المعطيات أن «الرغبة الإسرائيلية تتّجه نحو واحد من ثلاثة سيناريوهات، هي: أولاً، احتلال دائم لهذه المنطقة، وهو احتمال وارد. ثانياً، إنشاء منطقة عازلة خالية من السكان، وهو ما يعزّزه التدمير الممنهج. وثالثاً، سيناريو يرتبط بفرض واقع معيّن حيث لا يكون هناك سيادة كاملة للدولة اللبنانية على أراضيها في الجنوب».

ويصف ضاهر، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، المشهد الحالي جنوباً بـ«المأساوي الذي قد يُدخل اللبنانيين في حالة صدمة، وسيزيد إرباك النازحين، مع اتساع حجم الدمار الذي طال المنشآت والمباني والمدارس والبنى التحتية والآبار. وذلك لأن كل ما أُنجِز خلال عقود، لا سيما عبر مجلس الجنوب، يتعرّض اليوم للتدمير».

ومن ثم، يشدد على أن «ما يجري راهناً جريمة حرب، لاعتبارات أساسية عدّة أهمها: أولاً، استهداف بيوت ومنازل اللبنانيين الآمنين. وثانياً، تدمير مراكز الخدمات العامة التابعة للدولة اللبنانية، بما فيها مراكز التعليم والمؤسسات التربوية، ومرافق الري والآبار، إضافة إلى مباني البلديات، وهي جميعها مرافق مدنية. كما يشمل ذلك تدمير وسائل العيش في المنطقة الجنوبية، من اقتلاع الأشجار إلى سرقة الممتلكات، فضلاً عن تهجير السكان من أرضهم».

ويختتم عباس ضاهر قراءته للوضع بالقول: «كل هذه الممارسات يُفترض أن يُحاسَب عليها وفق القانون الدولي، في حال قرر لبنان المضي في ملاحقتها. لكن الشرط الأساسي لذلك هو وحدة الموقف الداخلي اللبناني. فإذا لم تتحقق هذه الوحدة، ولم يحصل تقدّم رسمي في اتخاذ خطوات قانونية لمتابعة الملف دولياً، وبقي السجال الداخلي قائماً بين أكثر من خط، فلن يؤدي ذلك إلا إلى مزيد من الارتباك والضياع والتعقيد السياسي، وهو ما لا يفيد اللبنانيين إطلاقًاً.

تدمير القرى: انتهاك للقانون الدولي

وفعلاً، ثمة المفاعيل القانونية للتدمير الإسرائيلي الممنهج، يتطرق إليها المحامي والأستاذ الجامعي الدكتور عادل يمين قائلاً إن «القانون الدولي الإنساني يفرض قيوداً صارمة على كيفية إدارة العمليات العسكرية، وتُعتبر مخالفتها جرائم حرب في حال ثبوت القصد أو الإهمال الجسيم».

ويتابع يمين شارحاً لـ«الشرق الأوسط»، أن «المادة الـ53 من اتفاقية جنيف الرابعة، تحظر على دولة الاحتلال أو القوة المهاجمة تدمير الممتلكات الثابتة أو المنقولة الخاصة بالأفراد أو الجماعات. وفوق ذلك، فإنّ تحويل قرى كاملة إلى (مناطق عازلة) عبر التدمير الشامل يمثل انتهاكاً جسيماً؛ لأنه يؤدي إلى تهجير قسري طويل الأمد، وهو ما يرقى إلى مستوى التطهير العرقي أو النقل القسري للسكان».

ثم يضيف أنه على مستوى القانون البيئي الدولي، تنتهك إسرائيل في جنوبيّ لبنان «بروتوكولات الأسلحة التقليدية» التي تحظّر استخدام الأسلحة القاتلة للبيئة. وفيما خصّ التراث، فـ«إن حماية المواقع التاريخية في الجنوب (مثل صور أو القلاع التاريخية) مكفولة بموجب «اتفاقية لاهاي لعام 1954»، وأي تدمير يلحق بها يُعدّ جريمة ضد التراث الإنساني».

