تزايد مشكلات بوتين نتيجة دعمه الأسد في سوريا

موسكو تريد من واشنطن الإقرار بنفوذها ولكن مع مشاركتها أكلافه

جندي روسي في أحد احياء غرب حلب (أ ف ب)
جندي روسي في أحد احياء غرب حلب (أ ف ب)
TT

تزايد مشكلات بوتين نتيجة دعمه الأسد في سوريا

جندي روسي في أحد احياء غرب حلب (أ ف ب)
جندي روسي في أحد احياء غرب حلب (أ ف ب)

ماذا بعد؟ هذا هو السؤال المتداول داخل الدوائر السياسية في موسكو هذه الأيام، في إشارة إلى الصراع السوري، والتورط الروسي المتزايد فيه. والواقع أن هذا السؤال لقي أصداءً حتى في قطاع الإعلام الروسي الذي يُعتقد أنه خاضع لسيطرة الكرملين. ويمكن لزوار موسكو الأجانب هذه الأيام، بسهولة، ملاحظة أن «المواطن العادي» المهموم بالتورط الروسي الطويل الأجل في صراع لا نهاية واضحة له، يطرح هو الآخر هذا السؤال. إن ما يزيد من الشعور بالقلق هو تكثيف الإجراءات الأمنية، بما فيها عمليات التفتيش المستمرة التي تقوم بها الشرطة في الأماكن العامة. ولكن، حسب الخطاب الرسمي هنا، حققت روسيا هدفها العسكري في سوريا عبر «طرد» معارضي بشار الأسد المسلحين من معقلهم في حلب، ثانية كبرى مدن سوريا من حيث تعداد السكان.
لذا طبقًا لهذا الخطاب، فإن الخطوة التالية ستكون التوصل إلى صيغة سياسية تمكّن سوريا الممزقة بفعل الحرب من العودة إلى قدر من السلام والحياة الطبيعية. ماريا زاخاروفا، المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، ترى أن الخطوة الأولى في هذا الاتجاه هي عقد مؤتمر ستستضيفه مدينة آستانة، عاصمة جمهورية كازاخستان، خلال الأسبوع المقبل، من أجل التوصل إلى «حل وسط» بين الأسد ومعارضيه. ولكن، مع هذا يواجه المؤتمر عدة عراقيل تتعلق بعدد من القضايا.
مصادر روسية تقول إن رئيس النظام السوري كان يُصرّ على أن تكون لـ«حكومته» الكلمة النهائية في أمر اختيار الأطراف المعارضة المدعوّة إلى المؤتمر، غير أنه أُبلِغ بصورة «ضمنية» أن هذا الأمر ليس من شأنه. وربما لتأكيد أن روسيا هي المسؤولة الآن، صرح سيرغي لافروف، وزير الخارجية الروسي، بأنه لولا التدخل الروسي لكان نظام الأسد قد سقط «في غضون بضعة أسابيع». هذه الرسالة الموجهة إلى الأسد واضحة، ومفادها: «لا تحاول أن تتصرّف على نحو يفوق مكانتك الحقيقية». كذلك تعرّضت موسكو لانتقادات لاذعة من شركائها الإيرانيين في طهران بسبب توجيه الدعوة إلى الولايات المتحدة الأميركية. وصرحت وزارة الخارجية الروسية بأن واشنطن دُعيت بالفعل، وأن موسكو تنتظر من الإدارة الجديدة لدونالد ترامب، الذي سيتولى الرئاسة رسميًا اليوم الجمعة، قبول الدعوة. مع هذا، صرّح علي شمخاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، بشكل قاطع بأنه لم تُوجّه أي دعوة إلى واشنطن، في حين تمادى وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف أكثر؛ إذ قال: «يعلم الحلفاء الروس أننا نعارض توجيه أي دعوة للأميركيين».

