مستقبل بريطانيا الاقتصادي في 2017 لا يزال رهينة الغموض

دعوات لمزيد من «الشفافية» تعرقلها مصاعب ومخاوف لا تتوقف

مستقبل بريطانيا الاقتصادي في 2017 لا يزال رهينة الغموض
TT

مستقبل بريطانيا الاقتصادي في 2017 لا يزال رهينة الغموض

مستقبل بريطانيا الاقتصادي في 2017 لا يزال رهينة الغموض

في وقت تشير فيه التقارير الاقتصادية إلى أن الجنيه الإسترليني كان أحد أسوأ العملات أداء منذ مطلع العام الحالي، ما زالت طموحات البريطانيين تتطلع إلى مكاسب «محتملة» عقب تفعيل المادة 50 من اتفاقية لشبونة، التي تطلق عملية الانفصال الفعلي عن الاتحاد الأوروبي، لكن شكوكًا قوية تحيط بتلك الآمال، وبخاصة مع الاضطرابات الاقتصادية الكبرى التي يسعى العالم لمعالجتها خلال العام الجاري.
وفي تقرير صدر مساء أول من أمس، وضعت «سوسيتيه جنرال» الجنيه الإسترليني ضمن أسوأ 3 عملات أداء خلال الأيام العشرة الأولى من العام الحالي، موضحة أنه يقف جنبا إلى جنب مع الليرة التركية والبيزو المكسيكي، حيث تواجه العملات الثلاث ظروفا صعبة للغاية على الصعيد الجيوسياسي، أدت إلى تراجعها الشديد خلال الفترة الماضية، وتصعب من مهمة نهوضها خلال الفترة المقبلة.
وأشارت مجموعة «سوسيتيه جنرال» في مذكرتها البحثية إلى أن الليرة التركية تهاوت إلى مستويات قياسية تأثرا بعدة عوامل، من بينها الهجمات الإرهابية وتدخل الحكومة في السياسات النقدية، بينما يعاني البيزو المكسيكي من مخاوف مستقبلية نابعة من تهديدات «حمائية» يتبناها الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب، فيما يظل الجنيه الإسترليني أسيرا للغموض المحيط بعملية الانفصال عن الاتحاد الأوروبي، وما يبدو من تردد واضح في سياسات رئيسة الوزراء تيريزا ماي؛ أو على أقل تقدير عدم وضوح أجندتها النهائية بصدد إجراءات الانفصال.
وخسرت العملة البريطانية نحو 1.32 في المائة من قيمتها أمام الدولار منذ بداية العام، وكانت أبرز الخسائر عقب تصريحات ماي حول «خروج صعب من الاتحاد الأوروبي»، رغم قوة النشاط الاقتصادي.

