مساع قطرية لتسوية خلافات «الحر» السوري

العطية يلتقي أبرز القادة الميدانيين.. ودعوات لحل قيادته وإيجاد بديل لـ«الائتلاف» السوري

صورة وزعها المكتب الإعلامي للفصائل الإسلامية المشاركة في اجتماعات إسطنبول («الشرق الأوسط»)
صورة وزعها المكتب الإعلامي للفصائل الإسلامية المشاركة في اجتماعات إسطنبول («الشرق الأوسط»)
TT

مساع قطرية لتسوية خلافات «الحر» السوري

صورة وزعها المكتب الإعلامي للفصائل الإسلامية المشاركة في اجتماعات إسطنبول («الشرق الأوسط»)
صورة وزعها المكتب الإعلامي للفصائل الإسلامية المشاركة في اجتماعات إسطنبول («الشرق الأوسط»)

على مدى يومين التقى وزير الخارجية القطري خالد العطية أبرز قيادات «الكتائب الإسلامية» في الجيش السوري الحر المعارضة للرئيس السوري بشار الأسد في سلسلة اجتماعات بمدينة إسطنبول، هدفت لبلورة موقف موحد للكتائب الإسلامية بخصوص العلاقة مع الائتلاف السوري المعارض وهيئة أركان الجيش السوري الحر (المرتبطة بالائتلاف) ومؤتمر «جنيف2» للسلام الخاص بسوريا المزمع عقده خلال أسابيع.
لكن اجتماعات تلك الكتائب انتهت من دون اتفاق واضح على توحيد جهودها في إطار تنظيمي موحد تردد أنه سيحمل اسم «جيش محمد» بهدف الخروج عن مظلة «هيئة الأركان» وانتزاع جزء من تمثيل «العسكر» في الائتلاف الوطني السوري قبل أيام من اجتماع موسع للائتلاف سيعقد في إسطنبول للبحث في موضوع مشاركة المعارضة في مؤتمر «جنيف2» الذي تسعى الولايات المتحدة وروسيا إلى عقده نهاية الشهر الحالي.
وأوضحت مصادر سورية معارضة أن اجتماعات الكتائب الإسلامية مع وزير الخارجية القطري لم تصل إلى «وعود حاسمة» بدعم قطري سياسي ومالي لهذه الخطوة، رغم ما نقل عن العطية من تأييده «إعادة النظر» في تركيبة الأركان، مما يؤشر إلى ميل قطري في هذا الاتجاه، وهو ما أكدته مصادر في المعارضة، مشددة على أن «الغطاء القطري كان واضحا».
وقالت المصادر إن الوزير القطري أجرى مجموعة لقاءات مع قيادات الكتائب الإسلامية، لم تحضره لا «الدولة الإسلامية في العراق والشام» المعروفة بـ«داعش» ولا «جبهة النصرة»، التنظيمان المعروفان بقربهما من «القاعدة». كما التقى المراقب العام لـ«الإخوان المسلمين» رياض الشقفة مبديا أمامه «الرغبة في مزيد من التعاون»، كما قال مصدر في «الإخوان» لـ«الشرق الأوسط».
وغادر الوزير القطري إسطنبول أمس من دون أن تسفر الاجتماعات عن نتائج محددة، في ظل تمسك الكتائب الإسلامية بحصة «القرار» في الائتلاف والأركان، وصولا إلى الدعوة إلى قيام «دولة الخلافة» كما ذكر مصدر معارض سوري، مشيرا إلى أن العطية قال إن قطر تدعم الإسلاميين «لكن ليس إلى هذا الحد».
والاجتماع لم يكن تقليديا، فمن النادر اجتماع أبرز القادة العسكريين للثورة السورية من دمشق وحلب وإدلب واللاذقية وحمص وحماه؛ إذ شارك في الاجتماع زهران علوش، قائد «لواء الإسلام» في ريف دمشق، وأبو طلحة، القائد العسكري لـ«أحرار الشام»، أحد أكبر فصائل المعارضة. كما ضم الاجتماع عبد القادر الصالح، القائد العسكري لـ«لواء التوحيد» الفصيل الأقوى في حلب. كذلك شارك في المداولات عيسى الشيخ قائد ألوية «صقور الشام»، وقيادات لعشرين فصيلا مسلحا أخرى مثل «كتائب شهداء سوريا» و«أحفاد الرسول» و«أنصار الشام». وكان الغائب الأكبر هو فصيل «الفاروق» الذي ينشط في حمص.
ودعا الوزير القطري خلال سلسلة الاجتماعات، التي حضرت «الشرق الأوسط» جزءا منها، إلى الخروج بموقف أكثر اعتدالا لتلك الفصائل قبل عقد مؤتمر «جنيف2».
وكانت هذه الفصائل التي تنتمي للتيار السلفي الجهادي عقدت اجتماعا أيضا قبل أيام في مدينة أنطاكيا التركية وأصدرت بيانا أعلنت فيه رفضها «جنيف2»؛ بل وعدّته «مؤامرة ضد الشعب السوري».