ويشدد يمين على أنه «يترتّب على لبنان توثيق الجرائم الإسرائيلية وجمع الأدلة وحفظها، وتقديم شكاوى متلاحقة إلى مجلس الأمن الدوليّ بها، وعند الاقتضاء للجمعية العمومية للأمم المتحدة، مع طلب إدانة إسرائيل وإلزامها بوقف اعتداءاتها والانسحاب الكامل من جميع الأراضي اللبنانية. وكذلك عليه أن يطلب من مجلس الأمن الدولي تحريك المحكمة الجنائية الدولية لملاحقة المسؤولين الإسرائيليين عن جرائم الحرب والادعاء ضد إسرائيل، أمام محكمة العدل الدولية، لانتهاكها المعاهدات الدولية المرتبطة بالقانون الإنساني والدولي والقانون الدولي العام والقانون الدولي البيئي، وطلب إلزامها بالتوقف عن جرائمها والتعويض عن الأضرار المباشرة وغير المباشرة للبنان».


تود بلانش... محامي ترمب يرث وزارة العدل الأميركية

تكمن مفارقة بلانش في أن خبرته القانونية حقيقية... لكنها لم تعد منفصلة عن العلاقة الشخصية والسياسية المباشرة بالرئيس
تكمن مفارقة بلانش في أن خبرته القانونية حقيقية... لكنها لم تعد منفصلة عن العلاقة الشخصية والسياسية المباشرة بالرئيس
TT

تود بلانش... محامي ترمب يرث وزارة العدل الأميركية

تكمن مفارقة بلانش في أن خبرته القانونية حقيقية... لكنها لم تعد منفصلة عن العلاقة الشخصية والسياسية المباشرة بالرئيس
تكمن مفارقة بلانش في أن خبرته القانونية حقيقية... لكنها لم تعد منفصلة عن العلاقة الشخصية والسياسية المباشرة بالرئيس

لم يكن صعود تود بلانش إلى رأس وزارة العدل الأميركية، ولو بالوكالة حتى الآن، انتقالاً إدارياً عادياً في واشنطن. فالرجل الذي بدأ حياته المهنية داخل الوزارة نفسها، ثم غادرها إلى عالم الدفاع الجنائي الرفيع، عاد إليها من أضيق أبواب السياسة وأوسعها حساسية: بوصفه أحد محامي دونالد ترمب الشخصيين في القضايا الجنائية التي لاحقته قبل عودته إلى البيت الأبيض. لذلك؛ فإن تكليفه مهام وزير العدل بعد خروج بام بوندي لا يختصر فقط قصة رجل قانون صعد بسرعة، بل يكشف أيضاً عن طبيعة المرحلة الثانية من إدارة ترمب، حيث تتداخل مفاهيم العدالة، والولاء، والثأر السياسي، وإعادة تشكيل مؤسسات الدولة وفق رؤية الرئيس. إذ تزامن هذا الصعود مع إعادة فتح ملف جيمس كومي، مدير «مكتب التحقيقات الفيدرالي» (إف بي آي) الأسبق، في قضية بدت في ظاهرها مرتبطة بصورة أصداف على شاطئ حملت عبارة «86 47»، لكنها في جوهرها أعادت إلى الواجهة سؤالاً أوسع، هو: هل ستبقى وزارة العدل في عهد بلانش أداة تنفيذية لرغبات ترمب ضد خصومه، أم يستطيع الرجل الذي يعرف الوزارة من داخلها أن يعيد إليها شيئاً من التوازن المؤسسي؟ هذا الاتهام الجديد لكومي يضع بلانش مباشرة في قلب هذه المعضلة، من خلال دفاعه العلني عن القضية وتجنبه الإجابة بوضوح عن طبيعة الأدلة التي تثبت نية كومي تهديد الرئيس.

وُلد تود والاس بلانش في مدينة دنفر عاصمة ولاية كولورادو وكبرى مدنها عام 1974، لأب كندي كان لاعب هوكي وأم تعمل ممرضة. ونشأ في دنفر قبل أن تنتقل عائلته إلى مدينة غينزفيل بشمال ولاية فلوريدا عام 1987 إثر نزاع قانوني بين والده، الذي كان يدير جماعة دينية في قبو منزله، والسلطات المحلية بسبب مخالفات تقسيم المناطق.

