السودان يستقبل وفود رجال أعمال من ماليزيا والإمارات وعمان

380 مليون دولار قرضًا من الصندوق السعودي للتنمية

السودان يستقبل وفود رجال أعمال من ماليزيا والإمارات وعمان
TT

السودان يستقبل وفود رجال أعمال من ماليزيا والإمارات وعمان

السودان يستقبل وفود رجال أعمال من ماليزيا والإمارات وعمان

تشهد العاصمة السودانية الخرطوم هذه الأيام مباحثات وتوقيع عقود مع شركات وصناديق مال عربية ووفود عالمية وخليجية، تشمل مجالات النفط والزراعة والتعدين؛ وذلك بعد رفع الحظر الاقتصادي عن البلاد، الذي حال في السابق دون رغبة الكثير من الشركات حول العالم الاستثمار في السودان، رغم ما يزخر به من موارد ضخمة تؤهله ليصبح سلة من سلال غذاء العالم، وريادته في توفير السلع ذات الجودة العالية، وموقعه الاستراتيجي في قارة أفريقيا.
وعلى الصعيد الداخلي، شرع بنك السودان المركزي في دراسة الطلبات من بعض الدول والبنوك العالمية لفتح فروع لها في السودان، كما يدرس زيادة أعداد الفروع المصرفية في دول الخليج التي تنفذ عبر سياسة الحافز للعملات الأجنبية، التي تقضي ببيع وشراء النقد الأجنبي بمستوى سعري يقارب سعره في السوق الموازية.
كما أصدر البنك المركزي توجيهات للبنوك والمصارف التجارية في البلاد (نحو 40 بنكا)، بالبدء في ترتيبات الربط المباشر مع نظم البطاقات العالمية كالفيزا وماستر كارد، وأن يكون ذلك بعد الحصول على موافقة «المركزي»، وأن تتم هذه العمليات عبر المحول القومي للقيود، وهي البوابة القومية للدفع لدى بنك السودان.
وأوضحت لـ«الشرق الأوسط» مصادر مصرفية بأن البنك المركزي شرع في تخفيض السعر الرسمي للعملات الأجنبية وتخفيض سعر الحافز للدولار، بعد التحسن الذي طرأ على الجنية السوداني مقابل العملات الأجنبية، حيث بلغ سعر الدولار أمس في السوق السوداء 17.2 جنيه، فيما انخفض الريال السعودي من خمسة إلى أربعة جنيهات.
وأشار المصدر إلى أن تخفيض سعر الحافز الدولاري، يعود إلى أن عددا من البنوك بدأت في تسلم النقد الأجنبي من الشركات والقطاعات المستوردة بسعر الحافز لفتح الاعتمادات والدخول بها في عمليات تجارية، مشيرا إلى أن الوارد للبنوك خلال الأسبوعين الماضيين فقط، فاق حجم المبالغ التي كانت تورد في البنوك نفسها قبل شهرين.
وفي إطار العقود والاتفاقيات التي أجراها السودان بعد أسبوعين من رفع الحظر الممتد منذ عام 1997، أعلن الدكتور بدر الدين محمود وزير المالية والاقتصاد عقب عودته من السعودية أمس، عن ترتيبات تجري حاليا مع الصندوق السعودي للتنمية للتوقيع على اتفاقيات قروض خلال الفترة القليلة المقبلة بقيمة 380 مليون دولار، تتضمن مشروعات كهرباء وصحة وتعليم.
وأوضح الدكتور بدر الدين، وزير المالية، أنه أجرى مباحثات مع المهندس يوسف البسام، نائب الرئيس والعضو المنتدب للصندوق السعودي للتنمية، وتم الاتفاق على ضرورة الإسراع في تكملة إجراءات التوقيع على هذه الاتفاقيات، مشيرا إلى أنه بحث كذلك وبحضور المستشار الاقتصادي للسفارة السودانية في الرياض محمد أحمد الفاضل، كيفية تنفيذ المنحة السعودية التي وافق عليها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، خلال زيارة الرئيس السوداني للمملكة خلال اليومين الماضيين، والبالغة نحو 100 مليون دولار، خُصصت لمشروعات مياه الريف في بعض ولايات السودان.
وفي صعيد الاستثمارات الجديدة في السودان ذاته، يصل الخرطوم منتصف فبراير (شباط) المقبل، وفد من الشركات الماليزية للاستثمار في قطاع التعدين بأنواعها المختلفة، وبخاصة الأحجار الكريمة والذهب.
وأكد السفير الماليزي في الخرطوم عقب لقائه الدكتور أحمد محمد صادق الكاروري، وزير المعادن، أول من أمس، رغبة بلاده في الاستثمار في السودان بعد رفع العقوبات الأميركية، في حين رحب الوزير بالرغبة الماليزية، واعدا بتقديم كل التسهيلات اللازمة، مؤكدا اهتمام وزارته بالاستثمارات الآسيوية في المعادن، وبخاصة في مجال القيمة المضافة للمعادن الصناعية وكيفية تصنيعها داخل السودان، موضحا أن الماليزيين سيعملون كذلك في مجالات شراء وبيع الذهب.