المطلوب روسيًا من واشنطن
على الرغم من كل هذا، فإن الشعور السائد في الدوائر السياسية بموسكو هو أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لا يرغب في تحمل المسؤولية كاملة وبلا نهاية عن الوضع في سوريا. بل إنه يأمل أن تتقبّل الإدارة الأميركية الجديدة الدور الروسي القيادي في سوريا، ولكن مع استعدادها لمشاركة روسيا في تحمل عبء التوصل إلى اتفاق سلام، وأيضًا في إعادة بناء الدولة السورية التي مزقتها الحرب.
دبلوماسي أوروبي رفيع المستوى في موسكو قال معلقًا: «يخشى بوتين من أن يقول له ترامب: سوريا؟ لقد اقتحمتها، وأنت الآن تملكها. إذ يريد بوتين أن يجني ثمار أي نصر سياسي يتحقق في النهاية، لكنه لا يريد، ولا يستطيع، أن يدفع الثمن». ومن ثم، سيكون أفضل «سيناريو» ممكن من وجهة نظر بوتين هو موافقة «المجتمع الدولي» على مرحلة انتقالية تتيح للأسد البقاء في السلطة «لمدة زمنية معقولة»، ثم تقديم المال اللازم لمساعدة «حكومة ائتلافية» مستقبلية على قيادة سوريا في اتجاه مختلف، بما يحفظ مصالح روسيا الاستراتيجية في دولة استراتيجية مطلة على البحر الأبيض المتوسط.
المؤتمر المقترح عقده في مدينة آستانة يأتي بينما يتراجع الدعم الذي يحظى به بوتين، بعدة نقاط مئوية في استطلاعات الرأي المحلية، مع أنه يظل في مستوى الـ70 في المائة. ولكن، ربما ما هو أهم من ذلك هو أن أحدث استطلاعات للرأي توضح أن نحو 51 في المائة فقط من الروس مستعدون لدفع الثمن اللازم لجعل روسيا «واحدة من أكبر الدول نفوذًا في العالم التي لا يُتخذ قرار دولي مهم من دون موافقتها».

