«الباب»... المفتوح على ماذا في شمال سوريا؟

TT

«الباب»... المفتوح على ماذا في شمال سوريا؟

تستقطب منطقة الشمال السوري هذه الأيام اهتمام القوى العالمية والإقليمية، وتطرح «خارطتها المستقبلية» علامات استفهام كبيرة بعد إسقاط حلب.
فالمعارك تشتد للسيطرة على مدينة الباب، ورسائل التفجير القاتلة وصلت إلى مدينة أعزاز، والتحالفات الدولية مهدّدة بالتحطم على صخرة المشاريع الفئوية المتقاطعة والمتضاربة المتشرّبة بدماء العداء العرقي والطموح القومي، ولا سيما: «الوطن الكردي» و«المنطقة العازلة» التركية...
أحداث اليوم عادت بي إلى الوراء عدة عقود. عادت بي تحديدًا إلى إحدى المراحل السيئة في الحرب اللبنانية عندما وفد إلى قريتنا الهادئة في جبل زوجان من المثقفين الذين كادت تضيق البلاد بانفتاحهم وتجردّهم عن التعصّب والطائفية. إذ باتوا من المغضوب عليهم في المنطقة حيث يعيشون لأسباب آيديولوجية، فغادروها مجبرين عبر «الخط الأخضر»، لكنهم سرعان ما وجدوا أنفسهم في خطر وجودي حيث لاذوا و... لكن لأسباب دينية طائفية هذه المرة.
من حسن الطالع أنه ظلت هناك واحات قليلة تتسّع للتنوّع في تلك المرحلة منها قريتي. فعاشوا لفترة قصيرة ريثما دبروا أوضاعهم. وإبان فترة وجودهم كانت إحدى السيدتين تنهي أبحاث الدكتوراه في التاريخ، بإشراف زوجها وهو مؤرّخ وأكاديمي مرموق. وكانت الأطروحة التي تعدّها عن تاريخ سوريا السياسي. ومنذ ذلك الحين، ولدى اطلاعي على بعض الوثائق القيّمة التي كانت بحوزتها، شغفت أكثر بالغوص في الأنثروبولوجية السورية. ولا أنسى حينذاك تعرّفي على الساسة والأعيان الذي كانوا يُنتخَبون في مجالس النواب... ومنها دوائر محافظة حلب.
في تلك الحقبة كانت محافظة حلب أكبر مما هي عليه اليوم، وما كانت محافظة إدلب قد فُصلت عنها. ومن ثم، كانت المحافظة تمتد على طول الحدود مع تركيا من عين العرب شرقًا فأعزاز ومنها حتى عفرين غربًا، ثم معرّة النعمان جنوبًا، عبر حارم وكفر تخاريم وإدلب وجسر الشغور.
وكانت خارطة المجلس النيابي في الدوائر الريفية دليلاً بالأسماء لأعيان العائلات والعشائر وشيوخها (مثل آل إبراهيم باشا الملّي في عين العرب وجرابلس، والشيخ دياب الماشي نائب منبج وأقدم برلماني في العالم العربي - خدم في مجلس النواب بين 1954 و2009). أما المدن، وعلى رأسها حلب، فكانت انعكاسًا للحياة المدينية السياسية والاقتصادية المعبَّر عنها في التنافس التقليدي بين حزب الشعب (رشدي الكيخيا وناظم القدسي ومعروف الدواليبي ورشاد برمدا ومصطفى برمدا وأحمد قنبر) وبقايا الحزب الوطني (سعد الله الجابري وعبد الرحمن الكيالي وميخائيل ليان). وكان للمصالح التجارية في المدينتين العريقتين حلب ودمشق دور بارز في الولاءات السياسية - المصلحية للحزبين البورجوازيين الكبيرين. فحلب كانت تقع على الخط التجاري بين بغداد وإسطنبول، وهذا ما أسهم في بلورة مصالحها الاقتصادية ومن ثم السياسية إبان الحرب الباردة و«حلف بغداد» فكان حزب الشعب عمومًا قريبًا من هذا الحلف. وفي المقابل، كانت دمشق القطب المقابل في الجنوب على الخط التجاري بين شبه الجزيرة العربية ومصر، وهذا ما ربط عائلاتها التجارية ومصالحها الاقتصادية بمحوَر الرياض - القاهرة.