* {المركزي} يسعى للتهدئة
ورغم تلك المخاوف، فإن بنك إنجلترا (المركزي البريطاني) يحاول أن يهدئ من حالة الارتباك التي تعتري مجتمع الأعمال البريطاني على وجه الخصوص، والعالمي على وجه العموم.
ويوم الخميس الماضي، رفع البنك من توقعاته تجاه وضع الاقتصاد البريطاني، وقال محافظه مارك كارني، إن الإجراءات الاقتصادية التي اتخذها البنك لمنع انهيار الوضع الاقتصادي لبريطانيا، كانت السبب في رفع سقف التوقعات حول وضع الاقتصاد البريطاني.
ودعا كارني الحكومة إلى التمسك بتنفيذ خطة الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، مؤكدًا أن الخروج من الاتحاد يمثل خطرًا أكبر على بقية الدول الأعضاء بالاتحاد الأوروبي، أكثر من بريطانيا، وأن بعض الشعوب الأوروبية تعتمد بشكل كبير على العاصمة لندن لاحتياجاتهم المالية؛ وستواجه مشكلات اقتصادية كبيرة بعد أن تتمركز البنوك الدولية في لندن، ولا تعود قادرة على الحصول على سهولة الوصول إلى البلدان والشركات الأوروبية، وستتحول أنظار العالم إلى نقطة التوازن الاقتصادي الجديدة في أوروبا، وهي بريطانيا.
وأشار كارني إلى أن المعلومات الواردة في التقرير الاقتصادي للبنك، والذي سيصدر الشهر المقبل، وستتم مناقشته في اجتماع مجلس الإدارة المقبل، ستكون متسقة تمامًا مع التوقعات التي يراها البنك حيال الوضع الاقتصادي البريطاني، معترفًا بأن اقتصاد بريطانيا تمكن من تحدي تنبؤات المركزي السابقة «القاتمة»، وحقق نموًا أسرع من المتوقع.
* مطالبات بالشفافية... وعراقيل جديدة
لكن تطلعات المركزي البريطاني ترتبط ارتباطا وثيقا بسلوك الحكومة البريطانية طريقا «أكثر شفافية» خلال المرحلة المقبلة، وذلك وفقا للمتطلبات الداخلية في المملكة المتحدة، وكذلك خارجها.
وبالأمس، قالت اللجنة البرلمانية البريطانية لخروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي، إنها تأمل أن تنشر الحكومة البريطانية قبل منتصف فبراير (شباط) المقبل «كتابا أبيض» يتضمن خطتها المفصلة للخروج من الاتحاد الأوروبي.
وقالت اللجنة إن البرلمان البريطاني يجب أن يبلّغ بذلك «قبل وقت كاف من بدء الإجراءات». وكتبت في تقرير مرحلي حول بريكست: «نأمل أن نرى هذه الخطة في منتصف فبراير 2017 على أبعد حد».
ورحب ناطق باسم الحكومة بالتقرير، مؤكدا أن الحكومة «تنوي تقديم خطتها، بشرط ألا تضر موقف المملكة المتحدة في المفاوضات، بحلول نهاية مارس (آذار)»، وهو الموعد الذي حددته ماي لتفعيل المادة 50 من معاهدة لشبونة.
وقالت اللجنة البرلمانية إنها تأمل، نظرا «للأهمية الكبرى لعملية إطلاق بريكست»، أن «تنشر هذه الخطط بشكل كتاب أبيض»، مشيرة إلى أنه يتضمن بين القضايا «موقف» الحكومة من البقاء في السوق المشتركة أو الانسحاب منها، وهي واحدة من المسائل الأساسية في عملية خروج بريطانيا من التكتل الأوروبي.
ويمكن أن تقدم ماي مزيدا من التفاصيل، يوم الثلاثاء، في خطاب حول بريكست، بعدما رفضت طويلا كشف استراتيجيتها، مما أثار انتقادات واسعة. وتطلب اللجنة البرلمانية في تقريرها أيضا من الحكومة، العمل على تأمين دخول متواصل لقطاع المال البريطاني إلى الأسواق الأوروبية، إما بالإبقاء على جوازات السفر المالية، أو بسلسلة من الحقوق المتبادلة مع دول الاتحاد الأوروبي.
وتدعو اللجنة الحكومة إلى التفاوض حول «مرحلة تكيف» بدلا من «قطيعة فورية» مع الاتحاد الأوروبي، في حال تغير شروط دخول الشركات البريطانية إلى السوق الأوروبية. وقال رئيس اللجنة هيلاري بن في بيان: «أيا يكن الاتفاق الذي سيبرم، يجب أن يمنح البرلمان إمكانية التصويت بشأنه».

* معضلة آيرلندا
لكن في ذات الوقت الذي يأمل الجميع فيه أن تسير الأمور إلى الأمام، فإن تشككا جديدا ظهر في الأفق، حيث أشارت صحيفة «الإندبندنت» البريطانية، أول من أمس، إلى أنه من الممكن أن يتأخر بدء بريطانيا في العمل بموجب المادة 50، بسبب انتخابات اللجنة التشريعية لآيرلندا الشمالية.
ومن المقرر أن تنتخب الجمعية التشريعية الآيرلندية خلال شهرين، ويُضاف إلى هذه المدة فترة أخرى حتى مناقشة الجمعية لتفاصيل الخروج من الاتحاد الأوروبي والاستعدادات لمفاوضات الانفصال.
وحال بدء الحكومة البريطانية في إجراءات المفاوضات قبل انتخاب الجمعية التشريعية، يمكن للجمعية الطعن في قانونية الإجراءات. وهي أمور تزيد من حالة الإرباك وعدم اليقين حيال الانفصال، ما قد يولد ضغوطا على الإسترليني مقابل العملات الرئيسية.