استغلال متبادل
كذلك تكتشف روسيا مدى تعقيد التحالفات المشبوهة، التي أقامتها مع نظام الملالي في طهران، ومع حكومة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان المأزومة في أنقرة؛ إذ يقول أكاديمي روسي رفض ذكر اسمه في مقال: «ما تريده طهران حقًا هو تحويل روسيا إلى قوة جوية تعمل لصالح إيران في سوريا. ولقد استخدموا الولايات المتحدة خلال فترة رئاسة أوباما على هذا النحو في العراق. والآن مع مغادرة أوباما المنصب، ورفض ترامب الخضوع لإيران كما هو مرجّح، ستحتاج طهران إلى روسيا من أجل القيام بهذا الدور». تكمن المفارقة هنا في رغبة بوتين في استخدام الإيرانيين، وبالطبع، «المتطوّعين» اللبنانيين والعراقيين والأفغان والباكستانيين، بالإضافة إلى العلويين، كقوات برّية تابعة لموسكو في سوريا. إلا أن روسيا تكتشف الآن مشكلات أخرى في تحالفها المزدهر مع طهران، منها أن هذا «التحالف» قد يورّط روسيا نفسها في تأجيج النزاعات الطائفية في الشرق الأوسط. ذلك أن أكثر من 90 في المائة من المسلمين الروس من السنّة، الذين يرون أن التفسير الإيراني للإسلام ما هو إلا محض هرطقة. وحتى الآن تابع العلماء المسلمون الروس هذا التحالف العميق مع طهران بقلق بالغ.
ويخبرنا علماء مسلمون روس أن «ترددهم» بشأن تعزيز العلاقات مع طهران قد أثّر في قرار بوتين بوضع بعض الحدود عند توسيع نطاق العلاقات مع إيران. فعلى سبيل المثال، وافقت روسيا على السماح لإيران بفتح فرع لجامعة الإمام الخميني في موسكو، وهي مؤسسة تعليمية تمنح درجات علمية في الإسلام بحسب المنظور الإيراني. مع ذلك، أجل تنفيذ هذه الخطة العام الماضي نظرًا لتغيير الكرملين موقفه. بحسب بعض المصادر، صوّت بوتين لصالح اتفاق يسمح لإيران بإنشاء حوزات علمية في مدينة دربند الساحلية على بحر قزوين في جمهورية داغستان (الروسية الذاتية الحكم)، من أجل تدريب رجال الدين على مذهب الخميني. وللعلم، تعد دربند المدينة الروسية الوحيدة التي يمثل فيها المسلمون الشيعة غالبية السكان. كذلك أثار تعميق العلاقات مع طهران قلق الجمهوريات السوفياتية السابقة في آسيا الوسطى، حيث يمثل المسلمون السنّة غالبية السكان. فمنذ سقوط الاتحاد السوفياتي السابق أرسلت الجمهوريات الإسلامية المستقلة في آسيا الوسطى أكثر من 40 ألف شاب للدراسة في الأزهر بالقاهرة وجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الرياض والجامعة الإسلامية العالمية في باكستان، ليصبحوا علماء دين. وتخشى النخبة الجديدة من العلماء المسلمين من أي تحالف بين «الإمبريالية الروسية الناهضة والمدّ الشيعي الإيراني» على حد قول مجير دلمقاني، الباحث الإسلامي في موسكو. وأوضح دلمقاني قائلا: «إنهم يرون سوريا اليوم نقطة محوَرية في هذا التحالف، ونقطة الانطلاق المحتملة لهجوم مزدوج في وسط آسيا». وليس من قبيل المصادفة أن تدعم حكومة جمهورية واحدة فقط من أصل خمس جمهوريات في آسيا الوسطى - هي حكومة قيرغيزستان - علنًا التدخل العسكري الروسي الرامي إلى الإبقاء على الأسد في سدة الحكم في سوريا. وحتى هناك، أخفق الرئيس ألماز بك أتامباييف، الذي تولى السلطة عن طريق حركة مؤيدة لروسيا، في حشد الرأي العام لصالح سياسة موسكو تجاه سوريا. وبالفعل، أثار موقف أتامباييف غضب كثير من العلماء المسلمين في آسيا الوسطى؛ بل، وفي سلسلة من خطب الجمعة، كاد تشوباك حاج جليلوف، مفتي قيرغيزستان السابق، أن يدعو صراحةً إلى «الجهاد» ضد نظام الأسد في دمشق. ولقد وصف عبر خطب انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي الشعب السوري بأنهم «ضحايا مسلمين لمؤامرة كبرى بين أعداء أجانب للإسلام، وعملائهم المحليين من عشيرة الأسد». ويقول: «لقد قتل بشار الأسد خلال السنوات الخمس الأخيرة إخواننا المسلمين، وشرد الملايين بعيدًا عن قراهم وبلداتهم عمدًا وبكل عنف». كذلك أدان حاج جليلوف تنظيم داعش، واصفًا إياه بأنه «صنيعة» الأسد و«أسياده الإيرانيين». وهكذا، على الرغم من الجهود التي تبذلها حكومات دول آسيا الوسطى من أجل إبقاء هذه الجمهوريات بعيدة عن الصراعات الطائفية في الشرق الأوسط، فإن عدد العلماء المسلمين الذين يعبّرون صراحة عن دعمهم للسوريين الذين يتعرضون لعملية إبادة، ازداد. وتصف جماعات المعارضة الإسلامية، وأبرزها «حركة أوزبكستان الإسلامية»، و«حزب التحرير الإسلامي»، و«حزب النهضة في طاجيكستان» - وجميعها جماعات محظورة - روسيا وإيران بأنهما «رأسان لوحش واحد» يحاول الهيمنة على العالم الإسلامي.
ولا تقتصر مشاعر العداء للأسد على تيارات «الإسلاميين» فحسب في روسيا وآسيا الوسطى؛ بل تمتد لتشمل تيارات وشخصيات أخرى، إذ ناشد العالم المحترم بالباك تولوباييف، الذي يكتب في صحيفة «آيات»، الولايات المتحدة المساعدة في وضع حد «للإبادة التي تحدث في سوريا» وطالب بـ«محاكمة الأسد وشركائه المجرمين أمام القضاء». وأضاف: «لقد تحولت حلب، مهد الثقافة والحضارة العظيمة، وغيرها من المدن، إلى ركام وأنقاض، وبسبب (...) بشار الأسد يعاني الملايين من الناس من ضغوط. فلندعم كل الجهود الرامية إلى التصدي لهذا المستبد الذي يبيد شعبه. لا يوجد خيار آخر». كذلك يتسبب انخراط روسيا في سوريا، وتحالفها مع إيران، في توترات داخل روسيا الاتحادية نفسها، وبالذات في جمهوريات مثل تتارستان وباشكورتستان وداغستان، التي يشكل المسلمون غالبية سكانها، ومن ثم نحو 25 في المائة من سكان روسيا الاتحادية. مع العلم بأن هناك أقليات لا بأس بها تسكن في موسكو وبطرسبورغ وغيرهما من المدن الأخرى. ولقد جرى أخيرًا تنظيم مجموعة من المظاهرات في مدينتي قازان (عاصمة تتارستان) وأوفا (عاصمة باشكورتستان) ومدن داغستان، إلى جانب مظاهرات موسكو خلال عامي 2015 و2016، لكنها كانت نادرًا ما تحظى بتغطية الإعلام الخاضع لسيطرة الكرملين. وتوضح استطلاعات الرأي، التي تخضع هي الأخرى لسيطرة كبيرة، تصاعد حدة المعارضة للحرب في الجمهوريات التي يمثل فيها المسلمون غالبية السكان. في هذه الأثناء، يرى أليكسي مالاشينكو، من «مركز كارنيغي»، أن العمليات الروسية الداعمة للأسد ونظامه لم تسبب فقط تفاقم توتر العلاقات بين الكرملين والمسلمين الروس، بل عجلت بتنامي خطر الإرهاب داخل روسيا. وقد يكون الخوف من إثارة الغضب الشعبي هو ما منع بوتين من عقد مؤتمر السلام الخاص بسوريا في أي من الجمهوريات التابعة لروسيا، التي بها أغلبية مسلمة كبيرة، مفضلاً كازاخستان (حيث توجد أقلية روسية ذات شأن).
وتزعم مصادر في موسكو أن بوتين قد بدأ «تقدير» ارتفاع تكلفة الإبقاء على الأسد في سدة الحكم بالقوة، ولعله باشر البحث عن صيغة تحفظ ماء الوجه و«تخرجه من هذا المأزق برفق وسلاسة». ولهذا السبب يلّمح المسؤولون الروس، الذين يتحدثون سرًا، إلى أن الأسد «يشعر بالإنهاك بعد خمس سنوات من الحرب والتوتر»، وربما أصيب بتشنج عصبي في عينه اليسرى نتيجة «للضغوط النفسية».
مع ذلك، حتى إذا وجد بوتين طريقة لإرشاد رئيس النظام السوري باتجاه المخرج في آستانة، فسيظل على روسيا ضبط طموحات حلفائها الجائعين في طهران وأطماعهم. أما في «آستانة»، وهي كلمة فارسية تعني «مدخل» أو «عتبة»، فقد يجد بوتين نفسه على عتبة أزمة بلا نهاية، بدلا من أن يجد في انتظاره نهاية لنزهة ظافرة.