عودة إلى الشمال السوري، خلال القرن العشرين تعايشت المكوّنات السكانية في هذه المنطقة، عربية وغير عربية، مسلمة ومسيحية ويهودية، بسلام وهدوء. ما كان هناك تمييز يذكر بين المسيحي الأرثوذكسي والكاثوليكي العربي والمسيحي الأرمني أو السرياني، ولا بين المسلم العربي والكردي والتركماني، أو المسلم السنّي والشيعي والعلوي والإسماعيلي والدرزي. وبناءً عليه، ما كانت واردة إطلاقًا مشاريع التقسيم والتقاسم، بل على العكس، وقف السواد الأعظم من القوى الوطنية السورية ضد سلخ لواء الإسكندرونة (محافظة هطاي التركية اليوم) عن الوطن السوري. وعلى الرغم من التعددية الجميلة في إحدى أغنى بقاع العالم حضارة وأعرقها تاريخًا، كان الجميع يومذاك مقتنعًا بأن ما يجمعهم أهم بكثير مما يفرّقهم.
اليوم، نحن أمام مشهد مختلف تمامًا...
أصلاً تبين أن قسمًا لا بأس به من «حماة الدّيار» الذين تغنّى بهم النشيد الوطني السوري أسهم في دمار تلك الديار وتمزيق نسيجها الوطني. أما الحزب العلماني، ثم العلماني - الاشتراكي، الذي كان لحقبة من تاريخه فوق الطائفية والمذهبية، ومناضلاً من أجل حقوق الفلاحين وتحريرهم من «ظلم» الإقطاع، فغدا غطاءً مهلهلاً لـ«مافيا» احتكارية طائفية وعائلية تستقوي على شعبها ليس بالميليشيات الطائفية المستوردة فحسب، بل بالجيوش الأجنبية أيضًا. أما شعاراته «القومية»، التي كان يفترض أن تشكل عامل جمع وتضامن وطني، فغدت لفرط «شوفينيتها» ونفاقها عامل تنفير للأقليات غير العربية... ما أتاح نمو توجّهات انعزالية وانفصالية مريضة نراها اليوم في غير مكان من الشمال السوري.
وبالتالي، فإن المشهد المرتسم الآن لتوزّع قوى السيطرة الميدانية، الذي تنقله أسبوعيًا وكالات الأنباء، يوحي بأن الأبواب في الشمال السوري - بالذات - مُشرعة على المجهول. ذلك أن واشنطن في عهد الرئيس المودّع باراك أوباما اعتمدت، بذريعة أولوية ضرب «داعش»، بضعة مواقف ثابتة في المحنة السورية، أبرزها: منع قوى المعارضة من الحصول على سلاح نوعي، ورفض إنشاء «مناطق حظر طيران» و«ملاذات آمنة»، والتحالف مع الميليشيات الكردية الانفصالية والمراهنة عليها.
منطقيًا، كان لا بد لهذه المواقف أن تؤدي إلى الضياع المخيف الذي تعيشه سوريا ككل، ويعانيه شمالها خصوصًا. إذ إن النظام وحلفاءه تشجّعوا وانتقلوا إلى الهجوم، بدعم مباشر من إيران ثم روسيا. وتركيا شعرت بالخذلان من قوة عظمى اعتبرتها حليفة وشريكة لها عبر عقود الحرب الباردة. والأكراد وجدوا أن واشنطن وفّرت لهم فرصة تاريخية قد لا تكرّر لتحقيق حلمهم القومي الطموح.
تفجير أعزاز يوم أمس جاء رسالة جديدة إلى أنقرة مكتوبة بالدم، بعد عمليتي إسطنبول وإزمير. وما يحدث من تعثر لعملية «درع الفرات» - المدعومة تركيًا - في مدينة الباب يؤكد حجم التناقض بين مواقف اللاعبين الإقليميين والدوليين في شمال سوريا إزاء: أولاً، الإبقاء على «سوريا المفيدة». وثانيًا، قيام «الوطن الكردي». وثالثًا، ثمن إرضاء الأكراد المطلوب دفعه من «جيب» كل تركيا، ثم إيران، وسط ارتباك عربي يستعصي على الفهم.



