من «منصة دافوس»... العالم يعلن تغيير خريطة استراتيجياته الاقتصادية

جينبينغ يهاجم الحمائية ويدافع عن العولمة... و«مندوب ترامب» لا يدرأ المخاوف

الرئيس الصيني تشي جينبينغ يتقدم لمصافحة مؤسس «منتدى دافوس» كلاوس شواب في افتتاح أعمال المنتدى بسويسرا أمس (أ.ف.ب) - سكاراموتشي مساعد ترامب يحضر جلسة عن الرؤى الأميركية (أ.ف.ب)
الرئيس الصيني تشي جينبينغ يتقدم لمصافحة مؤسس «منتدى دافوس» كلاوس شواب في افتتاح أعمال المنتدى بسويسرا أمس (أ.ف.ب) - سكاراموتشي مساعد ترامب يحضر جلسة عن الرؤى الأميركية (أ.ف.ب)
TT

من «منصة دافوس»... العالم يعلن تغيير خريطة استراتيجياته الاقتصادية

الرئيس الصيني تشي جينبينغ يتقدم لمصافحة مؤسس «منتدى دافوس» كلاوس شواب في افتتاح أعمال المنتدى بسويسرا أمس (أ.ف.ب) - سكاراموتشي مساعد ترامب يحضر جلسة عن الرؤى الأميركية (أ.ف.ب)
الرئيس الصيني تشي جينبينغ يتقدم لمصافحة مؤسس «منتدى دافوس» كلاوس شواب في افتتاح أعمال المنتدى بسويسرا أمس (أ.ف.ب) - سكاراموتشي مساعد ترامب يحضر جلسة عن الرؤى الأميركية (أ.ف.ب)

مع الأيام الأولى لعام 2017، كان افتتاح منتدى دافوس الاقتصادي في دورته رقم 47 أمس، منصة مناسبة لإعلان الحقيقة التي يعرفها العالم منذ فترة طويلة دون أن يجرؤ أحد على الإفصاح عنها بشكل مباشر وموسع؛ وملخصها أن «خريطة العالم الاقتصادية تغيرت».
ومع تبديل المقاعد على الطاولة الدولية من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، شاهد العالم الصين تؤكد من خلال أرفع مسؤوليها، الرئيس الصيني تشي جينبينغ، عن دفاع مستميت عن العولمة وفوائدها وأهمية المضي قدما لنموها وتطويرها؛ بعد أن كانت بكين أشرس المقاومين على مدار السنوات الماضية للعولمة... في وقت لا تزال فيه أفكار إدارة الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب تمثل لغزا مطلسما، حيث عبر عضو فريقه الانتقالي ومندوبه المباشر في «دافوس» أنتوني سكاراموتشي، عن مفاهيم عامة، سعى خلالها إلى توضيح أسباب دعوات إدارته الحمائية، قائلا إنها محاولات لـ«إعادة العدالة».
وفي الوقت الذي سجلت فيه القوتين الاقتصاديتين الكبريين على مستوى العالم موقفيهما من عالم الغد بكل وضوح، بدت القوى التقليدية الأخرى، وعلى رأسها أوروبا، في موقف المتابع الذي ينتظر مزيدا من دراسة الموقف وحساب المكاسب والخسائر حتى يحدد معسكره من المعركة الاقتصادية المقبلة؛ رغم أن جميع الأطراف تتنصل من أنها تسعى إليها وتحذر منها.
وفي كلمته الافتتاحية للمنتدى، الذي يحضره نحو 3 آلاف من قادة العالم الاقتصاديين والسياسيين المجتمعين منذ مساء الاثنين حتى ختامه الجمعة المقبل، حذر الرئيس الصيني الدول من العودة إلى «سياسات الحماية التجارية»، في هجوم غير مباشر - لكنه واضح لكل الأطراف - على الأفكار المعلنة للرئيس الأميركي الجديد. وشبه الحماية التجارية بأن «يحبس المرء نفسه في غرفة مظلمة لكي يحمي نفسه من الخطر؛ ولكنه يحرم نفسه داخل الغرفة في الوقت ذاته من النور والهواء».
ويعد جينبينغ أول رئيس صيني يزور المنتدى الاقتصادي الأبرز عالميا، وقال إن «كثيرين باتوا يرون العولمة مصدرا للمتاعب، لكن المشكلات العالمية لم تتسبب بها العولمة»، مؤكدا أن «السعي المفرط وراء الأرباح؛ وليس العولمة، هو ما تسبب في الأزمة المالية العالمية». كما حث دول العالم على ألا تحمي مصالحها الخاصة على حساب مصالح الآخرين، مشددا على أنه «يجب أن نبقى متمسكين بتطوير التبادل الحر والاستثمارات خارج الحدود الوطنية، وأن نقول (لا للحمائية)».
وأكد جينبينغ أمام الحاضرين: «لن يخرج أحد فائزا من حرب تجارية»، وهي جملة رآها بعض المراقبين بمثابة «الدفاع عن مستقبل الاقتصاد»، فيما فسرها آخرون بأنها يمكن أن تكون تلويحا بورقة تهديد مفادها أن بكين لن تقف مكتوفة الأيدي في حال اضطرارها للدفاع عن مصالحها.
لكن الرئيس الصيني أكد أن «الصين ستبقي بابها مفتوحا ولن تغلقه»، وأوضح أن بلاده تؤيد إبرام اتفاقات تجارية منفتحة وشفافة ومفيدة لجميع الأطراف، داعيا الدول الأخرى لعدم إلقاء اللوم على «الآخرين» حين تواجه «صعوبات». كما أكد أن بلاده لن تخفض سعر صرف عملتها اليوان، أو تبدأ حربا تجارية.
كما دعا الرئيس الصيني أيضا إلى «إعادة توازن» في العولمة، من أجل جعلها «أقوى وأكثر شمولية واستدامة». وقال: «لا يفيد أحدا إلقاء المسؤولية على العولمة في كل مشكلات العالم». وفي الشق المتعلق بالمناخ، عدّ أن اتفاق باريس حول المناخ «يشكل انتصارا تحقق بصعوبة»، داعيا كل الموقعين «إلى الالتزام به».

