نشأت الدولة العثمانية في عام 1299م ومرت بكثير من المراحل، بداية من تكوين الدولة مرورًا بالإمبراطورية الواسعة التي شملت أجزاء من أوروبا وأجزاء أكبر من العالم العربي وبعض المقاطعات الإسلامية الأخرى عبر 3 قارات... ثم أصبحت دولة الخلافة الإسلامية.
ولقد اعتمدت الدولة العثمانية على كثير من الوسائل لتثبيت أركان الحكم في الدول والمقاطعات التي كانت تحت أيديها والتي لم تكن تحكمها هوية أو ديانة أو لغة موحدة، ولكن الهوية العثمانية كما أراد السلاطين تثبيتها اعتمدت في الأساس على مفهوم أممي قوي مبني على «الخلافة الإسلامية»، وهو ما ساعد في تثبيت الشرعية في أغلب الربوع الإسلامية في دول الخلافة. ولكن مع مرور الوقت، بدأت عوامل النحر السياسي والعسكري والثقافي تصيب الدولة العثمانية تدريجيًا، إلى أن أصبحت تعاني التحلل السياسي والفساد الإداري الذي وضعها في مصاف الدول الضعيفة، حتى لقبها الأوروبيون بلقب «رجل أوروبا المريض». ومع ذلك، فإن السلاطين العثمانيين لم يدركوا مع مرور الوقت أهمية الإصلاح في كل الأوجه للنهوض بالدولة إلى أن اندلعت الاضطرابات واضطر السلطان عبد الحميد الثاني للقبول بالملكية الدستورية وفقًا لدستور 1876، غير أن السلطان سرعان ما استعاد السلطة المطلقة مرة أخرى، وأخضع الدولة لنظام قمعي واسع ومنع الحركات السياسية في البلاد.
وعلى الرغم من جهود السلاطين، فإن الدولة العثمانية لم تكن بمنأى عن الحركات السياسية والفكرية التي كانت دائرة في أوروبا. إذ كان من الصعب أن يعزل السلطان الدولة العثمانية عن التيارات السياسية في القارة الأوروبية، وعلى رأسها الفكر القومي الذي بدأ يؤثر على الأوضاع السياسية فيها. ثم إن الأفكار الليبرالية أخذت تنتشر بشكل كبير، خصوصًا عام 1848م، المعروف بـ«عام الربيع الأوروبي». وهو ما جعل الصفوة العثمانية تسعى إلى العمل على تطبيق الأفكار الليبرالية في الدولة العثمانية.
ويضاف إلى كل هذه العوامل أن الدولة العثمانية بدأت تفقد أراضيها في البلقان وجنوب شرقي أوروبا تدريجيًا لصالح الدول الأوروبية، مما جعلها في مطلع القرن العشرين على شفا تغيير كبير، خصوصًا مع ظهور حركة «تركيا الفتاة» التي كانت تسعى لتحديث الدولة سياسيًا واقتصاديًا. وبعدما وضعت هذه الحركة إطارها الفكري بدأت تسعى تدريجيًا للتغيير، حتى نجحت في ذلك عام 1908م عندما فرضت على السلطان إعادة دستور 1876م مرة أخرى وتحويل الدولة إلى ملكية دستورية. ومع أن السلطان سعى لاستعادة الزمام السياسي في البلاد من خلال استنفار القوى التقليدية في الدولة، فإن «جمعية الاتحاد والترقي» التي جسّدت أفكار «تركيا الفتاة» استطاعت أن تفسد جهود السلطان وكسبت المعركة.
واقع الأمر أن جهود «الجمعية» كان يمكن لها أن تؤدي لتغيير مسار الدولة العثمانية، ليس على نحو ما آلت إليه تركيا عمليًا، بل في اتجاه مختلف لا يسعى إلى تغيير هوية الدولة، بل يبقي على مفهوم الخلافة ومعه الأممية الإسلامية العثمانية، إلا أن ظروف دخول العثمانيين الحرب العالمية الأولى غيّر المسار تمامًا، بعدما اختارت دخول الحرب العالمية في صف الألمان وليس التحالف الثلاثي (روسيا وبريطانيا وفرنسا)؛ إذ أدى هذا الاختيار الخاطئ لتعرض الدولة لأول مرة منذ زمن طويل لمحاولات غزو قوية في عقر دارها.