من «نكتة سياسية» إلى قرار مصيري... هل حان وقت مغادرة أميركا؟

مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)
مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)
TT

من «نكتة سياسية» إلى قرار مصيري... هل حان وقت مغادرة أميركا؟

مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)
مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)

منذ عودة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، تحوّل سؤال «هل حان وقت المغادرة؟» من نكتة سياسية تُقال بعد كل انتخابات، إلى حديث جاد يتكرر في غرف الأخبار، وعلى منصات التواصل، وحتى في مكاتب الاستشارات الضريبية وشركات الهجرة.

لم يعد سؤال «هل نغادر؟» مجرّد انفعال انتخابي عابر أو تهديد يُطلقه نجوم الشاشة ثم يُطوى. صار السؤال جزءاً من أحاديث يومية في أوساط واسعة: عائلات تُقلّب خرائط مدارس أكثر أمناً وتبحث عن مجتمع أقل توتراً، نساء شابات يقرأن معارك الحقوق والثقافة بوصفها مؤشراً على مستقبل أكثر ضيقاً، أكاديميون يتعاملون مع العلاقة المتدهورة بين الدولة والجامعة باعتبارها اختباراً لاستقلال المعرفة، وأثرياء يتحدثون عن الضرائب والبيئة السياسية بلغة إدارة مخاطر، ويفكرون في «خطة ب» هادئة لا تنفي علاقتهم بالاقتصاد الأميركي، بقدر ما تؤمّن لهم مخرجاً من تقلبات السياسة والضرائب.

في هذا المناخ المتشنّج، تحوّلت «الهجرة المعاكسة» إلى عبارة تختصر مزاجاً أكثر مما تصف حركة سكانية كبرى. فالضجيج كبير، لكن الدقة تقتضي التفريق بين رغبة في الرحيل تُقاس بالاستطلاعات، وبين خطوات قانونية فعلية للحصول على إقامة أو تأشيرة، وبين حقيقة ديمغرافية تُقاس بصافي الهجرة وتدفّقات الداخلين والخارجين. المفارقة أن أهم ما تُظهره الأرقام في العام الأول من الولاية الثانية لا يبدو «نزوحاً أميركياً جماعياً» بقدر ما يبدو تراجعاً في الداخلين إلى الولايات المتحدة، أي في الهجرة إليها، مع آثار اقتصادية وديمغرافية ملموسة.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مؤشراً بيده خلال لقائه عائلات فقدت أفراداً منها في جرائم ارتكبها أشخاص دخلوا البلاد بطريقة غير شرعية (رويترز)

مزاج الرحيل

اللافت في موجة الحديث الأخيرة أنها لم تعد حكراً على فئة واحدة أو سبب واحد. في مرحلة سابقة، كان الانقسام السياسي هو محرك الخطاب: «إذا انتصر خصمي فسأغادر». أما اليوم، فالسردية أكثر تركيباً: الناس لا تتحدث عن الرئيس وحده، بل عن مزيج من الاستقطاب، والإحساس بتراجع «الحد الأدنى من الاتفاق» داخل المجتمع، وارتفاع تكلفة العيش، وتراجع الثقة بالمؤسسات، والقلق من العنف المسلح، وصولاً إلى شعور متزايد لدى بعض الشرائح بأن البلد صار مساحة «مفاوضة يومية» على الحقوق والهوية واللغة. هذا ما يفسر لماذا باتت فكرة الرحيل تخرج من إطار «الرمز السياسي» إلى إطار «الخيار الحياتي».

أحد المؤشرات على ذلك هو نشوء خدمات جديدة تُحوّل القلق إلى خطة. في تقرير لمجلة «فوربس» عن شركة ناشئة تساعد الأميركيين على الانتقال، لا يقدّم الأمر بوصفه موجة هروب جماعية، بل بوصفه صناعة تُرشد الناس إلى مسارات قابلة للتطبيق، وتحديداً نحو بعض البلدان الأوروبية، عبر دعم إداري وقانوني وترتيبات معيشية. الفكرة هنا ليست أن الجميع سيغادر، بل أن عدداً متزايداً يريد أن يعرف: ما الذي يمكن فعله واقعياً؟ وما التكلفة؟ وما المسار القانوني؟