وقالت مصادر مقربة من هذه الفصائل لـ«الشرق الأوسط» إنها رفضت التراجع عن موقفها المعترض على عقد «جنيف2»، وأي قرارات تصدر عنه، في موقف قد يعطل تنفيذ أي قرار دولي.
وتمثل الفصائل الرافضة لـ«جنيف2» غالبية الحركة المسلحة المعارضة في سوريا، وهي تملك على الأرض القرار الفعلي في «المناطق المحررة».
وتقول المصادر المقربة للتيارات المعارضة في المناطق السورية المحررة لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يمكن لأي هيئة سياسية فرض اتفاق لوقف إطلاق النار في ريف دمشق، من دون موافقة الفصيل التابع لزهران علوش قائد (لواء الإسلام)»، ولا يمكنها فرض أي قرار في حلب دون التنسيق مع عبد القادر صالح قائد «لواء التوحيد». وكذلك الأمر بالنسبة لأبو طلحة وعيسى الشيخ قائدا «أحرار الشام» و«صقور الشام» الفصيلين الأقوى في ريف إدلب والرقة وريف حماه.
ولعل نفوذ وقوة وتماسك هذه الفصائل على الأرض دفعها من قبل لإعلان رفضها هيئة أركان الجيش السوري الحر بقيادة اللواء سليم إدريس. كما أن تلك الفصائل الإسلامية المسلحة اتخذت في اجتماعها الذي عقد بأنطاكيا قبل أيام قرارا بإنشاء هيئة عسكرية منفصلة عن هيئة الأركان المعارضة، تتولى بمفردها التنسيق مع الجهات الداعمة للثورة السورية.
وحسب تلك المصادر، فإن «جهودا تبذل لرأب الصدع بين رئاسة الأركان والفصائل المسلحة، برعاية القطريين والأتراك، ومن المتوقع عقد اجتماع آخر بينهم خلال الأسبوع المقبل».
ويتحدث قادة هذه الفصائل عن رغبتهم في اتخاذ قرارات بالغة الحساسية تركز على العملية السياسية تتمثل في «تشكيل هيئة سياسية بديلا للائتلاف السوري الموحد». ورغم أن هذا الخيار لا يبدو سهل التحقيق الآن، فإن أبو طلحة، القائد العسكري لـ«أحرار الشام» يصر على رفض الائتلاف ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «الائتلاف لا يمثل إلا نفسه».
وأمام هذه المواقف المتصلبة من قادة العمل المسلح في المعارضة السورية، تبدو فرص الوصول إلى تمثيل حقيقي للمعارضة المسلحة في أي اتفاق سلمي ضئيلة للغاية.
لذلك ستعقد في الأيام القليلة المقبلة في تركيا عدة اجتماعات تهدف من خلالها الدول الداعمة للفصائل المسلحة، خصوصا قطر وتركيا، إلى تكثيف جهودها للحصول على مواقف أكثر مرونة من قادة المعارضة المسلحة قبل عقد مؤتمر «جنيف2».
وكشف ضابط قيادي في الجيش السوري الحر لـ«الشرق الأوسط» أن «اجتماعات صاخبة سبقت حضور العطية؛ حيث هددت هذه الألوية الإسلامية بشن حرب على الجيش الحر والأركان إذا لم تلبَّ طلباتها بأن تشكل قيادة جديدة كما يحلو لها»، لكنه أضاف أن «لهجة هؤلاء ونبرة مطالبهم ارتفعت مع وجود وزير الخارجية القطري». وأكد أن «وزير الخارجية القطري طرح تفعيل (الأركان) لكن الفصائل الإسلامية التقطت الإشارة لترفع سقف مطالبها إلى أعلى درجة؛ حيث إنهم يريدون السيطرة على (الأركان) والائتلاف معا مطالبين بحل رئاسة الأركان وكل الهيئات التابعة لها»، لافتا إلى أن هؤلاء الإسلاميين الذين يحظون بدعم قطري «يطالبون بإعادة تشكيل هيئة الأركان برعاية سياسية جديدة هم من يحددها». وأوضح أن «ضباط الأركان المشاركين في الاجتماع رفضوا ذلك تماما وقدموا حلا يقوم على استيعاب هذه الكتائب الإسلامية بشكل أكبر وإعادة هيكلة الأركان»، لكنه أكد أن هؤلاء بدوا «مصممين على الحصول على كل شيء، مهددين بأنهم الأقوى على الأرض ويمكنهم القيام بما يحلو لهم»، مشيرا إلى أنهم «سبق أن وجهوا قبل أيام تهديدا غير مباشر إلى اللواء سليم إدريس للاستقالة وحل الأركان وعدم الوقوف في وجههم».
ويمثل اجتماع الوزير القطري عودة قوية للدور القطري في ملف الفصائل المسلحة بسوريا بعد غياب في الأشهر الماضية، خصوصا أن معظم الفصائل المشاركة تعدّ مقربة من قطر أكثر من غيرها من الدول الداعمة.



