كابل... انفتاح على العالم الخارجي والتصدي للتطرف بعد إطاحة الفكر المتشدد

في جولة لـ «الشرق الأوسط» بالعاصمة: مظاهر اجتماعية متقدمة والطرب حاضر في المطاعم

منظر عام للعاصمة الأفغانية كابل (رويترز)
منظر عام للعاصمة الأفغانية كابل (رويترز)
TT

كابل... انفتاح على العالم الخارجي والتصدي للتطرف بعد إطاحة الفكر المتشدد

منظر عام للعاصمة الأفغانية كابل (رويترز)
منظر عام للعاصمة الأفغانية كابل (رويترز)

على الرغم من انخفاض درجة الحرارة ما دون الصفر، يقف رجال الأمن الأفغان من مختلف القطاعات، مدججين بالسلاح أمام عدد من المباني الأمنية والحكومية والتجارية، وكذلك المصارف البنكية، لحماية أفغانستان من الإرهاب الخارجي، وذلك بعد سنوات من إطاحة حركة طالبان الإسلامية المتشددة من الحكم في أفغانستان، أصبحت كابل أكثر انفتاحًا على العالم الخارجي، وانتشرت الكثير من المظاهر الاجتماعية المتقدمة، في العمل والتعليم، بعيدًا عن التطرف، بين المجتمع المحافظ، وأصبح الطرب حاضرًا في زوايا بعض المطاعم العاصمة الأفغانية، إضافة إلى محال تعنى ببيع وصيانة بعض الآلات الموسيقية.
أكدت الدكتورة نسرين أوريا خيل، وزيرة العمل، الشؤون الاجتماعية الأفغانية، أن هناك تنسيقًا يجري بين البلدين بشأن المواطنين الذين يذهبون للعمل في السعودية؛ ولذلك لجهة التخصص المطلوب وسلامة السجل من السوابق الأمنية الخطيرة.
وأضافت أن عدد العمالة الأفغانية في السعودية يزيد على 600 ألف شخص، لافتة إلى أن غالبيتهم يعملون بشكل نظامي، في حين يجري تصحيح أوضاع الباقين ومنحهم جوازات، وهذه كانت من أولويات الرئيس التنفيذي الدكتور عبد الله عبد الله، حين زار السعودية مؤخرًا.
وقالت «نلمس قلة الجرائم أو المشكلات التي يتورط فيها الأفغان في دول الخليج، وبعد تصحيح أوضاع المخالفين ستقل المشكلات أكثر».
وأشارت إلى أن الوضع الأمني في أفغانستان جعل الوضع الاقتصادي ضعيفا والبطالة تزيد؛ ولذلك يغادر بعض أبناء البلاد للبحث عن عمل في دول كثيرة، من بينها الخليج العربي، ويتجه غالبيهم إلى السعودية التي تفتح أبوابها لاستقبالهم، كما أن بعض المواطنين الأفغان يضطرون إلى الهجرة إلى دول أوروبية عبر البحار.
ولفتت إلى أن الحكومة الأفغانية تجتهد لتطوير قدرات أبنائها قبل سفرهم إلى دول أخرى للعمل؛ إذ يوجد شركات تعمل في أنحاء البلاد، ولها مندوبون موجودون في دول عدة، من بينها دول الخليج العربي، وغيرها من الدول الأخرى، للتنسيق حول المهن التي تحتاج إليها تلك البلاد واستخراج التأشيرات وتسهيل أمور سفر المواطنين الأفغان إليها.
وتطرقت إلى وجود حركة معاكسة من العمال الأفغان الذين يعملون في باكستان؛ إذ بدأوا يعودون إلى أفغانستان، موضحًا أن نسبة البطالة بين العمال الأفغان كانت 22.2 في المائة عام 2014. وبعد ذلك زاد العدد، ربما إلى 40 في المائة؛ وذلك لأنه في الأعوام السابقة كان يوجد شركات وقوات لدول أخرى في أفغانستان، وكان المواطنون الأفغان يشتغلون معهم، لكن بعد خروجهم، ارتفعت البطالة وزاد الضغط على الدولة.
وتابعت: «الدولة كذلك ليس في يدها شيء كثير كي تقدمه لجميع العمال الآن، لكن بعد ثلاثة أعوام نتوقع أن ينقص هذا العدد؛ لأنّا بدأنا العمل على الموضوعات الكبيرة، مثل خط القطار وغيره من المشروعات التي يمكن أن تحسن وضع العمل».