وعلى مستوى المزاج العام، جاءت أرقام «غالوب» لتكسر حاجز «الانطباع». الاستطلاع المنشور في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 أظهر أن نحو واحد من كل خمسة أميركيين يقولون إنهم يرغبون في مغادرة الولايات المتحدة بشكل دائم إذا أتيحت الفرصة، وأن الدفعة الأكبر تأتي من النساء الأصغر سناً: 40 في المائة من النساء بين 15 و44 عاماً عبّرن عن رغبة في الانتقال الدائم إلى الخارج، مقابل 19 في المائة من الرجال في الفئة العمرية نفسها، مع مقارنة لافتة بأن النسبة لدى الشابات كانت أقل بكثير قبل عقد. وتنبّه «غالوب» إلى نقطة منهجية حاسمة: الاستطلاع يقيس «الرغبة» لا «الخطة» ولا «التنفيذ»، لكنه يكشف في الوقت نفسه عن أزمة ثقة عميقة لدى جيل كامل، وعن فجوة جندرية في الرضا عن المسار الأميركي.

هنا يظهر جانب من «الهجرة المعاكسة» لا يحتاج إلى «طائرة»: انسحاب نفسي من فكرة المستقبل الأميركي لدى فئات ترى أن معارك الداخل، على الأمان والحقوق والتعليم، لم تعد هامشية، بل باتت تحدد شكل الحياة اليومية. وهذا الانسحاب النفسي، حتى لو لم يتحول إلى انتقال فعلي لدى الأغلبية، يترك أثراً سياسياً واقتصادياً طويل المدى: من أين يخطط الناس لبناء حياتهم؟ وأين يريدون تربية أطفالهم؟ وأي مجتمع يثقون به؟

مارة يعبرون الطريق في تايمز سكوير بمدينة نيويورك (شاترستوك)

الأرقام الصلبة عن أميركا

حين تُذكر «الهجرة المعاكسة» في النقاش العام، يسهل الانزلاق إلى صورة درامية: أميركيون يرحلون بالملايين. لكن ما تقوله البيانات الأحدث هو أن القصة الديمغرافية الأهم في 2025–2026 ترتبط بانخفاض الهجرة إلى الولايات المتحدة، وتراجع صافي الهجرة الدولية بصورة حادة مقارنة بالعام السابق.

في يناير (كانون الثاني) 2026، نشر مكتب الإحصاء الأميركي تدوينة تحليلية عن تقديرات السكان تُظهر أن صافي الهجرة الدولية بلغ ذروة عند 2.7 مليون في 2024 ثم انخفض إلى 1.3 مليون في 2025، مع توقعات بأن يتراجع أكثر إذا استمرت الاتجاهات. ويضيف مكتب الإحصاء نقطة قد تُستخدم في غير محلها: الانخفاض الكبير نتج من تراجع الهجرة إلى الداخل وارتفاع الهجرة إلى الخارج معاً، لكن ذلك لا يعني تلقائياً «هروب مواطنين» بقدر ما يعكس تغيّرات أوسع في تدفقات السكان، بما فيها تشدد السياسات وتبدل سلوك الهجرة عموماً.

وفي قراءة أكثر تفصيلاً، تشير ورقة محدثة من معهد «بروكينغز» (يناير 2026) إلى أن صافي الهجرة في 2025 كان على الأرجح قريباً من الصفر أو سلبياً للمرة الأولى منذ نصف قرن على الأقل، ضمن نطاق تقديري بين 295 ألفاً و10 آلاف، مع توقعات بأن يبقى ضعيفاً في 2026. الورقة نفسها تعترف بتزايد عدم اليقين بسبب تراجع الشفافية في بعض البيانات، لكنها تؤكد الاتجاه العام: التغيير الأكبر هو في ميزان الداخلين والخارجين ككل، لا في «رحيل الأميركيين» وحده.

أهمية هذا التفصيل أن «الهجرة المعاكسة» تُطرح أحياناً كدليل على تراجع جاذبية أميركا، بينما الأثر الاقتصادي المباشر لتراجع صافي الهجرة يظهر غالباً عبر قنوات أخرى: نقص اليد العاملة في قطاعات محددة، وتباطؤ في نمو السكان في ولايات كبرى، وضغط على النمو والاستهلاك. وفي تحليل نشرته مؤسسة «بارونز» استناداً إلى نمذجة اقتصادية، أشار إلى أن تباطؤ نمو السكان بين 2024 و2025 يمكن أن يرتبط بخسائر اقتصادية كبيرة، مع ربط واضح بين التراجع الحاد في صافي الهجرة الدولية وبين خسارة وظائف وعائدات اقتصادية، حتى مع وجود نقاش بين الباحثين حول حجم الأثر النهائي.