وعلى الفور، أدركت بريطانيا - ومعها فرنسا - أن الحسم العسكري يقتضي الاستيلاء على شمال الأناضول والمضايق التركية وإنهاء الوجود العسكري التركي في الحرب ضد ألمانيا. وهكذا أعدت لأكبر عملية برمائية في التاريخ العسكري حتى ذلك التاريخ، وهو ما عرف بـ«حملة غاليبولي» واستعانت بما عرف بـ«فيلق الأنزاك» (Anzac) وهي القوات الأسترالية - النيوزيلندية المشتركة. وبالفعل بدأ الإنزال، غير أن قوات التحالف لم تكن على دراية بأن القائد التركي الجديد، واسمه مصطفى كمال - الذي عرف فيما بعد باسم «أتاتورك» أي «أبو الأتراك» - قد تولى مسؤولية الدفاع عن أراضي بلاده ضد المغتصبين. وعلى الفور نظم القائد الشاب وصاحب الفكر السياسي والعسكري الرفيع دفاعاته وهدد كل منسحب بأنه سيتعرض للإعدام. وبالفعل استطاع أن يحتل مواقع مرتفعة مكنته من كسر خطوط الإمداد التي كانت تمد القوات البرية، كما أنه نظم دفاعاته بالشكل الذي سمح له بأن يفسد على قوات التحالف الفرصة للاستيلاء على غاليبولي (شبه جزيرة ممتدة على الجانب من الغربي من مضيق الدردنيل). بل وألحق بهم هزيمة مريرة اضطروا بعدها للانسحاب وفشلت عملية الإنزال، وعين مصطفى كمال، من ثم، قائدًا على المنطقة الشمالية وأوقف زحفًا آخر لقوات التحالف.
وسرعان ما استعانت القيادة العسكرية العثمانية بالقائد الشاب وولّته قيادة المنطقة الجنوبية للتصدي لقوات الجنرال إدموند آلنبي البريطاني الذي كان قد احتل فلسطين وبدأ تحركه صوب سوريا. لكن حقيقة الأمر أن قوات التحالف قد بدأت تتوغل تدريجيًا ولم يعد بمقدور الجيش العثماني التصدي لزحفها بسبب ضعفه وفشل تنظيماته. وكانت المسألة مسألة وقت فقط لا غير، حتى يتمكن الحلفاء من فرض الاستسلام على السلطان العثماني في عام 1918م، واحتلال الشمال التركي والمضايق التركية، بينما بدأت القوى الأرمينية تتحرك صوب شرق الأناضول. بل إن الظروف العسكرية ساءت بدرجة كبيرة في مايو (أيار) 1919م عندما أنزلت اليونان قواتها في مدينة إزمير (سميرنا باللغة اليونانية) للاستيلاء على غرب الأناضول بمباركة رئيس الوزراء البريطاني يومذاك آرثر لويد جورج.
وهكذا غدا وشيكًا الانهيار الكامل للدولة العثمانية ولم يتبق لجيشها إلا وسط الأناضول وبعض المناطق الأخرى. وما زاد من تفاقم الوضع التوقيع على «اتفاقية سيفر» (Sevres) في أغسطس (آب) 1920م، التي قلصت الدولة العثمانية لتصبح دويلة صغيرة غير ذات قيمة في وسط الأناضول في أعقاب منح اليونان السيطرة على إقليم إزمير وإنشاء دويلة الأرمن شرق الأناضول وتجريدها تمامًا من أراضيها في أوروبا والعالم العربي. ولقد وافق السلطان العثماني محمد الخامس على الاتفاقية المذكورة محولاً بلاده رسميًا من إمبراطورية عظمى إلى دويلة صغيرة في الأناضول، إلا أن الشعب التركي بقيادة مصطفى كمال «أتاتورك» كانت له رؤية أخرى؛ إذ رفض الأتراك الاتفاقية، التي تعني الإذعان لاحتلال الأناضول، مهد القومية التركية.
وفي نهاية المطاف كانت لهم الكلمة العليا، إذ غيروا مجرى التاريخ وتحدوا معًا القوى العظمى وأسسوا تركيا المعاصرة. وهكذا أفلت شمس الدولة العثمانية، لكن عادت في ثوب جديد وروح جديدة، وها هي تركيا تلعب دورًا مهمًا في السياسة الإقليمية والدولية.
9:11 دقيقه
من التاريخ: نهاية الدولة العثمانية
https://aawsat.com/home/article/840926/%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE-%D9%86%D9%87%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%AB%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9
من التاريخ: نهاية الدولة العثمانية
مصطفى كمال «أتاتورك»
من التاريخ: نهاية الدولة العثمانية
مصطفى كمال «أتاتورك»
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