الصومال: «عفو رئاسي» عن «المُضلَّلين» يضيق الخناق على حركة «الشباب»

عناصر من الجيش الصومالي تكافح مسلحي «حركة الشباب» في منطقة حوادلي بمحافظة شبيلى الوسطى (وكالة الأنباء الصومالية)
عناصر من الجيش الصومالي تكافح مسلحي «حركة الشباب» في منطقة حوادلي بمحافظة شبيلى الوسطى (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

الصومال: «عفو رئاسي» عن «المُضلَّلين» يضيق الخناق على حركة «الشباب»

عناصر من الجيش الصومالي تكافح مسلحي «حركة الشباب» في منطقة حوادلي بمحافظة شبيلى الوسطى (وكالة الأنباء الصومالية)
عناصر من الجيش الصومالي تكافح مسلحي «حركة الشباب» في منطقة حوادلي بمحافظة شبيلى الوسطى (وكالة الأنباء الصومالية)

اتخذت الرئاسة الصومالية خطوةً جديدةً تجاه «حركة الشباب» المتشددة، بإعلانها العفو عن «الشباب المضلَّل» الذي انخرط في صفوف الحركة، وذلك حال تخليهم عن الفكر المتطرف.

تلك الخطوة يراها خبير صومالي متخصص في الشؤون الأفريقية، تحدث لـ«الشرق الأوسط»، تعزز فرص تضييق الخناق على «حركة الشباب» شريطة أن تتوفر شروط عدة منها الدمج وإعادة التأهيل.

وأفادت وكالة الأنباء الصومالية، الاثنين، بأن رئيس البلاد حسن شيخ محمود «قرر إصدار عفو عن الشبان الذين تم تضليلهم بالفكر المتطرف في صفوف ميليشيات الخوارج (مصطلح يطلق محلياً على حركة الشباب) في حال تخليهم عن الفكر المتطرف»، مضيفاً أن الدولة ستوفر لهم حياة جديدة وفرصاً لبناء مستقبلهم، ليصبحوا جزءاً لا يتجزأ من المجتمع.

يأتي ذلك بينما يشن الجيش الوطني عملية عسكرية مخططة تستهدف «فلول ميليشيات الخوارج التي تتحصن في منطقة حوادلي بمحافظة شبيلى الوسطى، في إطار الجهود المتواصلة الهادفة إلى القضاء على الإرهاب»، حسب ما نقلته الوكالة الأحد.

استهداف مسلحين تابعين لـ«حركة الشباب» في إقليم هيران (وكالة الأنباء الصومالية)

ويستضيف الصومال بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الاستقرار، المعروفة باسم «أوصوم»، التي بدأت عملياتها رسمياً بداية من يناير (كانون الثاني) 2025، بعد اعتماد مجلس الأمن الدولي قراراً بشأنها في ديسمبر (كانون الأول) 2024 بهدف دعم الصومال في مكافحة «حركة الشباب» التي تتصاعد «عملياتها الإرهابية» في الصومال منذ 15 عاماً.