تلقى بلانش تعليمه في معهد نيومكسيكو العسكري، حيث برز رياضياً، ثم تنقّل بين جامعة ولاية لويزيانا وكلية بيلويت (ولاية ويسكونسن)، قبل أن يتخرّج في الجامعة الأميركية بالعاصمة واشنطن، ثم حصل على إجازة في الحقوق كلية بروكلين للحقوق عام 2003. وبعدها التحق بوزارة العدل وعمل فيها نحو 15 سنة، وفق السيرة الرسمية المنشورة على موقع الوزارة.

بلانش متزوّج من كريستين، الاختصاصية في علم الأحياء في الجامعة الكاثوليكية الأميركية، وكان التقاها في أستراليا، وأنجبا طفلين.

ووظيفياً، تنقل بلانش في مناصب إدارية وقانونية. ثم صار مساعداً للمدعي العام الفيدرالي في المنطقة الجنوبية من نيويورك، وهي واحدة من أكثر النيابات الفيدرالية نفوذاً في الولايات المتحدة، قبل أن يصبح مشرفاً فيها. ووفق وزارة العدل، يشرف بلانش الآن، بصفته وزيراً بالوكالة ونائباً للوزير، على أكثر من مئة ألف موظف في الوزارة، بما في ذلك «مكتب التحقيقات الفيدرالي»، وإدارة مكافحة المخدرات، والمارشالات، ومكاتب المدعين الفيدراليين الـ93.

الشرعية المهنية

هذه الخلفية تمنح الرجل شيئاً من الشرعية المهنية التي لا يملكها كثيرون ممن دخلوا إدارة ترمب من بوابة الولاء السياسي وحده. فهو ليس ناشطاً حزبياً طارئاً على سلك القانون، ولا محامياً تلفزيونياً جاء مباشرة من استوديوهات التعليق السياسي. بيد أنه في الوقت عينه ليس بيروقراطياً محايداً بالمعنى التقليدي. ذلك أنه غادر الوزارة إلى القطاع الخاص، وعمل محامياً للدفاع. ثم مثّل ترمب في ثلاث من القضايا الجنائية التي واجهها في 2023 و2024، حسب السيرة الرسمية نفسها.

وهنا تكمن مفارقة بلانش... إذ إن خبرته القانونية حقيقية، لكنها لم تعد منفصلة عن علاقة شخصية وسياسية مباشرة بالرئيس. وفي واشنطن، لا يُقاس المسؤولون الكبار فقط بما يعرفونه، بل أيضاً إلى مَن يدينون بصعودهم. وبلانش، منذ ترشيحه نائباً لوزير العدل، حمل معه سؤالاً يصعب تجاوزه هو: هل يستطيع محامي ترمب السابق أن يتحوّل حارساً مستقلاً للقانون، أم أن موقعه الجديد هو امتداد لعلاقة الدفاع عن الرئيس، ولكن بأدوات الدولة؟

تثبيت... بصعوبة

في مارس (آذار) 2025، ثبّت مجلس الشيوخ بلانش نائباً لوزير العدل بغالبية 52 صوتاً مقابل 46. ولم يكن ذلك التصويت مجرد انقسام حزبي مألوف، بل عَكَس قلقاً عميقاً من أن يتولّى محامي ترمب السابق موقع «الرجل الثاني» في الوزارة التي يُفترض بها أن تشرف على التحقيقات الفيدرالية، ومكاتب الادعاء، والوكالات الأمنية.

وللعلم، ذكرت وكالة «رويترز» أن بلانش، بصفته نائباً للوزير، كان مسؤولاً عن الإشراف على المدّعين الفيدراليين الـ93 وعلى أجهزة مثل «إف بي آي» و«دي إي آيه» (إدارة مكافحة المخدّرات) و«آيه تي إف» (مكتب الكحول والتبغ والأسلحة النارية والمتفجّرات) والمارشالات (وهي من وكالات إنفاذ القانون الأميركية).