35 جامعة حكومية في أفغانستان و300 ألف طالب جامعي
أوضح الدكتورة فريدة مومند، وزيرة التعليم العالي في أفغانستان، أن وضع التعليم في البلاد يتطور بشكل مضطرد في الفترة الأخيرة، خصوصًا التعليم العالي، سواء بالنسبة لجذب الطلبة للجامعات، أو لجلب الأكاديميين والأساتذة، وأن هناك حاليًا 170 ألف طالب يدرسون في الجامعات الحكومية، و130 ألف طالب في الجامعات الخاصة غير الحكومية، موزعون على 35 جامعة حكومية، إضافة إلى 127 جامعة خاصة على مستوى البلد، مشيرة إلى أن الجامعات الخاصة تحت سقف وزارة التعليم العالي.
وأكدت، أن الازدياد الملاحظ في عدد الطلبة، وازدياد الجامعات الخاصة، خصوصًا الجامعات الخاصة، وازدياد الجامعات الحكومية كان بناء على تحسن الأوضاع في أفغانستان؛ إذ إن كثيرًا من الطلبة الذين كانوا محرومين من التعليم دخلوا إلى ساحة التعليم، وازداد عدد الطلبة بشكل ملحوظ.
وتطرقت إلى ما شهدته أفغانستان من حروب، أثّر على توفر حملة الدرجات العليا من الماجستير والدكتوراه؛ ولذلك فإن الوزارة عملت على برنامج ابتعاث لحملة البكالوريوس للحصول على درجات الماجستير والدكتوراه، ليعودوا إلى خدمة أبناء الوطن.
وذكرت أن الوزارة تعمل على زيادة عدد الطلبة، لكن عقبات تواجهها في هذا المجال، مثل المباني الموجودة التي لا تتسع لعدد أكبر من هؤلاء الطلبة، وخصوصًا في المحافظات البعيدة؛ ما يضطر الحكومة إلى استئجار مبان، إضافة إلى نقص المكتبات، كما أن الحرب أثرت في تطور النظام التعليمي. وتابعت: «في كثير من الأوقات كنا ندرس للطلبة نظاما غير متطور، بسبب فرار عدد كبير من الأفغان، ومنهم المتخصصون وأساتذة الجامعات».
وأكدت عدم وجود تدخل لدول خارجية في المناهج الدراسية الأفغانية، لوجود إجراءات مشددة في هذا الخصوص سواء في الجامعات الحكومية أو في الجامعات غير الحكومية، مشيرة إلى وجود تعاون مع دول لتجديد وتطوير النظام التعليمي، ومنها ألمانيا واستونيا.

العلاقات مع السعودية
وأكدت الدكتورة فريدة مومند، وزيرة التعليم العالي في أفغانستان، أن مباحثات جرت بين مسؤولين أفغان وسعوديين كان من ثمرتها توقيع مذكرة تفاهم بين وزارتي التعليم في البلدين للتعاون الثنائي في المجال العلمي وفي المجال الثقافي، إضافة إلى اتفاقية لابتعاث الطلبة الأفغان إلى الجامعات السعودية.
وشددت مومند على أن بلادها لا تخشى من محاولة تغلغل أي دولة عبر المناهج التعليمية، موضحًا أن أي دعم من أي دولة لا يمكن أن يفرض أجندة تلك الدولة على النظام التعليمي في أفغانستان. وتابعت: «أفغانستان دولة مستقلة ولا تسمح لأي دولة أو أي جهة أجنبية تتدخل في الشؤون الأفغانية، والدولة قادرة على ذلك ولا نقبل مساعدات مشروطة من أي جهة».
وذكر أن الحكومة الإيرانية قدَّمت بعض الكتب لجامعات أفغانستان، وقبل أن تصل تلك الكتب للجامعات جرى فحصها؛ حتى لا يكون فيها شيء مخالف لقيم وعادات وتقاليد المجتمع، وتبين أن هذه الكتب علمية بحتة، وليس لها أي علاقة بالمسائل الأخرى، وجرى توزيع الكتب على جامعات.
أيام في كابل
وفي وسط العاصمة كابل، خلال جولة لـ«الشرق الأوسط»، أصبح التشديد الأمني من قبل الأمن الأفغاني، وكذلك الحراسات الشخصية لبعض المسؤولين في الحكومة، أو كانوا سابقًا وخرجوا منها، أصبح جزءا مهما من النسيج الاجتماعي في العاصمة كابل؛ إذ كما هو المعتاد في الجهات الأمنية والحكومية، يكون هناك حراسات أمنية، لكن طالت الحراسات الأمنية من الحكومة، ووصلت إلى المصارف البنكية والفنادق ومحال الأغذية العائلية (سوبر ماركت)، حيث أصبح سلاح الكلاشنيكوف متواجدا أمام كل موقع مهم، وصافرة رجل الأمن تصدح في دوارات بوسط كابل، لتنظيم حركة السير.
وتكون التنقلات داخل المدينة، لبعض المسؤولين، أو الشخصيات ذات القيمة الاجتماعية، عبر سيارات مصفحة، يرافقهم أشخاص مسلحون، وسائقون يحملون تصاريح مع جهات أمنية، تمنحهم التسهيلات مع نقاط التفتيش، وسلك بعض الطرقات المختصرة التي تقطع كابل من الوسط، وتجعلك تصل إلى بعض الجهات الحكومية والأمنية والسفارات الدول، خلال فترة دقائق.
وبدأت الحياة الاجتماعية للانفتاح أكثر بعيدًا عن مظاهر التشدد، الذي صوّرت بعض المجتمعات صورة غير صحيحة عن المجتمع الأفغاني؛ إذ بدأ مظاهر البساطة بين الشعب من الجنسين، في مشاغل الحياة اليومية، حيث يرتدي الرجل الأفغاني البدلة الرسمية، وربطة العنق، دون الالتزام بالزي الرسمي للدولة، وهو عبارة عن قميص طويل إلى الركبة، وسروال فضفاض، بينما تسير المرأة بالطرقات وترتدي معظمهن الحجاب، ويجتمعن مع الرجال في بعض الأعمال التي تتطلب وجودهن معًا، مثلاً في المطار.
وتناغم صوت الفن، وأصبح حاضرًا في معظم المطاعم، من خلال تواجد فرقة موسيقية في أركان المطعم، أو عبر المكبرات، بصوت منخفض، لأغاني أشهر الفنانين هناك، وهو المغني والشاعر أحمد ظاهر، الذي توفي في حادث دهس في 1979، إضافة إلى تواجد في أحد أركان المطعم، خدمة لبعض مرتادي النرجيلة ذات النكهات المختلفة، وأحيان يقدم التبغ المعسل، في فخار وقيمته 10.5 دولار، أو داخل فاكهة التفاح أو الأناناس بقيمة 15 دولارا.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...