من جهته، أعلن الأستاذ أسامة فيصل، وزير الدولة، بالاستثمار عقب لقائه أمس (الخميس) وفد رجال الأعمال من سلطنة عمان برئاسة السيد سالم سهيل مسنة، ترحيب السودان بالمستثمرين العمانيين ومن دول الخليج العربي، مؤكدا حرص الوزارة على استقطاب الاستثمارات العمانية بما يعمّق من التعاون الاقتصادي بين البلدين، مشيرا إلى أن المستثمرين العمانيين أبدوا رغبة في الاستثمار في مشروعات الأمن الغذائي، التي أفردت لها الدولة اهتماما كبيرا لارتباطها بالاحتياجات المتنامية لتوفير الغذاء للسودان والعالم العربي.
واستعرض فيصل أمام الوفد العماني، الفرص المتاحة في القطاع الزراعي ونماذج منها، والإعفاءات والضمانات التي منحها قانون الاستثمار، إلى جانب سهولة الإجراءات بما يتفق والسياسات الاقتصادية بالبلاد، مشيرا إلى الفرص الاستثمارية الضخمة في المجالات الصناعية والخدمية والمعادن.
من جهته، أوضح رئيس الوفد العماني رغبتهم في الاستثمار في القطاع الزراعي؛ لما يتميز به من إمكانات وموارد طبيعية، مشيرا إلى أن زيارتهم تأتي لاستكشاف فرص ومناخ الاستثمار بالسودان، مؤكدا أنهم يتطلعون إلى مزيد من التعاون مع السودان في مجالات الاستثمار بما يحقق المصالح المشتركة.
في الصعيد ذاته، تعتزم مجموعة الشيخ حامد سعيد لوتاه الإماراتية التي تزور ولاية كسلا حاليا، إنشاء بنك وفندق إسلامي ومدارس، ومشروعات إنماء الصدقات، وإقامة مشروع السكن المنتج الذي يعمل على إخراج الأسر من دائرة الفقر إلى دائرة الإنتاج.
وأعرب علي حسين علي، مدير مشروعات المجموعة بالسودان، عن تقديره لاهتمام حكومة ولاية كسلا بشرق البلاد ومفوضية الاستثمار؛ لما قدموه من تسهيلات، بعد أن قدم تنويرا حول رؤية وفكرة الشيخ سعيد، رئيس المجموعة، في تنفيذ المشروعات الاجتماعية والخدمية المستوحاة من أصل الدين. وقال: إن هذا الاهتمام دفع المجموعة للعمل على توسيع مشروعاتها.
من جانبه، أكد الوالي اهتمام حكومته وتشجيعها للاستثمار والمستثمرين من خلال تقديم التسهيلات المطلوبة كافة؛ حتى تتمكن المجموعة الإماراتية من التوسع في مشروعات المجموعة بالولاية.
وبعد رفع الحظر على السودان في السابع عشر من الشهر الحالي، تعهدت بريطانيا بالسعي في المحافل الدولية لإعفاء السودان من ديونها البالغة نحو 40 مليار دولار، أو جدولتها للمقرضين، وضخ استثمارات بريطانية متنوعة خلال الفترة المقبلة؛ وذلك بعد أن أعادت المملكة المتحدة بناء علاقات اقتصادية قوية بين البلدين، إثر رفع العقوبات الأميركية على السودان.
وجاء التعهد البريطاني خلال لقاء جمع الثلاثاء الماضي بين مجدي حسن يسن، وزير الدولة بوزارة المالية، ومايكل آرون، السفير البريطاني، والمستشار الاقتصادي للسفارة، وممثل منظمة التنمية البريطانية.
ووافق البنك الدولي الخميس قبل الماضي خلال لقاء تم بالخرطوم بين أكسافير فيرتاتو، ممثل البنك، ووزير المالية والاقتصاد الدكتور بدر الدين محمود، على استقطاب وضخ أموال لمشروعات التنمية في السودان، وتمويل القطاع الخاص.
ووقع محافظ بنك السودان في أبوظبي، الخميس الماضي، اتفاقية لحصول بلاده على وديعة قيمتها 500 مليون دولار من صندوق أبوظبي للتنمية، بدأ تسلمها من الأمس، حيث أودع الصندوق مبلغ 400 مليون دولار.
ومنذ الجمعة قبل الماضية تشهد أروقة الأجهزة الحكومية السودانية والقطاع الخاص حالة استنفار قصوى، لمرحلة ما بعد سريان فك الحظر الأميركي، تزامنت مع حركة دولية من قبل شركات أميركية وأوروبية وخليجية، أجرت اتصالات بمسؤولين ووزراء ورجال أعمال سودانيين؛ لإعادة طرح مشروعاتهم التي عرضوها قبل سنين، ورغبتهم في العودة والدخول للسودان، بعد سريان فك الحظر أخيرا. كما تم خلال الحالة الاستنفارية، عقد اجتماعات وتكوين لجان في معظم الوزارات لإعادة ترتيب البيت من الداخل، كما أعلن مستثمرون من السعودية وخليجون ومن العراق والكويت، رغبتهم في مشروعات زراعية ونفطية.
واستقبل السودان أكثر من 150 وفدا وشركة عالمية للمشاركة في معرض الخرطوم الدولي في دورته الرابعة والثلاثين التي انطلقت الاثنين الماضي، وتستمر حتى الثلاثين من الشهر الحالي.
ودخلت البلاد شركات تشارك لأول مرة في معرض الخرطوم، مثل كوريا والمغرب والهند، بجانب الكويت والسعودية وفرنسا وبيلاروسيا وجنوب أفريقيا واليابان وتونس، التي وقعت اتفاقيات تجارية كبرى مع السودانيين خلال أيام المعرض الأول. كما يشارك في المعرض 450 شركة محلية و150 شركة أجنبية، وممثلو 23 دولة وبعثات ومنظمات دولية.