الأهم، أن تثبيت بلانش السابق جاء في سياق أوسع من مجرّد إعادة توجيه وزارة العدل. إذ إن بام بوندي، في يومها الأول كوزيرة للعدل، كلّفت مكتب نائب الوزير إطلاق مجموعة عمل لـ«مراجعة» ما وصفته الإدارة بـ«تسليح» العدالة ضد ترمب، بما يشمل قضايا المحقق الخاص جاك سميث، وقضية الوثائق السرّية، ومحاولة قلب نتائج انتخابات 2020، وقضية نيويورك المتعلقة بمدفوعات إسكات الممثلة ستورمي دانييلز.

كذلك، أشارت «رويترز» إلى أن بلانش تفادى خلال جلسة تثبيته الإجابة بوضوح عما إذا كان سيتنحّى عن مراجعة قضايا شارك سابقاً في الدفاع عن ترمب فيها. ومن هنا، لم يكن وصوله إلى منصب الوزير بالوكالة، بعد بوندي، قفزة مفاجئة تماماً. فهو كان موجوداً في قلب الآلة منذ البداية. لكنه بعد خروج بوندي لم يعد مجرّد منفّذ ثانٍ أو مشرف خلفي، بل صار الوجه العلني للوزارة في لحظة تتّهم فيها المعارضة الديمقراطية الإدارة بأنها حوّلت وزارة العدل ذراعاً لمحاسبة الخصوم لا لمحاسبة المخالفين.

قضية كومي

من جهة ثانية، جاء اتهام جيمس كومي ليمنح بلانش أول اختبار كبير في موقعه الجديد. فالقضية، كما ورد في الصحف الأميركية، تستند إلى صورة نشرها كومي عام 2025 لأصداف مرتبة على هيئة «86 47». وبما أن ترمب هو الرئيس السابع والأربعون، اعتبر مسؤولون جمهوريون العبارة تهديداً مبطناً؛ لأن «86» قد تُستخدم عامياً بمعنى التخلّص من شخص أو قتله. أما كومي فأزال المنشور لاحقاً، مؤكداً أنه لم يكن يدعو إلى العنف، وأنه افترض أنها رسالة سياسية لا أكثر.

المشكلة القانونية هنا ليست في حساسية أي تهديد محتمل ضد رئيس الولايات المتحدة؛ فالقانون الأميركي يتعامل مع ذلك بجدّيّة قصوى. بل تكمن المشكلة في إثبات النية. ذلك أن القضايا المتعلقة بالتهديدات لا تقوم عادة على العبارة وحدها، وإنما على السياق، والقصد، ومدى إدراك المتهم لمعناها، وما إذا كان الشخص العاقل سيفهمها كتعبير جاد عن نية إلحاق الأذى. لذا؛ بدا بلانش، في مؤتمره الصحافي، كأنه يحاول تثبيت معادلة سياسية أكثر منها قانونية، عندما قال: «لا يُسمح لك بتهديد رئيس الولايات المتحدة!».

العبارة صحيحة من حيث المبدأ، لكنها لا تجيب عن السؤال الأصعب: هل ما فعله كومي تهديد جنائي... أم تعبير سياسي فجّ، غامض، أم غير موفّق؟

إبستين جُرح أسقط بوندي ويلاحق بلانش

من جانب آخر، إذا كانت قضية كومي تمثّل اختباراً لهوية وزارة العدل تحت قيادة بلانش، فإن ملف جيفري إبستين يمثل اختباراً لصدقيتها. فقد تحوّل هذا الملف عبئاً سياسياً على إدارة ترمب الثانية، ليس فقط بسبب حساسيته الأخلاقية والقانونية، بل أيضاً بسبب اتهامات بالتلاعب بالإفراج عن الوثائق، أو استخدام حجب واسع يمنع الجمهور والصحافيين والضحايا من معرفة الحقيقة الكاملة.