* مخاوف على «الجانب الآخر»
وعلى الجانب الآخر من أوروبا، تبدو القارة الأوروبية متخوفة بدورها من تبعات الانفصال، وتبدو أصواتها مشتتة بين دعوات للإسراع في تفعيله، أو التروي في اتخاذ القرارات لدراسة آثارها المحتملة على الجانبين.
ودعا الفرنسي ميشال بارنييه، كبير مفاوضي الاتحاد الأوروبي، إلى ضرورة إبرام «اتفاق خاص» مع القطاع المالي البريطاني، من شأنه أن يبقي سوق المال اللندني مفتوحة أمام شركات ودول الاتحاد الأخرى، بعد خروج المملكة المتحدة من التكتل الأوروبي.
وقال بارنييه لأعضاء في البرلمان الأوروبي، يوم الجمعة، إنه يريد التأكد من أن مصارف وشركات وحكومات الدول الـ27 الأخرى في الاتحاد، ستبقى قادرة على دخول سوق المال في لندن بعد خروج المملكة المتحدة من الاتحاد، بحسب ما نقلته عنه صحيفة «الغارديان» البريطانية.
ويعتبر القادة الأوروبيون أن القطاع المالي اللندني قد يشكل «نقطة ضعف» في المفاوضات مع البريطانيين الذين سيدافعون بقوة عن قطاع المال، وعن إبقاء المبادلات عبر الحدود مع القارة.
وقال بارنييه للبرلمانيين الأوروبيين: «سيكون لدينا عمل محدد جدا في هذا المجال». وأضاف: «ستكون هناك علاقة خاصة أو محددة بدقة»، مؤكدا ضرورة «العمل خارج إطار المفاوضات، من أجل تجنب الاضطراب المالي».
* الخيار الأخير «المحفوف بالمصاعب»
ووسط كل تلك المخاوف، يتبقى لدى معسكر الانفصال البريطاني عن الاتحاد الأوروبي طوق نجاة أخير، وهو ما يتمثل في عودة بريطانيا إلى عباءة «منظمة التجارة الدولية» كعضو مستقل؛ وهو الأمر الذي نادى به هذا المعسكر طويلا قبل التصويت على الانفصال، مشددين على منافعه.
ونشرت صحيفة «ذي إيكونوميست» الاقتصادية البريطانية، دراسة حول الأمر قبل يومين، موضحة أن «أنصار الخروج من الاتحاد يعتقدون أن بريطانيا سوف تصبح نجمة لامعة في منظمة التجارة الدولية، وقادرة على إبرام اتفاقات وصفقات تجارية في شتى أنحاء العالم، وإضافة إلى ذلك فإن تقرير نمو الصادرات الصينية اللافت، بعد انضمام بكين في عام 2001، يشهد على صحة هذه النظرة».
لكن الصحيفة أبرزت أن هناك عقبة محيرة تقف أمام بريطانيا، والتي هي عضو بالمنظمة لكنها تعمل من خلال الاتحاد الأوروبي، ولكي تصبح عضوًا كاملاً مستقلاً فهي في حاجة إلى طرح «برامجها» الخاصة، والتحدث إلى المنظمة حول قوائم التعريفة والحصص التي تطبق على منتجات الدول الأخرى.
ويقول ألان ونترز، من جامعة «ساسيكس» البريطانية، إن «من الصعوبة بمكان، من الناحية النظرية، أن تحصل بريطانيا على جداولها الخاصة، كما أن أي تغيير سوف يتطلب قبول الأعضاء الآخرين، ولكن استخدام الإجراء التعديلي سوف يسمح للحكومة ببساطة برفع كلمة الاتحاد الأوروبي، ووضع كلمة بريطانيا، بدلاً من ذلك، على رأس الصفحة».
كما يؤكد التقرير أن «التغييرات الأكبر»، مثل زيادة التعريفة على بضائع معينة، قد تتطلب تعديلات أكثر طموحًا ومفاوضات مستفيضة بقدر أكبر كثيرًا، وسوف يكون المسار الأكثر بساطة عندئذ أن تحتفظ بريطانيا بجداولها كما هي في ظل الاتحاد الأوروبي، والتي يتم تطبيقها من قبل الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي على الاستيراد من دول ثالثة. وقد ألمحت الحكومة إلى هذا الجانب في الآونة الأخيرة؛ ومن شأن هذا تفادي «الخلاف الدبلوماسي»، ولكن إعادة تبني الالتزامات التي وافق عليها الاتحاد الأوروبي لا تبدو مثل مجرد «استعادة السيطرة»؛ لأن هذا سوف يفضي إلى مشكلات أخرى.



