أكثر من 25 فنانًا وباحثًا وأديبًا تستضيفهم العاصمة البلجيكية بروكسل، بدءًا من 2 فبراير (شباط) المقبل ولأكثر من أسبوعين، ليقدموا أعمالهم ورواياتهم ومسرحياتهم وأفلامهم وتجهيزاتهم وعروضهم الراقصة وتجاربهم التي استوحوها من بيروت المدينة. المناسبة هي «مهرجان سيتيز: بيروت» تقدمه «مؤسسة موسم الثقافية» البلجيكية. وكان قد انطلق العام الماضي، ملقيًا الضوء على المدن العربية، مبتدئًا مع مدينة تونس، وها هو يحتفي في دورته الثانية بمدينة بيروت.
الافتتاح في صالة «رافينشتاين» مع تجهيز فني ومحاضرة بعنوان «مدخل إلى بيروت» للمعماري والكاتب والفنان رأفت المجذوب الذي يعرض تجهيزًا هو نموذج تجريبي ثانٍ لغرف «فندق خان» الجوال، التي صُممت لتكون مضيافة ومتعديةً في الوقت ذاته، وهي أرض خصبة لـ«الخيال النشط». ويوجد النموذج التجريبي الأول حاليًا في «معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في كمبردج»، في الولايات المتحدة الأميركية. ويتطلع الفنان إلى استخدام تلك التركيبة المتداخلة لتناسب الفضاء العام والخاص على حد سواء.
في الغاليري نفسه، سيقدم حاتم إمام معرضًا تحت عنوان «مشاهد لا متناهية»، حيث كان الفنان قد استضيف سابقًا في مركز «فرانز مسيريل في كاسترلي»، لخلق عمل متعدد الوسائط مثل النقش وضغط الأحرف أو استخدام القماش في الطباعة والطباعة الحجرية إذ أنجز سلسلة من المنحوتات بمقاييس عريضة. وهو ما يعرضه حاتم إمام. هناك أيضًا تجهيز لنانسي نعوس يحمل اسم «الدائرة الثالثة... تقاسيم». وهو «أدائي» مبني على مقابلات مع مفكرين إسلاميين وقادة دينيين ومتخصصين في الشريعة الإسلامية، أجرتها مصممة الرقص نانسي نعوس. ويعتبر المشروع بمثابة تكملة للدائرة الثالثة (الذي أنتجته الفنانة في عام 2014 بالتعاون مع المؤلف الموسيقي وائل قديح)، الذي تساءل حول توجه الفن بشكل عام، وتوجه الرقص والموسيقى بشكل خاص.
وتستوحي تانيا خوري في «حدائق تحكي» تستوحي ما حصل من مآسٍ خلال الثورة السورية وتقدم تجهيزًا صوتيًا تعرض فيه لعشرة متفرجين، عشر قصص لمدنيين قتلوا، أعادت الفنانة بناءها وتجميعها بعناية مع عائلات الضحايا وأصدقائهم.
لوسيان بورجيلي من ناحيته يقدم مسرحية تفاعلية بعنوان «الدولة الزائلة» بمشاركة نحو 30 شخصًا يختارهم من بين الجمهور، وهو عرف بهذا النوع من المسرحيات، كما أنه فنان معارض وناشط مشاكس في لبنان، عرف بتحركاته مع المجتمع المدني وصدامه المستمر مع أجهزة الرقابة. العمل الذي يقدمه في بروكسل يعود إلى الحرب العالمية الأولى، وإعادة رسم حدود دول المنطقة في اجتماع «سايكس بيكو». في «الدولة الزائلة»، يعيد لوسيان بورجيلي رسم المشهد، ولكن هذه المرة مع العلم بما حدث في إقليم بلاد الشام في الأعوام المائة السابقة.
كما يستمتع رواد المهرجان بعرض أدائي لبترا سرحال عنوانه «لا يتخلله الماء» حيث الدعوة مفتوحة إلى مساحة بيضاء تحوي صفين من الكراسي. ويوجد في الغرفة كاميرا، وجهازا كومبيوتر محمول، وكشافات ضوئية. في هذا العرض التفاعلي، الذي يمكن لـ25 شخصًا فقط المشاركة فيه «يجبر» الحضور على حداد جماعي لجثامين ضحايا مجهولين، وتأمل في استحالة المصداقية.
على برنامج المهرجان كذلك محاضرة لسيرين فتّوح، وهي تقود الحضور عبر مقطع من تاريخ لبنان على أساس اختيارات شخصية وأعمال فنية وأفلام. وتركز على ثلاث لحظات محددة: نهاية الحرب الأهلية في لبنان في التسعينات، واغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري عام 2005، والهجوم الإسرائيلي على لبنان عام 2006. وتظهر سيرين فتوح في عملها، كيف أثّرت سنوات الصراع في لبنان على الفنون. وقد خبر كثير من الفنانين المعاصرين في بلادها الحرب وهم في مرحلة المراهقة، وحتى إن لم يختاروا العمل على الموضوع بشكل واعٍ. ويخبرنا عملها كذلك عن ازدهار الفن المعاصر بعد الحرب.
مجموعة «الديكتافون» المعروفة بمشاريعها التي تتناول العلاقة بين الإنسان، والمدينة، والفضاء العام تقدم تجهيز فيديو اسمه «لا شيء للتصريح»... حيث يتم استكشاف السكك الحديدية غير المستخدمة في لبنان حاليًا، والمشلولة بسبب الحروب، مستلهمة عملها من الخريطة القديمة للشرق الأوسط، وسكة حديدية عابرة للحدود، تصل بين دمشق والمدينة المنورة، في رحلة كان يمكن قطعها من دون «فيزا».
