أوروبا الشرقية قلقة إزاء تردد حلف «الأطلسي» في مواجهة روسيا

قائد في {الناتو} : الأوضاع في أوكرانيا دفعتنا للعودة إلى مهامنا التقليدية الدفاعية

فرقة عسكرية أميركية متمركزة في إيطاليا أثناء وصولها إلى مطار العاصمة اللاتفية ريغا أمس ..وكانت الولايات المتحدة قررت إرسال 600 جندي إلى دول البلطيق وبولندا لإجراء مناورات (رويترز)
فرقة عسكرية أميركية متمركزة في إيطاليا أثناء وصولها إلى مطار العاصمة اللاتفية ريغا أمس ..وكانت الولايات المتحدة قررت إرسال 600 جندي إلى دول البلطيق وبولندا لإجراء مناورات (رويترز)
TT

أوروبا الشرقية قلقة إزاء تردد حلف «الأطلسي» في مواجهة روسيا

فرقة عسكرية أميركية متمركزة في إيطاليا أثناء وصولها إلى مطار العاصمة اللاتفية ريغا أمس ..وكانت الولايات المتحدة قررت إرسال 600 جندي إلى دول البلطيق وبولندا لإجراء مناورات (رويترز)
فرقة عسكرية أميركية متمركزة في إيطاليا أثناء وصولها إلى مطار العاصمة اللاتفية ريغا أمس ..وكانت الولايات المتحدة قررت إرسال 600 جندي إلى دول البلطيق وبولندا لإجراء مناورات (رويترز)