أولويات نبيل فهمي في الجامعة العربية... تطوير للآليات وتنسيق لتجاوز الأزمات

الأمين العام لجامعة الدول العربية السفير نبيل فهمي (صفحته على «فيسبوك»)
الأمين العام لجامعة الدول العربية السفير نبيل فهمي (صفحته على «فيسبوك»)
TT

أولويات نبيل فهمي في الجامعة العربية... تطوير للآليات وتنسيق لتجاوز الأزمات

الأمين العام لجامعة الدول العربية السفير نبيل فهمي (صفحته على «فيسبوك»)
الأمين العام لجامعة الدول العربية السفير نبيل فهمي (صفحته على «فيسبوك»)

حملت أولى رسائل الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية، نبيل فهمي، تحديد أولويات المرحلة المقبلة من عمر الجامعة التي عَرَف تاريخها منذ التأسيس أزمات إقليمية عديدة، حيث ركّز على مسارين لافتين متمثلين في تطوير الآليات وتعظيم التشاور العربي.

فبعد اعتماد مجلس الجامعة على المستوى الوزاري، بتفويض من القادة العرب، مساء الاثنين، قرار تعيينه أميناً عاماً جديداً للجامعة لمدة 5 سنوات اعتباراً من الأول من يوليو (تموز) المقبل، أكد فهمي في بيان أن العمل خلال المرحلة المقبلة سينصبّ على تطوير المنظمة العربية وتحديث آليات عملها، بما يتواكب مع التحولات الدولية والإقليمية المتسارعة.

كما لفت إلى أن المرحلة تتطلب تكثيف التنسيق والتشاور العربي لمواجهة الأزمات والتهديدات التي تشهدها المنطقة، إلى جانب تعزيز التعاون العربي للاستفادة من الفرص المتاحة وتحويل التحديات الراهنة إلى فرص تدعم الاستقرار والتنمية.

وعدَّ اختياره بالإجماع «مسؤولية تاريخية في مرحلة دقيقة ومفصلية، في ظل ما تواجهه المنطقة العربية من تحديات جسام ومتغيرات إقليمية ودولية متسارعة»، الأمر الذي يتطلب تعزيز العمل المشترك والدفاع عن المصالح العربية وترسيخ مبادئ التضامن بين الدول العربية كافة.