يرى جمهور المهرجان أيضًا تجهيز فيديو يحمل اسم «جغرافيات» لمخرجة الأفلام اللبنانية الشابة شاغيغ آرزومانيان التي تعمل بين لبنان وفرنسا. وكان قد هرب أجدادها وهم أطفال من قريتهم الأصلية بورونكيسلا إبان الإبادة الجماعية للأرمن عام 1915. وفي الذكرى المئوية لتلك الأحداث العنيفة، تسافر آرزومانيان في أثر أجدادها، وتبحث عن أماكن وتاريخ شعبها المهجّر. في عملها «جغرافيات» تروي لنا قصة هذا المنفى بكل تراكماته، من الأسماء، والقصص، والرحلات، والصور على شكل قصاصات، من الحكايا المتناقلة.
في المهرجان أيضًا محاضرة وعرض أدائي لطوني شكر المعماري والكاتب والفنان الذي يقيم في بيروت. ويرجع أول تدخّل له في الحيز العام إلى 1999. على وجه التحديد، اهتم بتقاليد الآيديولوجيات والأساطير التي غذت أو ناهضت الفكر الليبرالي. وقد ظهرت أعماله في كثير من الفعاليات والمهرجانات العالمية، بما فيها «نقطة اللقاء 6» و«البينيال الحادي عشر في الشارقة»..
الفنانة المسرحية حنان الحاج علي تشارك في المهرجان بعرض مسرحي اسمه «جوغينغ». وحنان واحدة من أشهر دعاة المسرح السياسي في لبنان، وإن كانت اليوم قد تجاوزت الخمسين من عمرها. وهي تأخذ المشاهد في مونولوغها «جوغينغ»، إلى زوجة وأم تمارس الهرولة كل يوم لتجنب هشاشة العظام، والسمنة، والاكتئاب، إلى شوارع بيروت وإلى أحلامها، ورغباتها وخيبات أملها، والشخصيات التي تمثلها.
وللسينما أيضًا حصة حيث يعرض فيلم «ربيع» للمخرج السينمائي فاتشي بولغورجيان. ويحكي الفيلم قصة المغني الشاب الأعمى، الذي يعيش في قرية صغيرة في لبنان. تتعقد حياته حين يقدم طلبًا للحصول على جواز سفر، ليكتشف أن هويته مزيفة. وأثناء تجواله في أرجاء أرياف لبنان باحثًا عن سجل لمولده، يقابل أشخاصًا على هامش المجتمع، يحكون قصصهم، ويفتحون في ذهنه أسئلة جديدة ويعطونه دلالات صغيرة عن هويته.
ويعرض في المهرجان فيلم غسان سلهب «الجبل وأرض مجهولة» حول بيروت في الوقت الحاضر، حيث بحلول الليل، يحزم فادي (رجل في الأربعين من عمره) حقائبه ويتوجه إلى المطار مع صديق. ورغم إعلانه عن نيته في ترك البلد لمدة شهر، إلا أنه يستأجر سيارة لحظة وصوله إلى المطار، ويتخذ الطريق الجبلية الرئيسية باتجاه الحدود الشمالية.
في المهرجان أمسية أدبية تجمع الروائيين الثلاثة هدى بركات، وإيمان حميدان، وإلياس خوري في لقاء يمثل نقطة تقاطع حارة بين الأدب والسياسة.
وجلسة أدبية أخرى تتخلل المهرجان، هي عبارة عن نقاش يجمع الكاتب والصحافي والناشط اللبناني دياب أبو جهجاه، والكاتب اللبناني أيضًا فواز طرابلسي أستاذ التاريخ والعلوم السياسية في الجامعة الأميركية في بيروت، وجورن دي كوك - من مواليد 1971، يعمل مراسلاً عن منطقة الشرق الأوسط لصالح صحف «دي ستاندارد» و«دي فولكسكرانت» و«تراوف ودير تاغيسبيغل».
وهناك حفل فني لريما خشيش التي تعتبر واحدة من أبرز المغنيات اللبنانيات في الوقت الحاضر، بفضل مقاربتها المعاصرة للموسيقى العربية الكلاسيكية. وحفل موسيقي آخر يحمل اسم «بوتنيك» يجمع ملكة الهيب هوب ماليكا، مع دجوني مادنس مقلد الإيقاعات الموسيقية الفرنسي - اللبناني، تونينو، ودي دي جاي سيليكتا.
ويختتم المهرجان بعرض بصري موسيقي عنوانه «غرام وانتقام» لرائد الهيب هوب اللبناني ريس بيك وفنانة البصريات رندة ميرزا. يعد العمل انعكاسًا موسيقيًا للهوية والثقافة المزدوجة، تهدف إلى إحياء الأغاني والأفلام العربية القديمة المحبوبة، عبر تكييفها مع أنماط وجماليات الموسيقى المعاصرة. هو بمثابة تحية إلى مطربي القرن العشرين الكبار، مثل أم كلثوم، وعبد الحليم حافظ، وصباح، وغيرهم.
بيروت نجمة «مهرجان موسم سيتيز» في بروكسل طوال أسبوعين
من التجهيزات إلى السينما والهيب هوب... فنانو لبنان يبتكرون يومياتهم
حنان الحاج علي تقدم مسرحية «جوغينغ»
بيروت نجمة «مهرجان موسم سيتيز» في بروكسل طوال أسبوعين
حنان الحاج علي تقدم مسرحية «جوغينغ»
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة


