مساع قطرية لتسوية خلافات «الحر» السوري

العطية يلتقي أبرز القادة الميدانيين.. ودعوات لحل قيادته وإيجاد بديل لـ«الائتلاف» السوري

صورة وزعها المكتب الإعلامي للفصائل الإسلامية المشاركة في اجتماعات إسطنبول («الشرق الأوسط»)
صورة وزعها المكتب الإعلامي للفصائل الإسلامية المشاركة في اجتماعات إسطنبول («الشرق الأوسط»)
TT

مساع قطرية لتسوية خلافات «الحر» السوري

صورة وزعها المكتب الإعلامي للفصائل الإسلامية المشاركة في اجتماعات إسطنبول («الشرق الأوسط»)
صورة وزعها المكتب الإعلامي للفصائل الإسلامية المشاركة في اجتماعات إسطنبول («الشرق الأوسط»)

على مدى يومين التقى وزير الخارجية القطري خالد العطية أبرز قيادات «الكتائب الإسلامية» في الجيش السوري الحر المعارضة للرئيس السوري بشار الأسد في سلسلة اجتماعات بمدينة إسطنبول، هدفت لبلورة موقف موحد للكتائب الإسلامية بخصوص العلاقة مع الائتلاف السوري المعارض وهيئة أركان الجيش السوري الحر (المرتبطة بالائتلاف) ومؤتمر «جنيف2» للسلام الخاص بسوريا المزمع عقده خلال أسابيع.
لكن اجتماعات تلك الكتائب انتهت من دون اتفاق واضح على توحيد جهودها في إطار تنظيمي موحد تردد أنه سيحمل اسم «جيش محمد» بهدف الخروج عن مظلة «هيئة الأركان» وانتزاع جزء من تمثيل «العسكر» في الائتلاف الوطني السوري قبل أيام من اجتماع موسع للائتلاف سيعقد في إسطنبول للبحث في موضوع مشاركة المعارضة في مؤتمر «جنيف2» الذي تسعى الولايات المتحدة وروسيا إلى عقده نهاية الشهر الحالي.
وأوضحت مصادر سورية معارضة أن اجتماعات الكتائب الإسلامية مع وزير الخارجية القطري لم تصل إلى «وعود حاسمة» بدعم قطري سياسي ومالي لهذه الخطوة، رغم ما نقل عن العطية من تأييده «إعادة النظر» في تركيبة الأركان، مما يؤشر إلى ميل قطري في هذا الاتجاه، وهو ما أكدته مصادر في المعارضة، مشددة على أن «الغطاء القطري كان واضحا».
وقالت المصادر إن الوزير القطري أجرى مجموعة لقاءات مع قيادات الكتائب الإسلامية، لم تحضره لا «الدولة الإسلامية في العراق والشام» المعروفة بـ«داعش» ولا «جبهة النصرة»، التنظيمان المعروفان بقربهما من «القاعدة». كما التقى المراقب العام لـ«الإخوان المسلمين» رياض الشقفة مبديا أمامه «الرغبة في مزيد من التعاون»، كما قال مصدر في «الإخوان» لـ«الشرق الأوسط».
وغادر الوزير القطري إسطنبول أمس من دون أن تسفر الاجتماعات عن نتائج محددة، في ظل تمسك الكتائب الإسلامية بحصة «القرار» في الائتلاف والأركان، وصولا إلى الدعوة إلى قيام «دولة الخلافة» كما ذكر مصدر معارض سوري، مشيرا إلى أن العطية قال إن قطر تدعم الإسلاميين «لكن ليس إلى هذا الحد».
والاجتماع لم يكن تقليديا، فمن النادر اجتماع أبرز القادة العسكريين للثورة السورية من دمشق وحلب وإدلب واللاذقية وحمص وحماه؛ إذ شارك في الاجتماع زهران علوش، قائد «لواء الإسلام» في ريف دمشق، وأبو طلحة، القائد العسكري لـ«أحرار الشام»، أحد أكبر فصائل المعارضة. كما ضم الاجتماع عبد القادر الصالح، القائد العسكري لـ«لواء التوحيد» الفصيل الأقوى في حلب. كذلك شارك في المداولات عيسى الشيخ قائد ألوية «صقور الشام»، وقيادات لعشرين فصيلا مسلحا أخرى مثل «كتائب شهداء سوريا» و«أحفاد الرسول» و«أنصار الشام». وكان الغائب الأكبر هو فصيل «الفاروق» الذي ينشط في حمص.
ودعا الوزير القطري خلال سلسلة الاجتماعات، التي حضرت «الشرق الأوسط» جزءا منها، إلى الخروج بموقف أكثر اعتدالا لتلك الفصائل قبل عقد مؤتمر «جنيف2».
وكانت هذه الفصائل التي تنتمي للتيار السلفي الجهادي عقدت اجتماعا أيضا قبل أيام في مدينة أنطاكيا التركية وأصدرت بيانا أعلنت فيه رفضها «جنيف2»؛ بل وعدّته «مؤامرة ضد الشعب السوري».