هجوم ألماني متزامن

بالتزامن، ورغم أنه كان بعيدا عن «دافوس»، فإن زيغمار غابرييل، نائب المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ووزير الاقتصاد، حذر بدوره دولا مثل الولايات المتحدة من «الانغلاق في التجارة العالمية»، قائلا خلال مؤتمر صحافي من برلين أمس إن «توجه الانعزال، واتباع شعارات على شاكلة: (علوا الجدران)، و(أغلقوا الحدود)، و(شددوا الحمائية)، زاد بشدة»، موضحا أن هذا «لم يرصد فقط» منذ فوز ترامب بالانتخابات الرئاسية.
وذكر غابرييل أن الشعبويين يعادون حرية التجارة، وقال: «إنهم مثل المضاربين الذين يسعون إلى إثارة السخط دون الاكتراث بالعواقب»، موضحا أن القومية والحمائية ليستا الطريق المؤدي إلى التطور.

دفاع عن رؤى ترامب

وبالعودة إلى «دافوس»، وبعد نحو ساعتين على كلمة جينبينغ، اعتلى أنتوني سكاراموتشي، وهو عضو في الفريق الانتقالي للرئيس الأميركي ترامب، المنبر بدوره ليلقي كلمة، كان الجميع ينتظرها بترقب كبير، من أجل معرفة هل كانت أفكار ترامب أثناء حملته دعائية بأكثر منها فعلية، وكذلك هل يتجه ساكن البيت الأبيض الجديد إلى تغيير جانب من رؤيته وسياساته المعلنة مع قرب توليه المنصب الرسمي.
وفي حديثه مع فيليب روسلر، نائب المستشارة الألمانية السابق، أشار سكاراموتشي إلى أنه كان زائرا دائما في «دافوس» خلال السنوات العشر الماضية، لكنه يحضر هذه المرة ممثلا عن ترامب، حيث إنه سيكون مساعده رسميا بدءا من الجمعة المقبل.
وفي بداية الحوار، أشار روسلر إلى حديث الرئيس الصيني «التاريخي»، والمدهش في فحواه التي كان الجميع ينتظر أن تأتي من الجانب الأميركي وليس الصيني، سائلا سكاراموتشي عن الخطوات الأميركية المقبلة بصدد التجارة الحرة.
وقال سكاراموتشي إنه لم يحظ بفرصة متابعة كلمة جينبينغ، لكنه أشار إلى أن لدى الصين وأميركا مصالح مشتركة وعلاقات قوية. كما أوضح أن ما تريده الإدارة الجديدة هو «تجارة حرة وعادلة».
وعبر استعراضه المسار التاريخي للعلاقات التجارية الأميركية، أوضح سكاراموتشي أن أميركا سمحت بـ«تدفق حر» للبضائع والسلع الآتية إليها، فيما سمحت في الوقت ذاته أيضا للآخرين بمنع دخول سلعها إلى أسواقهم، في محاولة منها لمعاونة الدول الأخرى على تحسين أوضاعها الاقتصادية.
وأوضح أن تلك السياسات الأميركية خلال أكثر من 70 عاما نجحت في تحقيق أهدافها، ومنعت حدوث تضارب مصالح عالمي، وعليه؛ فقد كان دور الولايات المتحدة كبيرا في وضع أسس الاتفاقات التجارية والمفاهيم العالمية للتجارة الحرة. لكن الإدارة الجديدة ترى أنها في واقع الأمر «حرة من غير توازن أو عدالة»، نتيجة النقاط السابقة. قائلا إن «كل ما يريده الرئيس الجديد وإدارته هو إعادة التوازن لطرفي هذه العلاقات، حيث إن هذه السياسة أضرت باقتصاد أميركا».