تحركات دولية عاجلة لاحتواء أزمة النفط من زيادة المعروض إلى إدارة الاستهلاك

جانب من حقل بارس الجنوبي على الساحل الغربي لإيران في الخليج العربي (أ.ف.ب)
جانب من حقل بارس الجنوبي على الساحل الغربي لإيران في الخليج العربي (أ.ف.ب)
TT

تحركات دولية عاجلة لاحتواء أزمة النفط من زيادة المعروض إلى إدارة الاستهلاك

جانب من حقل بارس الجنوبي على الساحل الغربي لإيران في الخليج العربي (أ.ف.ب)
جانب من حقل بارس الجنوبي على الساحل الغربي لإيران في الخليج العربي (أ.ف.ب)

تسارعت التحركات الدولية لاحتواء تداعيات أزمة الطاقة العالمية مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، حيث تقود الولايات المتحدة وحلفاؤها جهوداً مزدوجة لزيادة الإمدادات وضبط الأسعار، بالتوازي مع مبادرات من وكالة الطاقة الدولية لإدارة الطلب. وفي خضم هذه التحركات، دخلت الصين على خط الأزمة، داعيةً إلى ضمان استقرار تدفقات النفط، في مؤشر على اتساع دائرة القلق العالمي من تداعيات الصدمة الحالية. وفي صدارة المشهد، برزت التحركات الأميركية بوصفها عاملاً رئيسياً في محاولة تهدئة الأسواق؛ فقد أعلنت واشنطن أنها تدرس رفع العقوبات عن شحنات النفط الإيراني العالقة في البحر، إلى جانب إمكانية الإفراج عن كميات إضافية من الاحتياطي الاستراتيجي، في خطوة تهدف إلى تعزيز المعروض وكبح جماح الأسعار. كما أشارت بيانات حديثة إلى احتمال زيادة الإنتاج الأميركي، خصوصاً مع إعادة تشغيل آبار متوقفة في ولاية داكوتا الشمالية، ما يعزز الإمدادات على المدى القريب. وترافقت هذه الجهود مع تحرك دبلوماسي واسع؛ إذ أعلنت دول أوروبية كبرى إلى جانب اليابان استعدادها للمساهمة في تأمين الملاحة عبر مضيق هرمز، الشريان الحيوي الذي يمر عبره نحو 20 في المائة من إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال عالمياً.

كما كشفت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن مساعٍ لاحتواء التصعيد، حيث طلب من إسرائيل تجنُّب استهداف البنية التحتية للطاقة الإيرانية، في محاولة لتقليل مخاطر تفاقم الأزمة.

علاوة الحرب

هذه التحركات انعكست سريعاً على الأسواق، حيث تراجعت أسعار النفط في تعاملات الجمعة، مع انخفاض خام برنت إلى نحو 108.26 دولار للبرميل، وخام غرب تكساس الوسيط إلى 95.27 دولار، بعد أن فقدت الأسعار جزءاً من «علاوة الحرب»، مع تنامي الآمال بتهدئة التوترات. ومع ذلك، لا تزال الأسعار مرتفعة؛ إذ يتجه برنت لتحقيق مكاسب أسبوعية تقارب 5 في المائة؛ ما يعكس استمرار حالة عدم اليقين في السوق.

إجراءات غير مسبوقة

وفي موازاة ذلك، تقود وكالة الطاقة الدولية مساراً مكملاً يركز على جانب الطلب، في تحول لافت في إدارة أزمات الطاقة؛ فبعد قرارها ضخ 400 مليون برميل من الاحتياطيات الاستراتيجية، وهو الأكبر في تاريخها، طرحت الوكالة مجموعة إجراءات عملية لتخفيف الضغط على المستهلكين، تشمل العمل من المنزل، وتقليل السرعات على الطرق، وتجنب السفر الجوي عندما تتوفر بدائل. ويعكس هذا التوجه إدراكاً متزايداً بأن معالجة الأزمة لا يمكن أن تعتمد على زيادة المعروض فقط، بل تتطلب أيضاً إدارة الاستهلاك بشكل مباشر.