وقالت مصادر مقربة من هذه الفصائل لـ«الشرق الأوسط» إنها رفضت التراجع عن موقفها المعترض على عقد «جنيف2»، وأي قرارات تصدر عنه، في موقف قد يعطل تنفيذ أي قرار دولي.
وتمثل الفصائل الرافضة لـ«جنيف2» غالبية الحركة المسلحة المعارضة في سوريا، وهي تملك على الأرض القرار الفعلي في «المناطق المحررة».
وتقول المصادر المقربة للتيارات المعارضة في المناطق السورية المحررة لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يمكن لأي هيئة سياسية فرض اتفاق لوقف إطلاق النار في ريف دمشق، من دون موافقة الفصيل التابع لزهران علوش قائد (لواء الإسلام)»، ولا يمكنها فرض أي قرار في حلب دون التنسيق مع عبد القادر صالح قائد «لواء التوحيد». وكذلك الأمر بالنسبة لأبو طلحة وعيسى الشيخ قائدا «أحرار الشام» و«صقور الشام» الفصيلين الأقوى في ريف إدلب والرقة وريف حماه.
ولعل نفوذ وقوة وتماسك هذه الفصائل على الأرض دفعها من قبل لإعلان رفضها هيئة أركان الجيش السوري الحر بقيادة اللواء سليم إدريس. كما أن تلك الفصائل الإسلامية المسلحة اتخذت في اجتماعها الذي عقد بأنطاكيا قبل أيام قرارا بإنشاء هيئة عسكرية منفصلة عن هيئة الأركان المعارضة، تتولى بمفردها التنسيق مع الجهات الداعمة للثورة السورية.
وحسب تلك المصادر، فإن «جهودا تبذل لرأب الصدع بين رئاسة الأركان والفصائل المسلحة، برعاية القطريين والأتراك، ومن المتوقع عقد اجتماع آخر بينهم خلال الأسبوع المقبل».
ويتحدث قادة هذه الفصائل عن رغبتهم في اتخاذ قرارات بالغة الحساسية تركز على العملية السياسية تتمثل في «تشكيل هيئة سياسية بديلا للائتلاف السوري الموحد». ورغم أن هذا الخيار لا يبدو سهل التحقيق الآن، فإن أبو طلحة، القائد العسكري لـ«أحرار الشام» يصر على رفض الائتلاف ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «الائتلاف لا يمثل إلا نفسه».
وأمام هذه المواقف المتصلبة من قادة العمل المسلح في المعارضة السورية، تبدو فرص الوصول إلى تمثيل حقيقي للمعارضة المسلحة في أي اتفاق سلمي ضئيلة للغاية.
لذلك ستعقد في الأيام القليلة المقبلة في تركيا عدة اجتماعات تهدف من خلالها الدول الداعمة للفصائل المسلحة، خصوصا قطر وتركيا، إلى تكثيف جهودها للحصول على مواقف أكثر مرونة من قادة المعارضة المسلحة قبل عقد مؤتمر «جنيف2».
وكشف ضابط قيادي في الجيش السوري الحر لـ«الشرق الأوسط» أن «اجتماعات صاخبة سبقت حضور العطية؛ حيث هددت هذه الألوية الإسلامية بشن حرب على الجيش الحر والأركان إذا لم تلبَّ طلباتها بأن تشكل قيادة جديدة كما يحلو لها»، لكنه أضاف أن «لهجة هؤلاء ونبرة مطالبهم ارتفعت مع وجود وزير الخارجية القطري». وأكد أن «وزير الخارجية القطري طرح تفعيل (الأركان) لكن الفصائل الإسلامية التقطت الإشارة لترفع سقف مطالبها إلى أعلى درجة؛ حيث إنهم يريدون السيطرة على (الأركان) والائتلاف معا مطالبين بحل رئاسة الأركان وكل الهيئات التابعة لها»، لافتا إلى أن هؤلاء الإسلاميين الذين يحظون بدعم قطري «يطالبون بإعادة تشكيل هيئة الأركان برعاية سياسية جديدة هم من يحددها». وأوضح أن «ضباط الأركان المشاركين في الاجتماع رفضوا ذلك تماما وقدموا حلا يقوم على استيعاب هذه الكتائب الإسلامية بشكل أكبر وإعادة هيكلة الأركان»، لكنه أكد أن هؤلاء بدوا «مصممين على الحصول على كل شيء، مهددين بأنهم الأقوى على الأرض ويمكنهم القيام بما يحلو لهم»، مشيرا إلى أنهم «سبق أن وجهوا قبل أيام تهديدا غير مباشر إلى اللواء سليم إدريس للاستقالة وحل الأركان وعدم الوقوف في وجههم».
ويمثل اجتماع الوزير القطري عودة قوية للدور القطري في ملف الفصائل المسلحة بسوريا بعد غياب في الأشهر الماضية، خصوصا أن معظم الفصائل المشاركة تعدّ مقربة من قطر أكثر من غيرها من الدول الداعمة.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.