تواصل طائرة مراقبة متطورة تابعة لحلف شمال الأطلسي (الناتو) تحليقها فوق الحدود الرومانية لمراقبة التحركات الروسية عن كثب. ثم ظهر فجأة على شاشات الرادار الخاص بها بعض النقاط التي بدت تحركاتها تشبه لعبة القط والفأر بين طائرة مراقبة روسية تحلق فوق حاملة صواريخ موجهة أميركية في البحر الأسود، وسرب من مقاتلات حلف الناتو قام على الفور بمطاردتها وإبعادها عن المدمرة الأميركية.
أعاد هذا المشهد للأذهان أجواء الحرب الباردة، حيث يقوم حلف الناتو بمهمة طمأنة حلفائه الذين بدأ يتكون لديهم شعور بأنهم معرضون للتهديدات الروسية بعد تدخل موسكو الأخير في أوكرانيا. لكن تلك المهمة بثت القليل من الطمأنينة في دول أوروبا الشرقية الأعضاء في حلف الناتو، التي تشعر بقلق متزايد بسبب تحركات روسيا من جهة وقدرة الحلف، أو حتى استعداده، على مواجهة تلك التحركات من جهة أخرى.
ويعترف قادة حلف الناتو بأن الحلف لم يعد - كما كان في السابق - مستعدا لمواجهة الكرملين الجديد، الذي يسعى للتأكيد على مكانته على المستوى العالمي. والسبب الرئيس وراء وضع حلف الناتو الحالي هو الضعف الذي أصابه بسبب خفض الدول الأوروبية لميزانياتها العسكرية، وكذلك اشتراك قواته في معارك دارت رحاها في مناطق بعيدة مثل أفغانستان وليبيا.
يقول آرتيس بابريكس، الذي كان يشغل منصب وزير دفاع لاتفيا حتى يناير (كانون الثاني) الماضي، إن دول أوروبا الغربية الأعضاء في حلف الناتو ربما تنظر إلى الصراع الحالي بشأن تركيا على أنه بعيد ويهدد علاقتها الاقتصادية مع موسكو. ويضيف بابريكس «أما بالنسبة لنا فالأمر لا يتعلق بالأموال (والمصالح الاقتصادية)، بل بوجودنا. فأنتم يا رفاق ربما تستطيعون العيش بحرية، أما نحن فلا، فالأمر مختلف تماما».
لقد بدأ حلف الناتو نفسه يعي الظروف التي تغيرت. ويقول الجنرال أندرو مولر، الذي يقود أسطول حلف الناتو الذي يتكون من 17 طائرة مراقبة، إن ما حدث في أوكرانيا «جعلنا نعيد التأكيد على المهمة الرئيسة التي أنشأ الحلف من أجلها. تقوم تلك المهمة في الأساس على تعزيز دفاعات الأعضاء داخل نطاق الحلف نفسه. وقد ابتعدنا عن تلك القاعدة قليلا عندما ذهبنا إلى أفغانستان وليبيا».
لكن الأمر يتطلب تحركات أكثر من مجرد إعادة التأكيد على مهمة الناتو الأساسية حتى يتسنى لأعضائه إعادة تنشيط قواه العسكرية التي تآكلت بشدة منذ عام 1989. وتضطلع الولايات المتحدة الأميركية بـ75 في المائة من نفقات حلف الناتو العسكرية، في حين تستطيع بضعة بلدان أوروبية تحقيق هدف الحلف من تخصيص 2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي لموازنة الحلف العسكرية.
يُعتبر حلف الناتو الخط الأمامي للرد على التوترات المتزايدة مع روسيا، لكن إحجام الولايات المتحدة وحلفائها من دول أوروبا الغربية على تقوية الحلف يعكس تناقضا في ما يتعلق بالرغبة في مواجهة روسيا بشكل مباشر، سواء عسكريا أو من خلال عقوبات اقتصادية قاسية.
ويبدو ذلك الإحجام قويا وسط بعض أعضاء الحلف، مثل إسبانيا وإيطاليا وفرنسا وألمانيا، التي تحتفظ بعلاقات تجارية وتعاون في مجال الطاقة مع روسيا. وتود تلك الدول لو أن العلاقات مع روسيا عادت إلى ما كانت عليه في أسرع وقت ممكن. غير أنه وفي مشهد يذكر بالانقسام الذي حدث حول مصطلحي «أوروبا الجديدة» و«أوروبا القديمة» إبان سنوات حكم بوش، يقول أعضاء الناتو، الذين يشتركون في الحدود مع روسيا، إن تلك الحقبة قد ولت.
ويقول توماس هندريك الفيس، رئيس استونيا «لقد انهار المفهوم الأساسي للأمن في أوروبا الآن. وقد جرى التنبؤ بكل ما حدث منذ عام 1989 وحتى الآن استنادا إلى الافتراض الأساسي القائل بأنه لا يمكن تغيير الحدود بالقوة، لكن ذلك لم يعد قائما. ينبغي على القادة السياسيين الاعتراف بأن القواعد القديمة لم تعد صالحة للتطبيق في وقتنا هذا».