رئيس بنك كوريا المُعين حديثاً يتعهد بسياسة نقدية «متوازنة»

شعار بنك كوريا يظهر على قمة مبناه في سيول (رويترز)
شعار بنك كوريا يظهر على قمة مبناه في سيول (رويترز)
TT

رئيس بنك كوريا المُعين حديثاً يتعهد بسياسة نقدية «متوازنة»

شعار بنك كوريا يظهر على قمة مبناه في سيول (رويترز)
شعار بنك كوريا يظهر على قمة مبناه في سيول (رويترز)

أعلنت كوريا الجنوبية، الأحد، تعيين الخبير الاقتصادي الكوري الجنوبي، شين هيون سونغ، المعروف بتوقعه للأزمة المالية العالمية عام 2008، رئيساً للبنك المركزي للبلاد، في وقت تواجه فيه البلاد ضغوطاً اقتصاديةً ناجمةً عن النمو المحلي المتفاوت وحرب إيران.

وسيخلف شين، ري تشانغ يونغ المحافظ الحالي عند انتهاء ولايته في 20 أبريل (نيسان) المقبل.

وفي بيان صادر عن البنك المركزي، قال شين إنه سيسعى إلى اتباع نهج سياسي «متوازن» يراعي التضخم والنمو والاستقرار المالي.

وأضاف شين: «لقد ازدادت حدة التقلبات في الأسواق المالية وأسواق الصرف الأجنبي، فضلاً عن حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية، مؤخراً نتيجة للتغيرات السريعة في الوضع بالشرق الأوسط».

مهمة صعبة

يواجه شين، الذي يتمتع بسمعة أكاديمية مرموقة بفضل تحذيراته المستمرة من الإفراط في الاقتراض، تحديات مباشرة تتمثل في التضخم الناجم عن الأوضاع في الشرق الأوسط والنمو غير المتكافئ.

وقال متحدث باسم الرئاسة في إحاطة صحافية: «كما يتضح من الوضع الراهن في الشرق الأوسط، فإن الظروف الاقتصادية المحلية والعالمية مترابطة، مما سيزيد من أهمية خبرته».