بهذا المعنى، فإن العام الأول من الولاية الثانية لا يمكن اختزاله في «الناس تغادر»، بل في «أميركا تقلل الداخلين»، وهو تحوّل يغيّر تركيبة سوق العمل والجامعات والابتكار، ويعيد رسم علاقة الولايات المتحدة بالعالم ليس فقط عبر التجارة والأمن، بل عبر البشر أنفسهم.

متظاهرون ضد «أيس» بمدينة روتشستر في ولاية نيويورك (غيتي)

الجامعات العريقة في خط النار

إذا كان ملف الضرائب والأمان المجتمعي يُغذي رغبة الرحيل لدى العائلات والأفراد، فإن ملف الجامعات يفتح باباً مختلفاً: باب «هجرة العقول» وتآكل القوة الناعمة. فمنذ الاحتجاجات الواسعة في الجامعات الأميركية على خلفية حرب غزة، اتخذت المواجهة بين الإدارة الفيدرالية وبعض المؤسسات الأكاديمية الكبرى طابعاً أكثر خشونة، امتزج فيه الأمن الجامعي بالتمويل الفيدرالي وبالتحقيقات وبالخطاب السياسي حول «معاداة السامية» وحدود الاحتجاج.

في مارس (آذار) 2025، حذّر المجلس الأميركي للتعليم من قرار إلغاء 400 مليون دولار من منح وعقود فيدرالية لجامعة كولومبيا، واعتبرته سابقة خطرة تقوض الأبحاث وتلتف على العمليات القانونية المعتادة، في إشارة إلى أن التمويل بات يُستخدم كأداة ضغط سياسية يمكن أن تمتد آثارها إلى مجالات علمية وطبية لا علاقة مباشرة لها بالسجال السياسي.

ثم جاء يوليو (تموز) 2025 ليؤكد أن نموذج «العصا والجزرة» ليس نظرياً، حين توصلت جامعة كولومبيا إلى اتفاق مع الحكومة لإعادة التمويل البحثي، تضمن دفع أكثر من 220 مليون دولار، بينما قالت «رويترز» إن البيت الأبيض رأى في الاتفاق نموذجاً يمكن تكراره، في حين حذّر منتقدون من أن ذلك قد يفتح الباب لتدخلات أوسع في الحوكمة الجامعية.

أهمية هذه المعركة في سياق «الهجرة المعاكسة» أنها تمس أحد أعمدة الجاذبية الأميركية التاريخية: الجامعة بوصفها مصنعاً للنخب العالمية وحاضنة للبحث والابتكار. حين تتحول الجامعة إلى ساحة صدام مالي - سياسي، وحين يشعر الأكاديمي أو الطالب أن الحرم الجامعي بات تحت ضغط دائم، يرتفع احتمال التفكير في بيئات أخرى أقل تقلباً، حتى لو لم تكن أكثر بريقاً. وفي حالات كثيرة، لا تكون النتيجة «هجرة فورية»، بل تراجع تدريجي في قدرة الولايات المتحدة على اجتذاب أفضل الباحثين والطلاب الأجانب، وهو ما يلتقي مع ملف التأشيرات والتنافس التكنولوجي.

والأمر لا يقف عند كولومبيا. هذا الشهر رفعت وزارة العدل الأميركية دعوى ضد جامعة «هارفارد» تتهمها بعدم الامتثال لتحقيق فيدرالي بشأن سجلات القبول. وتقول الوزارة إن الدعوى تهدف إلى إجبار الجامعة على تسليم وثائق تتعلق بأي اعتبار للعرق في القبول، من دون اتهامها بتمييز فعلي. وحظيت القضية بتغطية إعلامية واسعة، ما يعكس اتساع نطاق المواجهة إلى ملفات القبول والحوكمة وسياسات التنوع، بالتوازي مع ملفات الاحتجاجات.

هنا يتشكل لدى جزء من الرأي العام الأكاديمي شعور بأن «المعركة» لم تعد حادثاً مرتبطاً بغزة وحدها، بل جزءاً من مواجهة أوسع مع المؤسسات التي تُوصف تقليدياً بأنها «نخبوية». وفي مثل هذه الأجواء، يصبح التفكير في الانتقال أو على الأقل في «تدويل» المسار المهني خياراً عقلانياً لدى بعض الأكاديميين، لا لأن أميركا فقدت ميزاتها العلمية، بل لأن تكلفة عدم اليقين ارتفعت، ولأن السياسة دخلت بحدة إلى التمويل والقبول والحوكمة.