يمتلك حلف الناتو أسطولا من طائرات المراقبة، وتأتي النفقات والمساهمات المالية من 17 دولة من أعضائه. ويقع الأسطول تحت قيادة الجنرال فيليب بريدلاف، وهو من قادة سلاح الجو الأميركي، الذي يستطيع إعطاء الأوامر بنشر الطائرات من دون استشارة الدول الأعضاء في الحلف. وقد جرى تعيين بريدلاف قائدا لحلف الناتو في يوليو (تموز) الماضي. وكان بريدلاف قد عبر عن رأيه بشكل صريح في ما يخص التهديد الجديد من قبل روسيا.
وتصر إدارة أوباما حتى الآن على رفض اقتراحات، بعضها من مسؤولين كبار في وزارة الخارجية، بشأن زيادة العدد المتواضع لقوات الولايات المتحدة والناتو، أو تعزيز إمدادات المعدات العسكرية في البلدان التي تشترك في الحدود مع روسيا.
ويعلق مسؤول رفيع المستوى على ذلك بقوله إن البيت الأبيض لا يريد أن يصب الزيت على النار، لكنه ألزم القوات الأميركية مؤخرا بإجراء تدريبات عسكرية مؤقتة في بولندا ودول البلطيق. لكن عدد القوات يبقى قليلا في كل الأحوال: نحو 600 فرد من جنود المظلات ينتشرون في إيطاليا.
يقول شون كاي، مستشار سابق في وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) في شؤون الناتو، إن «تلك محاولة رمزية لإرسال رسائل طمأنة، مع الأخذ في الاعتبار إمكانية إدخال زيادة بمقاييس محددة إذا لزم الأمر». ويضيف كاي أن واشنطن حريصة على عدم منح فرصة للرئيس الروسي ليثبت صحة فكرته حول أن الغرب عازم على التعدي على مناطق النفوذ الروسية التقليدية. لكن البعض يقول إن إقدام واشنطن على اتخاذ خطوة بسيطة في ذلك الشأن سيمنح الفرصة لبوتين لاتخاذ خطوات أكبر.
وقد أحجم حلف الناتو عن نشر أعداد كبيرة من القوات في الدول الأعضاء المجاورة لروسيا وفقا لوعد أحادي قطعه على نفسه لموسكو عام 1997 عندما كانت روسيا تظهر قدرا أكبر من التعاون. وللسبب نفسه لم يجر وضع خطة طوارئ عسكرية للدفاع عن دول البلطيق حتى عام 2009، رغم أنها حصلت على عضوية الحلف الكاملة في عام 2005. غير أن الكثيرين يرون ضرورة تغيير ذلك الموقف بعد أن قامت روسيا بضم شبه جزيرة القرم وتهديدها لشرق أوكرانيا.
ويشير رئيس استونيا إلى أن حلف الناتو كان يحاول الرد على روسيا، مضيفا أن «كل ما قيل يبدو جيدا، وقد أعلن الناتو عن اتخاذ العديد من التدابير العسكرية، سواء البحرية أو الجوية. لكن عندما يجري تنفيذ تلك التدابير على أرض الواقع سيبدو الوضع أفضل بكثير».
ويمضي رئيس استونيا قائلا إن بعض البلدان، مثل دول البلطيق وبولندا ورومانيا، تريد أن ترى «قوات عسكرية على الأرض ووجود حقيقي للحلف في المنطقة»، بالإضافة إلى الدفاعات الجوية وليس مجرد طائرات تحلق وتراقب فقط.
ويقول بابريكس إنه رغم التصريحات التي صدرت مؤخرا عن حلف الناتو «تبدو شعوب بولندا ودول البلطيق غير متأكدة من أن تلك الخطوات ستنفذ بالفعل على الأرض». ويضيف بابريكس أنه «بمقارنة القوات الروسية الرابضة عند حدودنا، ما زالت منطقتنا منزوعة السلاح، ولذلك يجب أن يتغير هذا الوضع».
ويمضي بابريكس قائلا إنه لا أحد يشك في قدرة حلف الناتو العسكرية على الوقوف في وجه روسيا، لكن إذا رأى بوتين أن الحلف «منقسم أو متردد في تقرير ما إذا كان أمن لاتفيا يقف على نفس القدر من الأهمية مثل أمن ألمانيا، أم لا، فإنه سيتجرأ ويهدد لاتفيا.
وإذا فعل بوتين وهدد أمن لاتفيا، ثم لم يجد ردا قويا من الناتو، فسيعتبر الناتو قد مات». ويقول بابريكس «يجب علينا أن نعطي إشارة واضحة بأن المساس بأمن أي عضو في الناتو يعتبر خطا أحمر، ليس كخط سوريا، بل يجب أن يعلم بوتين أنه إذا تخطى ذلك الخط، فإننا سنفتح النار عليه».