يتولى منصب محافظ البنك المركزي في وقت يواجه فيه صناع السياسات تحدياً دقيقاً يتمثل في الموازنة بين دعم النمو واحتواء مخاطر الاستقرار المالي الناجمة عن ارتفاع ديون الأسر وحرب إيران.

ورغم ازدهار قطاعات التكنولوجيا المتقدمة، بما فيها صناعة أشباه الموصلات، فإن التعافي لا يزال متفاوتاً، حيث تعاني قطاعات تقليدية كالصلب والبتروكيماويات من ضعف الطلب الخارجي.

وفي فبراير (شباط) الماضي، أبقى بنك كوريا المركزي سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير عند 2.50 في المائة، وأشار إلى أنه من المرجح أن يبقي أسعار الفائدة ثابتة حتى أغسطس (آب) من هذا العام على الأقل.

ديون الأسر

ركزت العديد من تصريحات شين في مقابلات سابقة على ضرورة بذل جهود سياسية جادة لخفض المديونية في ظل ازدياد ديون الأسر، لتجنب أزمة مالية مماثلة لتلك التي شهدتها البلاد في الماضي، وكذلك لكبح جماح أسعار العقارات المرتفعة للغاية حول العاصمة الكورية الجنوبية سيول.

وقال مسؤول عمل مع شين في بنك التسويات الدولية: «يمكن اعتباره متشدداً أكثر من كونه معتدلاً، وهذا فهم شائع بين الاقتصاديين، ويعود ذلك في الغالب إلى تركيز العديد من أبحاثه على مخاطر الإفراط في الاقتراض».

وأوضح مسؤول في وزارة المالية: «لا أعتقد أن أحداً في الأوساط الأكاديمية سيجادل في أنه بلا شك أحد أبرز الاقتصاديين في كوريا الجنوبية. يتمتع بشخصية متواضعة، وكانت تجربتي معه خلال زيارتي لبنك التسويات الدولية إيجابية للغاية، حيث نظم العديد من فعاليات التواصل للمسؤولين الكوريين الزائرين».

ويواجه شين، البالغ من العمر 66 عاماً، جلسة استماع للتصديق على تعيينه في الجمعية الوطنية، لكن لا يملك المشرعون حق النقض على ترشيح الرئيس.

وقال شين في تقرير صدر الأسبوع الماضي: «إذا كانت الصدمة ناتجة عن خلل في العرض، وبالتأكيد إذا كانت مؤقتة، فهذه أمثلة نموذجية يجب فيها تجاهل الأمر وعدم اللجوء إلى السياسة النقدية. الأمر يعتمد حقاً على مدة استمرار النزاع ومدة استمرار ارتفاع أسعار النفط».

وقدّم شين والخبير الاقتصادي الهندي راغورام راجان تحذيرات في مؤتمر لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي في أغسطس 2005، مستخدمين استعارة من جسر الألفية في لندن لتحديد مواطن الضعف النظامية التي ستؤدي في نهاية المطاف إلى الأزمة المالية العالمية.

ويُعرف شين، الأستاذ السابق في جامعة برينستون، بعلاقاته الوثيقة بالعديد من مسؤولي بنك كوريا، بمن فيهم ري الرئيس الحالي، حيث كان عضواً منتظماً في لجان ندوات البنك. ولا يمكن إعادة تعيين المحافظ إلا مرة واحدة فقط لمدة أربع سنوات.


لماذا يهرب المستثمرون من الذهب في ذروة الحرب؟

تجهيز المجوهرات الذهبية قبل صهرها لإنتاج سبائك الذهب في مصفاة بفيينا (أ.ف.ب)
تجهيز المجوهرات الذهبية قبل صهرها لإنتاج سبائك الذهب في مصفاة بفيينا (أ.ف.ب)
TT

لماذا يهرب المستثمرون من الذهب في ذروة الحرب؟

تجهيز المجوهرات الذهبية قبل صهرها لإنتاج سبائك الذهب في مصفاة بفيينا (أ.ف.ب)
تجهيز المجوهرات الذهبية قبل صهرها لإنتاج سبائك الذهب في مصفاة بفيينا (أ.ف.ب)

بعد سلسلة من الارتفاعات القياسية التي جعلت الذهب والفضة يتصدران المشهد الاستثماري، شهدت أسواق المعادن الثمينة موجة بيع عنيفة وتسارعاً في هبوط الأسعار، لتصبح آخر ضحايا توقعات التضخم المتزايدة.