تلامذة ترافقهم الشرطة لدخول مدرستهم بعد حادثة إطلاق نار أودت بحياة زملائهم في ولاية كاليفورنيا (أ.ب)

أوروبا تلتقط حرب التنافس مع الصين

الخط الأكثر حساسية في قصة «الهجرة المعاكسة» لا يتعلق بمن يغادر من الأميركيين، بل بمن لا يأتي إلى الولايات المتحدة، خصوصاً في مجال التعليم العالي والتكنولوجيا. فالتنافس التكنولوجي مع الصين لا يدور حول المصانع وحدها، بل حول المختبرات، والمهارات، والطلاب، والباحثين. وفي هذا السياق، يصبح ملف الطلاب الأجانب جزءاً من «حرب مواهب» عالمية، حيث تسعى الدول إلى اجتذاب العقول أو منع خصومها من الوصول إلى المعرفة.

على مستوى البيانات، أظهر تقرير معهد التعليم الدولي أن إجمالي الطلاب الدوليين في الولايات المتحدة تراجع 1 في المائة في العام الأكاديمي 2025-2026، لكن الأهم كان في «النبض المستقبلي»: انخفاض بنسبة 17 في المائة في أعداد الطلاب الدوليين الجدد. كما قالت غالبية كبيرة من المؤسسات المشاركة إن مخاوف التأشيرات كانت العائق الأول أمام الطلاب. هذه الأرقام لا تعني انهياراً فورياً، لكنها تضيء على اتجاه قد يصبح مؤلماً إذا استمر؛ لأن «الجدد» هم من يحددون ما سيكون عليه الحضور الدولي بعد سنتين أو ثلاث.

مسافر ينتظر القطار في مدينة نيويورك (أ.ف.ب)

في الوقت نفسه، اتخذت واشنطن خطوات أكثر صرامة تجاه الطلاب الصينيين. في مايو (أيار) 2025، قالت الخارجية الأميركية إنها ستعمل على «إلغاء التأشيرات بشكل هجومي» لفئات من الطلاب الصينيين، خصوصاً من لديهم صلات بالحزب الشيوعي أو يدرسون في «مجالات حرجة»، مع تشديد التدقيق على طلبات مستقبلية. وغطّت تقارير إعلامية هذه السياسة في سياق تحذير من «استغلال» الجامعات وسرقة أبحاث، بينما أشارت أخرى إلى أن الخطوة أثارت قلقاً واسعاً في الجامعات وبين الطلاب، في وقت تعتمد فيه مؤسسات كثيرة على الرسوم التي يدفعها طلاب دوليون.

هنا تتشابك خيوط القصة: تشدد التأشيرات والتنافس مع الصين يقللان من تدفق طلاب وباحثين، ومعارك الإدارة مع الجامعات على خلفية احتجاجات غزة تزيد شعور عدم اليقين داخل الحرم، فتجد دول أخرى فرصة لتقديم نفسها كبدائل «أهدأ» أو «أوضح قواعد». وليس صدفة أن تبرز وجهات أوروبية بعينها كهولندا وبريطانيا والبرتغال في خطاب الانتقال الأميركي، لا سيما أن بعضها يجمع بين جودة حياة وإمكانية قانونية قابلة للتطبيق.

في هولندا مثلاً، نقلت تقارير إعلامية محلية، استناداً إلى بيانات دائرة الهجرة، أن نحو 7 آلاف أميركي تقدموا خلال 2025 بطلبات تتعلق بتصاريح عمل أو دراسة أو لمّ شمل، وهو أعلى مستوى منذ عقد على الأقل، مع ارتفاع لافت في استخدام مسار «معاهدة الصداقة الهولندية - الأميركية» الذي يتيح للأميركي تأسيس نشاط تجاري برأسمال متواضع نسبياً. هذه ليست أرقاماً ضخمة قياساً بحجم الولايات المتحدة، لكنها كافية لإظهار أن «الخطة ب» تتحول إلى سلوك عند شريحة محددة قادرة على الحركة.