* خدمة «نيويورك تايمز»



بوتين يوقف مؤقتاً الهجمات على أوكرانيا

بوتين والمتحدّث باسم الكرملين دميتري بيسكوف عقب مؤتمر صحافي 15 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)
بوتين والمتحدّث باسم الكرملين دميتري بيسكوف عقب مؤتمر صحافي 15 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)
TT

بوتين يوقف مؤقتاً الهجمات على أوكرانيا

بوتين والمتحدّث باسم الكرملين دميتري بيسكوف عقب مؤتمر صحافي 15 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)
بوتين والمتحدّث باسم الكرملين دميتري بيسكوف عقب مؤتمر صحافي 15 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)

مع موجة برد قاسية ضربت أوكرانيا وانقطاعات متكررة في الكهرباء والتدفئة، طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب شخصياً من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين «عدم إطلاق النار على كييف ومدن أخرى لمدة أسبوع». الكرملين أكد الطلب، وأن بوتين وافق على وقف ضربات كييف حتى أوائل فبراير (شباط)، مع تبرير روسي يتمحور حول «تهيئة ظروف مواتية» للمحادثات.

من جهتها، تعاملت كييف مع الإعلان باعتباره خطوة ممكنة لتقليل الخسائر خلال موجة الصقيع، لكن مع حذر واضح مبني على تجربة طويلة مع «هدن مؤقتة» لم تصمد.

وتعد «هدنة الأسبوع» المقترحة بمثابة «اتفاق» غير مكتوب، ونجاحها من عدمه سيحدد مسارات الاجتماعات المقبلة التي سيتوقف نجاحها على مدى قدرة واشنطن على إقناع كييف بالتخلي عن «الأرض مقابل الأمن»، وإقناع موسكو بقبول «السيادة الأوكرانية مقابل الحياد».لكن تبقى الأرض هي العقدة، حيث إن خلافاً جوهرياً ما زال قائماً حول مطالبة روسيا بأن «تتخلى أوكرانيا عن كامل دونباس - دونيتسك»، بما في ذلك أجزاء لا تزال تحت سيطرة كييف.


بوتين يستجيب لطلب ترمب بعدم شن هجمات على أوكرانيا حتى مطلع فبراير

بوتين والمتحدّث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف (أ.ف.ب)
بوتين والمتحدّث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف (أ.ف.ب)
TT

بوتين يستجيب لطلب ترمب بعدم شن هجمات على أوكرانيا حتى مطلع فبراير

بوتين والمتحدّث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف (أ.ف.ب)
بوتين والمتحدّث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف (أ.ف.ب)

بينما تتعامل أوكرانيا مع موجة برد قاسية وانقطاعات متكررة في الكهرباء والتدفئة، عاد ملف «التهدئة الجزئية» إلى واجهة المسار التفاوضي بعد إعلان الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، أنه طلب شخصياً من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين «عدم إطلاق النار على كييف ومدن أخرى لمدة أسبوع»، وأن بوتين وافق.

لم يقتصر الأمر على التصريح الأميركي، إذ اتخذت موسكو موقفاً متدرجاً بين الصمت والتباس الرد، قبل أن يعلن الكرملين تأكيداً محدوداً للهدنة، ما حوَّل «هدنة الأسبوع» سريعاً من بشرى إنسانية إلى اختبار صعب للثقة وميزان لجدية المحادثات الثلاثية في أبوظبي بين الروس والأوكرانيين والأميركيين، والتي من المقرر أن تعقد جولتها الثانية يوم الأحد.

فما الذي يناقش فعليا سواء بالنسبة إلى الأمن والدبلوماسية والطلبات السياسية للطرفين؟

رجال إنقاذ يحملون جثة شخص عُثر عليها تحت أنقاض مبنى سكني استهدفته غارة روسية (رويترز)

وقف قصف كييف

رجال إنقاذ في موقع غارة روسية على منطقة سكنية في أوديسا (رويترز)

الإشارة الأهم جاءت من مصدر روسي رسمي عبر تأكيد الكرملين، بحسب «رويترز»، أن بوتين وافق على وقف ضربات كييف حتى أوائل فبراير (شباط) 2026 استجابةً لطلب ترمب، مع تبرير روسي يتمحور حول «تهيئة ظروف مواتية» للمحادثات، من دون تبنٍ واضح لرواية «البرد القارس» بوصفه سبباً رئيسياً. لكن المشكلة ليست في مبدأ «الإيقاف» فقط، بل في تعريفه. هل هو وقف للقصف على العاصمة كييف تحديداً؟ أم وقف للهجمات على «كييف الكبرى» أو نطاق أوسع؟ «رويترز» أشارت صراحة إلى أن دقة المقصود بعبارة «كييف» بقيت غير محسومة.