وأفاد سكاراموتشي أن الاتفاقات التجارية الأميركية مع عدة دولة أدت لشطب وظائف في قطاع الصناعة بأميركا وتآكل الطبقة المتوسطة، مشيرا إلى أن الإدارة الأميركية الجديدة تريد أن تحقق مزيدا من الأرباح من خلال علاقاتها التجارية مع الدولة الآسيوية العملاقة، وقال إن «الولايات المتحدة - والإدارة الجديدة - لا تريد خوض حرب تجارية»، مضيفا أن الولايات المتحدة ترغب في «علاقة ثنائية متميزة مع بكين... نسعى لعلاقات تجارية حرة وعادلة؛ لا متفاوتة».

أميركا والشرق الأوسط... وقضايا العالم

وعن سياسة ترامب في منطقة الشرق الأوسط، قال سكاراموتشي لـ«الشرق الأوسط» على هامش جلسته، إن الرئيس المنتخب يدرك العلاقة الثنائية طويلة الأمد بين السعودية والولايات المتحدة، لافتا إلى أن المملكة تزخر بقيادات شابة طموحة. كما قال إن ترامب يعد «الرياض جانبا أساسيا في أي اتفاق سلام بين إسرائيل وفلسطين، إلى جانب الأردن».
من جهة أخرى، قال سكاراموتشي خلال الجلسة إنه عندما قال الرئيس المنتخب إن الناتو «غير نافع»، كان يقصد أنه في حاجة إلى إصلاحات جذرية، داعيا الصحافيين والمتابعين الأميركيين والأوروبيين إلى الأخذ بعين الاعتبار «رمزية» تصريحات الرئيس المنتخب.
وعن تفسيره الإصلاحات، قال إن الحلف الأطلسي أسس لمواجهة «المد الشيوعي»، وشهد اتحاد دول سيادية لمواجهة الاتحاد السوفياتي. وتابع أن «عالم اليوم مختلف تماما عما كان عليه... و(الناتو) لا يزال عالقا في تحديات الماضي، رغم تفكك الاتحاد السوفياتي وانضمام روسيا لمجموعة ((G20»، مشددا على أن الأولوية اليوم هي «محاربة التطرف».
أما عن «البريكست»، فقال سكاراموتشي إن انفصال النخبة الأوروبية عن عامة الناس أدى إلى تهميش الطبقات العاملة، وإلى فقدانها الثقة في قادتها، «وهو ما سيعمل الرئيس المنتخب على تغييره بالنسبة للأميركيين»، إلا أنه تابع مشددا أن «الرئيس المنتخب يكنّ احتراما بالغا للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، كما يكن الاحترام نفسه للرئيس الروسي فلاديمير بوتين».
وفي منتصف حديثه عن الرئيس المنتخب، لفت سكاراموتشي إلى أنه لاحظ جانبا سلبيا واحدا في شخصية الرئيس، وقال: «إنه لا ينام، ويصعب التفوق عليه في العمل».
أما عن سبل تواصل ترامب مع العالم الخارجي، فعدّ سكاراموتشي أنها تعكس «عبقرية في استخدام وسائل التواصل الحديثة، وتمكنه من الوصول إلى الناس بشكل شخصي».
وأنهى سكاراموتشي مداخلته بعلاقته بالرئيس المنتخب، وقال إنه كان مستشارا لدى مرشحين جمهوريين قبل ترامب، إلا أنه بعد أن علم بنية الأخير لترشيح نفسه، وعده بالانضمام إلى فريقه الانتخابي إذا فاز في الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري.