وفي المملكة المتحدة، لا يظهر المؤشر في سجلات الهجرة فقط، بل في سوق العقار. شركة «رايت موف» البريطانية قالت إن الاستفسارات من الولايات المتحدة حول منازل معروضة للبيع في بريطانيا ارتفعت 19 في المائة عن العام السابق، وهو أعلى مستوى منذ 2017، مع ملاحظة أن جزءاً كبيراً من الطلب يتركز على وحدات صغيرة، بما يوحي بأن الأمر غالباً استثمار أو منزل ثانٍ أكثر من كونه انتقالاً نهائياً لعائلات كبيرة.

أما البرتغال، فتبقى جذابة كنموذج «جودة حياة» وتكاليف أدنى نسبياً لبعض الفئات. لكنّها تقدم في الوقت نفسه درساً على أن أوروبا ليست بوفيهاً مفتوحاً. ونقلت وكالة «رويترز» في يونيو (حزيران) 2025 أن الحكومة البرتغالية اتجهت إلى تشديد قواعد التجنيس ولمّ الشمل ورفع مدة الإقامة المطلوبة لمعظم الأجانب قبل طلب الجنسية، تحت ضغط سياسي داخلي متصاعد حول الهجرة؛ أي أن من يراهن على استقرار طويل الأمد يجد أن القواعد يمكن أن تتغير بسرعة، وأن «الوجهة» ليست وعداً ثابتاً.

أحد المحاربين القدامى يحمل لافتة كُتب عليها «المهاجرون يجعلوننا عظماء» رداً على إجراءات «أيس» في البلاد (رويترز)

ما الواقعي وما المبالغ؟

بهذا المعنى، لا تعني الوجهات الأوروبية أن أميركا فقدت هيمنتها. العكس: كثير من حركة «الهجرة المعاكسة» لدى الأثرياء والمهنيين تعكس منطق إدارة المخاطر داخل اقتصاد عالمي تقوده الولايات المتحدة. فالأميركي الذي يشتري منزلاً في لندن أو يفتح باب إقامة في أمستردام لا يقطع علاقته بالهيمنة الأميركية، بل يستخدم مزاياها: الدخل، ورأس المال، والعمل عن بعد، لبناء خيار إضافي خارج المجال السياسي الداخلي. إنها مفارقة «الهيمنة»: القوة التي تمنح فرصاً هائلة هي نفسها التي تجعل السياسة داخلها أكثر صخباً وتأثيراً في حياة الفرد، فتدفع بعضه إلى توزيع حياته على أكثر من جغرافيا.

في النهاية، تبدو «الهجرة المعاكسة» أقل اتساعاً مما يوحي به ضجيجها، لكنها أكثر دلالة مما يريد البعض الاعتراف به. ليست موجة نزوح جماعي، بل تيار نوعي يقوم على ثلاث طبقات: رغبة متزايدة في الرحيل لدى فئات محددة، وخطوات عملية لبناء مخارج قانونية ومالية، وتحوّل ديمغرافي أكبر يتمثل في تراجع الداخلين إلى الولايات المتحدة. وبين هذه الطبقات تتشكل صورة بلد يزداد نفوذاً في الخارج، لكنه يخوض في الداخل معارك متزامنة على الهوية والأمان والمعرفة، وهي معارك تكفي وحدها لإنتاج سؤال الرحيل، حتى إن بقي، في معظم الأحيان، «خطة ب» أكثر منه قراراً نهائياً.


دورتموند: بعض الجماهير ستغيب عن مباراة أتلانتا بسبب إجراءات أمنية

دورتموند ذكر أن بعض الجماهير ستغيب عن مباراة أتلانتا بسبب إجراءات أمنية (د.ب.أ)
دورتموند ذكر أن بعض الجماهير ستغيب عن مباراة أتلانتا بسبب إجراءات أمنية (د.ب.أ)
TT

دورتموند: بعض الجماهير ستغيب عن مباراة أتلانتا بسبب إجراءات أمنية

دورتموند ذكر أن بعض الجماهير ستغيب عن مباراة أتلانتا بسبب إجراءات أمنية (د.ب.أ)
دورتموند ذكر أن بعض الجماهير ستغيب عن مباراة أتلانتا بسبب إجراءات أمنية (د.ب.أ)

قال بروسيا دورتموند المنافس في دوري الدرجة الأولى الألماني لكرة القدم إن بعضاً من جماهيره لن يتمكن من حضور مباراة دوري أبطال أوروبا، الأربعاء، على ملعب أتلانتا بعد حرمانهم من دخول إيطاليا، بينما زار رجال الشرطة البعض الآخر في مقر إقامته.