من جهتها، تعاملت كييف مع الإعلان بوصفه خطوةً ممكنةً لتقليل الخسائر خلال موجة الصقيع، لكن مع حذر واضح مبني على تجربة طويلة مع «هدن مؤقتة» لم تصمد. وكالة «أسوشييتد برس» لخَّصت جوهر الإشكال بالقول إنه لا توجد حتى الآن آلية موثقة وملزمة، ولا تفاصيل علنية حول ما إذا كان الوقف يشمل كل الضربات أم جزءاً منها (مثل منشآت الطاقة)، وسط استمرار هجمات بطائرات مسيّرة وصواريخ على مسارات مختلفة. ولا يعد تحديد مدة «الأسبوع» مجرد تفصيل تقني، بل يمثل معياراً سياسياً لاختبار جدية الأطراف في الالتزام، إذ إن فشل الهدنة سيعيد بسرعة الاتهامات المتبادَلة حول المسؤولية عن الخرق الأول، مما يُهدِّد بإجهاض أي تقدم تفاوضي.

جنود أوكرانيون يذخرون راجمة صواريخ من عيار «122 ملم» في دونيتسك (رويترز)

حرب الطاقة أداة تفاوض

منذ أسابيع، تتصدَّر البنية التحتية للطاقة عنوان الضغط الروسي: ضربات متكررة على الشبكات والمحطات تجعل الشتاء عاملاً مضاعفاً للألم، سياسياً واجتماعياً. وهذه الخلفية تفسِّر لماذا تَركَّز النقاش على «تجميد» استهداف الطاقة أو المدن الكبرى بدل وقف شامل لإطلاق النار. «رويترز» وصفت السياق بوضوح: كييف تواجه نقصاً حاداً في الطاقة، وإصلاحات طارئة تتزامن مع توقعات بمزيد من انخفاض الحرارة.

لكن «حرب الطاقة» ليست ورقة روسية فقط، فقد لوَّحت أوكرانيا، وفق «أسوشييتد برس» بمنطق «المعاملة بالمثل». إذا أوقفت روسيا ضرب منشآت الطاقة، فيمكن أن تُبدي كييف ضبطاً مماثلاً.

هذا يقود إلى استنتاج أن الهدنة الجزئية تُستخدَم أداة تفاوض أكثر من كونها خطوة إنسانية صِرفة. فهي تخلق «فترة اختبار» قصيرة يمكن للطرفين خلالها الادعاء بأنهما «بنّاءان» أمام واشنطن، وفي الوقت نفسه الحفاظ على القدرة العسكرية في الجبهات.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يستقبل المبعوث الرئاسي الأميركي ستيف ويتكوف وصهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب جاريد كوشنر خلال اجتماعهم في الكرملين بموسكو يوم 22 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ما عُقد المفاوضات؟

حتى في أكثر الروايات تفاؤلاً، تبقى الأرض هي العقدة، حيث إن خلافاً جوهرياً ما زال قائماً حول مطالبة روسيا بأن «تتخلى أوكرانيا عن كامل دونباس - دونيتسك»، بما في ذلك أجزاء لا تزال تحت سيطرة كييف. وهذا ليس مجرد «تفصيل ترسيم حدود»، بل مسألة ترتبط بمعنى الحرب عند الطرفين: موسكو تريد تثبيت مكاسبها وتوسيعها، وكييف ترى في أي تنازل دون ضمانات صلبة دعوةً لحرب لاحقة.