أوضاع عالمية مرتبكة

ويجمع المنتدى الاقتصادي العالمي في بلدة دافوس السويسرية منذ نحو 50 عاما مسؤولي شركات ورؤساء حكومات وسياسيين وفنانين؛ أي باختصار نخبة مناصرة عموما للتبادل الحر بجميع أشكاله.
ويناقش المشاركون في «دافوس» توجهات العالم في قصر المؤتمرات الكبير، ويناقشون الأعمال في اجتماعات بعيدا عن الأضواء، سواء في قاعة اجتماع أو في أحد الفنادق الكبرى، أو إحدى الحفلات الساهرة التي تواكب المنتدى.
وينعقد المنتدى هذه السنة في ظل العداء المتزايد من جانب شريحة كبيرة من الشعوب الغربية حيال العولمة، لا سيما بين طبقات وسطى تعاني من تراجع أوضاعها، وقد صوتت لصالح ترامب وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وتهدد ببلبلة اللعبة السياسية في فرنسا وألمانيا ودول أخرى.
ومؤسس المنتدى الاقتصادي العالمي كلاوس شواب مدرك لهذه القطيعة بين النخب والطبقات الوسطى، وهو نظم اللقاء هذه السنة تحت شعار: «مسؤولية القيادة»، داعيا إلى البحث عن «الأسباب خلف غضب الناس وعدم ارتياحهم». ونشر المنتدى الاقتصادي العالمي، الذي يعد الإقصاء الاجتماعي والتفاوت الاقتصادي الخطرين الرئيسيين اللذين يواجههما العالم عام 2017، دراسة الاثنين الماضي تكشف أن متوسط الدخل السنوي تراجع في الدول المتقدمة على مدى 5 سنوات.
وعلق مدير البنك السويسري العملاق «يو بي إس»، سيرجيو إرموتي، متحدثا لوكالة الصحافة الفرنسية: «علينا أن نستمع إلى ما يقوله الناس. فوائد العولمة تظهر بوضوح أكبر في الدول الناشئة أكثر منها في الدول المتطورة».
وقال رئيس قسم الاقتصاد في شركة «آي إتش إس ماركت» ناريمان بهرافيش لوكالة الصحافة الفرنسية إن «المفارقة» تكمن في أن التوقعات على صعيد الاقتصاد الكلي تبقى رغم ذلك «إيجابية»، غير أن «التكنولوجيا والعولمة تتركان عددا كبيرا من الناس على الهامش».
وأعلنت منظمة «أتاك» المعادية لليبرالية منددة: «كما في كل سنة، وبتواطؤ وسائل الإعلام الكبرى، ستسعى هذه النخب لإعطاء صورة إيجابية لقيادتها على صعيد العولمة. وهي مضطرة إلى الأخذ بتمرد الشعوب المتزايد الذي يبلبل النظام النيو - ليبرالي».
وإذ نددت منظمة «أوكسفام» غير الحكومية بهذه التوجهات، نشرت دراستها السنوية عن الفوارق، التي تصدرها مع انطلاق أعمال منتدى دافوس، لافتة فيها إلى أن أكبر 8 أثرياء في العالم يملكون معا ثروة توازي ما يملكه نصف سكان العالم الأكثر فقرا.
وأظهرت دراسة لـ«مكتب إيدلمان» للعلاقات العامة أن الثقة في الحكومات والشركات ووسائل الإعلام والمنظمات غير الحكومية تراجعت بشكل كبير في الدول الـ28 المشمولة في الدراسة، وأوضح رئيس «المكتب» ريتشارد إيدلمان أنه «انهيار في الثقة».
وذكر الاتحاد النقابي الدولي «يوني غلوبال يونيون» الذي يشارك رئيسه فيليب جينينغز كل سنة في منتدى دافوس أنه «بعد 30 عاما من الأرباح القياسية، كانت أمام مجتمعات الأعمال فرصة لتوفير الازدهار للجميع، لكنها فشلت؛ وهي الآن تدفع الثمن السياسي».