وأكد المدير التنفيذي للوكالة، فاتح بيرول، أن هذه الإجراءات تمثل أدوات «فورية وملموسة» يمكن أن تحد من أثر ارتفاع الأسعار، في وقت تتزايد فيه المخاوف من انتقال صدمة الطاقة إلى معدلات التضخم العالمية.

غير أن فعالية هذه الإجراءات تبقى مرتبطة بتطورات الوضع الأمني، خصوصاً في مضيق هرمز. فحتى مع التوصل إلى ترتيبات لتأمين الملاحة، يشير محللون إلى أن استعادة سلاسل الإمداد بشكل كامل قد تستغرق وقتاً، ما يعني استمرار تقلب الأسعار في المدى القريب.

ناقلة نفطية صينية قرب ميناء في هونغ كونغ (رويترز)

وفي هذا السياق، برز الموقف الصيني بوصفه عنصراً مهماً في معادلة التوازن العالمي؛ فقد دعت بكين جميع الأطراف إلى ضمان استقرار إمدادات النفط وتدفقها دون عوائق، في رسالة تعكس قلقها من تأثيرات الأزمة على اقتصادها الذي يعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة.

وتكتسب هذه الدعوة أهمية إضافية، في ضوء بيانات حديثة، أظهرت أن واردات الصين من النفط الروسي سجلت مستوى قياسياً خلال أول شهرين من العام، إذ بلغت نحو 21.8 مليون طن، بما يعادل 2.7 مليون برميل يومياً، بزيادة 41 في المائة على أساس سنوي. ويشير ذلك إلى أن بكين تسعى إلى تنويع مصادرها وتعزيز شراكاتها مع موسكو لتأمين احتياجاتها في ظل التقلبات الجيوسياسية.

وفي المقابل، تراجعت واردات الصين من بعض المصادر الأخرى، مثل ماليزيا، ما يعكس إعادة تشكيل تدريجية لخريطة تدفقات الطاقة العالمية. كما أن غياب واردات معلنة من إيران في البيانات الرسمية يسلط الضوء على تعقيدات المشهد المرتبط بالعقوبات والتجارة غير المباشرة.

ومن زاوية الأعمال، تفرض هذه التطورات تحديات كبيرة على الشركات، خاصة في قطاعات النقل والصناعة. فارتفاع الأسعار وتذبذبها يزيدان من تكاليف التشغيل، بينما تخلق المخاطر الأمنية في الممرات البحرية حالة من عدم اليقين في سلاسل الإمداد.

وفي الوقت ذاته، قد تفتح الأزمة فرصاً في مجالات كفاءة الطاقة والتكنولوجيا، مع توجه الشركات إلى تقليل استهلاكها والاعتماد على حلول أكثر مرونة. وتكشف أزمة النفط الحالية عن تحولات عميقة في طريقة تعامل العالم مع صدمات الطاقة، حيث تتداخل الأدوات الدبلوماسية والاقتصادية وإدارة الطلب في محاولة لاحتواء التداعيات. وبين تحركات الولايات المتحدة وحلفائها، ومبادرات وكالة الطاقة الدولية، ودعوات الصين للاستقرار، يبقى مستقبل السوق مرهوناً بسرعة تهدئة التوترات في الشرق الأوسط. وحتى ذلك الحين، ستظل الأسواق العالمية في حالة ترقب، فيما تسعى الحكومات إلى تحقيق توازن دقيق بين استقرار الأسعار واستمرار النمو الاقتصادي.


«غولدمان ساكس»: النفط قد يبقى فوق 100 دولار حتى 2027

صورة قمر صناعي التقطتها وكالة ناسا لمضيق هرمز (د.ب.أ)
صورة قمر صناعي التقطتها وكالة ناسا لمضيق هرمز (د.ب.أ)
TT

«غولدمان ساكس»: النفط قد يبقى فوق 100 دولار حتى 2027

صورة قمر صناعي التقطتها وكالة ناسا لمضيق هرمز (د.ب.أ)
صورة قمر صناعي التقطتها وكالة ناسا لمضيق هرمز (د.ب.أ)

قال بنك «غولدمان ساكس» إن أسعار النفط مرشحة للبقاء فوق مستوى 100 دولار للبرميل لفترة مطولة قد تمتد حتى عام 2027.