تقول كييف: «لا تنازلات جوهرية من دون ضمانات». لكن روسيا تُظهر رفضاً أو تشكيكاً عميقاً في أي صيغة تُبقي لأوكرانيا «مظلة غربية» تُشبه من وجهة نظر موسكو، الاقتراب من الناتو أو شرعنة «أوكرانيا بوصفها منصة تهديد». هذا الموقف عبَّر عنه صراحة وزير الخارجية سيرغي لافروف الذي شكَّك في جدوى الضمانات المدعومة أميركياً. وهنا تكمن المعضلة: ضمانات قوية بما يكفي لطمأنة كييف غالباً ما تكون مستفزةً بما يكفي لرفض موسكو.

وفود المحادثات الثلاثية في أبوظبي الأسبوع الماضي (رويترز)

كما أنه حتى ولو توفَّرت تسوية على الورق، يبقى على الطرفين تسويقها داخلياً. زيلينسكي يحتاج إلى شيء يمكن تقديمه للأوكرانيين على أنه «يمنع تكرار حرب 2014 وحرب 2022» ويضمن أن روسيا لن تعود لحرب جديدة بعد التقاط الأنفاس. في حين أن بوتين يحتاج على ما يبدو إلى «انتصار استراتيجي»، إما إلى أراضٍ، أو تحييد أوكرانيا، أو كسر مسار الضمانات الغربية.

فالمحادثات الثلاثية التي جرت، الأسبوع الماضي، في الإمارات مع جولة ثانية متوقعة الأحد مهمة، على الرغم من أنها انتهت دون اتفاق، لكنها أبقت الباب مفتوحاً لمزيد من الحوار. وعُدّت نمطاً يوحي بأن واشنطن تحاول إدارة التفاوض بوصفه مساراً متدرجاً يبدأ بإجراءات «خفض تصعيد» قابلة للقياس (مثل هدنة الطاقة - المدن)، قبل الانتقال إلى «الصفقة الكبرى». لكن تبقى مشكلة بنيوية، فكثير من القرارات الكبرى، كالحدود، والضمانات، ووضع المناطق المتنازع عليها، تحتاج عملياً إلى قرار سياسي من القمة، بينما اللقاءات الفنية - الأمنية قد تُحسِّن المناخ دون القدرة على الحسم.

سيناريوهات أمام ترمب

صحيفة «وول ستريت جورنال»، طرحت سيناريوهات عدة لجهود الرئيس الأميركي دونالد ترمب. «هدنة الثقة» في كييف تتوسَّع تدريجياً إلى وقف نار أوسع، ما يضمن صمودها نسبياً وتُترجم إلى خطوات إضافية، لتشمل أهدافاً أخرى، وربما إنشاء آلية مراقبة - إخطار لتقليل «الحوادث» وسوء الفهم. نجاح خطوة قصيرة مثل هذه قد يعطي ترمب دليلاً سياسياً على «قابلية بوتين للتجاوب»، ويمنح زيلينسكي متنفساً إنسانياً في أصعب أسابيع الشتاء. ومع تأكيد الكرملين وقف الضربات حتى أوائل فبراير تتوفّر نظرياً بذرة هذا المسار. غير أن نقطة الضعف الرئيسية هي أن أي خرق كبير سيعيد كل شيء إلى نقطة الصفر، خصوصاً مع غياب وثيقة واضحة وآلية إلزام.

سيناريو آخر تحدَّث عن هدن موضعية وتقدم بطيء بلا اختراق، بحيث تستمر الحرب على الجبهات، بينما تُستخدم الهدن الجزئية إدارةً للأزمة وليست حلاً. وحتى لو أدت الاجتماعات إلى تسجيل «أجواء إيجابية» أحياناً، فإن العقدة الحقيقية (الأرض والضمانات) تبقى معلّقة. هذا السيناريو يتسق مع صورة المفاوضات التي انتهت من دون اتفاق ثم وُعد باستكمالها. وهو ما يسمح لكل طرف بأن يراهن على تحسين موقعه ميدانياً أو سياسياً قبل تقديم تنازل، مع الحفاظ على قناة تواصل تمنع انفلاتاً أكبر.