وشدّد كذلك على أهمية احترام سيادة الدول العربية، وصون أمنها وسلامة أراضيها، ودعم الجهود الوطنية لتحقيق التنمية المستدامة، وتحسين أوضاع الشعوب العربية، مؤكداً أن الجامعة العربية ستبقى «بيت العرب الجامع»، وستواصل أداء دورها كمنصة جامعة للحوار والتشاور والتنسيق بين الدول الأعضاء.

«تغيرات متسارعة»

تلك الأولويات يراها دبلوماسي تحدث لـ«الشرق الأوسط» قراءة جيدة لطبيعة المرحلة التي قال إنها «تُلزم منظمة بحجم الجامعة العربية أن تعمل على تطوير نفسها بصورة تمنح قيمة مضافة للعمل العربي، حيث سيكون التشاور العربي مهماً في هذا السياق باعتباره البوابة الأولى لإعادة بناء الثقة فيها».

السيسي يلتقي الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية السفير نبيل فهمي (الرئاسة المصرية)

وواصل السفير محمد حجازي، عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية» ومساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، حديثه قائلاً إن تلك المرحلة «تتسم بتغيرات استراتيجية متسارعة تشمل تداعيات الحرب الأميركية - الإيرانية، واستمرار الحرب في غزة، والأزمات الممتدة في السودان وليبيا واليمن، فضلاً عن التحولات الجارية في النظام الدولي».

وأكّد أن انتخاب نبيل فهمي بالإجماع أميناً عاماً لجامعة الدول العربية «تقدير جماعي لقدراته الدبلوماسية وتاريخه الحافل وصلاته العربية والدولية، ما يجعل هناك فرصة مهمة لإعادة تموضع المؤسسة العربية في مرحلة إقليمية شديدة التعقيد».

ويجيء تعيين فهمي في المنصب خلفاً لمواطنه المصري أحمد أبو الغيط، الذي قاد المنظمة منذ عام 2016، وشغل المنصب لمدة 10 سنوات. وسيكون هو الأمين العام التاسع للجامعة العربية منذ تأسيسها عام 1945، والثامن من مصر مع استثناء فترة واحدة مع نقل المقر من القاهرة إلى تونس عام 1979، عقب توقيع الرئيس المصري الراحل أنور السادات «معاهدة السلام» مع إسرائيل.

«استعادة الثقة»

يعتقد حجازي أن الأولوية الأولى أمام نبيل فهمي ستكون استعادة الثقة السياسية في الجامعة العربية باعتبارها منصة للتوافق العربي، وليس مجرد إطار بروتوكولي للاجتماعات وإصدار البيانات، مؤكداً أن التحدي الحقيقي لا يتعلق بتطوير الهياكل الإدارية بقدر ما يتعلق بإقناع الدول الأعضاء بأن الجامعة قادرة على إنتاج قيمة سياسية مضافة وإدارة الخلافات العربية بصورة مؤسسية.

ومن المرجح أن يركز فهمي على تكثيف آليات التشاور السياسي المنتظم بين العواصم العربية، خاصة في ظل فجوات المواقف بشأن العديد من الملفات الإقليمية.

وقال حجازي: «قد نشهد اتجاهاً نحو اجتماعات أكثر انتظاماً على مستوى وزراء الخارجية ومستشاري الأمن القومي، مع تفعيل أدوات الإنذار المبكر وإدارة الأزمات داخل الأمانة العامة، بحيث تتحول الجامعة إلى مركز للتنسيق الاستراتيجي العربي، وليس مظلة دبلوماسية تقليدية فقط».

أما فيما يتعلق بتطوير آليات المنظمة، فمن المتوقع أن تتضمن أجندة فهمي «مراجعة شاملة لأساليب العمل المؤسسي، وتحديث منظومة اتخاذ القرار، وتعزيز دور مراكز الدراسات وتوظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في دعم صنع القرار العربي»، بحسب حجازي.

كما قد يسعى إلى ربط الجامعة بصورة أكبر بقضايا التنمية والاقتصاد والتحول الرقمي والطاقة والأمن الغذائي والمائي، وهي الملفات التي أصبحت تمثل «جوهر الأمن القومي العربي في مفهومه الحديث»، في رأي مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق.