ففي يوم «الخميس الأسود»، سجلت العقود الآجلة للذهب والفضة واحدة من أسوأ تراجعاتها اليومية على الإطلاق، حيث هوى الذهب بنسبة 5.9 في المائة (ما يعادل 289 دولاراً للأونصة)، بينما فقدت الفضة نحو 20 في المائة من قيمتها خلال سبع جلسات فقط. وواصلت أسعار الذهب تراجعها يوم الجمعة، مسجلةً أسوأ أسبوع لها منذ 15 عاماً، وسط مخاوف المستثمرين من التداعيات الاقتصادية للحرب الأميركية الإيرانية.

ويتجه الذهب نحو تسجيل أسوأ أداء شهري له منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2008. ومع ذلك، لا يزال المعدن مرتفعاً بأكثر من 5 في المائة في عام 2026، مما يؤكد ارتفاعه الكبير قبل حرب الخليج.

موظف يعرض سبائك ذهبية في متجر بورصة الذهب الكورية في سيول (أ.ف.ب)

ولكن لماذا تنهار «الملاذات الآمنة» في وقت تشتعل فيه الأزمات الجيوسياسية؟

السبب الرئيسي خلف هذا التراجع يكمن في تحول توقعات التضخم وتلاشي آمال خفض أسعار الفائدة العالمية. فبينما يزدهر الذهب عادة في بيئات الفائدة المنخفضة، أدت صدمة الطاقة الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط إلى تعقيد المشهد أمام البنوك المركزية في الولايات المتحدة وأوروبا.

لقد أشارت المصارف المركزية هذا الأسبوع إلى أن الفائدة قد لا تنخفض بالسرعة التي كان يأملها المستثمرون، مما رفع «تكلفة الفرصة البديلة» لحيازة المعدن الأصفر الذي لا يدر عائداً، ودفع المستثمرين نحو السندات التي باتت توفر دخلاً ثابتاً ومغرياً في ظل استمرار سياسة التشدد النقدي.

تخارج الصناديق

لم تقتصر الضغوط على السياسات النقدية والمستثمرين الكبار فحسب، بل امتدت لتطال «نبض الشارع الاستثماري» المتمثل في المستثمرين الأفراد. فلليوم السادس على التوالي وحتى تعاملات الجمعة، سجلت البيانات تخارجاً صافياً للمستثمرين من صندوق «إس بي دي آر غولد شيرز»، وهو أكبر صندوق متداول للذهب في العالم والمؤشر الأكثر دقة لشهية صغار المستثمرين. ورغم أن القيمة الإجمالية للمبالغ المسحوبة خلال هذه الفترة - التي بلغت حوالي 10.5 مليون دولار - تبدو ضئيلة مقارنة بمشتريات قياسية بلغت 36.8 مليون دولار في يوم واحد العام الماضي، إلا أن الدلالة العميقة تكمن في «التحول النفسي» وليس في الرقم ذاته، وفق «وول ستريت جورنال».

هذا النزيف المستمر في التدفقات النقدية يعكس تحولاً جذرياً في قناعات الأفراد الذين كانوا يرون في الذهب ملاذاً لا يُقهر. فالمستثمر الذي اندفع للشراء عندما تجاوزت الأونصة مستويات 5300 دولار في يناير (كانون الثاني)، بدأ يدرك أن الذهب بات «ضحية» لتوقعات التضخم بدلاً من أن يكون وسيلة للتحوط ضده. هذا الفتور في الشهية يعني أن المستثمرين الصغار لم يعودوا يبحثون عن الأمان في المعدن الأصفر، بل باتوا يفضلون «تسييل» مراكزهم والهروب نحو الدولار القوي أو السندات التي تمنح عائداً ثابتاً، مما يضع ضغوطاً إضافية على أسعار الذهب التي فقدت زخمها التاريخي.