«صندوق النقد»: السعودية تُواجه تداعيات الحرب بـ«مصدات قوية»

أزعور يتحدث خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين (صندوق النقد)
أزعور يتحدث خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين (صندوق النقد)
TT

«صندوق النقد»: السعودية تُواجه تداعيات الحرب بـ«مصدات قوية»

أزعور يتحدث خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين (صندوق النقد)
أزعور يتحدث خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين (صندوق النقد)

أكد مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، جهاد أزعور، أن السعودية تمتلك «مصدات مالية قوية» تعزز صمودها في وجه تداعيات الحرب الحالية في منطقة الشرق الأوسط، مشيراً إلى أن متانة الحيز المالي للمملكة ومؤسساتها السيادية تمنحها القدرة على امتصاص الصدمات وحماية زخم مشاريع «رؤية 2030». وأوضح أن قدرة الرياض على التكيّف وإعادة ترتيب الأولويات الاستثمارية تمثلان نموذجاً للمرونة الاقتصادية الضرورية في ظل الظروف الراهنة.

ورأى أزعور أن الصراع الحالي يمثل «نقطة تحول جيو - اقتصادية» لم تشهدها المنطقة منذ 50 عاماً. ونبّه إلى خطورة «الصدمة متعددة الأوجه» التي تواجهها دول المنطقة، حيث لا تقتصر الضغوط على الجوانب العسكرية، بل تمتد لتشمل اضطراب سلاسل الإمداد، وتصاعد تكاليف الشحن، وتذبذب أسواق السلع الأساسية.


مرشح ترمب لرئاسة «الفيدرالي»: سأتخذ قراراتي بمعزل عن أي ضغوط من الرئيس

وارش يتحدث خلال جلسة الاستماع أمام لجنة الشؤون المصرفية في مجلس الشيوخ (أ.ف.ب)
وارش يتحدث خلال جلسة الاستماع أمام لجنة الشؤون المصرفية في مجلس الشيوخ (أ.ف.ب)
TT

مرشح ترمب لرئاسة «الفيدرالي»: سأتخذ قراراتي بمعزل عن أي ضغوط من الرئيس

وارش يتحدث خلال جلسة الاستماع أمام لجنة الشؤون المصرفية في مجلس الشيوخ (أ.ف.ب)
وارش يتحدث خلال جلسة الاستماع أمام لجنة الشؤون المصرفية في مجلس الشيوخ (أ.ف.ب)

في شهادة تاريخية أمام اللجنة المصرفية بمجلس الشيوخ، وضع كيفن وارش، المرشح لرئاسة الاحتياطي الفيدرالي، «استقلالية القرار النقدي» كقاعدة أساسية لمستقبل المصرف المركزي، مؤكداً لأعضاء اللجنة أنه سيتخذ قراراته بمعزل عن أي نصيحة أو ضغط من الرئيس دونالد ترمب، ومسلّطاً الضوء على نجاحه في الحفاظ على انخفاض التضخم باعتباره «الدرع الواقية» التي ستحصن استقلالية المؤسسة وتحميها من السجالات السياسية، مشدداً على أن «التضخم المنخفض هو خيار، وعلى الاحتياطي الفيدرالي تحمل مسؤوليته دون أعذار».

وقال وارش أمام أعضاء اللجنة الذين سيرفعون توصياتهم بشأن تثبيته في مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي، بالإضافة إلى فترة ولاية مدتها أربع سنوات على رأس البنك المركزي: «استقلالية السياسة النقدية أمرٌ جوهري».