ويرى الباحث في الشأن الصومالي عبد الولي جامع بري أن العفو الذي أعلنه شيخ محمود «يمكن قراءته من ثلاث زوايا: أمنية، واجتماعية، واستراتيجية. وهو أداة مهمة، لكن نجاحه ليس مضموناً ما لم يُدعم بسياسات مكملة».

وأضاف أن العفو في حد ذاته خطوة إيجابية «لفتح باب العودة، خاصة وأن كثيراً من الشباب انضموا تحت التضليل أو الإكراه، وأن إيجاد مخرج آمن يشجع المنشقين على ترك التنظيم، فضلاً عن كونها رسالة إنسانية وسياسية تُظهر أن الدولة تفرّق بين القيادات المتشددة والشباب المغرر بهم، وتعزز صورة الحكومة كجهة حاضنة لا انتقامية».

يأتي ذلك وسط تصاعد عمليات «حركة الشباب»، حيث قال «مرصد الأزهر لمكافحة التطرف» إن «نذير الخطر الإرهابي يتصاعد على امتداد الحدود الصومالية - الكينية خلال شهر رمضان، في ظل استراتيجية دموية تنتهجها (حركة الشباب) لترهيب المدنيين وتنفيذ ضربات عابرة للحدود».

وأوضح المرصد في بيان، الاثنين، أن «هذا التصعيد الميداني بدأ ليلة السبت الماضي، حين نفذت عناصر الحركة الإرهابية إعدامات رمياً بالرصاص بحق 10 مدنيين في منطقتي بوالي بجوبا الوسطى وكونيا بارو بشبيلي السفلى جنوب الصومال»، لافتاً إلى أن الحركة تضاعف نشاطها في هذا التوقيت لاستغلال الشعور الديني العام في رمضان.

ويرى بري أن الحركة تستغل الأجواء الدينية، «لذا فإن قرار العفو وحده لا يكفي إذا لم يُربط ببرامج إعادة تأهيل حقيقية، لكي ينجح في محاصرة (حركة الشباب) عبر استمرار النصيحة الدينية والفكرية والدمج الاقتصادي ومتابعة أمنية ذكية».

Your Premium trial has ended


الحوثيون يعلنون الطوارئ تحسباً لهجوم أميركي على إيران

عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)
عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)
TT

الحوثيون يعلنون الطوارئ تحسباً لهجوم أميركي على إيران

عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)
عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)

في خطوة تعكس تصاعد القلق داخل أوساط الجماعة الحوثية من احتمال هجوم أميركي على إيران قد يتسع ليشمل أذرع طهران في المنطقة، أعلنت السلطات التابعة للجماعة في صنعاء رفع مستوى الطوارئ والاستعداد لمواجهة أي تطورات عسكرية محتملة، بالتزامن مع تصعيد خطاب التعبئة الدينية والدعوة إلى «الجهاد»، حيث لا يستبعد مراقبون أن تنخرط الجماعة في الصراع إلى جانب إيران.

وجاء الإعلان الحوثي عقب اجتماع نادر للجنة الطوارئ التابعة للحكومة غير المعترف بها دولياً، برئاسة القائم بأعمال رئيسها محمد مفتاح، حيث ناقش المجتمعون - وفق وسائل إعلام الجماعة - إجراءات رفع الجاهزية على المستويين المركزي والمحلي، وتعزيز قدرات المؤسسات المعنية بالتعامل مع الحالات الطارئة، خصوصاً الدفاع المدني والقطاعات الخدمية.

ويرى محللون يمنيون أن توقيت الاجتماع يعكس مخاوف الحوثيين من احتمال تعرضهم لتداعيات أي ضربات عسكرية قد تستهدف إيران، في ظل ارتباط الجماعة السياسي والعسكري بما يُعرف بمحور «الممانعة»، وهو ما قد يجعل مناطق سيطرتهم جزءاً من مسرح ردود الفعل الإقليمية.

وحسب المصادر الحوثية، ناقشت لجنة الطوارئ آليات تعزيز الاستجابة السريعة للأزمات، بما يشمل رفع جاهزية فرق الإنقاذ والإغاثة وتقوية البنية التشغيلية لقطاع الطوارئ، الذي يضم عدداً من الوزارات والمؤسسات المرتبطة بالأمن والخدمات.

اجتماع نادر للجنة الطوارئ في حكومة الحوثيين الانقلابية (إعلام محلي)

وأكد محمد مفتاح خلال الاجتماع أن «الوضع الاستثنائي» يتطلب استمرار الاستعداد الكامل، داعياً إلى دعم مصلحة الدفاع المدني بالكوادر والمعدات اللازمة، بما يمكّنها من الحد من الخسائر البشرية والمادية في حال وقوع هجمات أو تطورات عسكرية مفاجئة.