شخصان ينظران إلى المجوهرات الذهبية وهما يقفان خارج متجر مجوهرات في السوق الكبير في إسطنبول (أ.ف.ب)

البيع الاضطراري و«تغطية الخسائر»

يرى محللون أن جزءاً كبيراً من هذا التخارج الصافي ليس ناتجاً عن فقدان الثقة المطلقة في الذهب، بل هو نتيجة «حاجة ماسة للسيولة» في أسواق أخرى متعثرة. فمع تراجع أسواق الأسهم والعملات، اضطر العديد من المستثمرين الأفراد لاستخدام حصصهم في صناديق الذهب كـ«حصالة طوارئ» لتغطية خسائرهم أو لتلبية طلبات «هامش الربح» من قبل الوسطاء. هذا النوع من «البيع القسري» يثبت أن الذهب، في لحظات الأزمات المركبة، يتحول من أصل للادخار طويل الأمد إلى مصدر سريع للسيولة، مما يعجل من وتيرة هبوطه السعري في الأسواق العالمية.

«الأموال الذكية»

بالتوازي مع تراجع استثمارات الأفراد، لم تكن المؤسسات الكبرى بمعزل عن هذا المشهد. ففي الكواليس، بدأت «الأموال الذكية» - المتمثلة في صناديق التحوط والمستثمرين المحترفين - في تقليص مراكزها من المعادن بشكل كبير. ويرى محللون أن التقلبات الحادة في الأسواق الأخرى، مثل تراجع الأسهم، دفعت بعض المستثمرين لبيع الذهب والفضة لـ«تسييل الأرباح» وتغطية خسائرهم في أماكن أخرى من محافظهم الاستثمارية، أو لتلبية طلبات «هامش الربح». وبحسب خبراء السلع في «ستاندرد تشارترد»، فإن الحاجة إلى السيولة في الوقت الراهن تفوقت على علاوة المخاطر الجيوسياسية التي كانت تدعم الذهب تاريخياً.

البنوك المركزية... حارس استراتيجي

في مقابل تخارج صغار المستثمرين، تواصل البنوك المركزية العالمية تعزيز احتياطاتها من المعدن الأصفر، وإن كان ذلك بوتيرة أكثر توازناً. فوفقاً لبيانات مجلس الذهب العالمي لشهر مارس 2026، استمر «بنك الشعب الصيني» في الشراء للشهر السادس عشر على التوالي، حيث أضاف نحو 25 طناً في فبراير (شباط) وحده، ليصل إجمالي حيازاته إلى مستوى قياسي جديد. ويعكس هذا الإصرار السيادي على الشراء استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى «تنويع الاحتياطيات» وتقليل الاعتماد على الدولار، خصوصاً في ظل التوترات الجيوسياسية الراهنة التي أعقبت صراع الشرق الأوسط.

سبيكة ذهبية وزنها كيلوغرام واحد وعملة ذهبية مختومة معروضتان في متجر مجوهرات بدبي (رويترز)

دخول لاعبين جدد

لم تعد المشتريات مقتصرة على القوى التقليدية مثل الصين وروسيا؛ فقد شهد الربع الأول من عام 2026 دخول لاعبين جدد إلى الساحة بشكل مفاجئ. فقد أعلن بنك كوريا المركزي عن خطط لدمج صناديق الذهب المتداولة في محفظته الدولية لأول مرة منذ عام 2013. كما سجل «بنك ماليزيا» أول عملية شراء رئيسية له منذ سنوات. هذا التوسع في قاعدة المشترين السياديين يشير إلى أن الذهب لم يفقد قيمته كأصل استراتيجي، بل إن البنوك المركزية تنظر إلى التراجعات السعرية الحالية كـ«فرصة شراء» لتعزيز مرونة اقتصاداتها الوطنية أمام تقلبات العملات الورقية.

رغم هذه المشتريات، يشير محللون إلى أن بعض البنوك المركزية قد تتبنى نهج «الانتظار والترقب» في الأشهر المقبلة. فمع ارتفاع أسعار الطاقة والضغوط التضخمية الناتجة عن تعطل الإمدادات في مضيق هرمز، قد تضطر بعض الدول الناشئة لاستخدام سيولتها النقدية لدعم عملاتها المحلية بدلاً من زيادة حيازاتها من الذهب. ومع ذلك، يظل التوقع العام لعام 2026 هو بقاء صافي مشتريات البنوك المركزية عند مستويات مرتفعة تتراوح من 750 إلى 900 طن، مما يوفر «أرضية صلبة» تمنع انهيار الأسعار بشكل كامل رغم موجات البيع التي يقودها الأفراد وصناديق التحوط.