وأضاف أن الحفاظ على هذه الاستقلالية «يقع على عاتق الاحتياطي الفيدرالي إلى حد كبير» من خلال تحقيق أهدافه وعدم تجاوز صلاحياته الممنوحة له من الكونغرس.

وقال وارش، الممول البالغ من العمر 56 عاماً والمحافظ السابق للاحتياطي الفيدرالي: «لا أعتقد أن استقلالية السياسة النقدية مهددة بشكل خاص عندما يُبدي المسؤولون المنتخبون - الرؤساء، أو أعضاء مجلس الشيوخ، أو أعضاء مجلس النواب - آراءهم بشأن أسعار الفائدة. لقد كلّف الكونغرس الاحتياطي الفيدرالي بمهمة ضمان استقرار الأسعار، دون أعذار أو مراوغة، أو جدال أو قلق. التضخم خيار، ويجب على الاحتياطي الفيدرالي أن يتحمل مسؤوليته. انخفاض التضخم هو سلاح الاحتياطي الفيدرالي الأقوى».

واعتبر وارش أن البيانات المستخدمة لتقييم التضخم غير دقيقة إلى حد بعيد، وقال إنه سيُجري مراجعة للبيانات، ومشيراً إلى أن الإجراءات الحالية التي يتبعها مجلس الاحتياطي الفيدرالي «معيبة».

وأوضح أنه يُفضل استخدام المتوسط ​​المُعدَّل أو الوسيط لتغيرات الأسعار للحصول على فهم أفضل لمعدل التضخم الأساسي.

وارش يتحدث خلال جلسة الاستماع أمام لجنة الشؤون المصرفية في مجلس الشيوخ (أ.ف.ب)

نقد «حقبة باول» وضرورة التغيير

وفي مواجهة اتسمت بالنقد الصريح، دعا وارش إلى «تغيير جذري» في آليات إدارة السياسة النقدية، معتبراً أن الإطار الحالي يحتاج إلى أدوات جديدة كلياً.

وانتقد وارش تمسك الإدارة الحالية بتوقعاتها لفترات أطول مما ينبغي، مشيراً إلى أن الاقتصاد لا يزال يدفع ثمن تداعيات أخطاء السياسة النقدية لعامي 2021 و2022، ومؤكداً في الوقت ذاته أن «لا مسألة أكثر إلحاحاً من تكلفة المعيشة» في الوقت الراهن.

وأبلغ وارش أعضاء مجلس الشيوخ أنه سيفي بتعهده بالتخلي عن ممتلكاته في حال تثبيته في منصبه، لكنه امتنع عن الخوض في تفاصيل كيفية التخلص من ملايين الدولارات من الأصول. وقال: «حتى لا يكون هناك أي شك في استقلاليتي، ولا أي شك في شفافية سجلي المالي، وافقت على التخلي عن جميع أصولي المالية تقريباً، وسيتم التخلي عن غالبيتها العظمى قبل أن أرفع يدي اليمنى وأؤدي اليمين الدستورية».

حتى قبل أن يُلقي وارش كلمته الافتتاحية، كرّر ترمب في مقابلة مع قناة «سي إن بي سي» أنه سيشعر بخيبة أمل إذا لم يُسرع مرشحه المُختار لخلافة رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول في خفض أسعار الفائدة. يُمثّل هذا التوقع تحدياً كبيراً لقائد البنك المركزي الذي يحتاج إلى حشد أصوات زملائه الذين ما زالوا قلقين بشأن تأثير صدمة أسعار النفط المستمرة على التضخم الذي يتجاوز بالفعل هدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2 في المائة.

وقد صرّح وارش بأن خفض أسعار الفائدة مُبرّر لأن التغييرات التكنولوجية التي أطلقها الذكاء الاصطناعي سترفع الإنتاجية، وهو رأي يقول محافظو بنوك مركزية آخرون إنه قد يكون صحيحاً بمرور الوقت، ولكنه لا يجعل خفض أسعار الفائدة مناسباً بالضرورة على المدى القصير.