ويشير مراقبون إلى أن الإعلان عن اجتماعات لجنة الطوارئ يُعد أمراً غير معتاد، إذ غالباً ما تبقى تحركاتها بعيدة عن الإعلام، ما يعزز فرضية أن الجماعة تتوقع سيناريوهات تصعيد تتجاوز الإطار المحلي اليمني.

كما انتقد المسؤول الحوثي الحشود العسكرية الأميركية في المنطقة، ورأى أنها تمثل تهديداً لاستقرار دول الشرق الأوسط، ومتهماً واشنطن بالسعي إلى فرض الهيمنة على مقدرات المنطقة، وهو خطاب يتكرر في بيانات الجماعة بالتوازي مع كل توتر إقليمي.

احتواء الضغوط

وتزامنت إجراءات الطوارئ الحوثية مع تصعيد ملحوظ في الخطاب التعبوي، حيث كثّفت الجماعة الفعاليات الجماهيرية والمسيرات المناهضة للسياسات الأميركية والإسرائيلية، إضافة إلى توسيع حملات التجنيد، خصوصاً في أوساط الطلاب والشباب.

ويرى سياسيون يمنيون أن هذا التصعيد يأتي أيضاً في سياق محاولة احتواء حالة الاحتقان الشعبي الكبيرة نتيجة الأزمة الاقتصادية الحادة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات، واتساع رقعة الفقر، فضلاً عن مواجهات قبلية متفرقة في عدد من المحافظات.

تعسف الحوثيين ضد الوكالات الإغاثية حرم ملايين اليمنيين من الحصول على المساعدات (أ.ف.ب)

وحسب هؤلاء، فإن ربط الوضع المحلي بالصراع الإقليمي يمنح الجماعة فرصة لإعادة توجيه الرأي العام نحو «الخطر الخارجي»، بما يسهم في تخفيف الضغط الداخلي المتصاعد.

وفي السياق ذاته، نظمت الجماعة عروضاً عسكرية في عدد من المدن الخاضعة لسيطرتها، في استعراض للقوة العسكرية ورسائل ردع داخلية وخارجية، بينما عدّ مراقبون أن هذه التحركات تهدف أيضاً إلى ترسيخ حالة التعبئة النفسية لدى السكان.

وفي موقف أكثر وضوحاً، أصدرت رابطة رجال الدين التابعة للحوثيين بياناً دعت فيه إلى رفع مستوى التعبئة والاستعداد القتالي، مطالبة السكان بالالتزام بتوجيهات زعيم الجماعة، ومؤكدة ضرورة «النفير الواسع» لمواجهة ما وصفته بالتهديدات الأميركية والإسرائيلية.

كما أدانت الرابطة الضربات الإسرائيلية ضد مواقع مرتبطة بــ«حزب الله» في لبنان، وعدّت التهديدات الموجهة لإيران دليلاً على اتساع المواجهة، داعية إلى ما سمته «وحدة الساحات»، وهو مفهوم سياسي تتبناه القوى المتحالفة مع طهران في المنطقة.

وشدد البيان على أن «الجهاد ووحدة الصف» يمثلان السبيل الوحيد لمواجهة التحديات الراهنة، داعياً إلى مقاطعة المنتجات الأميركية والإسرائيلية وتحريض السكان على التعبئة العامة.

تصعيد ميداني

وبالتوازي مع هذه التحركات السياسية والتعبوية الحوثية، شهدت جبهات الساحل الغربي اليمني تصعيداً عسكرياً لافتاً، إذ أفادت مصادر عسكرية بسقوط قتلى وجرحى في صفوف القوات المشتركة (الحكومية) إثر هجوم حوثي واسع استهدف مواقع في مديرية حيس جنوب محافظة الحديدة.

تجنيد مستمر ضمن حملات التعبئة الحوثية (إعلام محلي)

ووفق المصادر، أسفر الهجوم عن مقتل ستة عسكريين وإصابة نحو ثلاثة عشر آخرين، بعد معارك دارت في مناطق خط حيس - الجراحي وجبال ذو بأس شمال المدينة، في محاولة للسيطرة على مواقع استراتيجية.

ويشير مراقبون إلى أن مدينة حيس تمثل موقعاً جغرافياً بالغ الأهمية، كونها تربط بين الساحل والمرتفعات الداخلية المؤدية إلى محافظتي تعز وإب، إضافة إلى كونها بوابة جنوبية رئيسية لمحافظة الحديدة المطلة على البحر الأحمر.