وفق «الغارديان» البريطانية، رفعت الصحافية والمحلّلة القانونية كايتي فانغ دعوى ضد بلانش، متّهمة وزارة العدل بـ«انتهاك قانون الشفافية» المتعلق بملفات إبستين عبر الإحجام عن نشر كل الوثائق المطلوبة، أو الإفراط في حجبها، أو تفويت المهل القانونية. وذكرت الصحيفة أن بلانش، الذي كان نائباً للوزير قبل أن يصبح وزيراً بالوكالة بعد إقالة بوندي، واجه اتهامات بتعطيل العملية وإصدار جزء فقط من الوثائق.

هذا الملف، تحديداً، يفسّر جانباً من معضلة بلانش. فإذا كشف عن الكثير من المعطيات، قد يثير غضب دوائر قريبة من السلطة، أو يفتح أسئلة محرجة عن علاقات قديمة بإبستين. وإذا حجب الكثير فسيعزّز اتهامات التستر. أما إذا حاول الموازنة بين الخيارين فسيبدو في نظر قاعدة ترمب متردّداً، وفي نظر خصومه متواطئاً.

الولاء كمعيار حكم

واقع الأمر، أنه في إدارة ترمب الثانية، لا يبدو الولاء شرطاً جانبياً، بل جزءاً من هندسة الحكم.

بام بوندي، التي جاءت إلى الوزارة وهي محسوبة أصلاً على عالم ترمب السياسي، غادرت أو أُقيلت لأنها، حسب تقارير أميركية، لم تكن فعالة بما يكفي في ملاحقة أعداء الرئيس. وهذا يعني أن المشكلة لم تكن مقتصرة فقط على اتجاه الوزارة، بل أيضاً في سرعة تنفيذ هذا الاتجاه وحدّته.

بلانش يفهم هذه الرسالة جيداً. فهو لم يأت من خارج تجربة ترمب القضائية، بل من داخلها.

لقد دافع عن الرئيس في لحظة كان فيها الأخير يرى نفسه ضحية «دولة عميقة» وقضاء مسيّس. ومن ثم، فإن ترمب لا ينظر إليه كموظف قانوني فحسب، بل كشاهد سابق على «المظلومية» التي بنى عليها حملته للعودة إلى السلطة. وهذا، وإن منح بلانش ثقة الرئيس، فإنه يضعف، في المقابل، قدرته على إقناع خصوم الإدارة بأنه مستقل عنها.

وهنا يصبح السؤال عن النساء اللواتي غادرن أو تعرّضن للتهميش في إدارة ترمب، جزءاً من نمط أوسع. وذلك ليس لأن المشكلة مرتبطة بالنوع الاجتماعي وحده، بل لأن إدارة ترمب تُخضع كبار مسؤوليها، رجالاً ونساءً، لاختبار ولاء دائم.

بلانش وتحدي إصلاح ما كسرته السياسة

في أي حال، قدرة بلانش على معالجة أسباب سقوط بوندي تبدو محدودة. فهو يملك خبرة قانونية لا يمكن إنكارها، ويعرف وزارة العدل من الداخل، ويفهم آليات الادعاء الفيدرالي، لكنه وصل إلى المنصب محمولاً على موجة سياسية لا تشجّع «الاستقلالية». وإذا كانت بوندي فشلت لأنها لم تذهب بعيداً بما يكفي لإرضاء ترمب، فإن نجاح بلانش، في قاموس البيت الأبيض، قد يعني الذهاب أبعد لا التراجع.

في قضية كومي، سيُقاس نجاح بلانش بقدرته على تحويل الغضب السياسي إلى قضية قابلة للصمود أمام قاضٍ وهيئة محلفين. وفي ملف إبستين، سيُقاس بقدرته على إقناع الرأي العام بأن الوزارة لا تخفي ما يجب كشفه ولا تكشف ما يضرّ بالضحايا. وفي ملفات خصوم ترمب، من مسؤولي عهد أوباما إلى شخصيات ديمقراطية أخرى، سيُقاس بمدى الفصل بين المساءلة القانونية والانتقام الرئاسي.