لقد فشل الاحتياطي الفيدرالي في تحقيق هدفه البالغ 2 في المائة لأكثر من خمس سنوات، أولاً بسبب صدمة جائحة كوفيد-19، ولكن مؤخراً بسبب تأثير تعريفات إدارة ترمب وارتفاع أسعار النفط المرتبط بالحرب في الشرق الأوسط، وهي مشكلة محتملة للمشرعين الجمهوريين قبيل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني).

ولطالما تصادم ترمب مع باول بشأن السياسة النقدية منذ تعيينه رئيساً للاحتياطي الفيدرالي في ولايته الأولى بالبيت الأبيض. تنتهي ولاية باول رسمياً على رأس البنك المركزي في 15 مايو (أيار)، لكن من الممكن أن يبقى في منصبه لفترة أطول إذا تأخرت المصادقة على تعيين وارش.

في هذه المرحلة، لا يزال توقيت توصية اللجنة أو تصويت مجلس الشيوخ غير مؤكد. وقد صرّح السيناتور الجمهوري توم تيليس، عضو اللجنة، بأنه سيعرقل ترشيح وارش إلى أن تُسقط وزارة العدل الأريكية تحقيقاً مع باول يعدّه السيناتور تافهاً وجزءاً من مساعي ترمب للضغط على الاحتياطي الفيدرالي لخفض أسعار الفائدة أو إجبار باول على الاستقالة.

ورغم أن اجتماع السياسة النقدية الأسبوع المقبل قد يكون الأخير لباول رئيساً للاحتياطي الفيدرالي، لكن هذا المأزق قد زاد من احتمالية بقائه في منصبه حتى بعد انتهاء ولايته رسمياً. لا يبدو أن المدعية العامة الأميركية لمنطقة كولومبيا، جانين بيرو، حليفة ترمب، مستعدة للتخلي عن التحقيق مع باول، ولا يبدو أن الرئيس يضغط عليها للقيام بذلك، على الرغم من أن هذا الموقف يعني احتمال استمرار العمل مع رئيس البنك المركزي الحالي لأشهر إضافية، أو إشعال معركة قانونية أخرى بمحاولة تعيين بديل مؤقت من بين محافظي الاحتياطي الفيدرالي الستة الآخرين.

وفي غياب خليفة مؤكد للمنصب الرفيع، سبق للبنك المركزي أن عيّن رئيساً مؤقتاً للاحتياطي الفيدرالي. تمتد ولاية باول محافظاً للبنك المركزي حتى عام 2028، ما يعني أنه قد يبقى صانعاً رئيسياً للسياسات حتى في حال تثبيت وارش. كما صرّح ترمب بأنه قد يُقيل باول إذا لم يتخلَّ عن منصبه كمحافظ. ومن المؤكد أن مثل هذه الخطوة ستُثير طعناً قانونياً، كما حدث في محاولة الرئيس الصيف الماضي لإقالة ليزا كوك، محافظة الاحتياطي الفيدرالي.


بسبب الحرب... الاتحاد الأوروبي يدرس توسيع واردات وقود الطائرات الأميركي

طائرة تابعة لشركة «دي إتش إل» تقف خلف عدة شاحنات صهريجية في مركز الشركة بمطار لايبزيغ (د.ب.أ)
طائرة تابعة لشركة «دي إتش إل» تقف خلف عدة شاحنات صهريجية في مركز الشركة بمطار لايبزيغ (د.ب.أ)
TT

بسبب الحرب... الاتحاد الأوروبي يدرس توسيع واردات وقود الطائرات الأميركي

طائرة تابعة لشركة «دي إتش إل» تقف خلف عدة شاحنات صهريجية في مركز الشركة بمطار لايبزيغ (د.ب.أ)
طائرة تابعة لشركة «دي إتش إل» تقف خلف عدة شاحنات صهريجية في مركز الشركة بمطار لايبزيغ (د.ب.أ)

أعلن مسؤول النقل في الاتحاد الأوروبي أبوستولوس تزيتزيكوستاس، يوم الثلاثاء، أن التكتل الأوروبي يدرس توسيع وارداته من وقود الطائرات الأميركي، إلى جانب اتخاذ إجراءات لتعزيز استقرار قطاع الطيران، في ظل المخاوف المتزايدة من تداعيات الحرب الإيرانية على إمدادات الطاقة.