ويرى محللون أن التصعيد الحوثي الميداني بالتزامن مع إعلان الطوارئ يعكس استراتيجية مزدوجة للجماعة، تجمع بين الاستعداد لأي تصعيد خارجي وتعزيز مواقعها الميدانية داخلياً.


حراك حكومي واسع في عدن لتعزيز الخدمات وبناء المؤسسات

نشاط مكثف في ميناء عدن مع رسوّ 3 سفن تجارية (إكس)
نشاط مكثف في ميناء عدن مع رسوّ 3 سفن تجارية (إكس)
TT

حراك حكومي واسع في عدن لتعزيز الخدمات وبناء المؤسسات

نشاط مكثف في ميناء عدن مع رسوّ 3 سفن تجارية (إكس)
نشاط مكثف في ميناء عدن مع رسوّ 3 سفن تجارية (إكس)

مع عودة الحكومة اليمنية إلى العاصمة المؤقتة عدن وعقد أول اجتماعاتها من الداخل، بدأت مؤسسات الدولة مرحلة من الحراك التنفيذي المكثف، عكستها اجتماعات موسعة وتحركات متزامنة لعدد من الوزارات، في مؤشر على توجه حكومي لإعادة تنشيط العمل المؤسسي وتعزيز حضور الدولة في مختلف القطاعات الخدمية والتنموية.

وفي حين يشدد رئيس الوزراء شائع الزنداني على العمل من الداخل وتقليص مهام سفر الوزراء إلى الخارج، تسعى الحكومة، وفق مسؤولين، إلى تحويل عودتها الميدانية إلى نقطة انطلاق لمرحلة إصلاح إداري واقتصادي تستند إلى رفع كفاءة الأداء، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات، وتفعيل الحوكمة والرقابة، بما يسهم في تحسين الخدمات العامة وتثبيت الاستقرار في المناطق المحررة.

في هذا السياق، عقد وزير الدفاع، الفريق الركن طاهر العقيلي، اجتماعاً موسعاً في عدن ضم مساعدي الوزير ورؤساء الهيئات العسكرية، بحضور نائب رئيس هيئة الأركان، اللواء الركن أحمد البصر؛ لمناقشة أولويات المرحلة المقبلة داخل المؤسسة العسكرية.

وأكد العقيلي أهمية تعزيز التنسيق والتكامل بين مختلف الهيئات العسكرية بما يحقق الانسجام في تنفيذ المهام الوطنية، مشدداً على ضرورة إجراء تقييم شامل لأداء المرحلة الماضية، ومراجعة الإنجازات والتحديات؛ بهدف تصحيح الاختلالات وتعزيز كفاءة العمل المؤسسي.

وزير الدفاع اليمني طاهر العقيلي يترأس اجتماعاً للقادة في عدن (سبأ)

وأشار إلى «أهمية تفعيل آليات الرقابة وترسيخ قيم الشفافية والنزاهة والانضباط، بوصفها ركائز أساسية لإعادة بناء مؤسسة عسكرية حديثة قادرة على مواكبة متطلبات المرحلة الراهنة».

كما شدد وزير الدفاع اليمني على المضي في تطبيق الحوكمة الإلكترونية وتطوير الأنظمة الإدارية، في خطوة تهدف إلى «تحديث بنية العمل المؤسسي وتقليل البيروقراطية»، مثمناً في الوقت ذاته دعم «تحالف دعم الشرعية» بقيادة المملكة العربية السعودية، وما يقدمه من إسناد مستمر للمؤسسة العسكرية اليمنية.

واستمع الوزير خلال الاجتماع، وفق الإعلام الرسمي، إلى تقارير تفصيلية من رؤساء الهيئات بشأن سير تنفيذ الخطط العسكرية والصعوبات التي تواجه الأداء، في إطار توجه حكومي لإرساء ثقافة التقييم الدوري والمساءلة المؤسسية.

صدارة الأولويات

بالتوازي مع التحركات العسكرية، ركزت وزارة الإدارة المحلية على إعادة تفعيل دور السلطات المحلية بوصفها محركاً أساسياً للتنمية الاقتصادية والخدمية.

وأكد وزير الإدارة المحلية، المهندس بدر باسلمة، خلال اجتماع ضم قيادات الوزارة، أهمية إجراء تقييم شامل لأداء السلطات المحلية في المحافظات؛ «بهدف تحديد مكامن الضعف وتعزيز نقاط القوة، بما يضمن تنفيذ برامج تنموية واستثمارية أعلى فاعلية».

وأوضح باسلمة أن المرحلة الحالية تتطلب تمكين السلطات المحلية اقتصادياً وتنموياً، وتعزيز التنسيق مع المنظمات الدولية والقطاع الخاص لدعم المشروعات الخدمية والتنموية، مشيراً إلى أن «منح صلاحيات أوسع للوحدات الإدارية الكفؤ يمثل خطوة أساسية نحو ترسيخ الحكم الرشيد».