ويتكوف وكوشنر والمبعوث الرئاسي الروسي كيريل ديميترييف وأوشاكوف يلتقون قبل الاجتماع مع بوتين في موسكو (رويترز)

لكن إذا انهارت «هدنة كييف»، فقد يؤدي ذلك إلى تصعيد الضغوط الأميركية أكثر، إذا تبين أنها لم تكن سوى «إيماءة» أو إذا تصاعدت ضربات الطاقة مجدداً. في هذا السيناريو فقد ينقلب المزاج سريعاً. كييف ستقول إن موسكو تستخدم الدبلوماسية غطاءً، وموسكو ستتهم أوكرانيا بالاستفزاز أو عدم الجدية، بينما واشنطن قد تلوّح بأدوات ضغط (اقتصادية وسياسية) لدفع الطرف الذي تعدّه معطِّلاً.

وكالة «أسوشييتد برس» شدَّدت على أن الغموض والتباين في الروايات، مع استمرار العنف، أمور تجعل «الوقف» هشاً ومعرّضاً للانهيار سريعاً. ويصبح هدف ترمب ليس «صفقة سلام» قريبة، بل إدارة التصعيد ومنع الانفجار الأوسع، مع تحميل المسؤوليات علناً.

في المحصلة، تعد «هدنة الأسبوع» المقترحة بمثابة «اتفاق» غير مكتوب، ونجاحها من عدمه سيحدد مسارات الاجتماعات المقبلة. موافقة بوتين على طلب ترمب ستعطي زخماً للدبلوماسية الأميركية، لكنها تظل رهينة بمدى قدرة واشنطن على إقناع كييف بالتخلي عن «الأرض مقابل الأمن»، وإقناع موسكو بقبول «السيادة الأوكرانية مقابل الحياد».


الشرطة الإسبانية تقبض على صيني متهم بتمويل «حماس»  

عناصر من الشرطة الإسبانية (أرشيفية - رويترز)
عناصر من الشرطة الإسبانية (أرشيفية - رويترز)
TT

الشرطة الإسبانية تقبض على صيني متهم بتمويل «حماس»  

عناصر من الشرطة الإسبانية (أرشيفية - رويترز)
عناصر من الشرطة الإسبانية (أرشيفية - رويترز)

أعلنت الشرطة الإسبانية، الجمعة، اعتقال مواطن صيني يبلغ من العمر (38 عاماً) كان يدير صالوناً للحلاقة بالقرب من برشلونة؛ للاشتباه في تمويله حركة «حماس» بنحو 600 ألف يورو عبر تحويلات بعملات مشفرة.

وأوضح المحققون أنهم تتبعوا 31 عملية تداول على الأقل من محافظ رقمية يسيطر عليها المشتبه به إلى عناوين يُشتبه في ارتباطها بكيان تستخدمه الحركة الفلسطينية.

وتصنف دول الاتحاد الأوروبي الـ27، ودولاً غربية أخرى، «حماس» منظمة إرهابية.

وامتنعت الشرطة، وفقاً لوكالة «رويترز»، عن التعليق على الدوافع المحتملة للمشتبه به، أو ما إذا كان قد تواصل مع «حماس» عن علم أو كان مجرد وسيط، وذلك نظراً لحساسية التحقيق.

وأضافت الشرطة أنه خلال تفتيش صالون الشعر ومنزل المشتبه به، صادرت عناصر أمنية أصولاً مشفرة ونقوداً وجواهر وأجهزة كمبيوتر وهواتف محمولة.

كما جمدت عدة حسابات بنكية، ليتجاوز مجموع الأصول المصادرة والمجمدة 370 ألف يورو.

وذكرت الشرطة أن التحقيق بدأ في يونيو (حزيران) الماضي في أثناء عملية منفصلة تتعلق بالاحتيال وغسل الأموال.

وحذرت السلطات في السنوات الأخيرة من استخدام الجماعات المسلحة للعملات المشفرة لتحويل الأموال عبر الحدود؛ ما يعقد جهود تتبع وعرقلة تمويل الإرهاب.