وأوضح تزيتزيكوستاس أن الاتحاد سيصدر توجيهات لشركات الطيران بشأن التعامل مع قضايا تشغيلية مثل مواعيد الإقلاع والهبوط، وحقوق المسافرين، والتزامات الخدمة العامة، في حال حدوث أي اضطرابات محتملة في إمدادات وقود الطائرات. وأضاف أنه لا توجد حتى الآن أي مؤشرات على نقص فعلي في الإمدادات، لكنه حذّر من أن إغلاق مضيق هرمز لفترة طويلة سيكون «كارثياً» على أوروبا والاقتصاد العالمي.

وقبل اندلاع القصف الأميركي والإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط)، كان نحو خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية يمر عبر مضيق هرمز. ويعتمد الاتحاد الأوروبي على استيراد ما بين 30 في المائة و40 في المائة من احتياجاته من وقود الطائرات، يأتي نحو نصفها من منطقة الشرق الأوسط.

ومن المقرر أن تقدم المفوضية الأوروبية، يوم الأربعاء، حزمة أوسع من التدابير المرتبطة بالطاقة والنقل، تشمل إنشاء «مرصد لوقود الطائرات» لمراقبة مستويات الإمدادات بشكل دوري.

وقال تزيتزيكوستاس عقب اجتماع وزراء النقل في الاتحاد الأوروبي: «في حال ظهور اضطرابات فعلية في الإمدادات، يجب استخدام المخزونات الاستراتيجية بالشكل الأمثل، مع ضمان الشفافية الكاملة في أي عمليات سحب وطنية لتفادي تشوهات السوق».

وأضاف أنه لا توجد في الوقت الراهن أي مؤشرات على حدوث «إلغاءات واسعة النطاق» خلال الأسابيع أو الأشهر المقبلة. في المقابل، حذرت وكالة الطاقة الدولية الأسبوع الماضي من احتمال بدء نقص فعلي في الوقود بحلول يونيو (حزيران)، في حين تشير شركات الطيران الأوروبية إلى أن الضغوط الحالية تتركز في ارتفاع الأسعار فقط.

وقالت مجموعة «إيه آي جي» المالكة للخطوط الجوية البريطانية و«إيبيريا» إنها لا تواجه أي اضطرابات في إمدادات وقود الطائرات في مطاراتها الرئيسية، لكنها تتعرض لارتفاع ملحوظ في التكاليف. كما أعلنت مجموعة «دي إتش إل» الألمانية أنها مؤمّنة من حيث إمدادات الوقود لعمليات الشحن في أوروبا حتى يونيو، بينما تبقى التوقعات في آسيا أقل وضوحاً.

وأكد المسؤول الأوروبي أن المفوضية تسعى إلى تسريع تطوير وقود الطيران المستدام والوقود الاصطناعي، بهدف تقليل الاعتماد على الواردات، خصوصاً من الشرق الأوسط. إلا أن الاتحاد الدولي للنقل الجوي (إياتا) كان قد حذر من أن إنتاج الوقود المستدام لا يزال دون المستويات المطلوبة لتحقيق أهداف التحول الأخضر، مشيراً إلى أن تكلفته قد تصل إلى خمسة أضعاف الوقود التقليدي.

وتسمح قواعد الاتحاد الأوروبي المتعلقة بمكافحة «التزود بالوقود الزائد» باستثناءات في حالات النقص المحتمل، على أن يتم توضيح الإطار التنظيمي بشكل أدق يوم الأربعاء.

كما تدرس المفوضية الأوروبية خيار تنويع مصادر الاستيراد، بما في ذلك وقود الطائرات الأميركي (جيت إيه) الذي يتميز بدرجة تجمد أعلى من المعيار الأوروبي.

وختم تزيتزيكوستاس بالقول: «لا حاجة في هذه المرحلة إلى أي إجراءات تمس حياة المواطنين أو حركة السفر والعمل. أوروبا مستعدة لاستقبال السياح والضيوف خلال موسم الصيف». وأضاف أن ارتفاع أسعار الوقود لا يبرر التراجع عن حقوق تعويض الركاب في حالات التأخير أو الإلغاء.