المؤشرات الأولى لا تمنح الرجل هامشاً كبيراً. فوزارة العدل، التي يقودها الآن، ليست مؤسسة تدخل مرحلة تهدئة، بل مؤسسة يُطلب منها أن تكون رأس الحربة في معركة سياسية داخلية. وبلانش، مهما بلغت مهارته القانونية، لا يستطيع الهروب من أصل تعيينه: فهو محامي ترمب السابق، الذي صار حارس القانون الاتحادي.

هذه الجملة وحدها تكفي لتفسير قوته وضعفه معاً.


صلاحيات وزارة العدل الأميركية والمكاتب التابعة لها... وأبرز وزرائها

جانيت رينو (آ ب)
جانيت رينو (آ ب)
TT

صلاحيات وزارة العدل الأميركية والمكاتب التابعة لها... وأبرز وزرائها

جانيت رينو (آ ب)
جانيت رينو (آ ب)

وزير العدل الأميركي هو عملياً رأس وزارة العدل وكبير مسؤولي إنفاذ القانون الفيدرالي. وهو يمثّل الحكومة الأميركية في المسائل القانونية، ويقدّم المشورة القانونية للرئيس ورؤساء الوزارات والوكالات، ويشرف على تطبيق القوانين الفيدرالية والتحقيقات والادعاءات الكبرى. كما يدير جهازاً واسعاً يشمل مكاتب المدعين العامين الفيدراليين في الولايات والدوائر القضائية، ويؤثر في أولويات الملاحقة الجنائية، من الإرهاب والفساد والجرائم المالية إلى الحقوق المدنية والهجرة والمخدرات والسلاح.

إريك هولدر (آ ب)

تتبع الوزارة، أو تعمل تحت مظلتها، وكالات ومكاتب بالغة الأهمية، أبرزها «إف بي آي» (مكتب التحقيقات الفيدرالي)، و«دي إي إيه» (إدارة مكافحة المخدرات) و«آيه تي إف» (مكتب الكحول والتبغ والأسلحة النارية والمتفجرات) وخدمة المارشالات الأميركية ومكتب السجون الفيدرالي، إضافة إلى أقسام متخصّصة مثل الحقوق المدنية، ومكافحة الاحتكار، والقسم الجنائي، وقسم الأمن القومي، ومكتب المستشار القانوني، ومكتب مكتب المحامي العام للحكومة (السوليسيتور جنرال) الذي يترافع أمام المحكمة العليا. وتقول الوزارة إن لديها أكثر من 40 مكوّناً، بينها 94 مكتباً للمدّعين الفيدراليين.

من أبرز وزراء العدل الأميركيين خلال العقود الأخيرة، جانيت رينو في عهد بيل كلينتون، وكانت أول امرأة تتولى المنصب، وارتبط اسمها بملفات كبرى، مثل حصار واكو عام 1993 في ولاية تكساس، عندما حاصرت السلطات الفيدرالية مجمّع جماعة دينية تُعرف باسم «فرع داود»، وقضية الطفل الكوبي إليان غونزاليس عام 1999 الذي كان في السادسة ونجا من الغرق بعدما أقدمت والدته التي توفيت على تهريبه بقارب من كوبا إلى فلوريدا، وهناك اندلع خلاف بين أقاربه ووالده الذي طالب بإعادته.

جون آشكروفت (غيتي)

أيضاً، برز جون آشكروفت وألبرتو غونزاليس إبان عهد جورج بوش الابن، في مرحلة ما بعد «هجمات 11 سبتمبر (أيلول)»، حين توسّعت صلاحيات الأمن القومي ومكافحة الإرهاب. وجاء بعدهما مايكل موكاسي في نهاية عهد بوش.

أما في عهد باراك أوباما، فقد برز إريك هولدر، أول أميركي من أصل أفريقي يتولى المنصب، ثم لوريتا لينش. وفي عهد ترمب الأول تولى المنصب جيف سيشنز ثم وليام بار، الذي صار أشد منتقديه، قبل أن يأتي ميريك غارلاند في عهد جو بايدن، ثم بام بوندي في إدارة ترمب الثانية.