وأوضح أن استمرار تعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز، وتضرر البنية التحتية للطاقة جراء الحرب الإيرانية، يضعان السوق أمام مخاطر صعودية حادة قد تدفع خام برنت لتجاوز مستواه القياسي التاريخي المسجل في عام 2008، إذا ما استمرت الانقطاعات في الضغط على مخزونات الطاقة العالمية.

يرى البنك أن «صدمة هرمز» الحالية وحالة عدم اليقين المحيطة بتوقيت إعادة فتح المضيق ستلقي بظلالها على الأسواق لسنوات. وبالاستناد إلى أكبر خمس صدمات عرض شهدها العالم في الـ50 عاماً الماضية، يقدر «غولدمان ساكس» أن تضرر البنية التحتية ونقص الاستثمارات قد يؤديان إلى انخفاض الإنتاج، مما يعني أن العجز في المعروض لن يكون عابراً بل سيستمر عامل ضغط أساسي على الأسعار حتى نهاية 2027.

من المتوقع أن تؤدي المخاطر الجيوسياسية المستمرة إلى تغيير استراتيجيات الطاقة العالمية؛ حيث يرجح التقرير أن تبدأ الدول في تسريع بناء مخزوناتها الاستراتيجية (SPR) بوتيرة أسرع بدءاً من عام 2027. هذا التوجه نحو التأمين الذاتي للطاقة سيزيد من مستويات الطلب في السوق، مما يضيف زخماً إضافياً لبقاء الأسعار عند مستويات مرتفعة، تعويضاً عن الانخفاض المتوقع في الاحتياطات بنهاية عام 2026.


قفزة بـ16 % لواردات الصين من زيت الوقود وسط حصار «هرمز»

مضخات نفط مع غروب الشمس في حقل «داتشينغ» النفطي بمقاطعة هيلونغجيانغ (رويترز)
مضخات نفط مع غروب الشمس في حقل «داتشينغ» النفطي بمقاطعة هيلونغجيانغ (رويترز)
TT

قفزة بـ16 % لواردات الصين من زيت الوقود وسط حصار «هرمز»

مضخات نفط مع غروب الشمس في حقل «داتشينغ» النفطي بمقاطعة هيلونغجيانغ (رويترز)
مضخات نفط مع غروب الشمس في حقل «داتشينغ» النفطي بمقاطعة هيلونغجيانغ (رويترز)

أظهرت بيانات رسمية من الإدارة العامة للجمارك الصينية ارتفاعاً ملحوظاً في واردات البلاد من زيت الوقود خلال شهري يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) الماضيين بنسبة 15.9 في المائة، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. وبلغ إجمالي حجم الواردات 4.45 مليون طن متري، أي نحو 478 ألف برميل يومياً.

توقعت مصادر تجارية استمرار قوة تدفقات زيت الوقود نحو الصين خلال شهر مارس (آذار) الحالي، خصوصاً بالنسبة إلى الشحنات الروسية عالية الكبريت، وفق «رويترز». ويعود هذا التوجه إلى سعي المصافي الصينية إلى تأمين «لقيم بديل» لمواجهة النقص الناتج عن تقلص صادرات النفط من الشرق الأوسط، في ظل استمرار إغلاق مضيق هرمز.

في المقابل، سجلت صادرات الصين من زيت الوقود المستخدم غالباً للسفن انخفاضاً بنسبة 8.4 في المائة لتصل إلى 2.75 مليون طن. ومع ذلك، شهدت الموانئ الصينية في شهر مارس الحالي انتعاشاً في الطلب على التزود بالوقود؛ حيث لجأ بعض شركات الشحن إلى الموانئ الصينية بحثاً عن أسعار أقل من نظيرتها في سنغافورة، وذلك بعد أن أدت الحرب الأميركية والإسرائيلية على إيران إلى قفزة هائلة في أسعار وقود السفن عالمياً.

وعلى الرغم من إصدار الصين قراراً بحظر فوري على تصدير الوقود المكرر خلال مارس؛ في إجراء استباقي لمنع أي نقص محلي محتمل، فإن مصادر في الصناعة أكدت أن هذا الحظر لا ينطبق على عمليات تزويد السفن بالوقود في الموانئ؛ مما يضمن استمرار هذا النشاط الحيوي.