وزير الإدارة المحلية اليمنية بدر باسلمة خلال اجتماع في عدن (سبأ)

وشدد الوزير على أن تعزيز اللامركزية المالية والإدارية «سيمكن السلطات المحلية من قيادة التنمية المستدامة بكفاءة أكبر، بما يسهم في تحسين مستوى الخدمات وتخفيف الأعباء عن الحكومة المركزية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس تحولاً تدريجياً نحو نموذج إداري أعلى مرونة، يمنح المحافظات دوراً أوسع في إدارة مواردها وتحقيق التنمية المحلية.

وفي قطاع التعليم، عقد وزير التعليم العالي والبحث العلمي، الدكتور أمين القدسي، سلسلة لقاءات منفصلة مع قيادات الجامعات الحكومية والأهلية، بينها جامعة عدن، والجامعة الألمانية الدولية، وجامعة العلوم والتكنولوجيا، إضافة إلى مجلس الاعتماد الأكاديمي وضمان جودة التعليم العالي.

ونوقشت في اللقاءات آلياتُ «تطوير الأداء المؤسسي للجامعات وتعزيز جودة العملية التعليمية، مع التركيز على تطبيق معايير أكاديمية حديثة تسهم في تحسين مخرجات التعليم ومواءمتها مع احتياجات سوق العمل ومتطلبات التنمية».

رهان على تنشيط قطاعات الثقافة والسياحة في اليمن بقيادة الوزير مطيع دماج (سبأ)

وأكد القدسي أن الوزارة تتحمل مسؤولية وطنية في رسم السياسات المنظمة لقطاع التعليم العالي، مشدداً على ضرورة تعزيز العمل التكاملي بين الجامعات والجهات الرقابية لمعالجة أوجه القصور وتجاوز التحديات التي فرضتها سنوات الحرب.

كما استعرضت الاجتماعات مستوى تنفيذ البرامج الأكاديمية والتحديات التي واجهت المؤسسات التعليمية، والجهود المبذولة للحفاظ على استقرار العملية التعليمية رغم الظروف الاقتصادية والأمنية المعقدة.

تحريك القطاعات الخدمية

وفي إطار الحراك الحكومي الأوسع، ترأس وزير الثقافة والسياحة، مطيع دماج، اجتماعاً لقيادات الوزارة لمناقشة إعداد استراتيجية ثقافية وسياحية جديدة، مع التركيز على إعادة تنظيم صناديق التنمية الثقافية والترويج السياحي، وتوجيه مواردها نحو تنشيط الفعاليات الثقافية وجذب الاستثمار السياحي.

ووجّه الوزير بإعداد دليل للفرص السياحية في اليمن بهدف استقطاب المستثمرين، إلى جانب وضع تصور متكامل لإدارة المواقع السياحية في سقطرى وعدن وحضرموت، وحصر المنشآت السياحية المملوكة للدولة تمهيداً لإعادة تأهيلها.

جانب من اجتماع ترأسه وزير النقل في الحكومة اليمنية محسن حيدرة (سبأ)

وفي قطاع النقل، عقد الوزير محسن حيدرة اجتماعاً موسعاً ناقش تطوير أداء الهيئات والمؤسسات التابعة للوزارة، مؤكداً أن خدمات النقل تمثل شرياناً أساسياً للاقتصاد الوطني وحياة المواطنين اليومية.

وشدد حيدرة على «ضرورة استكمال خطط تطوير القطاع وفق مصفوفة إجراءات واضحة، مع التزام تطبيق القوانين وبسط سيادة الدولة في المنافذ والموانئ، ومعالجة الاختلالات القائمة، بما يعزز التعافي الاقتصادي واستدامة الخدمات».

أما على صعيد الشباب والرياضة، فقد ناقش الوزير نايف البكري، مع مدير مكتب المبعوث الأممي إلى اليمن ألبرت سكوت، جهود الحكومة لتعزيز الاستقرار في عدن والمحافظات المحررة، مؤكداً التزام الحكومة مواصلة الإصلاحات وتقريب مؤسسات الدولة من المواطنين.

ودعا البكري المجتمع الدولي إلى تقديم دعم أكبر لجهود الإصلاح والاستقرار، مشيداً بدعم «تحالف دعم الشرعية» وجهود الأمم المتحدة في الدفع نحو عملية السلام، فيما أكد المسؤول الأممي وجود مؤشرات إيجابية في أداء الحكومة خلال المدة الأخيرة.