وأوضح أن مسار تكثيف التشاور العربي سيكون البوابة الأولى لإعادة بناء الثقة في الجامعة العربية، قائلاً: «عندما تنجح الجامعة في توفير منصة موثوقة للحوار وتسوية التباينات وصياغة مواقف مشتركة تجاه القضايا الكبرى، ستصبح عملية تطوير المنظمة أكثر سهولة وقابلية للتحقيق».

ويعتقد حجازي أن نجاح نبيل فهمي سيتمثل في «قدرته على تحويل الجامعة العربية من مؤسسة تعكس الانقسامات العربية إلى مؤسسة تساهم في تجاوزها، ومن منبر للتشاور إلى أداة فاعلة لصياغة رؤية عربية مشتركة للأمن والتنمية والتعامل مع التحولات الإقليمية والدولية».


لقاءات مصرية - سورية متتالية تدفع مسار التقارب

وزيرا الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسوري أسعد الشيباني اجتمعا في الأردن مساء الاثنين (الخارجية المصرية)
وزيرا الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسوري أسعد الشيباني اجتمعا في الأردن مساء الاثنين (الخارجية المصرية)
TT

لقاءات مصرية - سورية متتالية تدفع مسار التقارب

وزيرا الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسوري أسعد الشيباني اجتمعا في الأردن مساء الاثنين (الخارجية المصرية)
وزيرا الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسوري أسعد الشيباني اجتمعا في الأردن مساء الاثنين (الخارجية المصرية)

شهدت الفترة الأخيرة لقاءات مصرية - سورية متتالية، يراها مسؤولون ومراقبون «دفعةً لمسار التقارب» في العلاقات بين البلدين، خصوصاً بعد حل أزمة البعثة الدبلوماسية السورية في القاهرة.

والتقى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي نظيره السوري أسعد الشيباني، مساء الاثنين، على هامش اجتماع مجلس جامعة الدول العربية المنعقد في العاصمة الأردنية عمَّان.

وحسب بيان للخارجية المصرية، الثلاثاء، أكد الوزيران «عمق الروابط التاريخية والشعبية التي تجمع مصر وسوريا... وأهمية البناء على الزيارة التي قام بها وزير الخارجية السوري إلى القاهرة مطلع شهر مايو (أيار) الماضي». كما رحبا بعقد الاجتماع الحكومي المصري-السوري الثاني على مستوى كبار المسؤولين بمشاركة الوزارات والهيئات المعنية بالتجارة والاستثمار في البلدين، لبحث الخطوات التنفيذية لتعزيز التعاون الاقتصادي المشترك.

وقال مدير إدارة الشؤون العربية بوزارة الخارجية السورية، محمد طه الأحمد، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن «العلاقات مع مصر تتقدم في مسارها الطبيعي، وهناك حرص سوري على تطويرها».

وفد سوري ترأسه وزير الخارجية أسعد الشيباني زار القاهرة الشهر الماضي لبحث العلاقات الثنائية (الخارجية المصرية)

ودارت مناقشات بين البلدين خلال الفترة الماضية بعدما تحفظت مصر على أسماء رشحتها سوريا لتمثيل بعثتها الدبلوماسية في القاهرة، مما عرقل ترتيبات حضور البعثة السورية إلى مصر. لكن أمكن تخطي الأزمة بعدما قدمت سوريا مرشحاً آخر، هو يحيى دياب، لقيادة بعثتها في مصر، وصرحت مصادر لـ«الشرق الأوسط» بأن القاهرة وافقت عليه، ومن المنتظر أن يتسلم مهامه خلال أيام.

ويرى الخبير السياسي المصري في مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، عمرو الشوبكي، أن التحديات التي تشهدها المنطقة والإقليم تحتم تطوير العلاقات المصرية-السورية، التي وصفها بأنها «علاقات تاريخية راسخة». وقال إن الروابط الثقافية والاجتماعية والسياسية بين الشعبين كبيرة، مؤكداً أن السلطات في مصر «كان لديها تخوفات أكثر منها خلافات مع نظام الحكم الجديد في سوريا، نظراً لتجربة مصر المعروفة مع الإسلام السياسي».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «تلك التخوفات يتم تجاوزها تدريجياً وفق مبدأين أساسيين هما احترام الخبرة والنموذج السياسي لكل بلد، وعدم التدخل في شؤون الآخر»، مشيراً إلى أن مصر رسَّخت هذين المبدأين من قبل في العلاقة مع تركيا. وقال الشوبكي: «اللقاءات المصرية - السورية المتعاقبة تؤشر على تحسن العلاقات وفق نفس المبدأين».