وأضاف النادي في بيان: «لا يعلم بروسيا دورتموند حالياً أي معلومات تفصيلية حول الخلفيات المتعلقة بالإجراءات التي اتخذتها السلطات. يتفهم دورتموند الحاجة إلى تقييمات أمنية قائمة على المخاطر في مباريات كرة القدم، إلا أن النادي متفاجئ للغاية من نطاق وحجم الإجراءات التي اتخذتها الشرطة».

ويدخل الفريق الألماني مباراة الإياب بعد فوزه 2 - صفر على أرضه في ذهاب الملحق الأوروبي المؤهل لدور الستة عشر لدوري أبطال أوروبا.

والفائز من هذه المواجهة سيلتقي مع آرسنال أو بايرن ميونيخ في دور الستة عشر للبطولة القارية.


الاتحاد الأميركي للتنس يُعين رئيس «أستراليا المفتوحة» رئيساً تنفيذياً له

كريغ تيلي برفقة نوفاك (رويترز)
كريغ تيلي برفقة نوفاك (رويترز)
TT

الاتحاد الأميركي للتنس يُعين رئيس «أستراليا المفتوحة» رئيساً تنفيذياً له

كريغ تيلي برفقة نوفاك (رويترز)
كريغ تيلي برفقة نوفاك (رويترز)

عيَّن الاتحاد الأميركي للتنس كريغ تيلي رئيس الاتحاد الأسترالي رئيساً تنفيذياً جديداً له، لينهي بذلك الجنوب أفريقي تيلي فترته الطويلة والناجحة لبطولة أستراليا المفتوحة.

وقال الاتحاد الأميركي إن تيلي سيتولى مهام منصبه رسمياً في الأشهر المقبلة، بينما يعمل مع الاتحاد الأسترالي للتنس على إيجاد خليفة له.

ويحل تيلي (64 عاماً) محل ليو شير، الذي استقال من منصبه العام الماضي للانضمام إلى فريق نيويورك ميتس في دوري البيسبول الأميركي كرئيس للعمليات التجارية للفريق.

وقال تيلي، الذي قاد الاتحاد الأسترالي لمدة 13 عاماً وبطولة أستراليا المفتوحة لمدة 20 عاماً، إنه متحمس للعودة إلى التنس الأميركي بعد أن كان مدرباً جامعياً ناجحاً في جامعة إيلينوي في التسعينات وأوائل القرن الحادي والعشرين.

وقال للصحافيين في ملبورن اليوم الأربعاء: «لا يوجد وقت مناسب حقاً لمغادرة أي مكان، لكن الاتحاد الأسترالي للتنس في أفضل حالاته على الإطلاق.

أعتقد أن هناك فرصة أخرى بينما نعمل معاً على التنس العالمي وفي الولايات المتحدة نعمل على مساعدتهم في تطوير اللعبة، وتحديداً جذب المزيد من الناس للتنس».

وقال الاتحاد الأميركي للتنس إن تيلي سيساعد الاتحاد على تحقيق هدفه المتمثل في زيادة المشاركة إلى 35 مليون لاعب بحلول عام 2035.

واشتهر تيلي بدعمه للابتكار ومبادرات «اللاعب أولاً»، وحول بطولة أستراليا المفتوحة إلى واحدة من أكثر البطولات الرياضية نجاحاً في العالم، محطماً باستمرار أرقام الحضور الجماهيري والإيرادات القياسية.

وتحت قيادته، خضع ملبورن بارك لتجديدات كبيرة، حيث تمت إضافة سقف إلى الملعب الثاني مارغريت كورت أرينا وزيادة سعته.

وكانت بطولة أستراليا المفتوحة أول بطولة بين البطولات الأربع الكبرى التي أدخلت نظام تحديد الخطوط الإلكتروني في 2021، وأصبحت تستمر في السنوات القليلة الماضية إلى ثلاثة أسابيع، مع إقامة مباريات ترفيهية واستعراضية تجذب الجماهير إلى أسبوع التصفيات المؤهلة للقرعة الرئيسية.

كما وسع تيلي من المكانة العالمية للبطولة من خلال دمج الإنتاج الإعلامي داخل البطولة.

وقال: «أعتقد أن (تحويل البطولة إلى مهرجان) كان أكثر التغييرات تأثيراً».