عدوى الهبوط

لم تكن المعادن الثمينة وحدها في ساحة النزيف، بل امتدت الموجة لتشمل البلاتين والبلاديوم اللذين فقدا نحو 17 في المائة و15 في المائة من قيمتهما هذا الشهر على التوالي. كما تراجعت المعادن الصناعية مثل النحاس والألومنيوم، وهو ما يفسره المحللون بإعادة تقييم المستثمرين لتوقعات النمو الاقتصادي العالمي. فرغم إغلاق مضيق هرمز الذي يعد شرياناً حيوياً لشحنات الألومنيوم والغاز، فإن الأسعار تراجعت مع ازدياد القناعات بأن الركود العالمي القادم قد يؤدي إلى «تدمير الطلب»، مما جعل التحوط بالمعادن خياراً أقل جاذبية في ظل تباطؤ اقتصادي وشيك.


الفلبين تسمح باستخدام وقود أقل جودة لتأمين الإمدادات بسبب أزمة الشرق الأوسط

حافلة «جيبني» الشعبية تمر بجانب متظاهرين في مانيلا يعارضون ارتفاع أسعار الوقود المرتبط بحرب إيران (إ.ب.أ)
حافلة «جيبني» الشعبية تمر بجانب متظاهرين في مانيلا يعارضون ارتفاع أسعار الوقود المرتبط بحرب إيران (إ.ب.أ)
TT

الفلبين تسمح باستخدام وقود أقل جودة لتأمين الإمدادات بسبب أزمة الشرق الأوسط

حافلة «جيبني» الشعبية تمر بجانب متظاهرين في مانيلا يعارضون ارتفاع أسعار الوقود المرتبط بحرب إيران (إ.ب.أ)
حافلة «جيبني» الشعبية تمر بجانب متظاهرين في مانيلا يعارضون ارتفاع أسعار الوقود المرتبط بحرب إيران (إ.ب.أ)

سمحت الفلبين بالاستخدام المؤقت والمحدود لنوع من الوقود أرخص ثمناً، ولكنه أقل جودة وأكثر بعثاً للملوثات؛ وذلك لضمان استمرار الإمدادات في ظل سعيها إلى إيجاد حلول لمواجهة تداعيات أزمة الشرق الأوسط.

وأعلنت وزارة الطاقة، الأحد، أنه سيُسمح فقط للمركبات المصنعة في عام 2015 وما قبله، وسيارات الجيب التقليدية، ومحطات توليد الطاقة، وقطاع النقل البحري، باستخدام منتجات البترول المتوافقة مع معيار «يورو2».

وأوضحت الوزارة في بيان: «يهدف هذا الإجراء إلى المساعدة في ضمان استمرار إمدادات الوقود بشكل كافٍ ومتاح، مع إتاحة مرونة محدودة للقطاعات التي قد تتأثر».

وأصدرت الوزارة توجيهات لشركات النفط التي ستوفر وقود «يورو2» بالحفاظ على الفصل التام بينه وبين وقود «يورو4» في جميع أنظمة التخزين والنقل والتوزيع.

وفي عام 2016، تحولت مانيلا إلى استخدام وقود أنظف متوافق مع معايير «يورو4» بدلاً من «يورو2». ويحتوي وقود «يورو4»، الذي لا يزال ساري المفعول، على نسبة كبريت تبلغ 50 جزءاً في المليون، مقابل 500 جزء في المليون لوقود «يورو2».

وفي الأسبوع الماضي، خرج آلاف سائقي السيارات إلى الشوارع في جميع أنحاء البلاد احتجاجاً على ارتفاع أسعار الديزل المحلية بأكثر من الضعف، وذلك بعد ارتفاع أسعار النفط العالمية بسبب الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

ومثل كثير من جيرانها في جنوب شرقي آسيا، اتخذت الفلبين خطوات، مثل تقليص أسبوع العمل وتقديم دعم للوقود؛ لمواجهة آثار ارتفاع التكاليف. كما منح البرلمان الرئيس صلاحيات طارئة لتعليق أو تخفيض ضرائب الوقود.

وقال الرئيس الفلبيني، فيرديناند ماركوس، في رسالة مصورة يوم الأحد، إن الحكومة تجري محادثات مع الهند والصين واليابان وكوريا الجنوبية وتايلاند وبروناي بشأن ترتيبات محتملة لإمدادات الوقود. وتستعد الدولة، التي تعتمد بشكل كبير على نفط الشرق الأوسط لتلبية احتياجاتها من الوقود، لاستيراد النفط الروسي هذا الشهر لأول مرة منذ 5 سنوات.