وفي أواخر أبريل (نيسان) الماضي، التقى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي نظيره أحمد الشرع على هامش «القمة التشاورية العربية - الأوروبية» التي عُقدت في قبرص. وأفادت وسائل إعلام في القاهرة ودمشق حينها، بأن «حديثاً ودياً» جرى بينهما لبحث تطورات المنطقة وتعزيز التعاون.

واستضافت دمشق في يناير (كانون الثاني) الماضي أول «ملتقى اقتصادي واستثماري» مصري - سوري، بمشاركة عدد من قيادات الغرف التجارية المصرية والمال والأعمال، بهدف بناء شراكات فاعلة بين البلدين واستكشاف آفاق التعاون في مجالات التجارة والصناعة والخدمات والبنية التحتية وإعادة الإعمار.

وفي منتصف الشهر الجاري، أكد القائم بأعمال السفارة المصرية في دمشق، محمد عمر عبد العزيز الفقي، أن بلاده تتطلع إلى توسيع آفاق التعاون مع سوريا في مختلف المجالات، خصوصاً في قطاع إعادة الإعمار. وجاء ذلك في تصريح للصحافيين عقب جولته في أجنحة معرض «بيلدكس» الدولي للبناء والتشييد في دمشق، وفقاً للوكالة العربية السورية للأنباء (سانا).


قيود حوثية تحرم اليمنيين أجواء كأس العالم

تجمع جماهيري سابق في أحد الأندية الرياضية بصنعاء (فيسبوك)
تجمع جماهيري سابق في أحد الأندية الرياضية بصنعاء (فيسبوك)
TT

قيود حوثية تحرم اليمنيين أجواء كأس العالم

تجمع جماهيري سابق في أحد الأندية الرياضية بصنعاء (فيسبوك)
تجمع جماهيري سابق في أحد الأندية الرياضية بصنعاء (فيسبوك)

في الوقت الذي تتجه فيه أنظار ملايين المشجعين حول العالم إلى منافسات كأس العالم 2026، يواجه اليمنيون في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، قيوداً تحول دون متابعة الحدث الكروي الأبرز عالمياً؛ إذ منعت الجماعة عرض مباريات البطولة داخل الأندية الرياضية في العاصمة المختطفة صنعاء ومدن أخرى، كما فرضت قيوداً على الاستراحات والمقاهي، في خطوة أثارت استياءً واسعاً بين الأوساط الرياضية والشبابية.

وتقول مصادر رياضية إن الجماعة مستمرة منذ انطلاق البطولة في منع إدارات عدد من الأندية الرياضية؛ من بينها «الوحدة» وأهلي صنعاء» و«22 مايو»، من تنظيم فعاليات جماهيرية لعرض مباريات كأس العالم عبر الشاشات داخل مقراتها، رغم الاستعدادات التي كانت قد أُنجزت لاستقبال المشجعين وتنظيم أنشطة مصاحبة للمونديال.

وبحسب المصادر، أوقفت قيادات حوثية تدير القطاع الرياضي، كل الترتيبات التي أعدتها الأندية لاستقبال الجماهير، بما في ذلك تجهيز الشاشات وتنظيم الفعاليات الرياضية والترفيهية المرتبطة بالبطولة.

أحد الملاعب الرياضية في العاصمة صنعاء الخاضعة للحوثيين (إكس)

وأكدت المصادر فشل كل المحاولات الرامية إلى إقناع السلطات التابعة للجماعة بالسماح بإقامة تلك الفعاليات، ما أدى إلى إلغاء البرامج التي كانت مخصصة لاستقبال المشجعين خلال مباريات البطولة.

ويؤكد ناشطون أن الخطوة الحوثية تمثل امتداداً لسياسة التضييق على الأنشطة الرياضية والترفيهية، وحرمان الشباب من متابعة أبرز الأحداث الكروية العالمية في أجواء جماهيرية اعتادوا عليها خلال السنوات الماضية.

استياء رياضي

على وقع هذا التضييق الحوثي، يقول عصام، وهو اسم مستعار لمدرب رياضي من صنعاء، إن متابعة مباريات كأس العالم في الأندية والمقاهي، تمثل متنفساً مهماً للشباب في ظل الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة التي تمر بها البلاد.

وأضاف أن منع هذه الأنشطة يشكل ضربة جديدة لما تبقى من الفعاليات الرياضية والاجتماعية في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكداً أن الأندية يفترض أن تكون فضاءات مفتوحة للشباب لممارسة الرياضة ومتابعة الأحداث الرياضية العالمية بعيداً عن القيود.

أما الشاب رمزي (27 عاماً) من ريف صنعاء، فيقول إن كثيراً من الشباب كانوا ينتظرون البطولة بوصفها فرصة للالتقاء بالأصدقاء ومتابعة المباريات في أجواء جماعية، إلا أن القرارات الأخيرة حرمتهم من هذه التجربة التي ارتبطت تقليدياً بالمناسبات الكروية الكبرى.

حشد في أكبر مساجد صنعاء لمتابعة خطبة زعيم الجماعة (أ.ف.ب)

وفي السياق ذاته، أوضح أحد ملاك المقاهي في صنعاء، طالباً عدم ذكر اسمه، أن الجهات التابعة للجماعة سمحت في البداية بعرض أولى مباريات البطولة، لكنها عادت لاحقاً وأبلغت أصحاب المقاهي بالتوقف عن ذلك، ما دفعهم إلى إلغاء الترتيبات الخاصة باستقبال الزبائن خشية التعرض للمساءلة أو العقوبات.

ويشير هؤلاء إلى أن بطولة كأس العالم 2022 شهدت إجراءات مشابهة، حيث تحدث ملاك استراحات ومقاهٍ في صنعاء آنذاك، عن إلزامهم بعرض مواد دعائية وخطب ومحاضرات ذات طابع تعبوي على الشاشات خلال فترات الاستراحة بين المباريات، مع التلويح بفرض عقوبات على المخالفين.

خوف من التجمعات

يؤكد ناشطون يمنيون في صنعاء أن الجماعة الحوثية دأبت منذ سنوات، على فرض قيود واسعة على الأنشطة الرياضية والشبابية، سواء المحلية أو المرتبطة بالبطولات الخارجية، الأمر الذي أدى إلى تقليص المساحات الترفيهية والاجتماعية المتاحة أمام الشباب.

كما يعتقد مراقبون أن الجماعة الانقلابية تنظر إلى التجمعات الرياضية والفعاليات الجماهيرية باعتبارها أنشطة تستقطب الشباب بعيداً عن البرامج التعبوية التي تروج لها، بما في ذلك حملات الاستقطاب إلى الجبهات تحت شعارات دينية ومذهبية مختلفة.

وتستحضر الأوساط الرياضية في صنعاء أجواء بطولات كأس العالم التي سبقت اندلاع الحرب، عندما كانت الشاشات العملاقة تنتشر في الملاعب والحدائق العامة والمدارس الفنية والصالات الرياضية والمتنزهات والمقاهي.

الحوثيون يسمحون فقط بالتجمعات الخادمة لأجندتهم السياسية والعقائدية (إ.ب.أ)

وخلال تلك السنوات، كانت مؤسسات حكومية؛ من بينها وزارة الشباب والرياضة وقطاع الاتصالات، تسهم في تنظيم فعاليات جماهيرية لمتابعة المباريات، فيما كانت آلاف الجماهير تتوافد إلى الملاعب والساحات العامة لمشاهدة الحدث الكروي العالمي.

ويقول المهتمون بالرياضة إن استمرار القيود الحوثية الحالية يعكس توجهاً متصاعداً للسيطرة على الفضاءات العامة والأنشطة الجماهيرية، بما في ذلك الفعاليات الرياضية التي تمثل متنفساً مهماً للشباب في ظل التحديات الاقتصادية والمعيشية المتفاقمة.